← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5357

سورة النور

стр. 5358

سورة النور بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي حرَّم السِّفَاح، الرحمنِ الذي شرَع (١) النِّكاح، الرحيمِ الذي وعد على السمع والطاعة الفلاح. روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة النور كان له عشرُ حسنات بعددِ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي" (٢). وعن أبي عطيةَ قال: كَتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁: تعلَّموا سورةَ براءة وعلِّموا نساءكم سورة النور (٣). وهذه السورة مدنية، وهي اثنتان وستُّون آية، وقيل: أربع، والاختلاف في اثنين: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾. وكلماتها ألف وثلاثُ مئةٍ وستةَ عشر، وحروفُها خمسةُ آلافٍ وستُّ مئة وستةٌ وثلاثون.

стр. 5359

وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه أُمر في آخر تلك السورة بسؤال الرحمة، ونيلُ الرحمة بأداء الطاعة دون فعل المعصية، فقد قال في أول هذه السورة في حقِّ مَن عصَى اللَّه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. وانتظام السورتين: أنه بدأ تلك السورة بخلقِ الإنسان، ثم بما أنعم عليه، ثم بالأمر بالتوحيد وعاقبةِ أهله وذكرِ الشرك وعاقبةِ أهله، وختم بالأمر بالدعاء، وبيَّن في هذه السورة المعاملاتِ والجزاءَ على الموافقات والمخالفات، وهو ترتيبٌ معقول يشهد بحُسنه الأصول. * * * (١) - ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ﴾: أي: هذه سورة؛ أي: قطعةٌ ودرجةٌ من الكتاب الذي وعدْتُ أن أُنزله عليك. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾: أي: أنزلناها إليك من السَّماء. وقوله تعالى: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد، والباقون بالتخفيف (١)، ومعنى التخفيف: فرضُ العمل بها، فأضاف الفرض إليها اختصارًا لوضوح المراد. قال الضحاك: أوجَبْناها (٢). ومعنى التشديد: أنزلنا فيها فرائض مختلفةً وفرضناها عليكم وعلى مَن بعدَكم إلى يوم القيامة، والتفعيلُ في الفعل الثلاثي المتعدِّي يكون للتكثير والتذكير.

стр. 5360

وحُكي عن أبي عمرو أنه قال: ليست بفريضةٍ واحدة، ولكنها فرائض (١). وقال غير واحد من المفسرين: بيَّنَّاها (٢). وقال مجاهد: بينَّا حلالها وحرامها (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: أي: واضحات ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: لتتَّعظوا (٤) بها، وأكثرُ هذه السورة ترجع أحكامها إلى التستُّر والتعفُّف وما تَخلَّلها فهو من مقتضياتها. ومن جلالةِ موقع (٥) أحكام هذه السورة من جملة أمور الدِّين ما ذُكر عن أبي وائل ﵁ قال: خطبنا عبد اللَّه بن عباس ﵄ وهو على الموسم فافتتح سورة النور وأخذ يفسرها، فقال رجل: ما رأيتُ كاليوم كلامًا خرج من رأس رجل، واللَّه لو سمعتْ بهذا التُّركُ (٦) لأسلمت (٧)، وفي بعضها: لو سمعت بهذا الدَّيلمُ لأسلموا (٨). * * *

стр. 5361

(٢) - ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ﴾: أي: المرأة التي مكَّنتْ من الزنا، وهو الوطءُ الحرام الخالي عن النكاح وشبهته، ومِلك اليمين وشبهته، ﴿وَالزَّانِي﴾؛ أي: الرجل الذي زنى. قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾: أي: اضربوا كلَّ واحد منهما مئة ضربةٍ بالسوط ونحوِه، مأخوذ من الجِلْد فإن الضرب يلاقيهِ. وفيه إشارة إلى أنه لا يبالغ حتى يصل إلى اللحم بالجَرح، والخطابُ لجميع الأمة؛ لأن إقامة الحد من الدِّين وهو على الكلِّ، ثم يقيمون إمامًا ينوب عنهم؛ لأنه لا يمكنهم الاجتماع عليه. وعمومُ الآية يتناول المحصنَ وغيرَ المحصنِ، ثم خصَّ منه المحصن بحديث الرجم وهو رجم ماعز، ويتناول الأحرار والمماليك، ثم المملوك يحد خمسين جلدة بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]؛ أي: الحد. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾: أي: رقَّةٌ تمنحكم عن إقامة الحد عليهما (١). ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾: أي: طاعته. وقيل: أي: في حكمه، وأما الرأفة الطبيعية الإسلامية التي لا تدعو إلى تعطيل الحد فلا إثم به.

стр. 5362

وقيل: هذا أمر بإيجاعهما، ولا يخفف رِقةً عليه (١) فلا يحصل المقصود. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: فإن الإيمان يوجب الائتمارَ بأمر اللَّه. وقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾: أي: حدَّهما ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: أقلُّه واحدٌ (٢). وقال مجاهد: اثنان (٣). وقيل: ثلاثة (٤). وقيل: أربعة، وهو عدد شهود الزنا، وقيل: عشرة. وقال قتادة: أمر اللَّه تعالى أن يشهد ﴿عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليكون ذلك عبرة وموعظةً ونكالًا (٥). وقال الحسن: أمر اللَّه تعالى بذلك لتعظيم الحدود. وقال نصر بن علقمة: أمَا إنَّ ربكم لم يُرِد الفضيحة، ولكن ليُدْعَى لهما بالتوبة والرحمة (٦). وقال الحسن ﵀: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني به مجلسَ الحكم، فإنه لا يكون إلا وفيه طائفةٌ من المؤمنين، وهو إشارة إلى أن إقامته إلى الحكام.

стр. 5363

وقال القشيري: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ليكون ذلك عليه أشدَّ، وليكون ذلك أشدَّ تخويفًا لمتعاطي ذلك الفعل، ثم من حقِّ الذين يشهدون ذلك الموضع أن يذكروا عظيم نعمة اللَّه عليهم إذ لم يفعلوا مثلَ فعله كيف عصمهم اللَّه تعالى من ذلك، وإن كان قد جرى عليهم شيء من ذلك ذكَروا نعمة اللَّه عليهم إذ لم يَهتك سترَهم ولم يفضحهم ولم يُقمهم في الموضع الذي أقامه فيه، وسبيلُ مَن شهده أن لا يعيِّر صاحبه به، ولا ينسى حكمَ اللَّه في إيذائه على جرمه (١). وقال غيره: معنى جلدِ غيرِ المحصَن ورَجْمِ المحصَن: أن الخبث بحُرَم الناس عملُ الحمُر والكلاب ليس عملَ العقلاء المميِّزين، فيُضربُ بالخشب ضربَ الحُمر، ويُرمَى بالحجارة رمي الكلاب. * * * (٣) - ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾: روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن المهاجرين أتوا المدينة فضاقت عليهم معيشتُهم في ذات أيديهم لغلاء الأسعار بها، وكان في المدينة نساءٌ فواجرُ زوانٍ غيرُ محصنات متَّسعاتٌ في ذات أيديهن، فقال المهاجرون: لو تزوَّجناهن فأحصناهنَّ، فإذا استغنينا عنهنَّ طلقناهنَّ، فسألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٢). وفي الآية أقاويلُ كثيرة، وللناس في العمل بها مذاهب مختلفة.

