الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ولا كلامَ أشنعُ منه: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤] فأطلق ولم يقل: في الدنيا والآخرة.
وقال في حقِّ قذَفةِ المحصَنات خصوصًا زوجةَ رسوله عائشة ﵂: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
* * *
(٢٤) - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿يَشْهَد﴾ بياء التذكير لتقدُّم الفعل الحائل، والباقون بالتاء لأنها فعلُ الألسنة وهي جمعٌ (١)؛ أي: ولهم عذابٌ عظيم يومَ تشهد عليهم ألسنتهم بالإفك الذي جاؤوا به، فتعترِف، فيُقذفون بذلك في النار.
﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: ثم تشهد الأيدي والأرجلُ بسائر المعاصي التي عملوا بها، ولا يعارض هذا قولَه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] وشهادةُ الألسنة مع الختم على الأفواه لا تتحقق = لأن ذلك يكون في حال وهذا في حال، ولأن هذا في حق القَذَفة وذاك في حق (٢) الكفار الذين يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فيُختم على أفواه أولئك.
وقال النبي ﵇: "إذا كان يومُ القيامة يقول الكافر: إنك وعَدْتني أنْ لا تَظْلِمني، وإني لا أقبل اليومَ عليَّ إلا شاهدًا من نفسي، فيَختم اللَّه على لسانه ويُشهِد
стр. 5392
عليه جوارحَه بما عمل بها من المعاصي، ثم يُنطق اللَّه لسانه فيقول لجوارحه: أفٍّ لكنَّ فعنكنَّ كنتُ (١) أناضل" (٢).
وقال القشيري: كما يشهد على قومٍ يشهد لقومٍ: العينُ بالبكاء، واليد بالعطاء، وكذا سائر الأعضاء، وتشهد في الدنيا أيضًا على المحبة بآثارها: من صُفرة الوجوه، وشُحوب اللون، ونحافة الجسم، وجَرْي الدمع (٣).
* * *
(٢٥) - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾: أي: حسابَهم؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]؛ أي: الحساب المستقيم، وإيفاء الحساب إيفاءُ الجزاء؛ قال تعالى: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩].
وقيل: الدِّين هو الجزاء؛ يقال: كما تَدِين تُدَان (٤)؛ أي: كما تفعل تجازَى به.
و ﴿الْحَقُّ﴾ صفة له؛ أي: هو حقٌّ مستحَقٌّ ولا جورَ فيه بزيادةِ عذاب على غيرِ ذنب ونقصانِ ثوابٍ على طاعةٍ.
стр. 5393
وقال أبو عبيد (١): هو كقوله: دينَهم حقًا؛ أي: صدقًا، ثم عرَّفه باللام.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾: على الحقيقة ﴿الْمُبِينُ﴾ ذلك بالبراهين.
* * *
(٢٦) - ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾: أي: الكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين؛ أي: كلمات القذف إنما تليق بالفسَّاق.
قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾: أي: الفساق هم الذين يليق بهم الكلام الخبيث.
وقيل: الخبيثات من الكلام إنما تُلصق بالخبيثين لا بالطيبين، وعائشة طيبةٌ اختارها اللَّه لصحبة نبيِّه فلا يُلصق بها هذا.
قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾: أي: الكلمات الطيِّبة للرجال الطيبين ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ كذلك.
وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وقال: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤]، فدلَّ أن الكلمة توصف بالخبيث والطيب، والخبيثون والطيبون يتناول الذكورَ والإناث جميعًا.
وقيل: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من القول والعمل ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وعلى هذا بقيَّتُه.
وقيل: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من النساء ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وكذا بقيَّتُه، وفيه
стр. 5394
تبرئةُ (١) عائشةَ ﵂ لِمَا أنها زوحةُ رسول اللَّه ﷺ ، فهي طيبةٌ لزوجٍ طيبٍ، وامرأةُ المنافق القاذف (٢) خبيثةٌ لزوجٍ خبيث.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: قال بعض المفسرين: هي عائشة.
وقيل: عائشةُ وصفوانُ. وهو جمعٌ أريد به الواحد أو الاثنان.
وقيل: أي: الطيباتُ والطيبون مبرَّؤون مما يقول الخبيثاتُ والخبيثون، واندرج في ذلك عائشة وصفوان ﵄.
وقيل: هذا يعم الصِّنفين؛ أي: الطيبات والطيبون مبرَّؤون عن كلام خبيثٍ (٣) يقال فيهم، والخبيثات والخبيثون مبرَّؤون عن كلامٍ طيب يقال فيهم.
قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أي: في الجنة، وهذا لعائشةَ ﵂ وصفوانَ، أو لكلِّ الطيبين والطيبات.
والقشيريُّ ﵀ أجرى الخبيثات والطيبات في الأقوال والأفعال والأحوال والأموال، والطيبين والخبيثين على الرجال والنساء، فأطال وأطاب (٤)، وحمل الكلَّ أيضًا على الأشخاص.
وقرَّر من وجهٍ آخر فقال: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من الأشخاص وهنَّ المبرَّآت من وهج الخطر، المتنقِّيات عن سَفْساف أخلاق البشرية، أو، من التعريج في أوطان الشهوات ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الرجال الذين هم قائمون بحقِّ الحقِّ لا يصحبون الخلق
стр. 5395
إلا للتعفُّف دون استجلابِ الشهوات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ في المآل ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الحال، وهو ما ينالون من غيرِ استشرافٍ وطمعٍ وتعب (١).
* * *
(٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾: وهو تأديبٌ بما يرجع إلى السَّتر والتحرُّز عن الاطِّلاع على عورة.
يقول: لا يدخلنَّ أحدُكم بيتَ غيره (٢) مغافصةً (٣) حتى يستأنس؛ أي: يبصرَ هل في البيت إنسان؟ فإن كان، قال: السلام عليكم أدخل؟ فإنْ أُذن فليدخل، وأضمر في آخره: وتسلموا على أهلها مستأذِنين فيؤذن لكم، وصحَّ هذا الإضمار لأن الكلام سيق له فعرف (٤) ذلك فيه، وبما بعده أيضًا وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية.
قال الفرَّاء: الاستئناس: النظر، يقال: اذهب فاستأنِسْ: هل ترى أحدًا (٥)؟ وقال تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦].
стр. 5396
وقال القتيبي: الاستئناس: الاستئذان والاستعلام، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]؛ أي: عَلمتُم (١).
وقيل: هو طلب الأُنس وسؤالُه، ومَن استأذَن فأُذن له وقع له به الأُنس.
وروي أنهم كانوا لا يستأذن الواحد منهم قبل الدخول، لكن يفتح ويدخل ويقول: قد دخلت، فربما شقَّ ذلك على الرجل، فنزلت الآية (٢).
وقال السُّدِّي: الاستئناس: التنَحْنُح والتنخُّع (٣).
وقال عكرمة: التسبيح والتكبير (٤).
قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: أنفعُ لكم في دينكم ودنياكم، أما في الدِّين فإحرازُ الثواب بالائتمار (٥)، وأما في الدنيا فلأن مَن دخل بغيرِ إذنٍ فلعله يهجم على ما يسوءه أو يسوء المدخولَ عليه.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: تتَّعظون بمواعظ اللَّه فتُؤْجَرون به، فذلك هو الخير.
* * *
(٢٨) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
стр. 5397
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ يأذن لكم ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا﴾ وقال المبرد: أي: فإن لم تعلموا، يقال: وجدت زيدًا كريمًا؛ أي: علمتُه كذلك، ولو حُمل على حقيقة الوجود فذاك يكون بعد الدخول وهو غير مطلَق قبل الإذن.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾: أي: إن قيل لكم بعد الاستئذان: ﴿ارْجِعُوا﴾ فلا تدخلوا بغير إذن، ولا تقعدوا على الباب أيضًا، بل ارجعوا ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾؛ أي: أطهر لكم وأبعدُ عن التدنُّس بالإثم.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾: من طاعة ومعصية في هذا الأمر وغيره، لا يخفى عليه ذلك ولا يعجز عن جزائه، وهو ترغيب وترهيب.
* * *
(٢٩) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
وقال مقاتل: ولما نزلت هذه الآية قال أبو بكر ﵁: يا رسول اللَّه، أرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن، فأنزل اللَّه تعالى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (١): وهي الخانات الموقوفة والرِّبَاطات، والخَرِبات التي يدخلها الإنسان لقضاء الحاجة، وهي كالأسواق (٢) وُضعت لمنافع العامة، والحاجةُ إلى الأذن كانت لحقِّ المالك أو الساكن فيه بحقِّ مِلكٍ أو إجارةٍ، فإذا انعدم ذلك سقط الاستئذان.
стр. 5398
وقوله: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا﴾؛ أي: في أن تدخلوا.
قوله تعالى: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾: أي: منفعةٌ وتمتُّع، وقيل: أي: ثوبٌ ونحوُه.
قال مجاهد: وكانت الطرق والمساكن إذ ذاك آمنةً، فكان الرجل يضع حرَّ متاعه في رباطٍ أو بيتٍ ويغلق بابه ويمرُّ، فإذا جاء وجد متاعه بعينه، فذلك قوله: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾: من قولٍ وعملٍ، وهو عامٌّ.
وقيل: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ في الاستئذان: هل تقصدون به الطاعة أو غيرَ ذلك؟ وفيه تنبيهٌ على إصلاح النية في كلِّ شيء.
* * *
(٣٠) - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾: وهذا يتَّصل بالستر أيضًا كالذي سبق؛ أي: قل يا محمد للرجال المؤمنين يغضُّوا (٢) أبصارهم عما لا يحلُّ النظر إليه ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾؛ أي: يستروها عن أن يراها (٣) مَن لا يحلُّ له رؤيتُها.
وقيل: أي: يحفظوها عن أن يواقعوا بها محرَّمًا.
والأول أشبه؛ لأن الآية فيما يحلُّ النظر إليه وما لا يحل.
стр. 5399
ثم زاد كلمةَ ﴿مِنْ﴾ في الأبصار دون الفروج، ولذلك وجهان:
أحدهما: أن ﴿مِنْ﴾ صلة كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ أَحَدٍ﴾ [الحاقة: ٤٧]؛ أي: أحدٌ، وكان يجوز حذفها منهما وإدخالها فيهما، فجاز حذفها من أحدهما والإدخال في الآخر.
وقيل -وهو الوجه الثاني-: أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وليس كلُّ نظرٍ محرَّمًا، فأَمر بالغضِّ من الأبصار ليكون مقصورًا على ما حرِّم منه دون ما حلَّ، ووجوه الحلِّ فيه أكثر فذكر حرف التبعيض، والفروج كذلك لكن (١) وجوه الحرمة فيها أكثر فأطلق الأمر لحفظها دلالةً على الشمول.
وقيل: ﴿مِنْ﴾ ليس للتبعيض، بل فعلُ الغضِّ يستعمل مع هذه الصلة؛ يقال: فلان يغض من بصره؛ أي: ينقص من بصره (٢).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾: أي: أطهرُ وأبعدُ عن دَنَس الإثم و ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ترغيبٌ وترهيب كما قلنا.
* * *
(٣١) - ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
стр. 5400
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾: ولعِظَم هذا الأمر خصَّ النساء وأفردَهن بهذين الأمرين (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أي: ولا يُظهِرْن مواضعَ الزينة، فهذا مضمر، وهذا لأن إظهار عينِ الزينة -وهي الحليُّ وغيرُها- غيرُ منهيٍّ عنه، بل أريد بها مواضعُها، أو إظهارُها وهي في مواضعها؛ لإظهار مواضعها لا لإظهار أعيانها.
﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: وشَقَّ سَترُه، واختُلف في تفسير هذا المستثنى الذي لا يَحرُم كشفُه على المحارم والأجانب جميعًا:
قيل: الزينة: الثياب؛ كما في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ أي: لباسكم، فقد كانوا يتعرَّون، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو الملاءة والبُرقع والخفاف، فعلى قول القائلين بهذا: لا يحل النظر إلى شيء منها ومن ثيابها إلا إلى ملاءتها وبرقعها وخُفِّها الظاهرةِ عليها، ولا يحل لها إظهارُ شيء منها إلا هذا، وهو قول ابن مسعود ﵁.
وقيل: الزينة: الحليُّ، ومواضعها: الأعضاء المخصوصة بها، ومواضع الزينة المطلقة منها هذه الأشياء:
الرأس: لأنه موضع الإكليل.
والشعر: لأنه موضع العِقاص والدُّرَيهمات.
والأذن: لأنها موضع القُرط.
والعنق: لأنه موضع القِلَادة.
стр. 5401
والصدر: لأنه موضع الوشاح.
والعضدين: لأنهما موضعا الدُّمْلوجين.
والذراعين: لأنهما موضعا السوار.
والساقين: لأنهما موضعا الخلخال.
ويحلُّ النظر إليها للمحارم، لِمَا ذكر في هذه الآية بعد هذا القسم.
وأما مواضع الزينة الظاهرة التي يحلُّ النظر إليها للأجانب إذا لم يكن شهوةٌ بهذا الاستثناء -وهو قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ - فالوجه والكفان عند عامة العلماء.
وقال جماعة من الصحابة ﵃: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الكحل والخاتم والخِضَاب، فالكحل زينة الوجه، والخاتم زينة الإصبع، والخضاب زينة الكفين (١).
وقال بعض الناس: الكحل للعين خاصةً، والخاتم للإصبع خاصةً، ولا يباح غيرهما.
وقالت عائشة ﵂: هي مضطرةٌ إلى كشف عينٍ واحدة للمشي، ولا ضرورة في غير ذلك، ولا يباح لها الإبداء ولا لغيرها النظر إلا في عين واحدة.
