قال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: مِن الذي جَعَلْتُموه لي ندًّا، فقد سَبَق ذكرُه.
وقال ابن كَيسان: أي: من مثلِ محمدٍ من (١) البشر؛ لأنه بشرٌ مثلكم، وقد سبق ذكره في قوله: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: ائتوا أنتم بمثل ما أتى به (٢) هو، إذ أنتم وهو سواءٌ في الجوهر والخلقة واللسان، وليس هو أولى بالاختلاقِ منكم (٣).
وقيل: أي: من مثل محمدٍ من (٤) رجلٍ أميٍّ لا يقرأ ولا يكتب، وهذا أبلغ في قطع الأوهام، فإن (٥) النبيَّ ﷺ مع أنه لا يكتبُ ولا يقرأ، ولا ينظر في الكتب، ولم يسمع القَصَص من الناس، أَخبر بنزول هذا الكتاب، فلا شبهةَ في أنه لم يختلِقْه من تلقاء نفسه، ولم يأتِ به إلا بوحيٍّ من ربِّه.
وقال مجاهدٌ وقتادةُ: أي: مِن مثلِ هذا القرآن (٦). وقد سَبَق ذكرُه في قوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا﴾.
ثم القرآنُ وإن كان لا مثلَ له لأنه صفةُ اللَّه تعالى وكلامُ اللَّه ووحيُ اللَّه (٧)، ولا مثلَ لصفاته كما لا مثلَ لذاته، لكن معناه: مِن مِثْلِه على زَعْمكم، فقد كانوا
стр. 562
يقولون: لو نشاء (١) لقلنا مثل هذا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت: ٤٧]؛ أي: على زعمكم، وقال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧]؛ أي: على زعمك.
ثم التحدِّي إلى مثلِ القرآنِ كان في وجوهه، وهي سبعةٌ:
أحدها: الإيجاز والبلاغة، حتى يشتمِلُ يسيرُ كلماته على كثيرٍ من المعاني، قال ﷺ : "أُوتيتُ جوامعَ الكَلم" (٢)، وذلك مثلُ قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقولهِ: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١]، وقولهِ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١].
والثاني: البيان والفصاحة التي عَجَز عنها الفصحاء، وقَصَر (٣) عنها البلغاء، حكى أبو عُبيدةَ أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فسجد، وقال: سجدتُ لفصاحة هذا الكلام (٤)!
والثالث: النَّظْم الذي نقَض العادة حتى صار خارجًا من جنس كلامهم في النظم والنثر والرَّجَز والشعر والخُطب والسَّجْع والرسائل، فلا يمتزج بها ولا يدخل في شيءٍ منها، مع استعمال حروفه وكلماته.
والرابع: أن قارئه لا يَكلُّ وسامعَه لا يملّ، وإكثارُ تلاوته تَزيدُ في حلاوته، وغيرُه من الكلام وإن كان مستحسَنَ النَّظْم مستعذَبَ النَّثْر، يُمَلُّ إذا أُعيد، ويُستثقَلُ إذا ردِّد.
стр. 563
والخامس: ما فيه من الإخبار بما كان من قِصص الأنبياء ﵈ مع أُممها، والقرونِ الخالية في أزمِنَتها، وهو أمِّيٌّ من أمَّةِ أمِّيين ليس لها (١) عِلمٌ بما عرَفه أهل الكتاب مما في الكتب السالفة.
والسادس: ما فيه من علم الغيب والإخبارِ بما يكون، فكان كما أخبر، كقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥]، وقولهِ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، وقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾.
والسابع: كونه جامعًا للعلوم كلِّها، ومشتمِلًا على ما في الكتب المنزلة كلِّها، ومنتظِمًا لجوابات الحوادثِ كلِّها، وآتيًا على المصالح كلِّها، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] يأتي على جميع علوم الطب، وكذا فيه كلُّ علمٍ من الأدب من اللغة والنحو والبلاغة، ومن الكلام والفقه والتذكير وفنون الفوائد.
فكلُّ أهل العلم يصنِّفون تصانيف كبيرة (٢) كثيرةً بفوائدِ القرآن، فحُججُ المتكلِّمين منتزَعةٌ من القرآن، ومسائلُ الفقهاء مستخرَجةٌ من القرآن، ولغاتُ الأدباء مصحَّحةٌ بالقرآن، وفوائدُ النَّحْويين مستوضَحةٌ بالقرآن (٣)، وعظاتُ المذكِّرين مأخوذةٌ من القرآن، وإشارات الحكماء مستفادةٌ من القرآن، ولطائفُ أهل المعرفة مستنبَطةٌ من القرآن، وكذا وكذا.
стр. 564
وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾: يقال: دعا إلى الشيء دُعاءً، ودَعوةً بفتح الدال، فالأول (١) مطلَقُ المصدر، والثاني: المرةُ منه، والدُّعوة بالضم: المأدُبة، والدِّعوة بالكسر: ادعاءُ الولد، وتداعَتِ الحيطان: تهادمت، من هذا مجازًا.
والدعاءُ في القرآن لمعانٍ، واختُلف في المذكور هاهنا؛ فقيل: ﴿ادْعُوا﴾؛ أي: أَحْضِروا، وقيل: أي: استَعينوا (٢)، وقال الشاعر في الاستعانة (٣):
وقبلَكَ رُبَّ خَصْمٍ قد تمالَوا... عَلَيَّ فما جَزِعْتُ ولا دعوتُ (٤)
ونظيرُه في القرآن قولُه تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ [القصص: ٦٤]، وقولُه تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [فاطر: ١٨].
وهذا أمرُ إعجازٍ كقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ وبيَّن أن الاستعانة هاهنا بالخلق الكثير لا تُغنيهم شيئًا، وما يُغني (٥) رجوعُ المحتاج إلى المحتاج، واعتمادُ الفقير على الفقير، والْتِجاءُ العاجز بالعاجز؟ فلا ترفَعْ حوائجك إلا إلى مَن لا يَشُقُّ عليه قضاؤها، ولا تَسأل إلا مَن لا تَفْنى خزائنُه، ولا تعتمِدْ إلا على مَن لا يعجز عن شيءٍ.
يَنصرُك من غيرِ مُعينٍ، ويحفظُك من غيرِ صاحبٍ، ويُغنيك من غيرِ مالٍ، فيَقِلُّ عَددُ (٦) الأعداءِ الكثيرُ إذا حمَاك، ويَكْثُر عددُ المالِ القليلِ إذا كَفَاك.
стр. 565
وقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ الشهادة: الإخبارُ بما شُوهد (١) شهودَ عِيَانٍ أو شهودَ إيقانٍ. والشهود: الحضور، والمشاهَدة: المعايَنة، والمشهد: محضرُ الناس، وعالمُ الغيب والشهادة؛ أي: السرِّ والعَلَانيَة.
وأمَّا تفسيرُه هاهنا:
فالشهداء: جمعُ شهيدٍ؛ كالفقهاء: جمعُ فقيهٍ، ومعناه عند ابن عباسٍ ﵄: أعوانَكم (٢)؛ لأن الشاهد كالعون للمدَّعِي في استخراجِ حقِّه.
وقال مجاهدٌ: أي: ناسًا يشهدون لكم أنه مِثْلُ القرآن (٣).
وقيل: أي: فصحاؤكم وشعراؤكم وبُلغاؤكم، وهم كُبَراءُ المشاهِدِ والخطباءُ في المحافل.
