وقيل: لأن في الصلاة حقَّ اللَّه تعالى، وفي الزكاة حقَّ العباد، فنبَّه على أنهم يكونون مؤدين حقوقَ اللَّه تعالى وحقوقَ عباده.
وقال بعض أهل المعرفة: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ وهذا إشارة إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] يقول: لا يركَنون إلى هذا البيع ووجودِ الجنة بهذا العقد، بل يخافون العاقبة، ولا يمنعهم سبق هذا البيع عن المجاهدة في الأعمال الصالحة.
وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾: أي: الحاملُ لهم على إقامة هذه الأشياء وإدامتِها خوفُ القيامة.
وقوله تعالى: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾: أي: لهيبة ذلك اليوم كما قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] وقال: ﴿شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وقال محمد بن جرير: تتقلَّب يمنةً ويسرةً: من أين يُؤتى كتابَه، وأين يُذهب به (١).
وقيل: إلى الكتب والموازين والخصماء.
وقيل: من الخوف إلى الرجاء، ومن الرجاء إلى الخوف.
* * *
стр. 5427
(٣٨) - ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾: وهاهنا مضمرٌ: يقيم ذلك اليومَ ليجزيهم أحسنَ ما عملوا.
قيل: معناه: أي: يجزيهم بكلِّ عملٍ من أعمالهم جزاءَ أحسن أعمالهم (١)؛ أي: يجزي على الأدنى جزاء الأعلى.
قوله تعالى ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: على الجزاء الموعود على العمل.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: يُثيب مَن يشاء ثوابًا لا يدخل في حساب الخلق.
هذه صفات المهتدين بنور اللَّه تعالى، وأما الذين ضلوا عنه فالمذكورون بعده، وهو قوله:
* * *
(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾: السراب: شعاعٌ يُتخيَّل ماءً يجري على الأرض في المفازة نصفَ النهار عند شدة الحر. وأما الآلُ: فهو شعاع يرتفع بين السماء والأرض كالماء (٢) ضحوةَ النهار.
وسمي سرابًا لأنه ينسرب؛ أي: يجري جريان الماء.
والقِيعة: جمع قاع، وهو المنبسط الواسع من الأرض، والقيعان جمعه أيضًا، يقال: قاع، وجمعه قيعة وقيعان، كما يقال: جار وجِيرةٌ وجيران.
стр. 5428
وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾: أي: يظنُّه العطشان ماء ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾؛ أي: إذا تكلَّف المسير إليه ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: شيئًا نافعًا؛ كما يقال: ما علمتُ شيئًا، و: هذا ليس بشيء، يراد به نفيُ نَفْعِه، وهذا إذا حُمل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ (١) على أنه جاء السراب، وقولُه: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: لم يجد السراب شيئًا؛ أي: شيئًا (٢) نافعًا.
وإنْ حُمل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾؛ أي: جاء الموضع الذي تراءى له فيه السراب، فمعنى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: لم يجد في ذلك الموضع شيئًا كان يتراءى له؛ لأنه لا يرى ذلك إذا حضَره.
كذلك الكافرُ إذا قدِم على أعماله التي هي خيراتٌ عنده يومَ القيامة لم يجد لها نفعًا ولا يراها فقد صارت هباءً منثورًا ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾: وهو كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]، وتقديره: ووجد عقابَ اللَّه لكفره وسيئاته عنده؛ أي: يُبطل حسناته ويُبقي عقابَ سيئاته معدًّا له عند قدومه.
وقوله تعالى: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾: أي: أتمَّ حسابه على ما عمله، وأعطاه جزاءه على وَفق ما فعله.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: أي: لا يَطول الزمانُ في حسابه؛ إذ هي كلُّها محصَّلة مجموعةٌ لا حاجة إلى جمع تفاريقها، ولا إلى إقامة الحجة عليها (٣)، ولا يتهيأ للعبد جحدُه (٤)، ولا يشغله حسابٌ عن حساب.
стр. 5429
وقيل: هو وعيدٌ بقرب وقته؛ كما قال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١].
* * *
(٤٠) - ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾: وهو مَثَلٌ آخر لأعمال الكفار، وللتخيير في ضرب المثَل بأيِّهما شئتَ؛ كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيبٍ﴾ [البقرة: ١٩].
وقوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾: أي: عميق واسعِ اللجَّة، وهو معظمُ الماء ووسطُه وموضع العمق منه، وتكون الظلمة فيه أكثر.
وقوله تعالى: ﴿يَغْشَاهُ﴾: أي: يغطِّي هذا البحرَ ﴿مَوْجٌ﴾ وهو ماءٌ يضطرب من معظم الماء.
﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾: أي: موجٌ آخرُ أعلى منه وأهولُ.
﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾: أي: من فوق الموج غمامٌ.
وقوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾: أي: هذه الظلمات.
وفي التفسير: أن قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾؛ أي: ظلمةِ الليل، وظلمةِ عمقِ البحر، وظلمةِ الموجين، وظلمةِ السحاب، فلا يُرى فيها شيء، فكذا الكافر في تحيُّره وخَبْطه في كفره كالخابط (١) في هذه الظلمات، وهو مَثَل الكافر في الدنيا في عمَهه (٢) في طغيانه، وكذلك في الآخرة في حيرته وخسرانه.
стр. 5430
وقوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: أي: لا يكاد يرى يدَه إذا أخرجها من شدة هذه الظلمات، فيضيق صدره وتشتدُّ حيرته (١).
وقيل: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يطمع في أنْ يراها.
وقيل: كاد يفعلُ كذا؛ أي: قارَبَ أن يفعل كذا، فقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يقارِبْ ذلك، وهو أبلغ من النفي أصلًا؛ أي: لم يرها ولم يقارِبْ رؤيتها.