وقلنا: إنها قد تضطرُّ إلى الخروج للبيع والشراء، وتحتاج إلى الأخذ والعطاء، وتحتاج إلى كشف العينين للمشي، وفي كشفهما كشفُ بعض الوجه، وفي المناولات كشفُ الكفين.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾: أي: ولْيُلْقينَ أغطية رؤوسهن على مواضع جيوب دُروعهن؛ أي: قُمُصِهن.
стр. 5402
وكنَّ في الجاهلية يَسْدُلنَ خُمرهنَّ من خلفهنَّ، فكانت تنكشف صدورهنَّ وآذانُهنَّ، فأمرن أن يُلقين أطراف خمرهنَّ على جيوبهنَّ، وهي في مواضع صدورهنَّ؛ لتغطي بذلك أعناقَهنَّ وشعورهنَّ وآذانهنَّ وصدورهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾: أي: مواضعَ الزينة الباطنة ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾؛ أي: أزواجهن ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ ويدخل فيهم الأجداد ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فقد صاروا محارمَ أيضًا (١) ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ ويدخل فيهم النوافل.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾: فقد صاروا محارم أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾: ويدخل فيهم (٢) نوافل الإخوة والأخوات أيضًا، وإذا ثبت في هؤلاء المحارمِ ثبت في سائر المحارم من الأعمام والأخوال، وفي المحارم بالرضاع؛ لأن ذكر بعضهم تنبيهٌ على سائرهم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾: أي: الحرائرِ المسلمات.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: أي: إماؤهن، ولا يحلُّ لعبدها أن ينظر إلى هذه المواضع، ومِن الناس مَن أحلَّ ذلك بهذه الآية، وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يتناول الغلامَ والجارية جميعًا.
وقلنا: قال سَمُرةُ بن جُندبٍ: لا يغرَّنكم هذه الآية، فإنها نزلت في الإماء (٣).
وقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾: قرأ ابن عامر وعاصم
стр. 5403
في رواية أبي بكر ﴿غيرَ﴾ بالنصب على الاستثناء، والباقون بالخفض على النعت (١).
والإربةُ: الحاجة، ومعناه: الرجال الذين هم أتباعُ هذا البيت ممن لا يشتهِي النساء ولا يَحتاج إليهن، وليس هذا بواقعٍ على الخصيِّ والمجبوبِ والمخنَّث لأنهم يَشْتَهُون ويُشْتَهَون.
وقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾: أي: الأطفال؛ لأنه جنسٌ فصلح (٢) للجمع.
﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾: قال القُتَبيُّ: أي: لم يَفهموا ذلك ولم يقفوا عليه (٣)، من قوله: ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠].
وقال الفرَّاء: أي: لم يَبلغوا أن يُطيقوا النساء، يقال: صارع فلانٌ [فلانًا] وظهَر عليه (٤)، وقال تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾؛ أي: على الأرض بشدة.
وقوله تعالى: ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾: وهي الخلاخيل، وقال جابر بن زيد: هو الحَلَقُ الصغار (٥)؛ لأن في ذلك فتنة.
وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: التزموا هذه الأوامر والنواهيَ، ثم توبوا إلى اللَّه؛ لأنكم لا تخلُون من سهوٍ وإغفال (٦) وتقصير فيها فلا تتركوا التوبة في كل حال.
стр. 5404
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: لتُفلحوا.
وقال محمد بن جرير: أي: ارجعوا إلى (١) طاعة اللَّه فيما أمركم به ونهاكم عنه؛ من غضِّ البصر، وحفظِ الفرج، وترك دخول بيوت غيركم إلا بإذنه، وغير ذلك (٢).
وقال القشيري ﵀: التوبة: الرجوع عن المذمومات من الأفعال إلى أضدادها، وجميع المؤمنين مأمورون بالتوبة، فتوبة عن الزلة وهي توبة العوام، وتوبة عن الغفلة وهي توبة الخواص، وتوبة على محاذرة العقوبة، وتوبة على ملاحظة الأمر.
وقيل: أمر الكافة بالتوبة: العاصينَ بالرجوع إلى الطاعة عن المعصية، والمطيعين من رؤية الطاعة إلى رؤية التوفيق، وخاصَّ الخاصِّ من رؤية التوفيق إلى مشاهدة (٣) الموفِّق.
وقيل: أمر الكافة بالتوبة كيلا يخجل العاصي من الرجوع على الانفراد.
وقيل: مساعدة الأقوياء مع الضعفاء رفقًا بهم من أمارات الكرم.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بيانٌ أنه أمرهم بالتوبة لينتفِعوا هم بذلك، لا أن يكون للحق بها تجمُّل (٤).
وقيل: أحوج الناس إلى التوبة مَن توهَّم أنه ليس له حاجةٌ إلى التوبة (٥).
* * *
стр. 5405
(٣٢) - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾: وهو تحصيلُ التَّستُّر (١) والعفَّة أيضًا.
والأيِّم: كلُّ ذكر لا أنثى معه، وكلُّ أنثى لا ذكر معها، ولهذا سُميت الحية أيِّما بالتشديد والتخفيف كالميِّت والميْت؛ لأنَّها لا تكاد تكون في جُحرها إلا وحدها.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾؛ أي: زوِّجوا مَن لا زوج له منكم، ويدخل فيه الرجال والنساء، فيزوِّج الرجل وليَّته بالولاية، ويزوِّج مَن خطبها إليه من الرجال، كما روي: "أَنْكِحوا أبا هند وانكِحوا إليه" (٢)؛ أي: زوِّجوه واخطِبوا إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾: بولاية المِلك، وهو أمرٌ بتحصين المماليك، وذكرُ الصلاح للترغيب في تحصين مَن همتُه التحصُّن (٣)، وليس بشرط لصحة العقد، وذلك كما ذكر بعده: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وهذا للترغيب في تحصين (٤) أهل الخير عن مشقَّة الرق، وليس بشرطٍ في (٥) صحة الكتابة.
стр. 5406
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: لا تنظروا إلى فقر الخاطب أو فقرِ المخطوبة، ففي فضل اللَّه ما يغنيهم، والمال غادٍ ورائحٌ، وقد يقع الغنى، فليس الفقرُ بمانع من الرغبة في الإنكاح، وليس المراد به الوعدَ والغنى على وجهٍ يكون (١) لا محالة.
ومنهم مَن قال: هو وعدٌ به؛ قال عمر ﵁: ابتَغوا الغنى في النكاح (٢)، ما رأيتُ مثل مَن قعد أيمًا بعد هذه الآية (٣).
وقد تكون المرأة فقيرة فتستغني بالنكاح بالمهر والنفقة.
وقد يتناكحان ويتعاونان على المعاش فيستغنيان.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: أي: غنيٌّ قادر على إغنائكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده فيُغني إذا رأى الصلاح في الغنى.
وقيل: ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّاتكم في إنكاح (٤) عبيدكم وإمائكم، أنه للإعفاف أو غيرِ ذلك، فيجزيكم على نياتكم.
ويروَى عن بعض الصحابة رضوان اللَّه عليهم: أنه كان منكاحًا مطلاقًا، فقيل له في ذلك، فقال: إن اللَّه تعالى وعد الغنى فيهما (٥)، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ
стр. 5407
فَضْلِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] (١).
* * *
(٣٣) - ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: لا يقدرون عليه؛ كقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، يقول: ومَن لم يجد سعةً للنكاح فلْيَصبر وليَصُن فرجَه عن الحرام، فإن نيَّته إذا حسُنت (٢) في الكف عن الحرام أغناه اللَّه تعالى من فضله بأنْ يرزقه اللَّه مالًا يتزوَّج به، أو يقيضَ له امرأة ترغب فيه مع فقره باليسير من الصَّداق، أو بأن يعصمه ويزيل عنه شدة الشهوة، وما عند اللَّه خيرٌ (٣)، ومَن ترَك شيئًا للَّه عوَّضه اللَّه ما هو خير منه.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾: أي: والمماليكُ الذين يطلبون الكتابَة، وهي العَقد للعِتق على مالٍ منجَّم على العبد يؤدِّيه على النجوم فيَعْتِقُ إذا أدَّى الجميع.
وقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾: أي: أجيبوهم إلى ذلك ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ وقد بينَّا معنى كلمة الشرط في أول هذه الآية.
стр. 5408
وقيل: معناه (١): إن علمتُم فيهم قوةً على اكتسابٍ وأمانةٍ بحفظِ ما يكتسبون فيؤدُّونه فيَعْتِقون، وسمي هذا العقدُ كتابةً لأن بدلها (٢) منجَّم، والمالُ المنجَّم (٣) يُكتب فيه كتابٌ على مَن عليه المال غالبًا، فاختُصَّ هذا العقد بهذا الاسم لاختصاصه بهذا الوصف، وهذا أمرُ ندبٍ لا حتمٍ.
واتِّصال هذا بالأول: أنه إذا كان فيه خيرٌ فإنما يَطلب الكتابةَ ليجتهد فيكتسبَ فيؤديَ فيَعْتِقَ فيصيرَ أقدرَ على تحصيل ما يتزوَّج به فيصلَ إلى التعفُّف له (٤) إن لم يزوِّجه المولى.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾: أي: أعطوهم، قال الشافعي: أي: حُطُّوا من بدل الكتابة شيئًا قلَّ أو كثُر، وهو واجبٌ، ويُحطُّ ذلك من آخر نجومه.
وعن بعض السلف: حُطُّوا (٥) ثلثًا أو ربعًا (٦).
وقال سفيان: يَحُطُّ ربعًا أو أقلَّ منه (٧)، وهو ندبٌ لا حَتْمٌ.
стр. 5409
وعندنا هو (١) أمر لسائر الناس أن يعطوهم من الزكاة؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهم المكاتبون، وهو الصحيح؛ لأن الإيتاء هو التمليك فلا يقع على الحط.
وقال الإمام القشيري ﵀: وإذا كنا مأمورين بكلِّ هذا الرفق حتى يصل المملوك المسكين إلى العتق، فبالحريِّ (٢) أن يقوى الرجاءُ للعبد بالعتق من النار من فضل اللَّه (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾: أي: لا تُجبروا إماءكم على الزنا بالأجرة إن أردن تعفُّفًا (٤).
وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يعني: أجرهن وأولادهن.
وقيل: إن الزاني كان يفدي ولده من المزنيِّ بها بمئةٍ من الإبل يدفعُها إلى سيدها.
وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ليس على أن ذلك مباحٌ إذا طاوَعْن، لكنْ على معنى: أن الإماء إذا رغبن في التحصُّن فأنتم أحق بذلك.
وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: وأنكحوا الأيامى منكم إنْ أردن تحصُّنًا، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء لتبتغوا عرض الحياة الدنيا.
стр. 5410
وقال مقاتل بن سليمان: نزلت في مُعاذةَ ومُسيكةَ وأُميمةَ وعَمْرةَ وقُتَيلةَ وأروى؛ كنَّ إماءَ عبد اللَّه بن أبيٍّ ابنِ سَلُولَ المنافقِ لعنه اللَّه، لمَّا نزل تحريم الزنا أتينَ النبيَّ ﷺ فشكَينَ إليه فنزلت (١).
وفي رواية: قالت معاذة لمسيكة: إن كان هذا الأمر منا خيرًا فقد استكثرنا منه، وإن كان شرًا فقد آن لنا أن نتوب، فنزلت (٢).
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: قال الحسن: لهنَّ واللَّه، لهنَّ واللَّه (٣).
وقال عكرمة وغيره: كان هذا الإكراهُ بالضرب والتعذيب (٤)، ودلَّ أن الإكراه يتحقَّق في الزنا، والانتشار لا يدلُّ على الطواعية.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وابن عامر وعاصم في رواية حفصٍ بالكسر؛ أي: مرشداتٍ هاديات، وقرأ الباقون: بالفتح (٥)؛ أي: قد بينَّاها.
يقول: قد أوحينا إليكم في هذه السورة وغيرها قرآنا في إعلام شرائعنا، فقد قال في أول السورة: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
стр. 5411
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أي: ما أحلَلْنا بالماضين فجعلناه مثلًا لمن بعدَهم يعلمون أنهم إذا فعلوا فعلَهم عُوقبوا عقوبتَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: هم المنتفِعون بها وإن كانت الموعظةُ للكل.
* * *
(٣٥) - ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ذكر إنزالَ الآيات البينات، وإقامةَ الدلالات الواضحات، وضربَ الأمثال بالذين خلَوا من قبلنا، ثم بيَّن وضوح الدلالات وجلاءَ البينات وأنَّ مَن ضلَّ عن الحق فليس لخفاءِ الدليل واشتباهِ السبيل، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال الكلبي: اللَّه هادي أهلِ السماوات وأهلِ الأرض إلى ما بهم الحاجةُ إليه في مصالح دينهم ودنياهم، وهي كلمة مطلقة في هذا المعنى، يقال: فلانٌ نورُ بلده؛ أي: به يهتدون إلى أمورهم، وعن رأيه يصدرون إلى مصالحهم.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾: أي: صفةُ دلائله التي يَهدي بها عباده، فسمَّى دلائله نورًا؛ لأن الناس يسلكون بها طريق النجاة.
وقد سمَّى اللَّه تعالى كتابه نورًا بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]؛ لأنه يهدي إلى الحق.
стр. 5412
وسمى نبيه ﵊ نورًا بقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]؛ لأنَّه يهدي إلى الحق.