وقال الفرَّاء: يعني: آلهتَكم (٤)؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم (٥) وتشفَعُ لهم، وهو الأشبهُ؛ لأن قوله: ﴿وَادْعُوا﴾ خطابٌ للكلِّ، فيتناول كلَّ الفصحاء وكلَّ الأعوان والشهداء، فكان الكلُّ مأمورين بأنْ يكونوا داعين، فلا يكونون مدعوِّين، فالأصحُّ إرادةُ: ما تعبدون، يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا صلةُ قوله: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾؛ أي: الذين اتَّخذْتُموهم شهداءَ من دون اللَّه، وهذا صفةُ الأصنام؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الشورى: ٩]، وقولهِ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 566
شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣]، ثم قال في هذا: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤]، وقال في الأولياء الذين اتَّخذوهم (١): ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: غيرِ اللَّه، وكلمة (دون) لها معانٍ، ومعناها هاهنا: غير.
و (دون) في الأصل اسمٌ، ولهذا دخلها الخافضُ وهو (من) وخفَضَها، ولكنها تستعمل استعمال الحروف، لأنها تفيدُ المعنى في غيرها كالحروف، فأُجريت مجراها لذلك؛ أي: مفردةً عن اللام التي هي للتعريف، والتنوينِ الذي هو للتنكير، وهما من خصائص الأسماء.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فالصدقُ: هو الإخبارُ عن المخبَرِ به على ما هو به، وهو نقيضُ الكذب، فإنه الإخبارُ عن المخبَر به على خلافِ ما هو به، والصَّدْق بالفتح: الرُّمح الصُّلب، والحسامُ المستوي، والصَّديق: الخليل، والصداقة: الخُلَّة، وفلانٌ رجلُ صدقٍ -بالإضافة-؛ أي: نِعْمَ الرجلُ هو، وثوبُ صدقٍ، وقَدَمُ صدقٍ، ومَقعدُ صدقٍ، كلُّه بالإضافة على هذا الوجه، والصِّدِّيق بالتشديد: المبالِغُ في الصدق.
فمعنى (٢) قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: في مقالتِكم: إن محمدًا تقوَّله مِن تِلقاء نفسه.
وقيل: أي: إن كانت لدعواكم (٣) صحةٌ.
стр. 567
وقيل: هو خطابٌ لليهود؛ أي: إنْ كنتم في شكٍّ مما نزَّلنا من القرآن على محمدٍ أنه ليس من اللَّه تعالى، فأتوا بسورةٍ من مِثل القرآن من التوراة، وقابِلوها بالقرآن لتجدوها موافِقةً لِمَا في التوراة، لتعلَموا أن هذا لم يختلقْه محمدٌ ﷺ من عندِ نفسه، وأنه (١) من عند اللَّه، واستعينوا بأحباركم ورهبانكم إن كنتُم صادقين أنكم تشكُّون فيه، وهذا تفسيرُ تمام هذه الآية.
* * *
(٢٤) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ خطابٌ لهؤلاء أيضًا، والفاء للتعقيب، و (إنْ) للشرط، و (لمْ) كلمةُ نفيٍ تدخل على (٢) المستقبل فتجعلُه بمعنى الماضي، ثم دخول (إنْ) وهو للشرط يجعله بمعنى المستقبل.
والإشارة فيه: أن المؤمن عزيزٌ بإيمانه وطاعته، ثم ذلَّ بعصيانه وجفوته، ثم يعودُ عزيزًا بتوبته وندامته.
و ﴿تَفْعَلُوا﴾ فعلُ جمعٍ، وسقطت النونُ من آخره بـ ﴿لَمْ﴾ لأنه جازمٌ، والنونُ كانت علامةً للرفع (٣)، والفعل في اللغة: العمل، وجاءت من فلانٍ فَعْلةٌ حسَنةٌ أو سيئة، وفلانٌ حَسَنُ الفَعَال، بالفتح، وسيِّئُ الفِعال، بالكسر، عليه أكثرُ أهل اللغة.
стр. 568
وقال ابن الأعرابي: الفَعال بالفتح: مصدرٌ في الخير والشر، وبالكسر: اسمٌ في الخير والشر.
وفي "مجمل اللغة" يقول: الفِعال بالكسر: جمعُ فِعل، وبالفتح: الكرَم (١).
و: ما فَعَل فلانٌ؟ أي: أين ذهَبَ؟
والفعلُ عند أهل الكلام: هو صرفُ الممكِن من الإمكان إلى الوجوب، ويقعُ على المباشَرة والتركِ جميعًا لشموله إياهما، وهو مستمرٌّ في الشاهد والغائب.
وتفسيره هاهنا:
فإن لم تأتوا بسورةٍ من مثله، ولم تستعينوا بالشهداء. والكلمة صالحةٌ لكلِّ فعلٍ، وهو أوجزُ من التصريح بما سبق، فكان أبلغَ وأفصحَ.
ونذكر آياتٍ في استعمال هذه الكلمة لأعمالٍ مختلفةٍ إيضاحًا لِمَا قلنا:
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] هذا يتناولُ كلَّ عملٍ وقولٍ وقصدٍ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]؛ أي: مؤدُّون.
وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: ٦٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ﴾ الآية [النساء: ٦٦].
وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ١٧٣] إلى أن قال: ﴿بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣].
стр. 569
وقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١].
وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩].
وقال تعالى: ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨].
وقال تعالى: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨].
وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].
وقال تعالى: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ [يوسف: ٦١].
وقال تعالى: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣١].
وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١١٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ هذا اعتراضُ الكلام قبلَ التَّمَام، وهو من محاسن الكلام وبدائعه، ومعدودٌ في الصناعة وأنواعِ البلاغة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ ثم قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ هذا اعتراضُ الكلام قبل التمام، وقوله: ﴿قَالُوا﴾ جوابُ ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا﴾ (١)، وهاهنا أيضًا ﴿فَاتَّقُوا﴾ جوابُ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾.
стр. 570
ومعنى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾؛ أي: لستُم بفاعلين ذلك أبدًا، فـ (لن) نفيُ تأبيدٍ.
وقيل: معناه: لن تقدروا أن تفعلوا، وهو كقوله تعالى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] وقولهِ: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣]، هذا كلُّه نفيُ (١) القدرة.
وهذه الآيةُ دليلُ صدقِ النبيِّ ﷺ ؛ فإنه أَخبر فكان كما أَخبر، وذاك غيبٌ عنا، فلا يكونُ إلا عن إخبارٍ مِن عالم الغيب له بذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: أي: ولمَّا عجزتُم عن معارَضة القرآن بمثلِه لزمتْكم الحجةُ أن محمدًا رسولي والقرآنَ كتابي، ولزمَكم تصديقُه والإيمانُ به، ولمَّا لم تؤمنوا صرتُم من أهل النار فاتَّقوها.
والكلامُ في تفسير التَّقوى ووجوهه قد مرَّ في تفسير قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
والنارُ هي نارُ جهنم (٢)، وهي مؤنَّثةٌ سماعًا، ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿الَّتِي وَقُودُهَا﴾ فأنَّث الصفة والكناية.
وقوله (٣): ﴿وَقُودُهَا﴾؛ أي: حطبُها، فالوَقود بفتح الواو: ما يُوقد به النارُ وهو الحطب، والوُقود بضمها: التهابُها، فهو مصدرٌ والأول اسمٌ.
وقوله: ﴿النَّاسُ﴾ هم الكفَّار هاهنا.
وقوله تعالى: ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ هي جمع حجرٍ، والحجر: الصخر، وهو
стр. 571
كالجَمَل والجِمَالة، وهذا (١) جمعٌ على غير قياسٍ، والقياسُ فيه: الأحجار، كالشجر والأشجار، والسَّحَر والأسحار، والسَّفَر والأسفار.