стр. 5364

وعن سعيد بن المسيب: أن الآية كانت على ظاهرها في تحريم نكاح الزانية على الزاني وغيره، وأن الأمر كان على ذلك إلى أن نسخ ذلك وأبيح لها أن تنكح مَن شاءت من الزاني وغيره، والنسخُ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (١). وأصح الأقاويل فيها: أنها ترهيب في نكاح البغايا. وتأويل ذلك: أن أهل الإِسلام والإيمان سبيلُهم أن لا يرغبوا إلا في المسلمات العفائف، فالزاني إنما يميل إلى مَن هي على مذهبه في الزنا والتهتُّك، وإلى مَن لا يعتقد الإيمان، فهو لا يفكر في التعفُّف. والزانية أيضًا إنما تميل إلى أحد رجلين: إما إلى زانٍ مثلِها، وإما إلى مشركٍ شرٍّ منها؛ أي: فالزنا عديلُ الشرك في أنه قبيح، وأهلُ الإيمان بمعزلٍ عنه، فإن الإيمان قَرينُ العفاف والتحصُّن، فأنتم معاشر الراغبين في البغايا إن كنتم مؤمنين حقيقُون بالزهد فيمَن مذهبُها بمعزلٍ عما يوجبه مذهبُكم في الإيمان، وهو نظير قوله في تأويل بعصهم: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية [النور: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: حرم الزنا، وقيل: الشركُ، وقيل: نكاحُ البغايا قصدَ التكسب بما يأخذون من الزنا. * * * (٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

стр. 5365

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: أي: يقذفون بالزنا العفائفَ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ على زنا المقذوفة ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾: فأقيموا حد القذف عليهم بهذا، وهو خطاب للأمة، ويتولى الإمام عنهم كما قلنا في الزُّناة (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾: أي: لا تقبلوا شهادتهم أبدًا، وهو الحكم في الحد أيضًا، وهو مشروع على التأبيد عندنا لا يُقبل بحال وإن تاب. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: خارجون عن الطاعة بقذف المحصَنة. * * * (٥) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾: أي: بعد الرمي وهو القذف ﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: أصلحوا أحوالهم بعد التوبة وأظهروا الأعمال الحسنة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنوبهم ويرحمهم فلا يعذبهم. والاستثناء لزوال اسم الفاسقين عنهم، لا لبطلان حكم ردِّ الشهادة، فإنه مؤبَّد ومن جملة الحد، وذلك لا يَبطل بالتوبة، وأما الفسق فيزول بالتوبة، ثم النصُّ في قذف المحصنة، وحكمُ قذف المحصَن كذلك. والإحصان في المقذوف يَثبت بخمسة أشياء: العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة، فإذا فات وصف منها لم يكن محصَنًا ولا حدَّ على قاذفه. وإحصان الزاني الذي يُرجم: بالعقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والنكاح الصحيح، والدخول بالمنكوحة في النكاح الصحيح، ويعرف ذلك في الفقهيات. * * *

стр. 5366

(٦) - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾: أي: يقذفون زوجاتهم بالزنا، ذكر هذا بعد ذكر حكم قذف الأجنبيات. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾: أي: لم يكن لهم شهود أربعة يقيمونهم على دعواهم، واستثنى ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ لأن عليهم اللعان، واللعان شهاداتٌ مؤكَّدة بالأيمان، فكانوا شهودًا باللعان. وقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿أَرْبَعُ﴾ بالرفع لأنه خبر المبتدأ، وقرأ الباقون بالنصب (١)؛ لوقوع فعل الشهادة عليه؛ أي: فيشهد أحدهم أربعَ شهادات باللَّه ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ يحلف أربع مرات أنه صادق فيما رماها به من الزنا بعد التكلُّم بلفظة الشهادة: أشهد أني صادق فيما رميتها به من الزنا. * * * (٧) - ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: قرأ نافع: ﴿أنْ﴾ مخففةً ﴿لعنةُ اللَّه﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بتشديد ﴿أَنَّ﴾ ونصب اللعنة (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: يقول في المرة الخامسة: لعنة اللَّه عليَّ إن كنت كاذبًا فيما رميتُها به من الزنا. * * *

стр. 5367

(٨) - ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾: أي: يدفع عن المرأة الحبسَ والجبرَ على اللعان، فإنها إذا امتنعت عن اللعان (١) حُبست وأجبرت عليه حقًّا للزوج ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾؛ أي: هذا يدفع عنها الحبس والجبر (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: تقول عند القاضي بعدما لاعن الزوج عند القاضي: أشهد باللَّه أن زوجي هذا كاذب فيما رماني به من الزنا. * * * (٩) - ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ بالنصب عطفًا على قوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾: وتشهدَ الخامسةَ، والباقون بالرفع (٣)؛ أي: واللفظةُ الخامسة: أنَّ غضَب اللَّه عليها. ﴿أَنْ﴾ بالتخفيف قراءة نافع وبالتشديد قراءة الباقين (٤). قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: تقول في المرة الخامسة: غَضِبَ اللَّه عليَّ إن كان هو صادقًا فيما رماني به من الزنا. * * *