فاللَّهُ هادٍ، وكتابُه هادٍ، ونبيُّه هادٍ، وما ركَّب في العباد من العقول حتى ميَّزوا ما (١) بين الأشياء هاد، وكلُّ ذلك نورٌ، وإضافتُه إلى اللَّه على معنى أنه هو الواضعُ له والهادي به، ولأن الأمور (٢) كلَّها للَّه، فأضاف أشرفَها إلى نفسه كما أضاف بعضَ الشهور وبعضَ الأيام وبعضَ البيوت وبعضَ الأموال إلى نفسه تشريفًا لها.
وقوله تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾: أي: صفةُ نوره ككوَّةٍ غيرِ نافذة وُضع فيها مصباحٌ في قنديلٍ مِن أصفَى زجاجٍ يكون، قد أُوقد بأصفَى زيتٍ يكون، فاجتمع في المشكاة ضوءُ المصباح إلى ضوء الزجاجة إلى ضوء الزيت، فصار ذلك نورًا على نور، فاجتمعت في المشكاة هذه الأنوارُ فصارت كأنوَرِ ما يكون، وكذلك براهينُ اللَّه تعالى في وضوحها ومنافعها (٣) هي على غاية ما يكون عليه مثلُها، فليس ظلام الضلالِ من جهةِ قصور البيان وضعفِ البرهان، بل بتعاميهم وتماديهم في معاصيهم.
وقال الهيثم بن عدي: المشكاة حبشيةٌ (٤).
стр. 5413
وقوله تعالى: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص بضم الدال وتشديد الياء، وهو منسوب إلى الدر، شبِّه به في صفائه وبياضه.
وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال والمدِّ والهمز، وهو فِعِّيلٌ من الدَّرء؛ أي: يُدفع به الشيطان، والنجومُ التي يُرجم بها الشياطين هي دراريُّ.
وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر بضم الدال والمد والهمز (١).
وقيل: لا وجه لذلك، فليس في اللغة فُعِّيلٌ بضم الفاء وتشديد العين (٢).
وقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح التاء والدال على أنه فعلٌ ماضٍ من التوقُّد وهو التلهُّب، والفعل للمصباح.
وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر بضم التاء والدال (٣)، وهو فعلٌ مستقبَل لم يسمَّ فاعله من الاتقاد، وتاء التأنيث راجعة إلى الزجاجة.
стр. 5414
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص: ﴿يُوقَدُ﴾ بياء التذكير مضمومةَ الياء والدالُ، مخففةً من الإيقاد فعلًا للمصباح على ما لم يسمَّ فاعله مستقبلًا (١).
وقرأ الباقون بتاء التأنيث مفتوحةً وتشديدِ القاف وضمةِ الدال (٢)، وأصله: تتوقَّدُ فعلًا للزجاجة، وحذفت إحدى التاءين تخفيفًا كما في قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨].
وقول: ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدلٌ من ﴿شَجَرَةٍ﴾ وترجمةٌ لها، هي مباركةٌ لكثرتها وكثرةِ انتفاعِ أهل الشام بها، ولكونها في أرض الأنبياء والأولياء.
وقوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾: قال الكسائي: أي: ليست شرقيةً وحدها ولا غربيةً وحدها، بل هي شرقيةٌ غربيةٌ، وهو كقولك: مررتُ برجل لا ظالمٍ ولا مظلومٍ، على هذا المعنى.
وكذلك قال الفراء، قال: وهو كقولك: فلان لا مسافرٌ ولا مقيمٌ، على هذا المعنى.
قال: وهي تنبت على تلعةٍ (٣) من الأرض لا يسترها من الشمس شيء وهو أجودُ لزيتها (٤).
قال أبو عبيدة: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ تَضْحى للشمس ولا تصيب ظلًا ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ تكون في الظل ولا تصيبها الشمس، بل هي شرقية غربية، تكون في الشمس وتكون في الظل، وهو أحسن الشجر (٥).
стр. 5415
وصار حاصل جواب أهل اللغة والتفسير فيها على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها بين الشجر بحيث لا تُصيبها الشمس بالغداة والعشيِّ، لالتفافِ الشجر حولها، وتغطيته إياها.
والثاني: أنها بارزة للشمس في وقتٍ خافيةٌ عنها في وقت، فقد أخذت من الشمس والظل حظًّا كاملًا (١).
والثالث: أنها بارزة للشمس كلَّ النهار، فتزكو ويَكثر زيتونها، ويصفو زيتُها حتى يكادُ لضيائه يضيء عن النار، وهو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾.
وقال الحسن: هذه ليست من شجر الدنيا بل هي من شجر الجنة، فلا تكون شرقية ولا غربية (٢).
وجملتُه: أن ذكر هذه الأشياء جميعًا بيانُ قوةِ حُجج اللَّه تعالى، واكتنافِ النور لها من جوانبها، وتتابُعِها من جهات العقل والتوفيق (٣)، والوعدِ والوعيد، وتكرارِ المواعظ، وضرب الأمثال، وذكرُ المشكاة -وهي الكوةُ التي لا منفذَ لها كما فسَّره ابن عباس ﵁ وابن جريجٍ وأهلُ اللغة (٤) - على معاني استجماع النور؛ لأن المصباح إذا كان في موضعٍ نافذ انتشر ضياؤه.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾؛ أي: أن حُجج اللَّه في
стр. 5416
وضوحها بحيث تتجلَّى لمن أعرض عنها وإن لم ينبِّهْ عليها منبِّهٌ ولم ينزل بها كتاب.
وقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾: أي: برهانٌ بعد برهانٍ، ودلالةٌ على أثر دلالةٍ، يريد به تضاعُفَ الأنوار وكثرتَها لا الاقتصارَ على نورين، كما يقال: فلان يضعُ درهمًا على درهم، لا يراد به درهمان، وكما يقال: فعلتُ هذا مرةً بعد مرةٍ، لا يراد به مرتين.
وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾: أي: يوفِّق اللَّه لاتِّباع دلائله وإصابةِ الحق بالتدبُّر لها ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: مَن عَلِم منه اختيارَ ذلك.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾: كما ضربها لكم في هذه الآية، يعرِّف بذلك (١) مواقع حججه، ويحركهم على تأمُّلها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: بما به يهتدي الخلق إلى مراشدهم، وبكل شيء.
* * *
(٣٦) - ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: فهذا المصباح في مساجدَ عظَّمها اللَّه وأمر بتعظيمها فائتمَرَ بذلك، ثم ذكر صفتَها وصفةَ أهلها، والمهتدين بالدلائل والضالِّين عنها في آيات.
قال أبيُّ بن كعب والضحاك: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾؛ أي: مَثَلُ النور الذي في قلب المؤمن بهدايةِ اللَّه تعالى (٢)، فعلى هذا الهاءُ كنايةٌ عن المؤمن، ولم يسبق ذكره لكنْ
стр. 5417
عُرف بمعناه، فهو كقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١] وقوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتَ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
وقال ابن عباس ﵄: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾؛ أي: نورِ اللَّه الذي هدَى به المؤمنَ (١).
وقال الحسن: اللَّه هادي أهل السماوات والأرض بنوره الذي هو القرآن ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾؛ أي: مثلُ هذا القرآن في القلب، ومثل هذا القلب ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ إلى آخره (٢).
وقيل: هو مثَلُ قلب المؤمن، والمشكاةُ صدره، والمصباح القرآن، والزجاجة قلبه، قاله أبي بن كعب (٣).
وقيل: ﴿المشكاة﴾ نفس المؤمن، و ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ قلبه، و ﴿الْمِصْبَاحُ﴾ المعرفة في القلب، فكما أن المشكاة نور والزجاجةَ أنورُ منها، والزجاجةَ نورٌ والمصباحَ أنورُ منها، فكذلك نَفْس المؤمن نور وقلبه أنورُ منها، وقلبُه نورُ والمعرفةُ أنورُ منه، قال: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وقيل: هذا مَثَلُ النبيِّ ﷺ ، يعني: كما أُخذ دهنُ هذا المصباحِ من شجرة مباركةٍ وهي الزيتون، فكذلك حصل لهذا المؤمن هذا الاهتداءُ ببركة دعوة النبيِّ ﷺ المباركةِ التي هي كشجرةِ الزيتونة لا دخانَ لزيتها بخلافِ سائر الأدهان، فكذا النبيُّ ﷺ لا شبهةَ في صدقه ولا ريبةَ في دِينه.
وقيل: المشكاة مَثَلٌ لفمه، والمصباح مثَلٌ للسانه، والزجاجة مثلٌ لصدره،
стр. 5418
والكوكبُ الدرِّي مثل لقلبه، والشجرةُ المباركةُ هي إبراهيم ﵇ ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾؛ أي: لم يكن إبراهيم مصلِّيًا إلى المشرق كالنصارى لقوله تعالى: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]، ولا إلى المغرب كاليهود لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
وقيل: ﴿المشكاة﴾ مَثَلُ جوف محمد ﷺ ، و ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ مثلٌ لقلبه، و ﴿والمِصْبَاحُ﴾ مثل للنور الذي فيه.
وقيل: الشجرة هي النبيُّ ﷺ ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾؛ أي: ليست بشجرةٍ نابتةٍ على الأرض لتكون شرقيةً أو غربيةً.
وقيل: معناه: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ وحدها ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ وحدها، بل هي شرقيةٌ غربية، يَظهرُ دينُه في الدنيا كلِّها، وينتشر نورُ دعوته في الآفاق كلها.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾؛ أي: يكاد منظره ﷺ يدلُّ على نبوته وإن لم يَتْلُ قرآنا ولم يُقِمْ برهانًا، قال عبد اللَّه بن رواحة ﵁:
لو لم تكن فيه آياتٌ مبيِّنةٌ... كانت بديهتُه تُنْبِيكَ بالخبرِ (١)
* * *
(٣٦) - ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الآية: وهذا في صفة الصحابة رضوان اللَّه عليهم وعبادتِهم وتلاوتهم في المساجد، وكذا مَن بعدهم من العلماء وأهل القرآن في كل عصر.
стр. 5419
وإن حُملت (١) الآية الأولى على مَثَل القرآن فذكرُ المساجد أيضًا لذكر أهل القرآن القائمين به في المساجد، وإن حُملت على نور المعرفة فهي عَلَمُ أهل (٢) الإيمان القائمين بالشرائع في بيوت اللَّه وغير ذلك.
وإن حمل قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ على معنى أنه مزيِّن السماوات والأرض، فزينة السماوات بالملائكة وزينةُ الأرض بأهل المساجد.
وأما ألفاظ المفسرين في هذه الآية:
فقد قال ابن عباس ﵄: اللَّه هادي أهلِ السماوات وأهلِ الأرض (٣).
وقال الضحاك: اللَّه منوِّر السماوات والأرض (٤).
وقال أبي بن كعب ﵁: مرسِلُ رسلِ أهل السماوات والأرض (٥).
وقال مجاهد وعبد العزيز بن يحيى: ﴿اللَّهُ﴾ مزيِّنُ السماوات بثلاثٍ: بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بثلاثة أشياء: بالأنبياء والعلماء والمؤمنين (٦)، فأنوار السماء متفاوتةٌ وكذلك أنوار الأرض، وأنوار السماء نافعةٌ وبعضُها أنفع من بعضٍ، وكذلك أنوار الأرض، وأنوار السماء بعضُها للنفع وبعضها (٧) للدفع وهي رجوم الشياطين، وكذلك أنوار الأرض قال النبي ﷺ : "إن المؤمنَ ليُنْضي شيطانَه
стр. 5420
كما يُنْضي أحدُكم بعيرَه في السفر" (١)، والكواكب تضيء لأهل الأرض، وقلوبُ المؤمنين تضيء لأهل السماوات.
وقيل: نوَّر السماوات بالعرش والكرسي واللوح والقلم وسدرةِ المنتهى وجنةِ المأوى والبيت المعمور والمقامات (٢)، ونوَّر الأرضَ بالكعبة وبيت المقدس ومسجد المدينة ومسجد الكوفة وطُور سيناء والمساجد والمتعبَّدات.
وقيل: زيَّن السماء بالبروج الاثني عشر، والأرضَ بالشهور الاثني عشر.
وقيل: زيَّن السماء بالكَرُوبيين وبالروحانيين والصافِّين والحافِّين، وزيَّن الأرض بالأنبياء والمرسلين والعلماء والمتعلمين.
وقيل: زيَّن السماوات بالملائكة وعبادتهم، وزيَّن الأرض بالمؤمنين وطاعتهم.
وقيل: زيَّن السماوات بجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل صلوات اللَّه عليهم، وزيَّن الأرض بأبي بكر وعمر وعثمان وعليِّ رضوان اللَّه عليهم.
وقيل: زيَّن السماوات بتسبيح المسبِّحين وتقديس المقدِّسين وركوعِ الراكعين وسجود الساجدين وتلاوة التالِين، وزيَّن الأرض بتلبية الحجاج والمعتمِرين، وتكبيرِ الغزاة والمرابطين، وضجيجِ القانتين والمستغفرين، وحنين العارفين المشتاقين (٣)، وبكاء العاصين النادمين.
стр. 5421
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قال السدِّي: هو أحد الكواكب الخمسة: زُحَلُ والمشتري والمريخُ والزُّهَرة وعُطارِدٌ (١).
وقال محمد بن كعب: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ في صُلب آبائه ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ وهي إبراهيم ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ عني: إسماعيل، فيها مصباح وهو النبيُّ ﷺ ، سماه مصباحًا كما سماه سراجًا في قوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني: نور إبراهيم ونور إسماعيل ونور (٢) محمد ﷺ (٣).
وقال الضحاك: شبَّه عبد المطلب بالكوَّة، وشبَّه عبدَ اللَّه بالزجاجة، وشبَّه النبيَّ ﷺ بالمصباح.