وأما التفسير:
فقد قيل: هي جبالُ الدنيا علِقَت بهم، حتى إذا ألقَتْهم النار عُلْوًا حطَّتْهم الحجارة سُفْلًا.
وقال ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ وابنُ جريجٍ ﵃: هي حجارةُ الكبريت (٢)، وإنما خصَّت بالذكر لأن فيها خمسةَ أشياءَ: هي أسرعُ وقودًا، وأبطأُ خمودًا، وأنتنُ رائحةً، وأشدُّ حرًّا، وألصقُ بالبدَن.
وقيل: هي الأصنامُ التي عبدوها، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وإنما جُعل التعذيب بها ليتحقَّقوا أنهم عذِّبوا بعبادتها، وليَرَوا ذلَّها ومهانتَها بعد اعتقادهم عزَّها وعظمتَها.
وقيل: الأحجارُ تُحرقها النار كما تُحرق الناسَ، ذكر ذلك تهويلًا وتهييبًا.
وقيل: أي: وقودُها الناسُ إذا صاروا إليها، والحجارةُ قبل أن يَصيروا إليها.
ثم إدخالُ الأصنام في النار ليس لتعذيبِها، فلا ذنبَ لها، بل لتعذيب (٣) الكفَّار بها، وما يكونُ به العذاب لا يكونُ له العذاب، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية [التوبة: ٣٥]؛ أُدخلت الأموال جهنم ليعذَّب بها مانعُ الزكاة لا هي،
стр. 572
وهذا كما في حقِّ الثواب، فإن رضوان والخزَنةَ والحورَ العِين في الجنة بهم الثوابُ، وليس لهم الثواب.
والحكمةُ في تعذيب الكافرين (١) بها: أن الكافر عَبَدَ الصنَم واعتقَده واعتمَده ورجاهُ، فعذِّب به إظهارًا لجهله وقَطْعًا لأمله، كأَتْباعِ الكُبراءِ (٢) خدَموهم ورجَوْهم، وفي النار يُسحَبون (٣) معهم، ليكونَ أشقَّ عليهم وأقطعَ لرجائهم، وقد يقع كذلك في الدنيا لذلك.
وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: هُيِّئت وخُلقت، والإعداد: التَّهيئة، والاستعداد: التهيُّؤ، والعُدَّة: ما أُعِدَّ للشيء، والإعْتادُ مثلُ الإعداد، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ (٤) [الإنسان: ٤].
والآيةُ ردٌّ على المعتزلة، فإنهم قالوا: النار والجنةُ لم يُخلقا بعدُ، وإنما يُخلَقان يوم القيامة عند حضور أهلهما، وقولُهم باطلٌ مردودٌ بهذه الآية، ولقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ونحوِهما من الآيات.
وقولُه تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ خَتْمٌ بما وقَع به البدءُ؛ أي: اتَّقوا الكفرَ الموجِبَ للنار، فإنها أُعدَّتْ للكفار (٥).
стр. 573
ثم لم يَقُل: (أُعدَّتْ لكم) خطابًا كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا﴾ خطابًا؛ لأنه عَلِم (١) أن منهم مَن يُؤمِن، فقصَرَ الوعيدَ بالنار على طبقةِ الكفار.
قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: هذا ينقضُ على المعتزلة قولَهم؛ حيث خلَّدوا صاحبَ الكبيرةِ في النار، ولم يُطلقوا عليهم اسمَ الكفَّار، ففي زعمِهم أنها أعدَّت لغير الكفَّار أيضًا (٢).
ثم عندنا يجوز أن يعذَّب المؤمنُ العاصي فيها مدةً، فقد أَوْعَد اللَّه بالتعذيب بها في القرآن على أشياءَ، وثبت بالأحاديث المشهورةِ خروجُ المؤمنين منها بعدَ مدةٍ.
ثم الجمعُ بين هذه الآيةِ وبين غيرها في هذين الأمرين عند بعضهم: أن هذه النار واحدةٌ لكلِّ من فيها، لكنْ يتفاضلُ عقابهم فيها.
وقيل: هذه النار التي وقودُها الناس والحجارة هي للكفار خاصةً، ولغيرهم نارٌ غيرُها.
ولمَّا خوَّف بالنار الكافرين بشَّر بالجنة المؤمنين تحقيقًا لوصفِ (٣) كتابِه بالمثاني، ومَن تأمَّلَ في نَظْمه وجَد على الانتظام تثنيةَ المعاني، وقد شرحنا ذلك في الفاتحة.
وكذا نظمُ سورةِ البقرة، فإنه ذَكر الكتاب، وبيَّن أن الناس في حقِّه صنفان: مؤمنون وكافرون، وبينهما طبقةٌ لهم وصفان: إظهارُ الإيمان وإضمارُ (٤) الكفر، ولهم مَثَلان:
стр. 574
مَثَل مستوقِد النار، ومَثَلُ الواقع في الظلمات والأمطار، ثم خاطبَهم كلهم فأمرهم بشيئين: الاعتقادِ والإقرار، في حقِّ شيئين: ربوبيَّةِ اللَّه ونبوَّةِ رسوله، فصاروا فريقين: جاحدِين فخوَّفهم بالنار، ومُقِرِّين (١) فبشَّرهم بالجنات (٢) والأنهار:
* * *
(٢٥) - ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وذلك قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والبشارةُ بفتح الباء وضمِّها وكسرها: الخبرُ الصِّدق السَّارُّ الذي ليس عند المخبَرِ علمُه، سمِّيت بها لأنها تؤثِّر في البشَرة بالبِشْر، ويسمَّى بها الخبرُ المحزِن أيضًا لأنها تؤثِّر في البشرة أيضًا، لكن المتعارَف في الأول الإطلاقُ وفي الثاني التقييدُ.
والبشرة: ظاهرُ جلدِ الإنسان، قال اللَّه تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]، والبشَر: الناس؛ قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦]، وهذا جمعٌ، والبشَر: الواحد منهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، والبشير: المبشِّر، والبشير: الحسَنُ الوجه، والبِشْر: الطَّلَاقة، والاستبشار: الفرح، وتباشير الصبح: أوائلُه، وبشَّرْتُه بالتشديد وبَشَرتُه -من حدِّ دَخَل- فأَبشر؛ أي: قَبِل البشارة.
وقوله: ﴿بَشَرٌ﴾ أمرٌ للنبيِّ ﷺ أن يُخبر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأنَّ لهم الجنة.
стр. 575
والكلامُ في الصلاح من حيث اللغةُ مرَّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١].
وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ دليلٌ على أن الطاعات غيرُ الإيمان؛ لأنه عطَفها على الإيمان، والعطفُ دليلُ على المغايرة، وهو ردٌّ على الشافعي ﵀ في جعلِه العملَ من الإيمان.
ثم العملُ في اللُّغة هو الفعلُ، والعَمالة: أجر العمل للعامل، والإعمالُ: الحملُ على العمل، واستعمالُ الشيء: العملُ به، والمعامَلةُ بين اثنين والتعامُل (١): التعارف، واليَعْمَلة: الناقةُ القويةُ على العمل.
و (الصالحات) نعتٌ لجمعِ اسمٍ مؤنَّثٍ محذوفٍ، وهي الخصلةُ أو الفعلةُ.
واختلف في تفسيرها:
قال عثمانُ بن عفَّانَ ﵁: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: أَخلَصوا الأعمالَ، يَدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]؛ [أي: خالصًا] لأنَّ غيرَ الخالص لا يكون صالحًا (٢)، والمنافقُ لا يكون عملُه صالحًا؛ لأنه لا يكون خالصًا.