وقيل: تقديره التقديم والتأخير: إذا أخرج يده يراها لم يكَدْ؛ أي: إذا أخرج يده ليراها لم يقارِب ذلك.
وقال الفرَّاء: قيل: هو مثَلٌ، ومعناه: يراها ولكن لا يراها إلا بطيئًا؛ كما يقال: ما كدْتُ أبلغ إليك، وأنت قد بلغتَه مجهودًا (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾: أي: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فمَن لم يجعل له نورًا يهتدي به إلى الإيمان لم يهتدِ إليه، ومَن لم يجعل اللَّه له يومَ القيامة نورًا يمشي به إلى الجنة لم يَصل إليها.
وقال مقاتل: نزلت الآية في عُتبة بن ربيعة بن أميةَ بن عبد شمسِ بن عبدِ مَناف، كان يلتمس الدِّين في الجاهلية، ولبس المِدرعةَ والمُسوح، ثم كفر بعد مجيء الدعوة إلى الإسلام (٣).
وقال القشيري ﵀: ظلماتُ الحسبان، وغيوم التفرقة، وليالي الجحدِ، وحنادسُ الشك، إذا اجتمعت فلا سراج لصاحبها، ولا نجوم ولا أقمار ولا شموس
стр. 5431
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ إذا لم يسبق لعبدٍ نورُ القسمة، ولم يساعده روحُ الرحمة (١)، فجهدُه وكدُّه وسعيُه وجدُّه عقيم من ثمراته مُؤْيس من نيل بركاته، والبدايات غالبة للنهايات، فالقبولُ لأهله غيرُ مجتلَب، والردُّ لأهله غير مكتسَب (٢).
* * *
(٤١) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ألم تعلم يا محمد العلمَ الذي يقوم مقامَ العِيَان في الإيقان أنه يسبح مَن في السموات والأرض لمَن هو هادي أهلِ السماوات والأرض، و ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ هم الملائكة والجنُّ (٣)، وتسبيحهم: تنزيه اللَّه ﷻ عما لا يليق به نطقًا.
وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾: هي عطفٌ على الأول، و ﴿صَافَّاتٍ﴾ نصبٌ على الحال؛ أي: في حال بسطِها أجنحتَها؛ أي: وهي تسبح اللَّه؛ أي: تنزِّهُه بأصواتها.
وقيل: بما فيها من أمارات الحدوث (٤) الشاهدةِ على حاجتها إلى مُحْدِث أحدَثها وخلقها على ما هي عليه.
ويجوز أن يضاف التسبيح إلى الكلِّ وتختلفُ معانيها في التفصيل؛ كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦].
стр. 5432
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾: أي: كلُّ واحدٍ من هؤلاء ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ اللَّه ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾؛ أي: عبادته فعلًا وتنزيهَه قولًا، والهاءُ على هذا القول (١) راجعةٌ إلى ﴿كُلٌّ﴾.
وقيل: أي: كلُّ جنسٍ قد علم عبادةَ اللَّه وتنزيهَه.
وقيل: أي: كلُّ جنس علِم عبادةَ نفسه وتنزيهَ نفسه للَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: أي: لا يَعْزُب عنه شيءٌ منهم، وجُمع بالواو والنون وإن كان فيهم الطيور وهي لا تعقل؛ لأنَّه جمَع بينها وبين ما يَعقل، ولأنه وصفَها بوصف العقلاء: وهو التسبيح والصلاة.
وفي حديثٍ مسندٍ عن أبي ذرٍّ الغِفَاريِّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ (٢): أنه لمَّا حضر آدمَ الوفاة دعا بابنه شيث فعَهِدَ إليه عَهْدَه، وعلَّمه ساعاتِ الليل والنهار، وعبادةَ الخلق في كلِّ ساعة منهن، وأن لكلِّ ساعة صنفًا من الخلق:
فالساعة الأولى من النهار: حين يسجد بنو آدم من الضحى.
والثانية: صلاة الملائكة.
والثالثة: صلاة الطير.
والرابعة: صلاة الهوامِّ.
والخامسة: صلاة الحيوان.
والسادسة: صلاة الملائكة المقرَّبين حين يستغفرون لبني آدم.
стр. 5433
والسابعة: صلاة الملائكة حين يلجئون العباد إلى الصلوات كلها (١).
والثامنة: صلاة السماوات والأرضين.
والتاسعة: صلاة الذين حول العرش.
والعاشرة: حين ينزل الريح على الماء، وتفرُّ الجن من حول الماء، ولولا ذلك لأفسدت الشياطين على بني آدم الماء.
والحادية عشر: حين تعرج أرواح النبيين والصدِّيقين إلى اللَّه تعالى.
والثانية عشر: عند غروب الشمس التي يصلُّون (٢).
والساعة الأولى من الليل: صلاة الجن.
والثانية: صلاة كلِّ دابة في البحر.
والثالثة: صلاة مَن تحت الأرض من الخلق.
والرابعة: صلاة الصابرين.
والخامسة: صلاة الذين فوق السماء من الخلق.
والسادسة: صلاة الغمام.
والسابعة: حين تثقل العين ويهدأ (٣) الخلق.
والثامنة: صلاة الشجر.
والتاسعة: صلاة الملائكة الذين هم في السماء.
стр. 5434
والعاشرة: حين تفتح أبواب السماء، وتنفض الملائكة أجنحتها، ويصيح الدجاج في الأرض، وحينئذ مَن سأل اللَّه تعالى شيئًا آتاه إياه.
والحادية عشر: حين يخرج ما في الأرض من أهلها.
والثانية عشر: عند صلاة الصبح (١).