стр. 5368

(١٠) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾: حذف جواب (لولا) وهو أبلغ؛ لأن النفس تذهب في تقدير جوابه كلَّ مذهب. وقال الكلبي: جوابه: لأظهر المذنب وفضحه. وقال الحسن: جوابه (١): لعاجلكم بالعذاب فأهلكَكم. وقال ابن عباس ومقاتلٌ: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قرأها النبي ﷺ يوم الجمعة على المنبر، فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني اللَّه فداك، إن رأى رجلٌ منا مع امرأته رجلًا فأَخبر بما رأى جُلد ثمانين جلدةً وسمي فاسقًا ولا تقبل شهادته أبدًا، فكيف لنا بالشهداء، ولو التَمسْنا الشهداء لكان الرجل فرغ من حاجته، وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له: عويمر، وله امرأة يقال لها: خولةُ بنت قيس بن مِحْصَنٍ، فأتى عويمرٌ عاصمًا فقال: لقد رأيتُ شَرِيكَ بن السَّحْماء على بطن امرأتي خولةَ، فاسترجع عاصمٌ وأتى رسول اللَّه ﷺ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول اللَّه، ما أسرع ما ابتُليت بالسؤال الذي سألتُ في الجمعة الماضية في أهل بيتي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "وما ذاك" فقصَّ عليه القصة، وكان عويمرٌ وخولةُ وشَريكٌ كلُّهم بني عمِّ عاصم، فدعا رسولُ اللَّه ﷺ بهم جميعًا فقال لعويمرٍ: "اتَّقِ اللَّه في زوجتك وحليلتِك وابنةِ عمِّك فلا تقذِفْها" فقال: يا رسول اللَّه ﷺ ، إني أقسم باللَّه أني رأيت شَريكًا على بطنها، وإني ما قربْتُها منذ أربعةِ أشهرٍ، وإنها حُبْلى من غيري، فقال رسول اللَّه ﷺ للمرأة: "اتَّقي اللَّه ولا تخبري إلا بما صنَعْتِ" فقالت: يا رسول اللَّه، إن عويمرًا رجل غيور، وإنه رآني وشَرِيكًا نُطيل السهر ونتحدَّث فحملته الغيرةُ على ما قال يا رسول اللَّه، فقال

стр. 5369

رسول اللَّه ﷺ لشَريكٍ: "ما تقول؟ " فقال: ليس إلا ما تقوله المرأة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فأمر رسول اللَّه ﷺ حتى نودي للصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: "قم" فقام (١) فقال: أشهد باللَّه إن خولةَ لزانية (٢) وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية: أشهد باللَّه إني رأيت شريكًا على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة: أشهد إني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة اللَّه على عويمر -يعني: نفسه- إن كان من الكاذبين فيما قال، ثم أمره بالقعود ثم قال لخولة: "قومي" فقامت فقالت: أشهد باللَّه ما أنا بزانية وإنه -تعني: عويمرًا- لمن الكاذبين، ثم قالت في الثانية: أشهد إنه ما رأى شريكًا على بطني وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الثالثة: أشهد إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الرابعة: أشهد إنه ما رأى قط فاحشة علي وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الخامسة: غضب اللَّه على خولة -تعني: نفسها- إن كان -تعني: عويمرًا- من الصادقين، ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما وقال: "لولا الأيمان لكان لي في أمرهما رأي" ثم قال: "تحيَّنوا بها الولادة، فإن جاءت به أصيهِبَ (٣) أُثيبج (٤) يضرب إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت به أورق جعْدًا جُمَاليًّا خدلَّج الساقين (٥) فهو لغير الذي رُميت به".

стр. 5370

وقال ابن عباس ﵄: فجاءت به أشبهَ خلقِ اللَّه بشريكٍ (١). ثم كلمات (٢) اللعانِ شهاداتٌ مؤكَّداتٌ بالأيمان، وإنما يجري بين الزوجين إذا كانا من أهل الشهادة مسلمَين حرَّين عاقلَين بالِغَين غيرَ محدودين في قذفٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ استثنى ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ من جملة الشهداء فسمَّى ذلك شهادةً، ولأنه يشترط لفظة الشهادة ولفظة باللَّه، فدل على أن الشهادة (٣) مؤكَّدةٌ باليمين. وقال النبي ﷺ : "لا لعانَ بين أهل الكفر وبين أهل الإِسلام، ولا بين العبد وامرأته، ولا بين الحر وامرأته إذا كانت أمَةً" (٤).

стр. 5371

وقال الشافعي: هي أيمان، فتجري بينهما إذا كانا من أهل اليمين؛ لأن النبي ﷺ قال في هذا الخبر: "لولا الأيمانُ" ولأن الفاسق والأعمى من أهل اللعان بالإجماع، ولا شهادة لهما. وقلنا: بل فيه معنى اليمين ومعنى الشهادة أيضًا، والفاسق والأعمى لهما شهادة، ولهذا ينعقد بهما النكاح عندنا، لكن في سائر المواضع لا يقبل للتهمة، والتهمة هاهنا غيرُ مانعة؛ لأن العدل يلاعن وهو متهم. ثم أيُّهما نكَل حُبس وأُجبر عليه حتى يَلتعِن عندنا لأنه حق مقصود. وعند الشافعي ﵀: أيهما نكَل حُدَّ؛ لأن قذف الرجل موجِبٌ للحد عليه، ويسقطه عنه اللعان، ولعان الزوج موجبٌ للحد عليها ولعانُها يسقطه عنها، قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾؛ أي: الحدَّ، كما قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾. وقلنا: لا معنى لإقامة الحد عليها بقول الزوج ولا بنكولها؛ لأن الحد لا يقام بالنكول، وأما العذابُ فيحتمِل الحبسَ والجبرَ. ولا تقع الفُرقة عندنا من غيرِ تفريق القاضي، حتى لو مات أحدهما وَرِثه الآخر، ولو أكذب نفسَه فهي امرأته ولا يفرَّق بينهما. وعن مالك وزُفرَ رحمة اللَّه عليهما: إذا فرغا وقعت الفُرقة. وعند الشافعي ﵀: تقع الفُرقة بلعان الزوج، ثم لعانُ المرأة لدرءِ الحد عنها، ثم هما لا يجتمعان ما داما متلاعنين.