وقال علي بنُ أبي طالب ﵁: أي: أقاموا الصلواتِ المفروضاتِ، دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] وهو كالتفسير لقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
وقال ابنُ عباس ﵄: أي: عملوا الصالحات فيما بينهم وبين ربهم.
стр. 576
وقال معاذ بن جبل ﵁: العمل الصالح الذي يكون فيه أربعةُ أشياء: العلمُ والنيَّة والصبر والإخلاص.
وقال سهل بن عبد اللَّه: أي: لَزِموا السنَّة؛ لأن عمل المبتدِع لا يكون صالحًا البتَّة.
وقال بعضهم أي: أدَّوا الأمانات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]؛ أي: أمينًا.
وقيل: أي: تابوا عن السيئات، قال تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]؛ أي: تائبين (١).
وقيل: أي: أدَّوا الفرائضَ واجتنَبوا المحارِم.
وعن ابن عباس ﵄ في روايةٍ: هي الشرائعُ، وهي: الصلاةُ، والزكاةُ، والحجُّ، والصومُ، والاغتسالُ من الجنابة.
وقيل: هي نوعان: أعمالٌ بينك وبينَ العباد؛ كأداءِ الأمانات، والوفاءِ بالعهود، وقضاءِ الحقوق، وصلةِ الأرحام، وأعمالٌ بينك وبينَ اللَّه ، وهي نوعان: ظاهرةٌ وباطنةٌ، فالظاهرةُ: أداءُ الشرائع، والباطنةُ: صفات القلب؛ كالتوكُّل (٢)، والرضا بالقضاء، والصبر في البلاء، والشكر في الرخاء.
ثم هذا تعليقُ البشارةِ المطلَقة بالإيمان والعملِ الصالح، فإن المؤمن المطيعَ له الجنةُ بوعدِ اللَّه تعالى من غيرِ تعذيبٍ، والكافرَ له التعذيبُ المؤبَّد، والمؤمنَ العاصيَ
стр. 577
في مشيئةِ اللَّه عزَّ وعلا: إنْ شاء غَفر له وأدخله الجنة قبل التعذيب، وإن شاء عذَّبه بذنبه (١) كلَّ عقوبته أو بعضها ثم أدخله الجنة.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾: هي جمع جنة، وهي البستان، والجُنَّة بالضم: التُّرس، وكذا المِجَنُّ، وأصله من: جَنَّ عليه الليل جَنانًا؛ أي: ستره، والجنونُ يستر العقل، والجِنَّة بالكسر كذلك، والجِنُّ والجِنَّة مستورون (٢) عن أعين الناس، والجُنَّة والمِجَنُّ يسترُ اللابس (٣)، والجنَنُ: القبر، وهو يستر الميتَ، والجَنَان: القلب، وهو مستورٌ، والجنينُ: الولد في البطن، وهو مستور.
وأما تفسيرُه (٤):
فقد قال المفضَّل: الجَنَّة كلُّ بستان فيه نخلٌ، وقيل: فيه شجرٌ، فإن كان فيه كَرْم فهو فردوسٌ.
وقيل: الجَنَّة اسمٌ لبستانٍ جامعٍ فيه النخلُ والعنبُ وكلُّ ثمر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [يس: ٣٥]، سُميت بذلك لأنها تَسترُ وتُظِلُّ مَن يكون فيها بما فيها من الشجر، أو لأنها تستر الأرض بظلِّ أشجارها.
стр. 578
ثم الجنَّات جمعٌ، وهي ثمانيةٌ (١)، قال ابن عباس ﵄: هي (٢) دارُ الجلال، ودارُ القرار، ودارُ السلام، وجنةُ عَدْنٍ، وهي قصبةُ الجنَّة، وهي مشرفةٌ على الجنان كلِّها، وبابُ جنةِ عدنٍ مصراعان من زُمرُّدٍ وياقوتٍ، بين المصراعين كما بين المشرقِ والمغرب، وجنةُ المأوى، وجنةُ الخلد من فضةٍ كلُّها (٣)، وجنةُ الفردوس، وجنةُ النعيم.
قال (٤): ودارُ الجلال كلُّها من النُّور: مدائنُها وقصورُها وبيوتُها وشُرَفُها وأبوابها ودُرُجها وغرفُها وأعاليها وأسافلُها وخيامُها وأوانيها وحُليُّها وكلُّ ما فيها (٥)، ودارُ السلام كلُّها من الياقوتِ الأحمر، ودارُ القرار كلُّها من المرجان، وجنةُ عدن من الزَّبَرْجَد كلُّها، وجنةُ المأوى من الذهب الأحمر كلُّها، وجنةُ الخلدِ من الفضة كلُّها، وجنةُ النعيم من الزُّمرُّد كلُّها، وجنةُ الفردوس من اللُّؤلؤ كلُّها، وحيطانُها لَبِنةُ ذهبٍ ولَبِنةُ فضةٍ ولبنةُ ياقوتٍ ولبنةُ زَبَرْجَدٍ، ومِلاطُها (٦) المسك، وقصورُها الياقوت، وغرفُها اللؤلؤ، ومصاريعُها الذهبُ، وأرضُها الفضة، وحَصْباؤها المرجانُ، وتُرابها المسكُ، ونباتها الزَّعفرانُ والعَنبر.
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يقال: جَرَى الماءُ يَجْرِي جَرْيًا وجِرْيةً
стр. 579
وجَرَيانًا؛ أي: سال، وماءٌ جارٍ، ومياهٌ جاريةٌ، وعينٌ جاريةٌ؛ أي: يجري ماؤها، والجارية: السفينة؛ لأن الماء يجري بها، وصدقةٌ جاريةٌ؛ أي: وَقْفٌ دائمُ النَّفعِ، والأرزاقُ الجارية: الدارَّة، وقد أَجْرَى على جنده وأصحابه الأجريات، والجرِيُّ: الوكيل؛ لأنه يجري مَجرى الموكِّل، وجمعُه: الأجرياءُ بفتح الهمزة، والإجْرِيَّا بكسر الهمزة: العادةُ التي يجري عليها الإنسان.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ وفي بعضِ الآيات: ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا﴾ [التوبة: ١٠٠] بالحذف (١)؛ لِمَا أنه ظرف، والفتحة تدلُّ عليه، وإثباتُ ﴿مِنْ﴾ للصلة أو لبيانِ أن ابتداء الجريان منه، فإنه لابتداءِ الغاية.
و (تَحْت) بمعنى: سِفْلٍ، وهو اسمٌ ولهذا خُفض بـ (مِن)، ولكنْ يُستعمل استعمالَ الحروف لأنه يفيد المعنى في غيره غالبًا فأَشْبَهَ الحرفَ (٢)، فلم يَظهر فيه علامة التعريف والتنكير.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: من أسافِلِ أرضها.
وقيل: من تحت أشجارها.
وقيل: من تحت غُرفها.
وقيل: إنها تجري في غير أُخدود.
وفي الآية التي قال: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: ٤٣ ويونس: ٩ والكهف: ٣١] فمعناه: بأمرهم؛ أي: ذاك تحتَ ولائهم وأمرِهم، وهو كقول فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]؛ أي: بأمري، ومعنى جَرْيِها بأمرهم ما قال
стр. 580
عزَّ وعلا في آيةٍ أخرى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]؛ أي: حيث شاؤوا عُلْوًا وسُفْلًا.