وقال آدم صلوات اللَّه عليه لشيث: كذلك كنتُ أسمع وأبصر وأنا في الجنة، وذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ الآية.
* * *
(٤٢ - ٤٣) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: هذا ظاهر.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾: وهذه دلالةٌ أخرى يهدي اللَّه بها مَن في السماوات والأرض، وهو وجهُ انتظام هذه الآية بالأولى.
وقوله: ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾؛ أي: يسوقه إلى حيث يريده ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾؛ أي: بين بعضه ببعضٍ، ويجمَع متفرِّقَه.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾: أي: متراكمًا بعضُه على بعضٍ، وقد ركمَه، وهو سحابٌ مركوم.
стр. 5435
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: أي: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: جمع خَلَل، وقرأ أبو عمرو في رواية: (مِن خَلَله) على الواحد (١)؛ أي: من بينه، والأول: من أثنائه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾: ذكَر (مِن) ثلاثَ مرات، والأول ابتداء الغاية، والثاني للتبعيض، والثالث للجنس.
قال بعضهم: خلق اللَّه جبالًا في السَّماء من بردٍ فيُنزل منها بردًا، فذلك قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: بَرَدًا (٢) ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾؛ أي: في السماء (٣) ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾؛ أي: الجبال مجموعةٌ من برد.
وقيل: ذكرُ الجبال للتشبيه، وتقديره: من السَّماء بَرَدًا كثيرًا مجتمعًا أمثالَ جبال من هذا الجنس (٤).
قوله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾: فيعذِّب بالبرَد ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من الناس في نفسه أو زرعه فيُهلك ذلك.
وقوله: ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يدفع ضررَه عمَّن يشاء فلا يصيبُه.
وقيل: فيصيب بالوَدْقِ مَن يشاء فينفعُه، ويَصرفُه عمَّن يشاء فلا ينفعُه.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾: أي: ضوءُ برق السحاب ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ عدِّي الفعلُ بالباء؛ أي: يقارِبُ البرق أن يزيلَ أبصار العيون.
* * *
стр. 5436
(٤٤) - ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: قيل (١): يذهب بهذا ويجيء بهذا.
وقيل: يقلب أحوال الناس بالظُّلمة والضياء فيهما، فجعل ذلك تقليبًا لهما توسُّعًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: أي: إن في إزجاء السحاب وإنزالِ الودْق والبرَد وتقليب الليل والنهار ﴿لَعِبْرَةً﴾؛ أي: دليلًا يُستدلُّ بها على وحدانية اللَّه تعالى وقدرته وعظمته وعلمه (٢).
وقوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: أىِ: لذوي البصائر والعقول.
* * *
(٤٥) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ثم بيَّن دلالةً أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾: أي: كلَّ حيوانٍ يَدِبُّ على وجه الأرض، قال الحسن: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ (٣)؛ أي: من ماء الذكر والأنثى (٤).
وقيل: أي: من الطين، والطينُ من الماء؛ لأن أصلَ الأرض ماءٌ.
وقيل: كلُّ حيوان لا يخلو عن رطوبةٍ فيه، ولأن حياة الحيوانات بالماء.
وقيل: أي: خلق أكثر الدوابِّ من ماء، واسم الكلِّ قد يطلق على الأكثر، قال
стр. 5437
تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾: قال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ ولم يقل: منها، وقال: ﴿مَنْ﴾ ولم يقل: ما؛ لأن قوله: ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ يتناول مَن يَعقِلُ ومَن لا يَعقل فغلِّب مَن يَعقل في الكناية.
قوله: ﴿يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيات والحيتان والديدان.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾: كالإنسان والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾: كالبهائم والأنعام والسباع، ولم يذكر مَن يمشي على أكثرَ من أربعٍ في الحيوانات، ذلك لأن الأكثر ما ذكر، ولأنه ليس فيه نفيُ الزيادة، ولأن ما يمشي على أكثرَ من أربعٍ إذا مشى اعتمد على أربع جهاتٍ لا أكثر (١)، فكأنه يمشي على أربع.
وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: وهو قادرٌ على ما يشاء، وعالمٌ بما يشاء، لا يتعذَّر (٢) عليه شيء.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: من هذا وغيرِه، ذكر أنه خلَق كلَّ هذا من ماء ثم هو مختلفٌ هذا الاختلافَ، فدل أن للجميع خالقًا مدبِّرًا أنشأها على الاختلاف كما شاء، وإلا لم يختلف بل كان يتَّفق لاتِّفاق (٣) الأصل، وهو كقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [الرعد: ٤].
* * *
стр. 5438
(٤٦) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾: أي: نورًا للناس وبيانًا ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهو هادي أهلِ السماوات والأرض، وهو إعادةُ ما قدَّمه مرة: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا﴾ الآية [النور: ٣٤] لينتظِم هذا بذاك.
* * *
(٤٧) - ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾: ذكرَ إنزال الآيات، وبعد نزولها صار الناس ثلاثَ فرقٍ:
فرقةً صدَّقتْ ظاهرًا وكذبت باطنًا وهم المنافقون.
وفرقة صدَّقت ظاهرًا وباطنًا وهم المخلصون.
وفرقة كذَّبت ظاهرًا وباطنًا وهم الكافرون.
فذكرهم جميعًا هاهنا على الترتيب، وبدأ بالمنافقين فقال: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾؛ أي: بألسنتهم ﴿وَأَطَعْنَا﴾ كذلك.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾: أي: يُعرض عن الانقياد لحكم اللَّه وحكمِ رسوله ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ كان الإعراض من بعضهم والرضا بإعراضه من كلِّهم، فصاروا جميعًا مذمومين.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: وما المعرِضون بالمؤمنين.