وقال القشيري ﵀: زيَّن السماءَ بنور الشمس ونور القمر، وزيَّن القلوب بنور العقل ونور الفهم ونور العلم ونور اليقين ونور المعرفة ونور التوحيد، ولكلِّ شيء من هذه الأنوار مطرحُ شعاعٍ بقَدْره في الزيادة والنقصان.
وقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [نُورٌ] اكتسبوه بجهدهم بنظرهم واستدلالهم، ونورٌ وجدوه بفضل اللَّه لا بأفعالهم وأقوالهم، قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال: نور المطالبة يحصل في القلب ابتداءً فيَحمل صاحبه على المحاسبة، فإذا نظر في ديوانه وما أسلف من عصيانه حصل له نور المعاتبة (٤)، فيعود على نفسه
стр. 5422
بالملامة، ويتجرَّع كاسات الندامة، فيرتقي عن هذأ باستدامة قصده، والتنقِّي (١) عما كان عليه في أوقات جهله، فإذا استقام فيه كوشف بنور المراقبة، فيعلم دائمًا أنه سبحانه مطَّلع عليه، ثم بعد هذا نورُ المحاضرة، وهي لوائح تبدو في السرائر، ثم بعد ذلك نورُ المكاشفة، وذلك بتجلِّي الصفات، ثم بعده أنوار المشاهدة، فيصير ليله نهارًا ونجومُه أقمارًا وأقماره بدورًا وبدوره شموسًا، ثم بعد هذا نور التوحيد، وعند ذلك تحقيق التجريد بخصائص التفريد، ثم (٢) [ما] لا تتناوله عبارة ولا تدركه إشارة، فالألسنة عند ذلك خُرْس، والشواهد طُمْس، وشهودُ الغير عند ذلك مُحال، فعند ذلك: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿انْفَطَرَتْ﴾ وما ظهر لهم من القِدَم صار إلى العدم، جلَّت الأَحَديَّة، وعزَّتِ الصَّمَديَّة، وتقدَّستِ الرُّبوبيَّة، وتنزَّهتِ الأُلوهية (٣).
ثم إنما شبَّه المعرفة بالمصباح وهو سريعُ الانطفاء، وقلبَ المؤمن بالزُّجاج وهو سريع الانكسار، ولم يشبِّهْها بالشمس التي لا تُطفأ، ولا قلبَ المؤمن بالأشياء الصُّلبة التي لا تُكسر؛ تنبيهًا أنه على خطر وجديرٌ بحذر (٤).
وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: ذكرنا لها وجوهًا في النَّظم، ووجهٌ آخر: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهم ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ إلى آخره، وهو (٥) ﴿فِي
стр. 5423
بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾؛ أي: أمَر اللَّه أن تعظَّم، وهو كقولك: أرفعك (١) إن أنبسط إليك؛ أي: أجلُّك وأعظِّمك.
ويجوز أن يراد به رفعُ البناء وإعلاؤه تعظيمًا له، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
وقوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: قيل: هو التوحيد، وقيل: هو الثناء والدعاء.
وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾: قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بفتح الباء على ما لم يسمَّ فاعله، وقرأ الباقون بكسرها على الفعل الظاهر (٢)، وفاعله قوله: ﴿رِجَالٌ﴾، وعلى الأول ﴿رِجَالٌ﴾ خبر قوله: ﴿فِي بُيُوُتٍ﴾ (٣)؛ أي: في المساجد رجالٌ صفاتهم كذا، والتسبيح هو الصلاة.
وقيل: هو تنزيهُ اللَّه تعالى عن كلِّ سوء بذكر كلمات التسبيح.
وقوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: قيل: هو الذكر بعد الفجر وبعد العصر؛ كما قال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
وقيل: هي الصلوات الخمس بالنهار والليل، والغدوُّ عبارةٌ عن كلِّ النهار، والآصال عبارة عن كلِّ الليل.
وقيل: هو الذكرُ على الدوام، يقال: مَبارُّ فلان متصلةٌ لنا بالغدو والآصال؛ أي: على الدوام.
* * *
стр. 5424
(٣٧) - ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾: وصَف بالرجولية ثلاثَ فرق: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، و: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، و: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾؛ أي: لا تَشغلُهم تجارة؛ أي: بالأسفار في الأمصار (١) ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾؛ أي: في الأسواق في الحوانيت، وحملناهما على هذين لتكون لزيادة إفادةٍ لا لمجرَّد إعادة.
﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي: خارج الصلاة ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: وعن إقامة الصلاة في وقت الصلاة، حذف الهاء للإضافة، إذا كانت الهاء عوضًا عن الواو إذ كان أصله: (إقوام) صارت الهاء عوضًا عن الواو، قال الشاعر:
إنَّ الخليط أَجَدُّوا البَينَ فانجردوا... وأخلَفوكَ عِدَ الأمرِ الذي وَعَدوا (٢)
أي: عِدَةَ الأمر، وكانت الهاء عوضًا عن الواو في أوله: وَعَد، فصارت الإضافة عوضًا عن الهاء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾: أي: وعن إيتاء الزكاة، بيَّن أنهم ليسوا بزَمْنَى لا أبدانَ لهم، ولا فقراءَ لا أموالَ لهم؛ ليكون لهجُهم بالذكر لعجزهم وفقرهم، بل قال: لهم أبدان يقيمون الصلاة بها، وأموال يؤدون الزكاة عنها، ثم لا يشغلُهم ذلك عن خدمة اللَّه تعالى وذكره.
وقيل: معناه: لا يشتغلون بتجارةٍ وبيعٍ فيَشغلُهم ذلك عن إقام الصلاة وإيتاء
стр. 5425
الزكاة، وأكثرهم على أنهم يتَّجرون ويبيعون ولا يشغلهم ذلك عن خدمة اللَّه تعالى.
قال الحسن: يبيعون، ولكن إذا حضر حق اللَّه تعالى بدؤوا بحق (١) اللَّه تعالى (٢).
وقال سعيد بن [أبي] الحسن: هم قومٌ في بياعاتهم وتجاراتهم يقومون للصلاة في أوقاتها (٣).
وقال الكلبيُّ وعطاء بن أبي رباحٍ: يبيعون ويشترون، ولا يلهيهم ذلك (٤) عن الصلاة في أوقاتها (٥)، وعن مواضع حقوق اللَّه أن يؤدُّوها في أوقاتها (٦).
وعن ابن مسعود ﵁: أنه رأى قومًا من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا بياعاتهم وقاموا إلى الصلاة، قال: هؤلاء من الذين قال اللَّه تعالى فيهم (٧): ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ (٨).
وقيل: أراد به كلَّ الشرائع، وخَصَّ الصلاة والزكاة بالذكر لأنهما من أعظم الشرائع.
стр. 5426
وقيل: لأن في الصلاة حقَّ اللَّه تعالى، وفي الزكاة حقَّ العباد، فنبَّه على أنهم يكونون مؤدين حقوقَ اللَّه تعالى وحقوقَ عباده.
وقال بعض أهل المعرفة: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ وهذا إشارة إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] يقول: لا يركَنون إلى هذا البيع ووجودِ الجنة بهذا العقد، بل يخافون العاقبة، ولا يمنعهم سبق هذا البيع عن المجاهدة في الأعمال الصالحة.
وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾: أي: الحاملُ لهم على إقامة هذه الأشياء وإدامتِها خوفُ القيامة.
وقوله تعالى: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾: أي: لهيبة ذلك اليوم كما قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] وقال: ﴿شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وقال محمد بن جرير: تتقلَّب يمنةً ويسرةً: من أين يُؤتى كتابَه، وأين يُذهب به (١).
وقيل: إلى الكتب والموازين والخصماء.
وقيل: من الخوف إلى الرجاء، ومن الرجاء إلى الخوف.
* * *
стр. 5427
(٣٨) - ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾: وهاهنا مضمرٌ: يقيم ذلك اليومَ ليجزيهم أحسنَ ما عملوا.
قيل: معناه: أي: يجزيهم بكلِّ عملٍ من أعمالهم جزاءَ أحسن أعمالهم (١)؛ أي: يجزي على الأدنى جزاء الأعلى.
قوله تعالى ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: على الجزاء الموعود على العمل.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: يُثيب مَن يشاء ثوابًا لا يدخل في حساب الخلق.
هذه صفات المهتدين بنور اللَّه تعالى، وأما الذين ضلوا عنه فالمذكورون بعده، وهو قوله:
* * *
(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾: السراب: شعاعٌ يُتخيَّل ماءً يجري على الأرض في المفازة نصفَ النهار عند شدة الحر. وأما الآلُ: فهو شعاع يرتفع بين السماء والأرض كالماء (٢) ضحوةَ النهار.
وسمي سرابًا لأنه ينسرب؛ أي: يجري جريان الماء.
والقِيعة: جمع قاع، وهو المنبسط الواسع من الأرض، والقيعان جمعه أيضًا، يقال: قاع، وجمعه قيعة وقيعان، كما يقال: جار وجِيرةٌ وجيران.
стр. 5428
وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾: أي: يظنُّه العطشان ماء ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾؛ أي: إذا تكلَّف المسير إليه ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: شيئًا نافعًا؛ كما يقال: ما علمتُ شيئًا، و: هذا ليس بشيء، يراد به نفيُ نَفْعِه، وهذا إذا حُمل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ (١) على أنه جاء السراب، وقولُه: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: لم يجد السراب شيئًا؛ أي: شيئًا (٢) نافعًا.
وإنْ حُمل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾؛ أي: جاء الموضع الذي تراءى له فيه السراب، فمعنى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: لم يجد في ذلك الموضع شيئًا كان يتراءى له؛ لأنه لا يرى ذلك إذا حضَره.
كذلك الكافرُ إذا قدِم على أعماله التي هي خيراتٌ عنده يومَ القيامة لم يجد لها نفعًا ولا يراها فقد صارت هباءً منثورًا ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾: وهو كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]، وتقديره: ووجد عقابَ اللَّه لكفره وسيئاته عنده؛ أي: يُبطل حسناته ويُبقي عقابَ سيئاته معدًّا له عند قدومه.
وقوله تعالى: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾: أي: أتمَّ حسابه على ما عمله، وأعطاه جزاءه على وَفق ما فعله.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: أي: لا يَطول الزمانُ في حسابه؛ إذ هي كلُّها محصَّلة مجموعةٌ لا حاجة إلى جمع تفاريقها، ولا إلى إقامة الحجة عليها (٣)، ولا يتهيأ للعبد جحدُه (٤)، ولا يشغله حسابٌ عن حساب.
стр. 5429
وقيل: هو وعيدٌ بقرب وقته؛ كما قال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١].
* * *
(٤٠) - ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾: وهو مَثَلٌ آخر لأعمال الكفار، وللتخيير في ضرب المثَل بأيِّهما شئتَ؛ كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيبٍ﴾ [البقرة: ١٩].
وقوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾: أي: عميق واسعِ اللجَّة، وهو معظمُ الماء ووسطُه وموضع العمق منه، وتكون الظلمة فيه أكثر.
وقوله تعالى: ﴿يَغْشَاهُ﴾: أي: يغطِّي هذا البحرَ ﴿مَوْجٌ﴾ وهو ماءٌ يضطرب من معظم الماء.
﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾: أي: موجٌ آخرُ أعلى منه وأهولُ.
﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾: أي: من فوق الموج غمامٌ.
وقوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾: أي: هذه الظلمات.
وفي التفسير: أن قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾؛ أي: ظلمةِ الليل، وظلمةِ عمقِ البحر، وظلمةِ الموجين، وظلمةِ السحاب، فلا يُرى فيها شيء، فكذا الكافر في تحيُّره وخَبْطه في كفره كالخابط (١) في هذه الظلمات، وهو مَثَل الكافر في الدنيا في عمَهه (٢) في طغيانه، وكذلك في الآخرة في حيرته وخسرانه.
стр. 5430
وقوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: أي: لا يكاد يرى يدَه إذا أخرجها من شدة هذه الظلمات، فيضيق صدره وتشتدُّ حيرته (١).
وقيل: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يطمع في أنْ يراها.
وقيل: كاد يفعلُ كذا؛ أي: قارَبَ أن يفعل كذا، فقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يقارِبْ ذلك، وهو أبلغ من النفي أصلًا؛ أي: لم يرها ولم يقارِبْ رؤيتها.
وقيل: تقديره التقديم والتأخير: إذا أخرج يده يراها لم يكَدْ؛ أي: إذا أخرج يده ليراها لم يقارِب ذلك.
وقال الفرَّاء: قيل: هو مثَلٌ، ومعناه: يراها ولكن لا يراها إلا بطيئًا؛ كما يقال: ما كدْتُ أبلغ إليك، وأنت قد بلغتَه مجهودًا (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾: أي: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فمَن لم يجعل له نورًا يهتدي به إلى الإيمان لم يهتدِ إليه، ومَن لم يجعل اللَّه له يومَ القيامة نورًا يمشي به إلى الجنة لم يَصل إليها.
وقال مقاتل: نزلت الآية في عُتبة بن ربيعة بن أميةَ بن عبد شمسِ بن عبدِ مَناف، كان يلتمس الدِّين في الجاهلية، ولبس المِدرعةَ والمُسوح، ثم كفر بعد مجيء الدعوة إلى الإسلام (٣).
وقال القشيري ﵀: ظلماتُ الحسبان، وغيوم التفرقة، وليالي الجحدِ، وحنادسُ الشك، إذا اجتمعت فلا سراج لصاحبها، ولا نجوم ولا أقمار ولا شموس