وقال الإمام أبو منصور: الجنةُ ليست باسمٍ للأرض والبقعةِ خاصةً، بل هي اسمٌ لكل ما يجمع الأشجار والغرائس (١)، فقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وغرائسها (٢) ﴿الْأَنْهَارُ﴾.
قال: وقيل: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: حيث يقعُ أبصارهم عليها وهم في العُلو، وذلك أَنْزهُ عند الناس وأحلى وأطيب.
قال: وقيل أيضًا: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت ما علا منها من القصور والغرف، لا تحت الأرض، كقوله ﵇: "تحت كلِّ شعرةٍ جنابةٌ" (٣)؛ أي: تحت ما علا لا تحت الجلد (٤).
وقوله: ﴿الْأَنْهَارُ﴾ هي جمع نهر، وهو مَسيل الماء، وقد أَنْهرَ الدَّمَ؛ أي: أسالَهُ، ونَهَرٌ نَهِرٌ؛ أي: كثيرُ الماء. وقيل: سمِّي به لسعته وضيائه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي
стр. 581
جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤]؛ أي: ضياءٍ وسعةٍ، وسمِّي النهارُ به لسَعَته وضيائه، وقيل: سُمِّي نهارًا لجَرَيان الشمس فيه كجَرَيان الماء في نهره.
وأمَّا تفسيرها:
فقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "في الجنةِ بحرُ اللَّبَنِ وبحرُ الماءِ وبحرُ العسلِ وبحرُ الخمرِ، ثم تَشَقَّق الأنهارُ منها بعدُ" (١).
قالوا: وهي الأنهار المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد: ١٥].
وقيل: النهرُ واحدٌ، ويجري فيه الخمرُ والماءُ واللبنُ والعسلُ لا يخالِط بعضُها بعضًا كما لا يخالط الماءُ العذبُ الأجاجَ المِلْحَ (٢) في الدنيا، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١].
وقال بعضهم: الجاري واحد، ويَختلف باختلافِ المُنْيَة (٣)، إنْ تمنَّى أن يكون لبنًا كان لبنًا، وكذا سائرُها.
وقال بعضهم: الجاري واحدٌ وطبائعُه أربعٌ: طبعُ الماء في إنبات الحياة، وطبعُ اللبن في التربية، وطبعُ العسل في الحلاوة، وطبعُ الخمر في الإطراب، وإنما ذكر الأنهارَ جمعًا على قولِ هؤلاء لكثرة معانيها مع اتِّحاد عينِها، فإذا دخلوا الجنة وقد
стр. 582
ذاقوا الموتَ وذاقوا (١) النارَ وخافوا وضعُفوا، فأهلُ الجنة (٢) سقَوهم الماءَ ليحيَوا ثم إنهم لا يموتون، وسقَوهم اللَّبن ليتربَّوا ثم إنهم لا يَنقصون، وسقَوهم الخمرَ ليَطرَبوا ثم إنهم لا يحزنون، وسقوهم العسل ليَصِحُّوا ثم إنهم لا يَسقمون.
ثم (٣) في الجنة عيونٌ أيضًا: عينُ الكافور، وعينُ الزَّنجبيل، وعينُ السَّلسَبيل، وعينُ الرَّحيق ومزاجُه من تسنيمٍ، وهذه الأنهارُ تنبع من عيونٍ في ساقِ العرش.
ورُوي أنه كُتب على ساق العرش عرضًا: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فعينُ الماء تنبعُ من ميم بسم، وعين اللَّبن تنبع من هاءِ اللَّه، وعين الخمر تنبع من ميم الرحمن، وعين العسل تنبع من ميم الرحيم.
هذا منبعُها، وأمَّا مَصبُّها: فكلُّها تنصبُّ في الكوثر، وهو حوضُ النبيِّ ﷺ ، وهو في الجنة اليومَ، وُينقل يوم القيامة إلى العَرَصات لسقي (٤) المؤمنين، ثم ينقل إلى الجنة، ويُسقى أهلُ الجنة من هذه الأنهار والعيون بواسطة الملائكة، ويسقيهم اللَّه تعالى الشرابَ الطهور بلا واسطةٍ، قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١].
وقد قال بعضُ أهل المعرفة: إن للَّهِ تعالى شرابًا ادَّخَره لأهل المعرفة، فإذا شرِبوا طَرِبوا، وإذا طرِبوا قاموا، وإذا قاموا هاموا، وإذا هاموا طاشوا، وإذا طاشوا (٥) عاشوا، وإذا عاشوا طارُوا، وإذِا طارُوا طَلبوا، وإذا طَلبوا وجَدوا، وإذا وجَدوا نزلوا،
стр. 583
وإذا نزلوا قرُبوا، وإذا قرُبوا كوشفوا، وإذا كوشفوا شاهَدوا، وإذا شاهَدوا عايَنوا، وإذا عايَنوا أَنِسوا، وإذا أَنِسوا أَبْصَروا.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾: (كلما) كلمةٌ تقتضي عمومَ الأفعال، وكلمةُ (كلّ) تقتضي عموم الذَّوَات، وحقيقتُها: أن كلمة (كلّ) لعمومِ ما دخل فيه، و (ما) مع الفعل المذكورِ بعده بمنزلةِ المصدر، فيقتضي عمومَ ذلك الفعلِ لدخولها فيه، فاقتضَى التكرارَ بهذا الطريق.
وقوله ﴿رُزِقُوا﴾؛ أي: أُعطوا، وقد بينَّا حقيقةَ هذا في (١) قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [الأنفال: ٣].
وقوله: ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الجنات، و (مِن) في ﴿مِنْهَا﴾ (٢) لبيان المكان؛ أي: من هذا المكان يرزقون.
وقوله: ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ (مِن) في هذا للتجنيس.
وقيل: هي زائدةٌ؛ أي: كلما رزقوا ثمرةً، كما قيل في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١]: (مِن) هذه زائدةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
وقيل: هي للتأكيد، كما في قولهم: ما في الدار من رجلٍ.
وقوله تعالى: ﴿رِزْقًا﴾ هو خبرُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وهو مفعولٌ ثانٍ في الحقيقة، أَخبر أنَّ لهم رزقًا في الجنة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١]، ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ
стр. 584
نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠].
وأَخبر أن لهم ثمراتٍ، ومن صفتِها: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠] ﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨ - ٢٩] ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] والقِطْف: عنقود العنب.
وسأل أعرابيٌّ رسولَ اللَّه ﷺ عن أعنابِ الجنة وعنقودِها فقال: "مسيرةُ شهرٍ للغراب يطيرُ ولا يَفتُرُ عن طيرانه (١)، ولو اجتَمع الخلائقُ على عنقودٍ واحدٍ (٢) لأَشْبَعهم" (٣).
وقد رُوي أنه لا يُقطَع من شجرِ الجنة ثمرٌ إلا نَبتَ مكانه مثلُه.
ورُوي أنه يخرج من حَبَّةِ عنبِ الجنة مثلُ الدُّرَّة، فتَنفلقُ (٤) عن حوراءَ عيناءَ يغلبُ نُورها الشمسَ.
وفي الخبر: أن المؤمن إذا دخل الجنة رأى سبعين ألفَ حديقةٍ، في كلِّ حديقةٍ سبعون ألفَ شجرةٍ، على كلِّ شجرةٍ سبعون ألفَ ورقةٍ، على كلِّ ورقةٍ مكتوبٌ: لا إله إلا اللَّه محمدٌ رسولٌ اللَّه، أمَّةٌ مذنِبةٌ وربٌّ غفورٌ، كلُّ ورقةٍ عرضُها مِن مَشرِق الأرض إلى مَغْرِبها (٥).