وقيل: وما كلُّهم بمؤمنين؛ لاعتقادهم جميعًا ما يعتقد هؤلاء.
стр. 5439
والآية نزلت في المنافق واليهودي اللَّذين اختصما إلى كعب بن الأشرف (١)، وقد ذكرنا القصة عند قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
* * *
(٤٨) - ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: الرسول، وذكر الدعاءَ إلى اللَّه ورسوله لأن الدعاء إلى الرسول دعاءٌ إلى اللَّه؛ لأنَّه يحكم بينهم بأمره.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أي: ممتنِعون من المحاكمة إلى رسوله (٢).
* * *
(٤٩) - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: أي: إنْ علموا أن الحق يكون لهم دائمًا (٣) إذا تحاكموا ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى الرسول ﴿مُذْعِنِينَ﴾؛ أي: مسرعين منقادِين طلبًا منهم لحقِّهم، لا رضًا بحكم رسول اللَّه ﷺ .
* * *
стр. 5440
(٥٠) - ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أي: نفاقٌ ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾؛ أي: شكُّوا، وهو استفهام بمعنى التقرير ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾؛ أي: يَجورَ، وهاهنا مضمر: أفي قلوبهم مرض أو ريبة أو (١) ليسوا كذلك بل هم مخلصون غير أنهم يخافون أن يجور عليهم رسول اللَّه ﷺ ، وهذا لا يكون لأنه معصوم بعصمة اللَّه.
قوله ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: أولئك المتولُّون (٢) هم الكافرون.
وقيل: هو محاجَّةٌ لهم، وكأنه أُمر أن يقول لهم: أفي قلوبكم نفاقٌ فلا ترضون بحكمي، أم تشكُّون في صحة حكمي فلا تقبلونه، أم تخافون جَوري فتَحْذَروني؟ فإذا قالوا: لا شيء من ذلك، قيل لهم: فأنتم الظالمون خصومَكم بترك التحاكُم إليَّ من غير مانعٍ.
* * *
(٥١) - ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: كلمة (كان) زائدة.
وقيل: معناه: إن هؤلاء لو كانوا مؤمنين كما يزعمون لكان قولَهم ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: أي: سمعنا قولك وأطَعْنا أمرك (٣) ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
стр. 5441
(٥٢ - ٥٣) - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ﴾: أي: يخاف أن يخالفه حذرًا من عقابه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾؛ أي: يتحرَّز عن معصيته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾؛ أي: الناجون.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾: أي: هؤلاء المنافقون ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: مبالِغينَ في تأكيد حَلِفهم ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾؛ أي: تخلَّفوا عنك في غزوة تبوك ويحلفون: لو كنتَ أمرتَهم بالخروج لخرجوا معك، وبعد هذا (١) إذا أمرتهم خرجوا.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾: أي: لا تحلفوا كاذبين منافقين ففي قلوبكم غيرُ ما على ألسنتكم.
﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾: قيل: هو ردٌّ عليهم دعواهم الطاعةَ؛ كقولك -لمن قال لك: أنا منقادٌ لك مطيعٌ لأمرك-: أنا عارف بطاعتك وانقيادك، وتقديره هاهنا: ما هو طاعة عندكم لنا في دعواكم معروفةٌ عندنا أنه خلافٌ ونفاق.
وقيل: معناه: وليكن منكم طاعة معروفة؛ أي: عرَفها الشرع والعقل طاعةً.
أو: طاعة معروفة منكم خيرٌ من يمينكم الباطل.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي: عالمٌ بأعمالكم.
* * *
(٥٤) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
стр. 5442
قوله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ﴾: أي: أخلِصوا طاعة اللَّه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: واتركوا هذا النفاق ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن تتولَّوا، حُذفت إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: فإن تُعْرِضوا عن طاعة الرسول فيما أمركم به ونهاكم عنه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾: أي: على الرسول ﴿مَا حُمِّلَ﴾؛ أي: ما أُلزم -أي: الرسول (١) - من تبليغ الرسالة ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾؛ أي: أُلزمتم من طاعته؛ أي: لا ضرر عليه في خلافكم فإنه لا يُؤخذ بذنوبكم.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾: ترشُدوا ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أي: التبليغ الظاهر، ليس إليه الهداية والإضلال.
* * *
(٥٥) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
ثم ذكر المخلصين فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ليجعلنهم خلفاءَ الأرض؛ أي: سكانَها والمسلَّطين (٢) عليها.
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ على ما لم يسمَّ فاعله، والباقون على الفعل الظاهر (٣)؛ أي: بني إسرائيل، قال لهم: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩]؛ أي: أرضِ الشام، وفعَل كذلك.
стр. 5443
وقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾: أي: وليُعِزَّنَّهم وليُعْليَنَّهم (١) على أعدائهم فيُظهروا دينَهم الإِسلام الذي ارتضاه لهم؛ أي: متمكِّنين في الأرض مستولينَ عليها.
قوله: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾: أي: وليجعلنَّ لهم بدلَ خوفهم أمنًا، وهو الخوف من الأعداء، والأمنُ منهم بغلبتهم عليهم.
وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ مخفَّفًا، والباقون مشدَّدًا (٢)، والإبدال والتبديل لغتان.
وقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾: أي: بعد أمنهم يُظهِرون دينهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾: أي: بعد تحقيق هذا الوعد ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون عن الطاعة، وعن هذه الأسماء الصالحة.
وقيل: أي: الخارجون إلى أفحش (٣) الكفر.
وقيل: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ هو من كفران النعمة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الخارجون (٤) بسبب الكفران.