стр. 5372

فإذا أكذَبَ الزوج نفسه أو بطَلت أهليةُ شهادة أحدهما جاز النكاح بينهما إلا عند أبي يوسف ﵀، والدلائل تعرف في الفقهيات. * * * (١١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيةَ: ويتصل بما تقدم من إيجاب حد القذف ونزولِ هذه الآيات في حقِّ عائشةَ الصدِّيقةِ زوجِ النبي ﷺ ورضي عنها. وقصته ما روى الزهري قال: أخبرني عروة وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن عائشة ﵂ حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللَّه تعالى، وكلُّهم حدثني من حديثها طائفة، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، زعموا أن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى سفر (١) أَقْرَعَ بين نسائه أيَّتُهنَّ خرج سهمها خرج بها (٢) معه، فأَقرع بيننا في غزوة بني المُصْطلِق فخرج سهمي، فخرجت مع رسول اللَّه ﷺ بعدما أُنزل الحجاب، قالت: فأُحمل في هودجي وأُنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوته وقفَل ودنَوْنا من المدينة قافلين، آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فسرت حتى جاوزتُ الجيش، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي فلمستُ صدري فإذا عِقدٌ لي من جَزْع ظَفَار قد انقطع، فرجعتُ فالتمستُ عِقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرَّهْط الذين كانوا يَرْحَلون لي (٣) فاحتملوا هودجي

стр. 5373

فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركب وهم يحسَبون أني فيه، وكان الناس إذ ذاك خَفافًا فلم يستنكِر القوم ثقلَ الهودج (١) حين رفعوه وكنت جاريةً حديثةَ [السنِّ] فبعثوا الجمل وساروا، ووجدتُ عِقدي بعدما استمرَّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ، فتيمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه وظننتُ أنهم سيفقدونني ويرجعون إليَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبَتْني عيناي فنمتُ، وكان صفوان بن المعطَّلِ [السُّلَميُّ ثم] الذَّكْوانيُّ من وراء الجيش، فأَدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرَفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاسترجع فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرَفني، فخمَّرْتُ وجهي بجلبابي، وواللَّهِ ما تكلَّمنا بكلمةٍ ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعه، حتى أناخ راحلتَه فركبتُها وانطلق يقودُ بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا في نحرِ الظهيرة، فهلَك مَن هلَك، وكان الذي تولَّى أمرَ الإفك عبدَ اللَّه بن أبيِّ ابنَ سَلُولَ لعنه اللَّه. فقدمنا المدينة فاشتكيتُ حين قدمتُ المدينة شهرًا والناسُ يُفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يَرِيبُني في وجَعي غيرَ أني لا أعرف من رسول اللَّه ﷺ التلطُّف الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ ثم يقول: "كيف تِيْكم" ثم ينصرف، فذلك يَرِيبني ولا أشعرُ بالشر، حتى خرجتُ بعدما نَقَهْتُ، وخرجت مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المناصع وهو متبرَّزنا، ولا نخرج إلا من

стр. 5374

الليل إلى الليل، وذلك قبل أن نتَّخذ الكُنُف وهو قريب (١) من بيوتنا، وأَمْرُنا أمرُ العرب الأُوَل في البرية، وكنا نتأذَّى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمُّ مسطحٍ -وهي بنت أبي رُهْمِ (٢) بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر (٣) بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، خالة أبي بكر الصديق ﵁، وأم أبي بكر أمُّ الخير بنتُ صخر بن عامر بن عمرو، وابنُها مِسطح بن أُثاثةَ بنِ عَبَّاد بن المطلب (٤) - بن عبد منافٍ، فأقبلتُ أنا وأمُّ مسطحٍ قِبَل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثَرتْ أمُّ مسطح في مِرْطِها، فقالت: تَعِسَ مسطحٌ، فقلتُ لها: بئس ما قلت، أتسبِّين رجلًا شهد بدرًا؟! فقالت: أيْ هَنْتاه! أولم تسمعي ما قال؟ قالت: قلتُ: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازدَدْتُ مرضًا على مرضي، فلما رجعتُ إلى بيتي دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ ثم قال: "كيف تيكُم" فقلت له: أتأذنُ لي أنْ آتيَ أبويَّ؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقِنَ الخبر من قبَلهما، فأذِنَ لي رسول اللَّه ﷺ ، فجئتُ أبويَّ فقلتُ لأمي: أي أمَّاه! ماذا يتحدَّث الناس؟ فقالت: أي بنيَّةُ هوِّني عليك، فواللَّه ما كانت امرأةٌ قط وضيئةٌ عند رجل يحبُّها لها ضرائرُ إلا أكثرنَ عليها، قلتُ: فقلتُ: سبحان اللَّه! ولقد تحدَّث الناس بهذا؟! قالت: فبكيتُ تلك الليلة حتى أصبحتُ لا يرقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنوم، قالت: ثم أصبحت أبكي. ودعا رسول اللَّه ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ وأسامة بن زيد حين استَلْبَثَ الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: أمَّا أسامة فأشار على رسول اللَّه ﷺ

стр. 5375

بالذي يَعلم من براءة (١) أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودِّ، فقال: يا رسول اللَّه، أهلُك ولا نعلم إلا خيرًا، قالت: وأما عليٌّ فقال: يا رسول اللَّه، لم يضيق اللَّه عليك والنساءُ سواها كثير، وأرسل إلى الجارية تَصْدَقْكَ، قالت: فدعا رسول اللَّه ﷺ بريرةَ فقال لها: "أي بريرةُ، هل رأيتِ من عائشةَ شيئًا يَرِيبك؟ " قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إنْ رأيتُ عليها أمرًا قط أَغمِصُه عليها، غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجينِ أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول اللَّه ﷺ من يومه فاستعذر من عبد اللَّه بن أبيٍّ ابنِ سلول، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر: "يا معشرَ المسلمين، مَن يَعذِرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، واللَّه ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" قالت: فقام سعد بن معاذ وقال: يا رسول اللَّه، أنا أَعذِرك منه، إن كان من الأوس ضربتُ عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمَرْتَنا ففعلنا أمرَك، قالت: وقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتمَلَتْه (٢) الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبتَ، لعمرُ اللَّه لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أُسَيد بن حُضَير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر اللَّه لنقتلنَّه، فإنك رجل منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه ﷺ قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يخفِّضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فبكيتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرقأ لي دمع ولا أكتحِل بنوم، قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيتُ يومين وليلتين لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع، يظنان

стр. 5376

أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما عندي وأنا أبكي استأذنتْ عليَّ امرأة من الأنصار فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينما نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول اللَّه ﷺ ، ثم جلس في البيت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث لا يوحى إليه في شأني شيءٌ، فتشهَّد حين جلس ثم قال: "أمَّا بعدُ، يا عائشة، فإنه قد بلَغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيبرِّئك اللَّه، وإن كنتِ ألمَمْتِ بذنبٍ فاستغفري اللَّهَ وتوبي إليه". قالت: فلما قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته غاض دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلت لأبي: أجِبْ رسول اللَّه ﷺ فيما قال، قال: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ ، فقلت وأنا جاريةٌ حديثة السن لا أقرأ (١) كثيرًا من القرآن: وقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدَّقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة -واللَّه يعلم أني منه (٢) بريئة- لا تصدِّقونني بذلك، ولئن اعترفتُ لكم بأمر -واللَّه يعلم أني منه بريئة- لتصدِّقُنِّي، وإني واللَّه لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قالت: ثم تحوَّلْتُ فاضطجَعْتُ على فراشي، قالت: وأنا واللَّه حينئذ أعلم أني بريئة وأن اللَّه سيبرِّئني ببراءتي، ولكن ما كنتُ أظن أن اللَّه يُنزل شيئًا في شأني من الوحي يُتلى، ولَشَأني كان في نفسي أحقرَ من أن يتكلم اللَّه فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولكن كنتُ أرجو أن يرى رسول اللَّه في النوم رؤيا يبرِّئني اللَّه (٣) بها.

стр. 5377

قالت: واللَّه ما قام رسول اللَّه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء حتى أنه ليتحدَّرُ منه مثلُ الجُمَانِ من العرق في اليوم الشاتي من ثقلِ القول الذي أنزل عليه، قالت: فسرِّي عن رسول اللَّه وهو يضحك، فكانت أول كلمةٍ تكلَّم بها أن قال: "يا عائشة، أما واللَّه لقد برَّأك اللَّه"، قالت أمي: قومي إلى رسول اللَّه ﷺ ، قالت: قلت: لا واللَّه لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا اللَّه، وأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ الآياتِ كلَّها. فلما أنزل اللَّه الآيات في براءتي، وكان أبو بكر الصدِّيق ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره، فقال: واللَّه لا أنفق على مسطحٍ شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الآية، فلما أنزلت الآية قال أبو بكر ﵁: بلى واللَّه إني لأحبُّ أن يغفر اللَّه لي، فرجع إلى مسطحٍ بالنفقة التي كان ينفق عليه، وقال: واللَّه لا أنزعُها عنه أبدًا (١). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُم﴾ أخبر بما كان غيبًا عنهم؛ لأنَّهم ظنوا أن الإفك وقع من الكفار دون مَن كان من المؤمنين، فقال: إن الذين أتوا بالكذب (٢) في أمر عائشة ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي: طائفة منكم معشرَ المسلمين، وهذا تعجيبٌ من استزلال الشيطان أهلَ الإيمان بمثل هذا من العصيان. قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾: أي: لا تظنُّوه شرًّا أصابكم ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: بل هو لكم خيرٌ ولهم شرٌّ؛ لأن في ذلك أجرًا لكم وتكفيرًا لخطاياكم. قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾: أي: على كلِّ واحد منهم عقوبةُ ما اكتسب من الوِزر على قَدْر سعيه في إشاعةِ ذلك والقولِ به.

стр. 5378

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾: أي: والذي فعل بنفسه معظَم ذلك ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من العصبة ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أعظم من عذابِ مَن هو دونه. قيل: هو الذي بدأ به. وقيل: هو الذي كانوا يجتمعون عنده ويتكلَّمون به ويؤذون (١) إلى عائشة بذلت، وهو عبد اللَّه بن أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ لعنه اللَّه، وكان رأسَ المنافقين، ودخل في قوله تعالى: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ -وهم المؤمنون- لإظهاره الإيمان. وقيل: والذي تولَّى كبرَه حسان بن ثابت، وابن أبيٍّ، وأَروى، ومسطح بن أثاثة (٢). وروي أن النبي ﵇ جلد في هذا رجلين وامرأةً (٣)، ودخلت في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ لأنه كلمةُ جمع، والأنثى تدخل في جمع الذكور باسمهم. * * * (١٢) - ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾. قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾: أي: هلَّا إذ سمعتُموه ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾؛ أي: بأمثالهم كما قال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: كذب ظاهرٌ ولا يليق بهما، وعائشةُ هي زوجة رسول اللَّه وأحبُّ الناس (٤) إليه.

стр. 5379

وقال القشيري ﵀: بيَّن اللَّه تعالى بهذه القصة أنه لا يُخْلي أحدًا من المحنة والبلاء في المحبة والولاء، والمحنة من أقوى (١) أركان المحبة، قال رسول اللَّه ﷺ : "يُمتحَنُ الرجل على قَدْر دينه" (٢) وإن اللَّه ليغار على قلوب خواصِّ عباده، فإذا حصلت مساكنةٌ لبعضٍ إلى بعضٍ أجرى اللَّه ما يردُّ كلًّا عن صاحبه، فيردُّه إلى نفسه، وفي ذلك قالوا: إذا عَلِقَتْ رُوحي حَبيبًا تعلَّقتْ... به غِيَرُ الأيام كي تسلُبَنِّيا (٣) وإن النبي ﵇ لمَّا قيل له: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: "عائشة" (٤). وقالت عائشة: يا رسول اللَّه، إني لأحبُّك وأحبُّ قربك (٥). فأجرى اللَّه حديثَ الإفك حتى انصرف قلبُ رسول اللَّه، فكان لا يزيد على قوله: "كيف تيكم" وانصرف قلبها حتى قالت عند ظهور البراءة: نحمد اللَّه لا نحمدك (٦). * * * (١٣) - ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.

стр. 5380

قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ﴾: اي: العُصْبة ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾: إن كانوا صادقين فهلا أقاموا أربعة شهود (١). قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكم اللَّه؛ كما يقال: جوابه عند أبي حنيفة ﵀ كذا وعند الشافعي كذا، وهذا في كلِّ الناس: مَن قذف ولم يُقم عليه بينةً فهو كاذبٌ في حكم الشرع، به يسمى وإليه ينسب وإن كان صادقًا في الباطن، ولو أقام بينةً عُدَّ صادقًا وإن كان كاذبًا في الباطن. وقيل: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في علم اللَّه، وهذا يكون في حديث عائشة ﵂ على الخصوص؛ لأن اللَّه تعالى علِم كذبَ قذفِها (٢). وتأويل الآية على هذا القول: لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فيكونَ لهم حجةٌ في الظاهر على صدقهم، فإذ (٣) لم يأتوا بالشهداء فاعلموا أنهم عنده (٤) كاذبون في الباطن كما هم كاذبون عندكم في الظاهر. وفائدة هذا الكلام: أنهم لو أتوا بأربعة شهداء لكانوا غيرَ كاذبين في الظاهر، وكاذبين في الباطن. * * * (١٤) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

стр. 5381

قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أي: ولولا فضله عليكم ورحمته بأنْ لا يعاجلَكم بالعقوبة وبسَطَ لكم مدةَ التوبة ويقبلُ توبتكم، وهو فضلُه ورحمته في الدنيا، ثم يغفر لكم ويرحمكم يوم القيامة إذا أتيتم تائبين، ولا يعذبُكم ويتفضَّل عليكم فيدخلكم الجنة، وهو فضل ورحمة في الآخرة. قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أي: لنالكم فيما خُضتم فيه من الإفك عذابٌ عظيم تعاجَلون به. وقيل: معناه: ولولا فضل اللَّه عليكم ورحمته لمسَّكم فيما أفضتُم فيه عذاب عظيم في الدنيا والآخرة جميعًا، ولكنه تفضَّل عليكم ورحمَكم بأن يسترَ (١) عليكم في الدنيا وقَبِل توبتكم وأزال عنكم العذاب في الدارين بالتوبة. * * * (١٥) - ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: يرويه بعضُكم عن بعض. وقيل: أي: تأخذونه؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات﴾ [البقرة: ٣٧]. وأصله: (تتلقَّونه)، وهي قراءة أبيِّ بن كعبٍ، وقراءة عائشة: (تَلِقُونه) بكسر اللام وتخفيف القاف (٢) من الوَلَق وهو الكذب. وقيل: السرعة في الكذب.

стр. 5382

ومعنى التلقي بالألسنة: أن التلقِّيَ قد يكون بغيرِ الكلام، قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق: ١٧]، وذلك أخذ وكتابة من غير اختصاصٍ بالقول. وكان تلقيهم بالألسنة: أن بعضهم كان يقول لبعض: هل بلغك حديث عائشة؟ حتى فاض ذلك فيما بينهم. قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: والتقييد بالأفواه أيضًا: أنه لا حقيقة له فهو مقتصِر على وجودها بالأفواه لا غير، وهو كقوله تعالى في الظهار: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾: يسيرًا لا إثم فيه ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ تستحقُّون به العقوبة لإيذائكم رسول اللَّه ﷺ وزوجةَ رسوله، وإشاعةِ الفاحشة في المنزَّهة عنها. ومعنى ﴿عَظِيمٌ﴾: منكَرٌ شنيع، وإطلاقه في ذلك متعارفٌ. * * * (١٦) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾: أي: هلا إذ سمعتُم هذا الأفك قلتُم: ما يحلُّ لنا في دين اللَّه أن نتكلَّم بهذا الإفك. قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ كلمة تعجُّبٍ؛ أي: العجب ممن يتكلم بهذا قال الأعشى: أقولُ لمَّا جاءني فخرُه... سبحان من علقمةَ الفاخرِ (١) وقيل: أي: ننزِّهك عن أن نعصيَك نحن بالقذف.

стр. 5383

﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾: كذبٌ شنيع، وذكر في الآية المتقدمة: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ فيجوز أن يكونوا أُمروا بأن يتكلَّموا بالكلامين جميعًا مبالغةً في التبرُّؤ عن قبوله واعتقاده. ويجوز أن يكون الثاني تكلُّمًا باللسان، فقد ذكره بعد التصريح بالكلام: ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ والأول في القول في النفس، فقد ذكره في الظن (١): ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ فلا يكون تكرارًا، ويكون مجموعهما: يقولون في أنفسهم: لا نعتقد هذا، ويقولون بألسنتهم: نتبرأ (٢) من تجويز هذا. * * * (١٧) - ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: يحذركم اللَّه أن تعودوا إلى مثل ما فعلتُم من القول به وسماعه وتلقِّيه ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فإن الإيمان يوجب الاتِّعاظ بوعظِ اللَّه تعالى. * * * (١٨) - ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: أي: علاماتِ الدِّين التي يجب أن يُتديَّنَ بها. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بكم وبأعمالكم ﴿حَكِيمٌ﴾ يجزي على وَفْق العمل (٣). * * *

стр. 5384

(١٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: تُنشَر المقالة السيئة الشنيعة القبيحة في المؤمنين كهذا الإفكِ من غيرِ صحةٍ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ و (في المؤمنين) على هذا له وجهان: أحدهما: أنهم هم المقذوفون؛ أي: يسيئون القول فيهم. والثاني: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: بين (١) الذين آمنوا وهم السامعون؛ أي: يقذفون إنسانًا ويظهرونه فيما بين المؤمنين. والعذاب في الدنيا: حدُّ القذف، وذاك بالقذف. وفي الآية ذكر ﴿يُحِبُّونَ﴾ لكنْ لمَّا قال: ﴿أَنْ تَشِيعَ﴾ عُلم أنهم (٢) هم الذين أظهروا ما أَحَبُّوا بلسانهم بالتكلُّم بكلمة القذف. وعذاب الآخرة: النار وسائرُ العقوبات إن لم يتوبوا. وقال قتادة: ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾؛ أي: يظهر الزنا (٣). ومعناه: أنهم إذا أشاعوا عن عائشة ﵂ أنها فعلت كذا قالت النساء: إذا ارتكبت عائشة -وهي زوجةُ النبي ﵇ هذا فكيف بنا؟ فيقعن في الزنا ويظهرُ ذلك مخهن، فيكون المتكلِّم بهذا على الإفك مسبِّبًا ظهور الزنى في النساء، وله عذاب الدنيا والآخرة.

стр. 5385

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: مقاديرَ الجنايات والعقوبات. وقيل: واللَّه يعلم مَن الذي يحب أن تشيع الفاحشة، قالوا: وكان ذلك عبدَ اللَّه بن أبيٍّ ابنَ سلولَ لعنه اللَّه، وهو كقوله تعالى: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. * * * (٢٠) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: أي: لعاجلكم بالعقوبة على ما فعلتُم. وقيل: معناه: ولولا فضل اللَّه عليكم ورحمتُه بإنزال الوعيد (١) على إشاعةِ الفاحشة لشاعت. * * * (٢١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: أي: لا تسلكوا مسالكه، ولا تتَّبعوا أثاره -وهي وساوسُه- بالإصغاء إلى الإفك والقولِ به. ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: أي: مَن اتَّبع ذلك ارتكب الفحشاء والمنكر، فإن الشيطان لا يأمر إلا بهما، وهذا بيانٌ أنه إذا كان كذلك لم يجز طاعتُه ولم يَصلح اتِّباعه.

стр. 5386

والفحشاء: ما فيه حدٌّ، والمنكر: ما لا حدَّ فيه (١). وقيل: الفحشاء: القبيح، والمنكر: ما هو في نهاية القبح. ومعنى الفحشاء لغةً: الفعلة المفرِطةُ القبحِ، ومعنى المنكر: ما لا يعرفه العقل والشرع. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾: أي: ولولا توفيقُ اللَّه وعصمتُه ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾؛ أي: ما طهُر أحد منكم من دنَس الذنوب أبدًا، بل وقعتم فيها لأهواء النفوس وإغواء الشيطان. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يطهِّر، ودلَّ هذا على أن اللَّه خالقُ الأفعال، وهو حجَّتُنا على أهل الضلال. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: أي: للأصوات ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: بالأسرار، لا يَخْفَى عليه متَّبعُ الشيطان من غيره، والزكيُّ مِن غيره، وهو ترغيبٌ وترهيب. * * * (٢٢) - ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾: قيل: أي: لا يحلفْ، وفيه لغتان: آلى يؤلي إيلاء، قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وائتلى يأتلِي ائتلاءً، قال زهير: إنْ تَصْرِميني فإني مُؤْتَلٍ قسَمًا... باللَّه ليس على مَن قالها زورُ (٢)

стр. 5387

وقال أبو عبيدةَ وقطربٌ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾؛ أي: لا يقصِّر، وقد أَلَى يألُو أَلْوًا (١)؛ أي: قصر، قال تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ أي: لا يقصِّرون في إفساد أمركم، وائتلَى كذلك؛ قال امرؤ القيس: ألَا رُبَّ خصمٍ فيكِ أَلْوَى ردَدْتُه... نصيحٍ على تَعْذالهِ غيرِ مؤتَلِ (٢) ﴿أُولُو الْفَضْلِ﴾؛ أي: أولو الفضيلة في الدين والسَّعة؛ أي: الغنى في المال، والواسع: الغني. وقيل: ﴿أُولُو الْفَضْلِ﴾؛ أي: أولوا لإفضال؛ أي: المشهورون بذلك. ثم المنكرون فضلَ أبي بكر يحملون هذا الفضلَ على فضل المال، لكن لا معنى له لأنه مستفاد من قوله: ﴿وَالسَّعَةِ﴾، فعُرف أن الفضل ليس بذلك لأنه مُعادٌ محضٌ، بل هو الفضل في الدين. قوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يعطوا أقرباءهم المساكين المهاجرين، وإدخالُ الواو لاختلاف الصفات، والموصوفون طائفةٌ واحدة.

стр. 5388

وقيل: هم جمعٌ أريد بهم الواحد، وهو مسطحُ بن أُثَاثةَ الذي ذكرناه في القصة، وقع في الإفك بشؤم صحبةِ ابن أُبيٍّ، وكان جلس تلك الساعة عنده، وحلف أبو بكر الصدِّيقُ ﵁ أن لا ينفق عليه بعد هذا، وكان في نفقته، فنزلت فيهما هذه الآية. وفيه بيانُ فضل الصدِّيق من وجوه: أحدها: أنه نهاه مغايبةً وهو تشريفٌ. وسماه (أولي الفضل) فدل على فضله من وجهين: من جهة الجمع، ومن جهة التنصيص على الفضل. وحثَّه على إيتاء أولي القُربى والمساكين والمهاجرين في سبيل اللَّه، وكان مسطحٌ قريبَه ابنَ بنت خالته، وكان مسكينًا، وكان مهاجرًا، وفيه بيان فضل مسطحٍ أيضًا. قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا﴾: أي: وليتجاوزوا عن الجفاء ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾؛ أي: وليُعْرِضوا عن العقوبة، وهما أمران مغايبة أيضًا (١). قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: وهذا غايةُ تلطُّفٍ في الخطاب؛ أي: فإذ أحببتُم مغفرة اللَّه لكم فاغفروا لغيركم. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: فتأدَّبوا بإذن اللَّه واغفروا وارحموا. ولما نزل: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو بكر: بلى رب، ثم عاد لمسطح إلى ما كان وكفَّر يمينه (٢).

стр. 5389

ثم السبب وإن كان خاصًّا فاللفظ عامٌّ، وهو جمعٌ، فكان خطابًا لكلِّ مَن كان ذا فضل وسعة في حق كلِّ ذي قربى ومسكينٍ ومهاجر. وقال الضحاك: ولما نزل عذرها من السماء قال أبو بكر ﵁ وآخرون من المسلمين: واللَّه لا نَصِلُ رجلًا تكلَّم بشيء من أمر عائشة، ولا نتصدَّق عليه، ولا يكون بيننا وبينه خيرٌ أبدًا، فنزلت الآية (١). وقال القشيري: تحرَّك في الصدِّيق ﵁ عرقٌ من البشرية حتى همَّ بقطع الرِّفق من مسطحٍ، فأبى اللَّه تعالى له ذلك وأنزل هذه الآية، فلم يرض من الصدِّيق أن يتحرك فيه عرقٌ من الأحكام النفسية والمطالبات البشرية، فعاد لِمَا كان يفعله من الإحسان إليه، والإحسانُ إلى المحسن مكافأةٌ، وإلى مَن لا يسيء ولا يحسِنُ فضل، وإلى الجاني (٢) فتوةٌ وكرم. وقال في قوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾: العفو: أن يتجاوز عن الجاني، والصفح: أن يتناسى جُرمه. وقيل: العفو بالفعل، والصفح بالقلب فلا يبقى فيه كراهة، وأنشدوا: ربَّ رامٍ لي بأحجارِ الأذى... لم أجد بدًّا من العطف عليه فعسى يطَّلعُ اللَّه على... فرح (٣) القوم فيدنيني إليه (٤) * * *

стр. 5390

(٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: أي: يقذفون العفائف ﴿الْغَافِلَاتِ﴾؛ أي: عن الفواحش؛ أي: لا يفكِّرن فيها ولا يتعرَّضن (١) لها ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بكلِّ ما يجب الإيمان به، وفيه إثبات هذه الصفات لعائشة ﵂. قوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا﴾: أي هؤلاء القذَفةُ أُبعدوا في الدنيا عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين ﴿وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: وفي الآخرة عن رحمة اللَّه، ويتكلَّم المؤمنون في الدنيا بلعنهم، والملائكةُ في الآخرة، وكذلك أهل الموقف، وكذلك أهل النار، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقال: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. والآية في عبد اللَّه بن أبيٍّ المنافقِ وأصحابه، وكان اللَّه تعالى علِم منهم الموتَ على النفاق فألزمهم اللعنة (٢) في الدارين. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في حقِّهم أيضًا. وبهذا التأويل ينقضي سؤال مَن قال: ذكر في أول هذه السورة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥]، فجعل لهم توبةً والتائبُ لا يكون له لعنةُ الآخرة، لكن نقول: هذه الآية الثانية في حق المنافقين، ولا توبةَ لهؤلاء المنافقين المخصوصين. وقيل: إن اللَّه ينتقم لأوليائه بأبلغَ مما ينتقم في حقِّ نفسه، قال في حق اليهود

стр. 5391

الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ولا كلامَ أشنعُ منه: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤] فأطلق ولم يقل: في الدنيا والآخرة. وقال في حقِّ قذَفةِ المحصَنات خصوصًا زوجةَ رسوله عائشة ﵂: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. * * * (٢٤) - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿يَشْهَد﴾ بياء التذكير لتقدُّم الفعل الحائل، والباقون بالتاء لأنها فعلُ الألسنة وهي جمعٌ (١)؛ أي: ولهم عذابٌ عظيم يومَ تشهد عليهم ألسنتهم بالإفك الذي جاؤوا به، فتعترِف، فيُقذفون بذلك في النار. ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: ثم تشهد الأيدي والأرجلُ بسائر المعاصي التي عملوا بها، ولا يعارض هذا قولَه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] وشهادةُ الألسنة مع الختم على الأفواه لا تتحقق = لأن ذلك يكون في حال وهذا في حال، ولأن هذا في حق القَذَفة وذاك في حق (٢) الكفار الذين يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فيُختم على أفواه أولئك. وقال النبي ﵇: "إذا كان يومُ القيامة يقول الكافر: إنك وعَدْتني أنْ لا تَظْلِمني، وإني لا أقبل اليومَ عليَّ إلا شاهدًا من نفسي، فيَختم اللَّه على لسانه ويُشهِد

стр. 5392

عليه جوارحَه بما عمل بها من المعاصي، ثم يُنطق اللَّه لسانه فيقول لجوارحه: أفٍّ لكنَّ فعنكنَّ كنتُ (١) أناضل" (٢). وقال القشيري: كما يشهد على قومٍ يشهد لقومٍ: العينُ بالبكاء، واليد بالعطاء، وكذا سائر الأعضاء، وتشهد في الدنيا أيضًا على المحبة بآثارها: من صُفرة الوجوه، وشُحوب اللون، ونحافة الجسم، وجَرْي الدمع (٣). * * * (٢٥) - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾. قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾: أي: حسابَهم؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]؛ أي: الحساب المستقيم، وإيفاء الحساب إيفاءُ الجزاء؛ قال تعالى: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩]. وقيل: الدِّين هو الجزاء؛ يقال: كما تَدِين تُدَان (٤)؛ أي: كما تفعل تجازَى به. و ﴿الْحَقُّ﴾ صفة له؛ أي: هو حقٌّ مستحَقٌّ ولا جورَ فيه بزيادةِ عذاب على غيرِ ذنب ونقصانِ ثوابٍ على طاعةٍ.

стр. 5393

وقال أبو عبيد (١): هو كقوله: دينَهم حقًا؛ أي: صدقًا، ثم عرَّفه باللام. قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾: على الحقيقة ﴿الْمُبِينُ﴾ ذلك بالبراهين. * * * (٢٦) - ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾: أي: الكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين؛ أي: كلمات القذف إنما تليق بالفسَّاق. قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾: أي: الفساق هم الذين يليق بهم الكلام الخبيث. وقيل: الخبيثات من الكلام إنما تُلصق بالخبيثين لا بالطيبين، وعائشة طيبةٌ اختارها اللَّه لصحبة نبيِّه فلا يُلصق بها هذا. قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾: أي: الكلمات الطيِّبة للرجال الطيبين ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ كذلك. وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وقال: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤]، فدلَّ أن الكلمة توصف بالخبيث والطيب، والخبيثون والطيبون يتناول الذكورَ والإناث جميعًا. وقيل: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من القول والعمل ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وعلى هذا بقيَّتُه. وقيل: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من النساء ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وكذا بقيَّتُه، وفيه

стр. 5394

تبرئةُ (١) عائشةَ ﵂ لِمَا أنها زوحةُ رسول اللَّه ﷺ ، فهي طيبةٌ لزوجٍ طيبٍ، وامرأةُ المنافق القاذف (٢) خبيثةٌ لزوجٍ خبيث. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: قال بعض المفسرين: هي عائشة. وقيل: عائشةُ وصفوانُ. وهو جمعٌ أريد به الواحد أو الاثنان. وقيل: أي: الطيباتُ والطيبون مبرَّؤون مما يقول الخبيثاتُ والخبيثون، واندرج في ذلك عائشة وصفوان ﵄. وقيل: هذا يعم الصِّنفين؛ أي: الطيبات والطيبون مبرَّؤون عن كلام خبيثٍ (٣) يقال فيهم، والخبيثات والخبيثون مبرَّؤون عن كلامٍ طيب يقال فيهم. قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أي: في الجنة، وهذا لعائشةَ ﵂ وصفوانَ، أو لكلِّ الطيبين والطيبات. والقشيريُّ ﵀ أجرى الخبيثات والطيبات في الأقوال والأفعال والأحوال والأموال، والطيبين والخبيثين على الرجال والنساء، فأطال وأطاب (٤)، وحمل الكلَّ أيضًا على الأشخاص. وقرَّر من وجهٍ آخر فقال: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من الأشخاص وهنَّ المبرَّآت من وهج الخطر، المتنقِّيات عن سَفْساف أخلاق البشرية، أو، من التعريج في أوطان الشهوات ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الرجال الذين هم قائمون بحقِّ الحقِّ لا يصحبون الخلق

стр. 5395

إلا للتعفُّف دون استجلابِ الشهوات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ في المآل ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الحال، وهو ما ينالون من غيرِ استشرافٍ وطمعٍ وتعب (١). * * * (٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾: وهو تأديبٌ بما يرجع إلى السَّتر والتحرُّز عن الاطِّلاع على عورة. يقول: لا يدخلنَّ أحدُكم بيتَ غيره (٢) مغافصةً (٣) حتى يستأنس؛ أي: يبصرَ هل في البيت إنسان؟ فإن كان، قال: السلام عليكم أدخل؟ فإنْ أُذن فليدخل، وأضمر في آخره: وتسلموا على أهلها مستأذِنين فيؤذن لكم، وصحَّ هذا الإضمار لأن الكلام سيق له فعرف (٤) ذلك فيه، وبما بعده أيضًا وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية. قال الفرَّاء: الاستئناس: النظر، يقال: اذهب فاستأنِسْ: هل ترى أحدًا (٥)؟ وقال تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦].
следующие страницы →