стр. 585
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابنُ مسعود وابنُ عباس ومجاهدٌ وقتادةُ رضي اللَّه تعالى عنهم؛ أي (١): قالوا: هذا الذي رُزقناهُ مِن ثمار الجنة مِثْلُ الذي كنَّا رُزقناه مِن ثمار الدنيا (٢)؛ أي: في الصورةِ والاسمِ، فقد قال ابنُ عباس ﵄: ليس في الدُّنيا ممَّا في الجَّنة إلَّا الأسماء (٣)، فأشجارُ الجنَّة مِن الزَّبَرجد والياقوتِ والذهب والفضَّة.
وقال أبو عبيدة ويحيى بنُ أبي كَثيرٍ: ثمارُ الجنَّة إذا جنيتَ مِن أشجارها استُخلفَ مكانها مِثْلُها، فإذا رأوا ما استُخلِف بعد الذي جُني، اشتَبه عليهم فقالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (٤).
وقيل: يُؤتى بالعَشاء مِثْلَ ما كان يُؤتى بالغداة (٥)، فيقولون: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مِثْل ما تقدَّم.
وقيل: معناه: هذا الذي وُعدنا في الدُّنيا أنْ يكون رزقًا لنا في الجنَّة.
وقيل (٦): أي: هذا ثوابُ ما رُزقناْ مِن العمل الصالح في الدنيا، فالثوابُ مُضمَر، والإضمارُ جائزٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ أي: أهل القرية.
وقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ هو على ما لم يُسمَّ فاعلُه على قراءة العامة، وقرأ
стр. 586
هارون بنُ موسى: (وأَتَوا) بفتح الألف على الفعل الظاهر (١)؛ أي: الخَدَمُ أَتَوا بالرِّزق، ومعنى القراءة المشهورة: وجِيئوا به؛ أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين دَخلوها.
والمُتَشابِه في اللغة مُتَفاعِل مِن الشِّبْه والشَّبَه، وهما كالمِثْل والمَثَل، والتَّشبيهُ كذلك، والتَّشبيه: التمثيلُ، والمشابَهة: المماثلة، والشَّبَه -بفتح الشين والباء- الأشباه أيضًا (٢)، والشَّبَه: جوهرٌ يُشبِه الذهبَ، والأمورُ المشتَبِهات (٣): المُشكلات، والمتشابهات كذلك، وحقيقةُ المتشابه: الذي فيه شَبَهٌ مِن غيره حتى لا يكادُ يتميَّز (٤) مِن غيره، والمتشابهات: المتماثلات، والشُّبهة: ما يُشبه الحلالَ مِن وجهٍ والحرامَ مِن وجهٍ، والشُّبْهة ما يُشبِه الحُجَّة.
وأمَّا تفسيره هاهنا؛ فقد قال الحسن وقتادةُ وابنُ جُريجٍ: معنى التشابهِ: هو التَّماثل في الجودة؛ أي: كلُّه خِيارٌ (٥) يُشبِه بعضُه بعضًا؛ لا رَذْلَ فيه ولا فاسد ولا متغيِّر (٦)، وليس كثمار الدُّنيا التي لا تتشابه لأنَّ فيها خيارًا وغيرَ خيارٍ (٧).
وقال ابنُ عباس وابنُ مسعود والربيع بنُ أنس ﵃: التَّشابهُ هو التَّماثلُ في اللونِ دونَ الطَّعم، فتكون ثمار الجنَّة في ألوان ثمار الدُّنيا، وإنْ خالَفَتْها في الطَّعم فكانت ألذَّ وأطيبَ (٨).
стр. 587
وقال مجاهد ويحيى بنُ سعيد: إنَّها تُشابه ثمارَ الدُّنيا في اللون والطعم جميعًا، أي: هي تُشبه ثمارَ الدُّنيا في لونها وطعمها (١)، وفي ذلك ترغيبُهم في طلبِ ما عرفوه في الدُّنيا بلونه وطعمه.
وقال مجاهد في رواية: أي: يُشْبه بعضها بعضًا في الألوان، ويختلف في الطعوم (٢)، وفي ذلك زيادةُ نشاطٍ لهم حيث وجدوا ممَّا تتَّفق صُوَرها ما تتفاوت (٣) معانيها.
وقال أبو زيد والأشجعيُّ (٤): التَّشابه في الأسماء دون الألوان والطعوم، فلا تُشبه ثمارُ الجنَّة شيئًا من ثمار الدُّنيا في لون ولا طعم، وإنَّما تتَّفق أساميها لا غير، وفي ذلك ترغيبُهم في وجوه (٥) لذَّات لم يَعهدوها ولا يَقفون على غايتها.
وقيل: معناه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾؛ أي: متماثلًا في كلِّ الأوقات علىّ
стр. 588
الطَّراوة، وليس في الجنَّة خريفٌ ولا شتاء ولا ربيعٌ ولا صيف، ولا حرٌّ ولا برد، ولا نقصٌ ولا فَقْد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الزَّوجُ: البَعْلُ في اللغة (١)، والزَّوجةُ البَعْلةُ، والزَّوجُ ذَكَر وأنثى مِن كلِّ حيوان، وهما زوجان أيضًا، وهو في القرآن لأشياء:
للبعل: قال تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وللبعلة: قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وللذَّكر والأنثى مِن كلِّ حيوان: قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧].
وللشَّفْع مِن كلِّ شيءٍ: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩].
وللصِّنْف: قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧].
وللَّون: قال اللَّه تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]؛ أي: لونٍ حَسَنٍ.
وللشِّبه: قال تعالى ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦].
وللقَرين: قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢].
وأمَّا تفسيره:
فمعناه: ولهم في الجنات زوجاتٌ؛ وهنَّ نساء الدُّنيا وحُور الجنَّة جميعًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ الآيات [الواقعة: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] وَعَدهم الجمعَ بينهم وبين الزوجات؛ ليتمَّ لهم الأُنْس والراحات (٢)، وتَهْنَأَ لهم الجنَّة والأطعمةُ والأشربة والكرامات.
стр. 589
وقوله تعالى: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ الطُّهر والطَّهارة خلافُ الدَّنَس، يقال: فلانٌ طاهرُ الثياب؛ أي: نقيٌّ عن العيب، والتَّطهُّرُ: التنزُّه عن الإثم والقبيح، والتَّطهيرُ: إثبات الطهارة.
وقرأ ابنُ مسعود ﵁: (مُطهَّراتٌ) (١)؛ لأَنَّها نعتُ النِّسوة، وهنَّ (٢) جمعٌ، وقراءةُ العامة وهو الذي في مصحفِ الإمام: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾؛ لأنَّ المسموعَ مِن العرب في نعتِ الجمع القليلِ الألفُ والتاءُ، وفي نعتِ الجمعِ الكثيرِ الهاءُ وحدها، يقال: أَحمرةٌ مُستنفِراتٌ، وحُمُرٌ مُستنفِرة، ولأنَّ الأزواجَ جمعُ زوجٍ، وهو مذكَّرٌ في اللفظ، وإنَّما صار مؤنَّثًا بالجمع للحال، فصارت كالواحدة، كقولك: بيتٌ خاوٍ (٣)، ثم تقول: بيوتٌ خاويةٌ، ولا يقال: خاوياتٌ، ونقول: دارٌ خاويةٌ، ودُورٌ خاوياتٌ، لأنَّ الواحدةَ كانت مؤنَّثة، وهذه جماعة المؤنَّثات.