ودلت الآية على صحةِ دعوى النبوَّة من النبي ﷺ ، فإنه أخبر عما هو كائنٌ فكان كما قال، وعلى خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، فإن اللَّه تعالى وعد أن يستخلفهم في الأرض، ولم يُستخلف فيها بعدَ رسول اللَّه ﷺ من الذين كانوا مؤمنين في وقت نزول هذه الآية إلا هؤلاء الأربعةُ ﵃ أجمعين.
стр. 5444
وقال مقاتل: إن النبيَّ ﷺ لمَّا رجع من الحديبيَة حزن أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؛ إذ كانوا موقِنين بدخولهم مكة لرؤيا رسول اللَّه ﷺ ، فلما رجعوا محزونين أَطعَمَهم اللَّه تعالى نخيل خيبر (١)، ووعدهم أن يدخلوا مكة في العام القابل، وأنزل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية (٢).
* * *
(٥٦ - ٥٧) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أي: لتُرحموا.
ثم ذكر الكافرين وذلك قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: فائتين حتى يعجزونني عن أخذهم، وهاهنا مضمر تقديره (٣): بل هم مقدورٌ عليهم ومحاسبون ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: ولبئس المرجعُ النار.
* * *
(٥٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُون عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
стр. 5445
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: عاد الكلام إلى ذكر أسباب التستُّر والتعفُّف، وتخلَّلها شرح الآيات، يقول: الْزَموا ومُرُوا عبيدكم وإماءكم.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾: أي: والصبيان الذين لم يحتلِموا ولم يُنزلوا ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من الأحرار.
أي: ليستأذنوكم للدخول عليكم فلا يدخلوا عليكم من غير إذنٍ منكم ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾؛ أي: في ثلاثة أوقات من الليل والنهار ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ هذا واحد ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾؛ أي: حين تتجرَّدون فتنزعون ثيابكم في وقت شدة الحر وهو وقت القيلولة، وهذا ثان ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾؛ أي: العتمة، وهذا ثالث.
ثم نبَّه على المعنى فقال تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ بالنصب ردًّا على ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾، وقرأ الباقون بالرفع على إضمار: هذه (١)، يقول: هذه أوقاتُ التجرُّد وظهور العورة؛ لأن ما قبل صلاة الفجر وقتُ انتهاء النوم في الأغلب والأكثر، ووقتُ الخروج من ثياب النوم ولبسِ ثياب النهار، ووقتَ الظهيرة وقتُ التجرد للقائلة، وبعد صلاة العشاء وقتَ ابتداء النوم والتجرُّد من ثياب النهار والتغشِّي بثياب النوم، ولأن اللَّه تعالى جعل الليل سكنًا ولباسًا.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾: أي: لا إثم عليكم ولا عليهم بعد هذه الأوقات الثلاثة في الدخول عليكم بغير إذنٍ (٢).
стр. 5446
وقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم﴾: أي: هم خدمُكم؛ أي: المماليك والصبيان ومَن يَشُقُّ الاحتراز عن التبذُّل عندهم (١)؛ فالحرج مدفوع عنكم وعنهم في دخولهم بغير إذن في غير هذه الأوقات الثلاثة؛ لارتفاع الحشمة، ولأن الغالب في ذلك التغطِّي، وإنما نفَى الحرج عن الطرفين لأن الحرمة في وقت الحرمة من الطرفين.
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: يطوف بعضكم على بعضٍ للخدمة، والخادمُ قد يحتاج (٢) إلى الطواف في الجهات.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: أي: كالذي يبيِّن اللَّه لكم من حُكم الاستئذان يبيِّن لكم غيره من الآيات التي بكم إلى بيانها حاجةٌ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ يضع الأمور مواضعها.
* * *
(٥٩) - ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾: أي: من الأحرار ﴿الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في كل الأوقات للدخول ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: الكبار الأحرار.
وقيل: هم الداخلون في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
وقيل: يرجع هذا إلى أول هذه الآية؛ أي: ليستأذنكم الأطفال إذا بلغوا في كلِّ الأوقات كما استأذن المماليك والأطفال في الأوقات الثلاثة.
стр. 5447
قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: قد فسرناه.
قال ابن عباس ﵄: وجَّه رسول اللَّه ﷺ غلامًا من الأنصار يقال له: مدلج بن عمرو، إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقتَ الظهيرة (١) ليدعوَه، فدخل فرأى عمرَ بحال كره عمرُ رؤيتَه ذلك، فقال: يا رسول اللَّه، ودِدْتُ لو أن اللَّه تعالى أمرنا ونهانا في حالة الاستئذان، فنزلت (٢).
وعن عمر أنه قال: وافقني ربي في ثلاث: في الاستئذان، وفي الحجاب ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وفي الاتِّخاذ من مقام إبراهيم مصلًّى (٣).
وقال مقاتل بن حيان: نزلت في أسماءَ بنتِ مرشدةَ، كان لها غلامٌ كبير، فدخل عليها في وقتٍ كرهَتْه، فأتت رسول اللَّه ﷺ فقالت: إنَّ خدَمَنا وغلماننا يدخلون علينا في حالٍ نكرهها، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٤).
стр. 5448
وقال ابن عباس ﵄: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الإماء (١).
وقال مجاهد: العبيد والإماء (٢).
وقال زيد بن أسلم: ولمَّا نزلت آية الاستئذان قال فتًى: يا رسول اللَّه، إن أمي عجوزٌ كبيرة أفأستأذِنُ عليها؟ قال: "نعم"، قال: فقال: إنه ليس لها أحدٌ غيري، قال: "استأذِنْ عليها"، فقال: إنه ليس لها زوجٌ ولا خادم، قال: "أتحبُّ أن تراها عريانة؟ "، قال: لا، قال: "فاستأذن عليها" (٣).
стр. 5449
وقال سعيد بن المسيب: ثلاث آيات ترك الناس العمل بها وهو واجب: آيةُ الاستئذان، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية [النساء: ٨] (١).
* * *
(٦٠) - ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي: العجائزُ اللاتي قعدْنَ عن الْتِماس النكاح لكِبَرهن، جمع قاعِدٍ لأنها من صفات النساء على الخصوص كطالقٍ وحائض.
وقيل: قعَدن عن الحيض والولد.
وقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: أي: لا مَطمع لهن في الأزواج.
وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنّ﴾: أي: جلابيبَهن وأَرْدِيَتَهن ومَقانِعَهن التي فوق رؤوسهنَّ وفوق (٢) الدروع والخُمُر عند الأجانب؛ كما يحل ذلك للشوابِّ (٣) عند المحارم.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: أي: من غيرِ أن يُرِدْنَ بوضع ذلك عنهنَّ
стр. 5450
أن يُبْدِينَ ما عليهن من الزينة للرجال ويتكشَّفْنَ لهم، وإنما يفعَلْنَ ذلك للتخفيف عن أنفسهنَّ.
والمتبرِّجات: المتكشِّفات.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾: أي: يستَتِرْن فلا يَضَعْنَ جلابيبَهن وأردِيَتَهن ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ وأفضلُ لهن، وأَدْفعُ للرِّيبة عنهنَّ.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: لا يخفَى عليه ما يَقُلْن بألسنتهنَّ ويفعلن بأنفسهنَّ، وهو أبلغُ تحذير.
* * *
(٦١) - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ الآية: قال سعيد بن المسيب: كان المسلمون يخرجون مع رسول اللَّه ﷺ فيعطون مفاتحهم الأعمى والأعرجَ والأقارب، ويقولون لهم: أحلَلْنا لكم ما تأكلون مما في بيوتنا، فيقولون: واللَّه لا يحلُّ لنا مما في بيوتهم شيءٌ وإنْ أحلُّوه لنا حتى يرجعوا إلينا، وإنها لأمانةٌ اؤتُمِنَّا عليها، فلم يزالوا على ذلك حتى أنزل اللَّه تعالى هذه الآية، فطابت أنفسهم لِمَا أحل اللَّه لهم (١).
стр. 5451
وعن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة قال: كانوا يؤون المريض والأعرج والأعمى في بيوتهم (١)، فنزلت هذه الآية (٢).
يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ في أكلهم من بيوت الذين أَذنوا لهم بذلك بالمعروف من غير إسرافٍ.
﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُم﴾: قيل: هو على ظاهره، ومعناه: أنه لا بأس بأكله من بيوت أقربائه هؤلاء كما لو أكل من بيتِ نفسه من مالِ نفسه.
وقيل: معناه: أن تأكلوا من بيوت أزواجكم؛ لأن الزوجين صارا كنفسٍ واحدة، والإذن ثابتٌ دلالةً.
وقيل: معناه: أن تأكلوا من بيوت أولادكم، لقوله: "أنت ومالُك لأبيك" (٣).
стр. 5452
وقال ﷺ : "إنَّ أطيبَ ما يأكل الرجل من كَسْبه، وإن ولده من كسبه" (١).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾: والإذن ثابتٌ من هؤلاء دلالةً.
﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾: قال ابن عباس ﵄: هو الوكيل (٢) يدفع الرجل إليه ضيعتَه، فله أن يأكل من طعامها ويشربَ من ألبانها (٣).
وقيل: بيوت العبيد والإماء، والعبد وما في يده لمولاه.
وقال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة: هو الغازي يدفع بيته إلى غيره ويسلِّطه عليه ويأذنُ له في الأكل من بيته (٤).
وقيل: هي بيوت الإجارة والعاريَّة.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾: أي: أصدقائكم، قال الشاعر:
إذا قلَّ مالُ المرءِ قلَّ صديقُه... وضاق به عمَّا يريد طريقُه (٥)
قال قتادة: هو الرجل يأتي منزلَ الرجل فيقول: أهاهنا فلان؟ فيقول أهله: لا،
стр. 5453
فيقول: غدُّونا، عشُّونا، أسرِجوا لي دابته، أعطُوني ثوبه، فيفعلون ذلك، فيجيءُ الرجل فيقول له أهله: جاء أخوك فلان فغدَّيناه وعشَّيناه، وأسرَجْنا له دابَّتك، وأعطيناه ثوبك، فلا يقع في قلبه إلا كما لو قيل له: جاء أبوك أو أخوك أو عمك ففعلنا به ذلك، فذلكم الصديق (١).
وجاء فتحٌ الموصليُّ إلى صديقٍ له فوجده غائبًا من منزله، فقال لجاريته: هل (٢) كيسه في البيت؟ فقالت: نعم، فاستدعى بكيسه فأخذ منه درهمين وردَّ الباقي عليها، فلما جاء سيدها أخبرته بذلك، فقال لها: إن كنت صادقةً فأنت حرةٌ لوجه اللَّه.
كذا كان الصالحون فيما سلف، وأما الآن فقد غلَب الشحُّ على القلوب فلا يأكل إلا بإذن.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾: قال قتادة: كان بنو كنانة بنِ خُزيمةَ يرى أحدهم عارًا في الجاهلية أن يأكل وحده، حتى كان أحدهم يمتنعُ وهو جائعٌ حتى يجدَ مَن يؤاكلُه ويشاربه (٣).
وعن أبي صالح وعكرمة قال: كانت الأنصار يشدِّدون في هذا، فكان إذا أضاف أحدهم ضيفًا لم يأكل إلا وضيفُه معه، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (٤).