وإنَّما قال: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾، ولم يقل: طاهرة؛ لأنَّ المُطهَّرةَ أبلغُ، فإنَّ طاهرة تدلُّ على طهارتها، والمُطهَّرة تدلُّ على أنَّ اللَّهَ هو الذي مَنَّ بتطهيرها، ولأنَّ التفعيلَ للتكثير، فيدلُّ على أنواع التطهير، ولأنَّ التفعيلَ للنسبة والوصف فيدلُّ على أنَّهنَّ الموصوفاتُ بها المنسوباتُ إليها، ولأنَّها إنْ جُعلت في أوصاف نساءِ الدُّنيا دلَّت على أنَّهنَّ جُعلن كذلك (٤) في العُقبى وإنْ كنَّ غيرَ ذلك في الدُّنيا، وإنْ جُعلت في صفةِ الحُور العِين، فمعناه أنَّهنَّ خُلقنَ كذلك، وأبدًا يبقَين كذلك.
стр. 590
وأمَّا التفسيرُ:
فقد قيل: مُطهَّرات الأبدان في الخِلْقة، فهنَّ مِن المِسك والكافور والعنبر والزَّعفران، لا مِن التراب والمَنِيِّ والعَلَقة.
وقيل: مُطهَّرات الأبدان في الحال، فليس تحتَ الجلود دمٌ ولا قيحٌ، ولا في البطونِ ما في بطون البشر.
وقيل: مُطهَّرات الأبدان عن الأمراض والأَعراض؛ مِن الوَرَم والدَّرَن والصُّداع وسائرِ الأوجاع.
وقيل: مُطهَّرات الأبدان عن الولادة، وهو قول يمان بنِ رئاب (١).
وقيل: مُطهَّرات الأبدان عمَّا يَخرج منها؛ مِن بولٍ أو مَنِيٍّ أو غائطٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ أو مخاطٍ أو بلغمٍ.
وقيل: مُطهَّرات الأفعال؛ فلا يُصاحبن ولا يُجادِلن، ولا يَعترضن ولا يُعْرضن، ولا يُغلِظن القولَ، ولا يُسِئن الفعلَ، ولا يَنشُزن.
وقيل: مُطهَّراتُ الأخلاق؛ فلا يَحسدن ولا يَحقدن ولا يُبغضن ولا يَغَرْن.
وقيل: مُطهَّراتٌ عن استرابة القلوب بهنَّ؛ فلا يَمِلن إلى غيرِ أزواجهنَّ، ولا يقعُ في قلوب الرجال ما يُنفِّر طباعهم عنهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الخلودُ: البقاءُ لغةً، والإخلادُ: الإقامةُ والركون أيضًا، وحقيقةُ الخلودِ: الدَّوامُ مِن وقتٍ مُبتَدَأ، ولهذا لا يجوز أنْ يُقال للَّه تعالى: إنَّه (٢) خالد؛ لأنَّه قديمٌ أزليُّ لا ابتداءَ له.
стр. 591
وتفسيره: وهم في الجنَّات باقون دائمون مقيمون، لا يموتون ولا يخرجون، والبقاء الأبديُّ في الجنَّة لأهلها وفي النار لأهلها، قولُ جميعِ أهلِ الإسلام.
وقال جَهْمٌ -لَعَنه اللَّهُ تعالى-: إنَّ الجنَّة والنار يَفنيان؛ لأنَّ البقاءَ الأبديَّ للَّه وحده (١).
ودليلُنا: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] وقولُه تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] وقولُه تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] وقولُه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] وقولُه تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]، ولأنَّ أهلَ الجنَّة لو عَلموا بالزوال لكانوا في أشدِّ عقوبة، ولو أنَّ (٢) أهلَ النار عَلموا بالفَناء لكانوا في أتمِّ راحة؛ فيصير الثواب عقابًا والعقابُ ثوابًا.
وجواب قولهم: أنَّ اللَّهَ تعالى باقٍ بذاته (٣)، وبقاء الجنَّة والنار وأهلِهما بإبقاء اللَّهِ تعالى، فلا مشابهة.
* * *
стр. 592
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق
ماهر أديب حبوش - فادي المغربي
المجلد الثاني
دار اللباب
стр. 593
سورة البقرة
(٢٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ انتظامُ هذه الآية بما قَبْلها مِن ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَرَ الكفَّار في أوَّل هذه السورةِ، ودَعَاهم إلى الإيمان بقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، وأَقام الدلالةَ عليه بتخليقه الأشياءَ، وأَثبتَ رسالةَ نبيِّه (١) وحقِّيَّةَ (٢) كتابه، وعَجْزَ أصنامهم؛ إذ قال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ولم يُمْكِنْهم ذلك، فعرَّفهم عَجْزَ الأصنام فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ الآية [العنكبوت: ٤١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٧٣] فقال السفهاءُ منهم: ليس هذا مِن كلام اللَّه تعالى، فلا يليقُ بجلاله (٣) ذِكْرُ هذه الأشياء الحقيرة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ وهو العنكبوتُ والذُّباب.
стр. 594
والثاني: أنَّه ذَكَر المنافقين بعد الكفَّار، وذَكَر لهم مَثَلين؛ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]، ودَعاهم إلى الإخلاص بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وبيَّن لهم دليلَ صحَّة دعوى الرَّسولِ وحقيَّةِ (١) الكتاب، وقال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]؛ أي: أَعوانكم وأَنصاركم، وهم الذين سَبَق ذِكْرُهم ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]؛ أي: وعجزوا، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ وهو هؤلاء (٢) ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]، قال سفهاؤهم: ما هذا مِن كلام اللَّه تعالى، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ ردًّا عليهم.
والثالث: أنَّه لمَّا أَوْعَد الكفَّارَ بالنار، وبشَّر المؤمنين بالجنَّة، قالوا: لا يُعذَّبُ بالنار غيرُ الكفَّار (٣)، ولا يَنال الجنّةَ إلَّا مؤمنٌ عَمِل كلَّ الصالحات، فنزل قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]؛ أي: مِن ثواب الجنَّة، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾؛ أي: مِن عقاب النار، والذَّرَّةُ: هي النملةُ الصغيرة، قال السفهاءُ: لا يَليق باللَّه ذِكْرُ النَّملة، فنزلت هذه الآيةُ.
وقوله: ﴿يَسْتَحْيِي﴾ هو يَسْتَفعِل مِن الحياء؛ وهو في اللغة: اتِّقاء ظهورِ العَورة.
وقيل: هو الانقباضُ عن الشيء والامتناعُ عنه خوْفًا من (٤) مُواقَعة القبيح، وقد حَييَ يَحيى حياءً (٥)، مِن حدِّ: عَلِم، فهو: حَيِيٌّ، والحياءُ: الفَرْجُ؛ لأنَّه يُستحْيَى مِن إظهارِه، وحاصلُ الحياء هو التَّرْك، فإنَّ مَن استَحْيى مِن شيءٍ تَرَكه.
стр. 595
وقد ورد ذِكْر الحياءِ في صفة اللَّه تعالى إثباتًا ونفيًا، قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ حَييٌّ كريمٌ؛ يَستحيي أنْ يرفعَ العبدُ إليه يديه، فيردَّهما صِفْرًا" (١).
وقال عليه الصلاة درالسلام: "يقول اللَّهُ تعالى: الشَّيْب نُوري، وأَنا أَستحيي أنْ أُحرقَ نوري بناري" (٢).
وأمَّا النفيُ؛ ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقال هاهنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾، ومعناه: الترك، فإنَّ مَن اتَّقى ظهورَ عيبه بشيءٍ تَرَكه، وكذا مَن خافَ مواقعةَ قبيحٍ تَرَكه، فإذا كان اللَّهُ تعالى يَستحيي مِن ردِّ العبد خائبًا، فمعناه أنَّه يَتركُ حرمانَه، فإذا (٣) قال: لا يستحيي مِن الحقِّ، فمعناه: لا يَتركُ بيانَه.
وهذا هو الوجه في كشف الكلمات الموهِمة: أنَّك تعتبر حاصلَ ذلك فتفسِّرُه به.
وهذا كالعَجَب مِن الإنسان، فعجَبُه مِن آخَرَ يكون مِن أحدِ شيئين: مِن إساءةِ مَن كان أحسنَ هو إليه فتعجَّب منه، ومِن إحسانِ أجنبيٍّ إليه لم يَكن منه إليه إحسانٌ فتعجَّب منه، وذاك بظهورِ ما لم يكن عنده أنَّه يَظهر كذلك، وهذا لا يجوز على اللَّه تعالى؛ لأنَّه عَلِم الأشياءَ كلَّها، وعَلم ما يكون قَبْل أن يكون أنَّه إذا كان كيف يكون، ولكنْ حاصلُ هذه الكلمة هو غايةُ الرِّضا أو غايةُ الكراهة، واللَّهُ تعالى إذا ذُكر منه
стр. 596
العجَبُ، فإنَّما يُراد به أحدُ هذين اللَّذَيْن هما الحاصلُ، ففي قوله ﵊: "إنَّ اللَّهَ ليَعجبُ مِن الشابِّ ليست له صَبوةٌ" (١) هو غايةُ الرِّضا.
وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بالضَّمِّ (٢) ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٢] هو غايةُ الكراهة، وعلى هذا نظائرُه.
ثم الإثباتُ والنفيُ معًا في صفةٍ واحدةٍ لا يَرجع إلى ذاتِ اللَّهِ تعالى، فإنَّ ما أثْبت اللَّه تعالى له لم يَجز نفيُه عنه، وما نُفيَ عن اللَّه تعالى لم يَجز إثباته له، وإنَّما يَرجع ذلك إلى ما يقعُ عليه ذِكْر هذه الصفات (٣)، وهو كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] نفَى المغفرةَ في حقِّ مَن يُشرك، وأَثبتها في حقِّ مَن لا يشرك، وذلك يَرجع إلى ذنبِ المشرك وذنبِ (٤) غير المشرك لا إلى ذاتِ اللَّه تعالى، وكذا قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وكذا قولهم: "ما شاءَ اللَّهُ كان وما لم يَشأ لم يكن" (٥).
ثم قوله: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ قيل في تفسيره: لا يَترك ضربَ المَثَل بالبعوضة.
وقيل: أي: لا يَمتنِع عنه.
وقال قتادةُ وجماعة: هو في مشركي مكَّة (٦)؛ بدليل أنَّه ذكر مثلُ هذا في سورة
стр. 597
المدَّثر وهي مكِّيّة، قال تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] وقال هاهنا (١): ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.
ثم تلك مِن أوائل الوحي وفي حقِّ مشركي مكَّة، فكذا هذا.
وقيل: هو في حقِّ منافقي أهلِ المدينة مِن أهل الكتاب؛ بدليلِ أنَّه قال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وهذه (٢) صفةُ المنافقين مِن أهل الكتاب؛ فقد قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ولأنَّ سورةَ البقرة مدنيَّة.
وقيل: يجوز أن يكون نزولُ الآية في الفريقين جميعًا؛ فقد سَبق ذكرُ الكفار والمنافقين في صدر السورة، وقال أيضًا في سورة المدَّثر: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهم أهل النفاق، وقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ وهم أهلُ الشرك.
ثم إنَّ اللَّه تعالى بيَّن أنَّه لا يَترك ضربَ المثل بقول المنافقين والكفار (٣)، فلا تَتركْ أنتَ قولَ الحقِّ بقول الفجَّار، وذكر أنَّه يَستحيي مِن إحراق النور بالنار، فاستحِ أنتَ مِن مخالفة الملِك الجبَّار.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾؛ أي: يبيِّنَ، والضَّرْبُ في القرآن لمعانٍ:
للإيلام مِن غير خَدْشٍ ولا جَرحٍ: قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
وللضَّرْب مِن غير إيلامٍ: قال تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [الأعراف: ١٦٠].
стр. 598
ولقليلِ الإيلام: قال تعالى: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].
وللقَطْع: قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].
وللحَزِّ والإزهاق: قال تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢].
وللكَسْر: قال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣].
ولتعذيبِ الملائكةِ الكفَّارَ عند الموت: قال تعالى: ﴿الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠].
ومِن المجاز فيه: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل: ٢٠]: هو السَّير؛ وفيه ضَرْبُ الرِّجْل على الأرض.
وقولُه: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]: هو الصرف، وتقديره: أَفنُهْمِلُكم فلا نعرِّفَكم ما عليكم ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، وأصله في الراكب إذا أَراد أنْ يَصرف مركبَه عن جهته يضربه (١) ليَعْدلَه، فوُضع الضَّرْبُ موضعَ الصَّرْف.
وقولُه تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]؛ أي: أَنَمناهم ومَنَعناهم السماعَ؛ وهو مِن ضَرْبِ الحجابِ على الأُذن في التقدير.
وقولُه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ أي: ولْيُرخينَ مقانِعَهنَّ فوقَ جيوبهنَّ عند صدورهنَّ للسَّتْر (٢).
وقولُه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]؛ أي: أُظهِر.
وقولُه تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا﴾ [طه: ٧٧]؛ أي: حدًّا (٣).
وللوقت: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].
وللتعجُّب: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].
وللصِّلَة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
و ﴿بَعُوضَةً﴾: هي مِن صغار البَقِّ، والبَعضُ مِن الشيءِ: طائفةٌ منه، وتبعيضُ بعضُ الشيءِ: تجزئتُه، وكأنَّ البعوضةَ بعض البقَّة؛ لصِغَرها.
وكلمة (ما) تصلُح صلةً زائدةً مؤكِّدة، وتصلُح اسمًا، وبيانُه في باب (١) بيانِ إعرابِ (بعوضة)، وهي منصوبةٌ في القراءة الظاهرة، وقال النحويون: ويَجوز فيها الرَّفع، وأمَّا النصبُ فلوجوه ثلاثة:
أحدها: أنَّ (ما) زائدة مؤكِّدة، معناها: حقًّا، وتقديره: أنْ يَضرب بعوضةً مثلًا حقًّا، ولا إعراب لـ (ما)، والخافض والناصب يتخطَّاها إلى ما بعدها؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والثاني: أن يكون (ما) اسمًا نكرةً منصوبة، و (بعوضةً) صلةً وصفةً لها تابعةً للموصول في إعرابه، وتقديرُه: أنْ يضربَ مثلًا شيئًا، يعني (٢): أيَّ مثلٍ أراد بعوضةً فما فوقها.
والثالث: أن يكون نصبًا على نَزْعِ الخافض، ومعناه: أنْ يَضرب مثلًا ما بين بعوضةٍ إلى ما فوقها، بنزع (٣) (بَيْنَ) مِن الأول و (إلى) مِن الثاني، فانتصَبا بنزعِ الخافض، وهو كقولهم: مُطِرنا ما زُبالةَ فالثَّعلبيَّةَ، يعني: ما بينَ زبالةَ إلى الثعلبيَّةِ (٤).