وقال سعيد بن جبير: كان العُرجان والعُميان والمرضَى يتنزَّهون عن مؤاكلةِ
стр. 5454
غيرهم خوفًا من الاستيثان وتضييقِ (١) المكان على الناس، فنزلت الآية (٢).
وعن مجاهد قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إذا دعي إلى وليمةٍ أن يستتبعَ قائده معه (٣).
وقال ابن عباس ﵄: نزلت الآية في الحارث بن عمرو، خرج مع رسول اللَّه ﷺ غازيًا فخلَّف مالكَ بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودًا، فسأله عن حاله، فقال: تحرَّجت أن آكل من طعامك إلا بإذن منك، فنزلت هذه الآية (٤).
وقيل: لمَّا نزل قوله ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، توقَّوا الأكل من بيت هؤلاء، وتوقَّوا الاجتماع على الطعام؛ لاختلاف أحوال الآكلين في القلة والكثرة، وتفاوتِ أخلاق أهل البيوت (٥)، فنزلت الآية (٦).
ودل قوله تعالى: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ على جواز التناهد (٧) في الأسفار.
стр. 5455
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾: قيل: بيوت هؤلاء للأكل. وقيل: كلّ بيت. وقيل: هي المساجد.
وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: على جنسكم ممن كان فيها، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فإن لم يكن في البيت أحد ولا في المسجد فليقل: السلام علينا من ربنا، أو ليقل: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أو ليقل: السلام على مَن اتَّبع الهدى.
وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾: قيل: يتكلَّم بهذا متصلًا بالسلام (١).
وعن بعض السلف: أنه كان إذا دخل المسجد ولا إنسانَ فيه يقول: السلام علينا من ربِّنا تحيةً من عند اللَّه مباركة طيبة.
وقيل: هي بيانُ صفة السلام ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً﴾ فهو مصدرٌ للأول من غير لفظه؛ كقول الراجز:
يعجبُه السَّحورُ والثَّريدُ... والتمرُ حبًّا ما له مزيدُ (٢)
وقوله تعالى: ﴿مُبَارَكَةً﴾: أي: كثيرةَ الخيرِ طيبةً؛ أي: يستطيبه المحيَّى.
стр. 5456
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: أي: كما بيَّن هاتين يبين سائر الآيات.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: لتعقلوا أمره ونهيَه فتعملوا بذلك فتؤجَروا عليه.
* * *
(٦٢) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: وينتظِم هذا بما قبله من الاستئذان ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾؛ أي: مع الرسول ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾؛ أي: على شأنٍ جمَعهم كالغزو والجمعة والعيد ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ من عنده ﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ فيأذنَ لهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾: رجع من المغايَبة إلى المخاطبة، وهو من وجوه الكلام ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فيَأتمِرون بأمر الشرع.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾: أي: لبعض أمورهم التي وراءهم ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾.
قيل: جعل المشيئةَ إليه في ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٥١]، وفيه (١) رفعُ شألْه.
وقيل: أي: فأذن لمن رأيتَ المصلحةَ في ذلك فلا يكون في رجوعه ضررٌ على
стр. 5457
الناس، دون مَن كان في رجوعه خطرُ ضررٍ؛ لأنَّا نعلم أنه لا يأذن إلا لمن هذا وصفُه فحملناه على هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾: أي: وادْعُ لهم بالمغفرة لسالفِ ذنوبهم وتقصيرهم جزاءً لهم على إجابتهم لك، كما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ثم قال ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يغفر لمن استغفرتَ له ويرحمُه.
نزلت الآية يوم الخندق، وكان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غيرِ استئذان، فنزلت الآية (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾: نزلت في عمر بن الخطاب ﵁؛ استأذن النبيَّ ﷺ في الرجوع إلى أهله في غزوةٍ، فأَذِن (٢) له وقال: "ارجع فلستَ بمنافقٍ" فعيَّره المنافقون، فنزلت الآية (٣).
وهذا خلافُ قوله في سورة براءة: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٥]، ذاك في حقِّ المنافقين، وكان استئذانهم نفاقًا من غيرِ عذرٍ.
* * *
стр. 5458
(٦٣) - ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾: أي: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء واحدٍ منكم غيرَه إلى أمرٍ، فتستجيزوا التخلُّفَ عنه أو الانصرافَ بعد المجيء بغيرِ إذن، فإنه أمرٌ حَتْمٌ ولا يجوز خلافُه.
وقال ابن عباس ﵄: لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتُموه (١) كدعاء غيره؛ لأن دعاءه مستجابٌ لا محالة (٢).
وقال جماعة من المفسرين: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ كدعاء بعضِكم بعضًا، فتدعوه باسمه: يا محمد، أو ترفعوا عليه الصوت، بل ادْعُوه بتعظيمٍ وخفضِ صوتٍ ولِينٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤]، والقصة تذكرُ في سورة الحجرات إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾: أي: ينتزِعون (٣) ويُخرجون أنفسهم ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من بينكم أيها المؤمنون.
وقوله تعالى: ﴿لِوَاذًا﴾: أي: مُلاوَذةً، وهي التستُّر بشيءٍ مخافة أن يراه أحد، وقيل: نفارًا (٤)، وقيل: تباعُدًا، وقيل: رَوَغانا.
стр. 5459
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: قيل: ﴿عَنْ﴾ زائدة (١).
وقيل: معناه: يُعْرِضون عن أمره.
وقيل: أي: يخالفونه بعد أمره، و ﴿عَنْ﴾ بمعنى: بعد، وقال الشاعر:
مازلتُ أرحَلُ مَنْهَلًا عن مَنْهَلٍ... حتى أَنخْتُ ببابِ عبدِ الواحدِ (٢)
أي: بعدَ منهلٍ.
قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾: قيل عقوبةٌ في الدنيا ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في العقبى.
وقيل: ﴿فِتْنَةٌ﴾؛ أي: كفر؛ كما قال ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، ودلَّ على أن أمرَ النبي ﷺ للفَرْض حتى كان خلافُه كفرًا.
* * *
(٦٤) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ملكًا وخَلْقًا وتصرُّفًا، لا يَمتنِعُ أحد عن عقابه.
﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾: من المعصية والطاعة (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾: قرأ أبو عمرو في روايةٍ بفتح الياء وكسر
стр. 5460
الجيم على الفاعل الظاهر (١)، والباقون بضم الياء وفتح الجيم على ما لم يسمَّ فاعله؛ أي: ويعلمُ يوم تردُّون إلى جزائه وثوابه (٢) وهو يومُ القيامة؛ كما قال تعالى (٣):
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾: يعدِّدُ عليهم ذنوبهم تقريعًا، ويعذِّبهم عليها عذابًا وجيعًا.
قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: من أعمالهم وأعمالِ غيرهم جميعًا.
تمت والحمدُ للَّه رب العالمين
* * *
стр. 5461
سورة الفرقان
стр. 5462
سورة الفرقان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، الرحمنِ الذي له الملكُ الحقُّ يوم القيامة وكان يومًا على الكافرين عسيرًا، الرحيمِ الذي جعل في السَّماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة الفرقان بعثه اللَّه يوم القيامة وهو موقنٌ أن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأُدخل الجنةَ بغير نَصَب" (١)، يعني: الإعياء (٢).
وسورة الفرقان مكية، وهي سبعٌ وسبعون آية (٣)، وثماني مئة وثلاثٌ وتسعون (٤) كلمة، وثلاثة آلاف وسبع مئة وستة (٥) وسبعون حرفًا.
стр. 5463
وانتظامُ أولِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه قال في ختم تلك السورة: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال في افتتاح هذه السورة: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وانتظام السورتين: أن تلك السورةَ في معرفة اللَّه وصفاته، وذكرِ الكفر وبطلانه، وبيان العبادة والمعاملة والوعدِ والوعيد، وهذه السورة كذلك، إلا أن تلك ذكرُ المعاملة فيها (١) أكثرُ لأنها مدنية، وبيان التوحيد في هذه السورة أكثر لأنها مكية.
* * *
(١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾: قيل: عَظُم، وقيل: تعالى، وقيل: كَثُر خيرُه، وقيل: دام بِرُّه، وقيل: تبارك اسمُه.
الذي أوحَى القرآن ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾: أي (٢): إلى عبده المصطفى محمدٍ.
﴿لِيَكُونَ﴾ اللَّه، وقيل: ليكون عبده، وقيل: ليكون الفرقان.
﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: لأهل الدنيا كلها، وقيل: للقرون كلها إلى يوم القيامة ﴿نَذِيرًا﴾ مخوِّفًا بالقيامة وما فيها لمن خالفه.
* * *
(٢) - ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: على الخُلوص، هو الذي خلقهما فلا شريكَ له فيهما.
стр. 5464
﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾: كما تقول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، والنصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ومشركو العرب: الملائكة بنات اللَّه.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: كما يقوله المشركون: إن الأصنام آلهة.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: وحده، لا كما تقوله المجوس والثَّنويةُ: من النور والظلمة، ويَزْدانَ وأَهرَمَن (١)، والمعتزلةُ: أن الأفعال مخلوقة العباد.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: أي: هيَّاه على ما أراد، لم يمتنِع عليه شيءٌ، ولم يتغير إلى زيادة ونقصان.
أي: فوحِّدوه وأطيعوه، فهو المنفرد بالألوهية والربوبية، والملك والخلق، والتقدير والتدبير، ولا تكونوا كالمشركين، وهم الذين ذكرهم من بعدُ، وهو قوله:
* * *
(٣) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾: أي: وجعل المشركون لأنفسهم سوى اللَّهِ آلهةً من الأصنام يعظِّمونها ويحبونها وهي جمادٌ لا قدرة لها، فجُمع ﴿يُخْلَقُونَ﴾ و ﴿يُخْلَقُونَ﴾ و ﴿يَمْلِكُونَ﴾ (٢). . . . . .
стр. 5465
بالواو والنون وهو فعلُ الجماد؛ لأنَّهم اعتقدوها آلهةً (١) عالمةً قادرة.
وقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أنْ (٢) يدفعوه عن أنفسهم ﴿وَلَا نَفْعًا﴾ يجرُّونه إليها ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ﴾ إماتة أحدٍ، ولا إبقاءَه حيًّا، ولا إنشاءه بعد موته، واللَّه تعالى يقدر على ذلك كلِّه.
وقيل -وهو الصحيح-: دخل في ذلك الملائكةُ والأنبياء، ولذلك جمَع أفعالَهم بالواو والنون، ويدل عليه ما ذكر بعده: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧]، وعلى هذا يكون قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾؛ أي: لا يملكون ذلك بأنفسهم بل بتمليك اللَّه ﷻ .
* * *
(٤) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾: أي: ما هذا الذي جاء به محمد الذي يزعُم أنه من عند اللَّه إلا كذبٌ اختلَقه واخترعه من عند نفسه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾: قال مجاهد: أي: اليهود.
وقال الحسن: أي: عبدٌ حبشيٌّ كان لابن الحضرمي (٣)، وكان كاهنًا في الجاهلية.
وقيل: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على اختلاقه ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قرؤوا الكتب المتقدِّمة وأقاصيصَ الأولين. وقال اللَّه تعالى في ردِّهم: