← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

سورة الفرقان

стр. 5462

سورة الفرقان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، الرحمنِ الذي له الملكُ الحقُّ يوم القيامة وكان يومًا على الكافرين عسيرًا، الرحيمِ الذي جعل في السَّماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا. روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة الفرقان بعثه اللَّه يوم القيامة وهو موقنٌ أن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأُدخل الجنةَ بغير نَصَب" (١)، يعني: الإعياء (٢). وسورة الفرقان مكية، وهي سبعٌ وسبعون آية (٣)، وثماني مئة وثلاثٌ وتسعون (٤) كلمة، وثلاثة آلاف وسبع مئة وستة (٥) وسبعون حرفًا.

стр. 5463

وانتظامُ أولِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه قال في ختم تلك السورة: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال في افتتاح هذه السورة: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وانتظام السورتين: أن تلك السورةَ في معرفة اللَّه وصفاته، وذكرِ الكفر وبطلانه، وبيان العبادة والمعاملة والوعدِ والوعيد، وهذه السورة كذلك، إلا أن تلك ذكرُ المعاملة فيها (١) أكثرُ لأنها مدنية، وبيان التوحيد في هذه السورة أكثر لأنها مكية. * * * (١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾: قيل: عَظُم، وقيل: تعالى، وقيل: كَثُر خيرُه، وقيل: دام بِرُّه، وقيل: تبارك اسمُه. الذي أوحَى القرآن ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾: أي (٢): إلى عبده المصطفى محمدٍ. ﴿لِيَكُونَ﴾ اللَّه، وقيل: ليكون عبده، وقيل: ليكون الفرقان. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: لأهل الدنيا كلها، وقيل: للقرون كلها إلى يوم القيامة ﴿نَذِيرًا﴾ مخوِّفًا بالقيامة وما فيها لمن خالفه. * * * (٢) - ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: على الخُلوص، هو الذي خلقهما فلا شريكَ له فيهما.

стр. 5464

﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾: كما تقول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، والنصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ومشركو العرب: الملائكة بنات اللَّه. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: كما يقوله المشركون: إن الأصنام آلهة. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: وحده، لا كما تقوله المجوس والثَّنويةُ: من النور والظلمة، ويَزْدانَ وأَهرَمَن (١)، والمعتزلةُ: أن الأفعال مخلوقة العباد. وقوله تعالى: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: أي: هيَّاه على ما أراد، لم يمتنِع عليه شيءٌ، ولم يتغير إلى زيادة ونقصان. أي: فوحِّدوه وأطيعوه، فهو المنفرد بالألوهية والربوبية، والملك والخلق، والتقدير والتدبير، ولا تكونوا كالمشركين، وهم الذين ذكرهم من بعدُ، وهو قوله: * * * (٣) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾: أي: وجعل المشركون لأنفسهم سوى اللَّهِ آلهةً من الأصنام يعظِّمونها ويحبونها وهي جمادٌ لا قدرة لها، فجُمع ﴿يُخْلَقُونَ﴾ و ﴿يُخْلَقُونَ﴾ و ﴿يَمْلِكُونَ﴾ (٢). . . . . .

стр. 5465

بالواو والنون وهو فعلُ الجماد؛ لأنَّهم اعتقدوها آلهةً (١) عالمةً قادرة. وقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أنْ (٢) يدفعوه عن أنفسهم ﴿وَلَا نَفْعًا﴾ يجرُّونه إليها ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ﴾ إماتة أحدٍ، ولا إبقاءَه حيًّا، ولا إنشاءه بعد موته، واللَّه تعالى يقدر على ذلك كلِّه. وقيل -وهو الصحيح-: دخل في ذلك الملائكةُ والأنبياء، ولذلك جمَع أفعالَهم بالواو والنون، ويدل عليه ما ذكر بعده: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧]، وعلى هذا يكون قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾؛ أي: لا يملكون ذلك بأنفسهم بل بتمليك اللَّه ﷻ . * * * (٤) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾: أي: ما هذا الذي جاء به محمد الذي يزعُم أنه من عند اللَّه إلا كذبٌ اختلَقه واخترعه من عند نفسه. وقوله تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾: قال مجاهد: أي: اليهود. وقال الحسن: أي: عبدٌ حبشيٌّ كان لابن الحضرمي (٣)، وكان كاهنًا في الجاهلية. وقيل: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على اختلاقه ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قرؤوا الكتب المتقدِّمة وأقاصيصَ الأولين. وقال اللَّه تعالى في ردِّهم:

стр. 5466

﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾: أي: أتَوا جَورًا (١) وكذبًا، ووضعوا التكذيب غيرَ موضعه. وقيل: هو من كلام المشركين في صفة النبيِّ ﷺ والقومِ الآخرين (٢)؛ أي: جاؤوا بكلامٍ هو ظلمٌ وزورٌ، والزُّور: القول المائل عن القصد. * * * (٥) - ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: هو أقاصيصُ المتقدِّمين وما سطَروه؛ قاله النضر بن الحارث، وهو عن ابن عباس ﵄ (٣). وقوله تعالى: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ﴾: أي: كتبها محمد عن اليهود وغيرهم. ويقال: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ أي: كتبها من ذاته. وقيل: معناه: طلب كتابتها من غيره. ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: أي: طرفي النهار، فيحفظ ما يُملى عليه ثم يَتلُوه علينا. * * * (٦) - ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يعني: أن القرآن لمَّا كان مشتمِلًا على علمِ كثيرٍ من الغيوب التي يستحيل في مجرى العادات أن يعلَمها محمد من غيرِ تعليم، دلَّ ذلك على أنه مِن عندِ مَن يَعلم الغيوب وهو اللَّه تعالى، ولو كان

стр. 5467

مأخوذًا من اليهود لم يزد على ما في كتبهم، ولو اختلقه من عند نفسه لأَمْكَنهم مثلُه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: يستر على عباده ذنوبَهم، ويرحمُهم فلا يعاجلهم بالعقوبة، ويُعْذِر إليهم بإقامة البراهين ومواتَرة المرسَلين (١). وقيل: عنوا بقولهم: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾: عداسًا مولى حُوَيطبِ بن عبد العُزَّى، ويسارًا مولى عامر بن الحضرمي، وجبرًا مولى عبد اللَّه بن الحضرمي، وأبا فكيهة (٢). وقيل في قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: أحاديث رستم وأسفنديار. وقال ابن عباس ﵄: نزلت في النضر بن الحارث ثماني آيات فيها ذكر أساطير الأولين، قام يومًا وقصَّ قِصصَ رستمَ وأسفنديار وملوكَ فارس، وقال: ما محمدٌ بأحسنَ حديثًا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين (٣). * * * (٧) - ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾: أي: وقال هؤلاء المشركون: ما لهذا الذي يزعم أنه رسول، أطلقوا له الاسم إما استهزاء أو بناءً على زعمه ﴿يَأْكُلُ

стр. 5468

الطَّعَامَ﴾ كما تأكل البشر، ويخرج منه كما يخرج من البشر، أنكروا أن يكون البشر رسولًا؛ كما قالوا: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]. ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ كما يمشي الناس، فأي فضل له علينا؟! وقيل: عنَوا به طلبَ المعاش لفقره. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾: أي: هلَّا أنزل على محمد ملكٌ ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾؛ أي: نبيا معه ينذر كما ينذر هو، فيكونَ إنذار الملك معه تصديقًا له وشهادةً على نبوته. * * * (٨) - ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾: أي: ينزل عليه من السماء كنزٌ فيقسمه بيننا. وقيل (١): ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ من الأرض فيستغنيَ به، فإنه إنما يَفعل ما يفعل طلبًا للدنيا والرياسة. قوله: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾: أي: بستان ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ويَتمتَّع (٢) بنعيمها؛ أي (٣): لا ينبغي أن يكون الفقير نبيًّا.

стр. 5469

وقرأ حمزة والكسائي: ﴿نأْكُلُ﴾ بالنون (١)؛ أي: نشبع نحن في نعمته (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾: أي: هؤلاء المشركون ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾؛ أي ما تتَّبعون أيها المؤمنون ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ سحرته الشياطين فهو لا يعقل ما يقول، ولو كان عاقلًا لم يَدَّعِ أنه رسول وهو ممن يأكل ويتحدَّث ويتردَّد في الطرق، لا ملَكَ يصدِّقه ولا دنيا يَتَّسع فيها. وقيل في قوله: ﴿مَسْحُورًا﴾: أي: يخيَّل إليه الشيطانُ ملكًا، وكلامُ الشيطان وحيًا. * * * (٩) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: وصفوا لك الأشباه من المفترِي والمملَى عليه والمسحورِ ﴿فَضَلُّوا﴾؛ أي: تحيَّروا ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾؛ أي: فلا يجدون لقولهم نفاذًا إلى شيء يَستقرُّ عليه. وقيل: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾؛ أي: إلى إبانة ما يكون قدحًا فيك. * * * (١٠) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾: أي: تعالى وتقدَّس اللَّه الذي إن شاء جعلَ لك خيرًا من الجنة الواحدة التي قالوها، والكنزِ الذي ذكروه:

стр. 5470

﴿جَنَّاتٍ﴾: أي بساتين في الدنيا كثيرةً ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: تمر في أصول أشجارها المياه في أنهارها. قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾: تسكنها، وهي المساكن الكبار العالية كما قد آتى سليمانَ وغيرَه، وهو قادر على ذلك لكنْ لا موضعَ للتعظيم بالدنيا والتكثيرِ (١) بزهرتها، والتقلُّلُ منها أَلْيَقُ برتبة النبوة (٢). وقيل: يجعل لك جناتٍ وقصورًا في الجنة، وتعليق ذلك بالمشيئة لبيانِ أنه تفضُّل (٣) من اللَّه تعالى لا واجب عليه. وقيل: معناه: إذ شاء، كما قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] أي: إذ كُنتم. * * * (١١) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾: في أوله إضمار؛ أي: ما كذَّبوك لأنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق وليس لك كنز ولا جنةٌ ولم ينزل معك ملكٌ، لكنهم يكذِّبون بالقيامة وما فيها من الجزاء، فركَنوا إلى الدنيا واستثقلوا ما جئتَهم به من الشرائع لتكذيبهم بالثواب والعقاب. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾: أي: وقد أعدَدْنا لمن جحد بها نارًا تستعِر فيهم (٤).

стр. 5471

وقال ابن عباس ﵄: إن أبا جهل لعنه اللَّه جمع الملأ من قريش في الحِجْر ثم أرسل إلى (١) رسول اللَّه ﷺ فقال: أنت ابنُ أخينا وابنُ عمنا ومن أشرافنا، ولكنك فقير عائل، وقد علمنا أن اللَّه -تعالى- غني (٢) جليل، وكان حقَّك أن تغيِّر من حالك، ثم مع ذلك إنك تمرضُ كما نمرض، ويصيبك البلاء (٣) والمصائب كما تُصيبنا، وتأكل الطعام وتمشي في الأسواق كما نأكل ونمشي، فنزلت الآية (٤). وقيل: الذي قال: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ عبد اللَّه بن أبي أمية المخزومي. * * * (١٢) - ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: قيل: من مسيرةِ مئة سنة، وقيل: خمسِ مئة سنة. قوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾: قيل: أي: إذا ظهرت لهم. وقيل: أي: حاذَتْهم وقابلتْهم، والعرب تقول: إذا رآك الجبل فخذ عن يمينك؛ أي: إذا حاذاك، ويقال: دور بني فلان تتناظر، ويقال أيضًا: تتراءى؛ أي: تتحاذى. وقيل: هي مبالغةٌ في بيان هيبة تلك؛ أي: كأنهم إذا دنوا منها هي تراهم رؤيةَ الغضبَى التي تزفر غيظًا عليهم ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾؛ أي: للنار ﴿تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (٥) عليهم؛

стр. 5472

أي: صوتَ غليانٍ وفورانٍ والتهابٍ كالتهاب الرجل المغتاظ، وهي كما قال: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]؛ أي: تتقطَّعُ غيظًا عليهم. وقيل: معناه: سمعوا فيها تغيظًا وزفيرًا للمعذَّبين، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]، واللام و (في) يتقاربان: افعل هذا في اللَّه وللَّه، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]؛ أي: في يوم القيامة، وعاد في كذا ولكذا. * * * (١٣) - ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾: قُرِنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: أي: قُرِن كلُّ رجلٍ بشيطانه. وقوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أي: نادوا: واويلاه واثُبوراه واهلاكاه. قال ابن عباس ﵄: الثبور: الويل. وقال الضحاك: الهلاك (١). وقال المبرِّد: الثبور: هلاك على هلاك، من قولك: ثابر فلان على كذا؛ أي: داوَمَ عليه. * * * (١٤) - ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾: والثبور المصدر، وهو جنسٌ فصلح للواحد والجمع؛ أي: يقول لهم الملائكة ذلك، وليس هذا أمرًا لهم به لكنْ بيانٌ أنهم وإن أكثَروا من ذلك لم يتخلصوا.

стр. 5473

وقال ابن عباس وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص: إن جهنم تضيق على الكافر كضيق الزُّجِّ على الرمح (١). * * * (١٥) - ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾: أي: قل يا محمد: أمَا (٢) سلف من ذكر النار خيرٌ ﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: وعَدها اللَّه الذين يتقون الشرك والمعاصي. ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾: على أعمالهم بوعد اللَّه ﴿وَمَصِيرًا﴾؛ أي: مرجِعًا يرجعون إليه. * * * (١٦) - ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: أي: ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ به الأعين ﴿خَالِدِينَ﴾ فيها لا يخرجون عنها ولا يموتون فيها. وقوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا﴾: أي: كان خلودهم فيها ومصيرُهم إليها وعدًا على ربك؛ أي: وعدًا حقًّا، كما قال: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة: ١١١]. ﴿مَسْئُولًا﴾: اي: كانوا يَسألونه في الدنيا بقولهم: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. وقيل: هو سؤال الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل: هو أمر بالسؤال؛ أي: وعدتكم ذلك وأنا منجزُه لا محالة، فسلوني ذلك.

стр. 5474

(١٧) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾: أي: واذكر يا محمد يومَ نحشرهم ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأنبياء والملائكة، و ﴿وَمَا﴾ بمعنى (من)، وهو كقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾: المشركين حتى عبدوكم ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾؛ أي: أأنتم زينتُم لهم ذلك بإدخال الشُّبَه، وهو استفهام بمعنى التقريع. * * * (١٨) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾: أي: أنت منزه عن الشركاء ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾؛ أي: لا يجوز لنا ولا يصلح ﴿أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: إنَّا لم نأمر هؤلاء بعبادتنا فنكونَ بذلك قد اتخذناهم لنا (١) أولياء؛ لأنَّهم إذا والَونا بأمرنا فقد واليناهم نحن وصار بعضُنا أولياءَ بعض. وتلخيصه: ما كان لنا أن نتخذ من دونك مَن يُواليْنا فيَعبدَنا دونك، ومعناه: التبرؤ من الرضا بشرك هؤلاء والانتفاءُ منهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾: أي: ما عبدونا بأمرنا، لكنْ لمَّا طال عمرهم وعمرُ آباءهم في الدنيا ممتَّعين بالجاه والمال والصحة نسُوا ذكرك فأشركوا بك وعبدوا غيرك.

стр. 5475

﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾: أي: صاروا قومًا هلكَى، وقيل: كانوا في سابق القضاء كذلك. والبور: قيل: هو جمع بائرٍ، من البَوَار وهو الهلاك، وهو كقولهم: هائدٌ وهُود، وحائلٌ وحُول. وقيل: هو لفظٌ يصلح للواحد والجمع، وهو في الأصل مصدر كالزُّور والنُّور (١)، وقال ابن الزِّبَعْرَى في الواحد: يا رسولَ الإلهِ إنَّ لساني... راتقٌ ما فتَقْتُ إذ أنا بُورُ (٢) * * * (١٩) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾: يحتمل أنه كلام اللَّه تعالى في خطاب المشركين يوم القيامة؛ أي: كذَّبكم الملائكةُ أيها المشركون فيما كنتُم تقولون: إنهم أربابٌ يريدون منكم أن تعبدوهم ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا﴾ (٣)؛ أي: فما يستطيع الملائكةُ وعزيرٌ وعيسى صرفَ العذاب عنكم ولا منعًا لمن يعذِّبكم. وقيل: تمَّ خطاب اللَّه تعالى للمشركين بقوله: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ ثم قال: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أي: الكفار ﴿صَرْفًا﴾ للعذاب عن أنفسهم ﴿وَلَا نَصْرًا﴾: ولا منعًا لمن يعذِّبهم، وقد أَيِسوا من شفاعة معبودهم ونصرتهم، ثم خاطب الكفار في الدنيا فقال: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.

стр. 5476

ويحتمل أن قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ خطابٌ من اللَّه تعالى لرسوله وللمؤمنين، يعني: فقد كذبكم الكفار بما تقولون من الحق في الإيمان باللَّه وتوحيده وخلعِ الأنداد ﴿فما يستطيعون صرفًا﴾ للعذاب الذي استحقُّوه بذلك عن أنفسهم ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ لأنفسهم، لا من أنفسهم ولا من بعضهم لبعض في دفع ما ينزل بهم. ووجهٌ آخر: فقد كذَّبكم أيها المؤمنون هؤلاء المشركون ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ لكم ﴿صَرْفًا﴾ عن الحق الذي هداكم اللَّه له ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ لأنفسهم من عذاب ينزل بهم ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون؛ أي: يشرك بعد إيمانه ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ لا يجد له ناصرًا فاستديموا (١) على إيمانكم فإنهم لا يستطيعون صرفكم عن الحق الذي أوضحه اللَّه تعالى لكم. * * * (٢٠) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾: وهذا ردٌّ لقولهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. يقول: وما أرسلنا قبلك أحدًا من المرسلين إلى الأمم إلا وهم كانوا بشرًا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وذلك أَدْعى إلى الموافقة، وأسمعُ لِمَا يُلقى إليه للمناسبة. و ﴿إِنَّهُمْ﴾ بكسر الألف لأنه موضعُ ابتداءٍ، وتقديره: إلا وهم يأكلون، وليست

стр. 5477

الكسرة للَّام؛ لأن دخولها وخروجها هاهنا سواءٌ (١)، وهو كما تقول: (ما قدم علينا أمير إلا إنه مُكْرِمٌ لي) بالكسر. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾: فتُؤْجَروا، أو لا تصبرون فتعاقَبوا؛ أي: محنةً؛ أي: الدنيا دارُ ابتلاء وامتحان، فلا بد من المخالفة بين أحوال أهلها، وإحواجِ بعضهم إلى بعضٍ، وتفضيل بعضهم على بعضٍ؛ ليشكر الفاضل ويَصبر المفضول، فمِن غنيٍّ وفقير، ورئيس ومرؤوس، ثم كلٌّ بشرٌ، فكذلك رسولٌ ومرسَلٌ إليه وكلٌّ بشرٌ، والرسول ممتحَنٌ بالشكر على ما أُوتي من الرتبة، وبالصبر على تحمُّل أعباء الرسالة، والمرسَل إليه ممتحَنٌ بالانقياد له والطاعةِ لأمره. وقيل: معناه: امتحنَّا بعضكم ببعضٍ، فجعلتُ محمدًا نبيًّا وبعثتُه إليكم، ولم أعطه الدنيا، وجعلتُه يطلب المعاش في الأسواق، واختبرتُكم في إجابتكم إياه إلى ما دعاكم إليه بغيرِ عرَضٍ من الدنيا ترجونه منه؛ لأني لو أعطيتُه الدنيا لتَسارَعَ كثيرٌ منكم إلى اتِّباعه طمعًا في دنياه أن ينال منها. وقال مقاتل: نزلت الآية في أبي جهل والوليدِ والعاصِ والنَّضْر بن الحارث، وذلك أنهم لمَّا رأوا أبا ذرٍّ وابنَ مسعود وعمارَ بن ياسر وبلالَ بن حمامةَ (٢)، وصُهيبَ بن سنانٍ، وعامر بن فُهيرة، والنَّمِرَ بن قاسطٍ، ومَهجَعًا مولى عمر، وخيرًا (٣) غلامَ

стр. 5478

الحضرميِّ، وذويهم، قالوا: أنُسلِم فنكونَ مثل هؤلاء؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ يخاطب هؤلاء المذكورين: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ يعني: على هذه (١) الشدة والفقر (٢). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾: بصبرِ مَن صبَرَ وجَزَع مَن جَزِع، وهذا عن ابن جريج (٣). وعلى الأول: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بمن يَصلُح للرسالة (٤)، وبما ينبغي أن يُدبَّر (٥) كلٌّ منهم من غني وفقير. وقيل: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بمن يصلح أن يكون فاضلًا أو مفضولًا. * * * (٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: أي: الذين لا يؤمنون بالبعث ولقاءِ اللَّه في الآخرة، فلم يَعملوا خيرًا يرجوننا به إذا لَقُونا يوم القيامة. وقيل: لا يخافون عذابنا، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون للَّه عظَمةً. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾: أي: هلَّا أَنزل اللَّه علينا الملائكة.

стр. 5479

ويحتمل أن يكون معناه: هلا جُعلَ الرسولُ من الملائكة دون البشر. ويحتمل: هلا أنزلهم علينا فيَشهدوا أن محمدًا محقٌّ في دعوى الرسالة ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ عِيانًا فيخبرَنا هو برسالته. وقوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: لقد تعظَّموا في نفوسهم حتى تحكَّموا على اللَّه تعالى هذا التحكُّمَ ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾؛ أي: وتمرَّدوا غايةَ التمرُّد في ردِّ حُجج اللَّه تعالى. والعتوُّ: بلوغ النهاية في تركِ قبول الوعظ والحجة حتى يقعَ اليأس عن صلاحه، قال تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] أي: حدًّا لا يطمع في مثله (١) الولد. * * * (٢٢) - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾: أي: إنهم لا يرون الملائكة في الدنيا، وإنما يرونهم في الآخرة حين يبشِّرونهم بالعذاب (٢). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قيل: هو يوم القيامة. وقيل: هو عند الموت ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: لا خبر يبشِّرهم ويظهر استبشارهم في بشرة وجوههم ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: تقول الملائكة لهم: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ أي: حرامًا محرَّمًا عليكم أن تكون لكم البشرى، إنما البشرى للمؤمنين. وكان كلامًا مستعملًا في أوائل العرب ثم تُرك، يقوله المسؤول للسائل إذا أراد تخييبه: حجرًا محجورًا؛ أي: سألتَ شيئًا ممنوعًا.

стр. 5480

وقيل: المجرمون يقولون ذلك للملائكة، وهي كلمة استعاذةٍ، وكان الرجل إذا لقي مَن يخافه على نفسه قال: حجرًا محجورًا؛ أي: حرامًا محرَّمًا عليك التعرُّض لي، قال ذلك مجاهد وقتادة والحسن والخليل (١). وعن مجاهد قال: ﴿حِجْرًا﴾ كلامُ المجرمين و ﴿مَحْجُورًا﴾ كلام اللَّه تعالى؛ أي: مُنِع هذا الكلام أن ينفعهم. * * * (٢٣) - ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾: أي: أبطَلْنا جميعَ أعمالهم لكفرهم، وهذا الكلام -وهو لفظ القدوم- مجازٌ أُريد به المبالغةُ في إحباطه، فإن الغائب منَّا إذا قدِم، والمشغولَ منا إذا تفرَّغ، والمُعْرِضَ منا إذا أقبل، كان جِدًّا (٢) منه فيما قدم عليه وتفرَّغ له وأقبل عليه، واللَّه تعالى لا يغيب عنه شيءٌ، ولا يشغله شيءٌ عن شيءٍ، لكنْ لمَّا أراد إثبات ما ذكر على وجه المبالغة ذكَر هذه الكلمات التي يَفهم الناس منها المبالغة في التوجُّه إلى الشيء، فقال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾؛ أي: غبارًا، والهَبْوةُ كذلك ﴿مَنْثُورًا﴾: مفرَّقًا لا يمكن جمعُه، وهو استعارةٌ عن جعله (٣) بحيث لا يَتهيأ له الاجتماع، ولا يقع بها الانتفاع، وهو كقوله: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨].

стр. 5481

وقيل: الهباء (١) هو ما يُرى إذا دخلت الشمس الكوةَ، وهو كقوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]؛ أي: منتشِرًا. * * * (٢٤) - ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾: أي: يستقرُّون في الجنة بعد الفراغ من العرض والحساب ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ظاهره: موضع القيلولة، ولا نومَ في الجنة، ويراد به الاستراحةُ في ذلك الوقت، وليس في الجنة بكرةٌ وعشيٌّ وظَهيرةٌ لكن يؤتَون بالأرزاق على مقادير الأوقات المعهودة في الدنيا، ويستريحون في مثل أوقات الدنيا. وقيل: إن أهل الجنة لا يمكثون في عَرَصات القيامة إلى وقت الدخول في الجنة إلا مقدارَ أول النهار إلى وقمت القائلة في الدنيا، فهذا إشارةٌ إلى ذلك. وقيل: المقيل هو موضعُ التمكُّن، قال القائل: بضربٍ (٢) بالسيوف رؤوسَ قومٍ... أزلنا هامهنَّ عن المَقِيل (٣) ثم قولُه تعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ليس للتفضيل بعد الاشتراك (٤) في صفةِ الخيرية والحُسن، وهو كقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢]،

стр. 5482

وقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥]، لكنه على التوبيخ؛ كالرجل يُفسِد فيُعاقَب عليه، وآخَرُ يُصلِح فيثاب عليه، فيقال للمفسد: أهذا الذي فعل فلان خيرٌ أم ما أنت فيه؟ * * * (٢٥) - ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾: هو يومُ القيامة، و ﴿تَشَقَّقُ﴾ أصله: تتشقَّق، حُذفت إحدى التاءَين تخفيفًا، و ﴿السَّمَاءُ﴾؛ أي: السماوات ﴿بِالْغَمَامِ﴾ هو فوق السماوات السبع، وهو سحابٌ أبيضُ غِلَظُه كغِلَظ السماوات السبع، ويمسكه اللَّه تعالى اليوم، وثقلُه أثقلُ من ثقل السماوات. فإذا أراد اللَّه أن تَشَقَّقَ السماوات ألقى ثقلَه عليها فانشقَّت، فذلك قوله: ﴿بِالْغَمَامِ﴾؛ أي: بثقل الغمام فظهر الغمام. ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ في الغمام بنزوله، وذلك قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]؛ أي: بظللٍ من الغمام فيه الملائكةُ، ونزولُهم لمحاسبة الخلق. وقيل: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي (١): ملائكةُ السماوات ﴿تَنْزِيلًا﴾ لزوال السماوات، فتزولُ أماكن الملائكة فيصيرون في مكانٍ آخر. * * * (٢٦) - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾: أي: المُلْكُ الحقُّ يوم القيامة

стр. 5483

للرحمن على الخلوص، لا يبقى مدَّعي ملكٍ يومئذ، قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. ووصفُه بالحق لأن مُلك الخلقِ مجاز ومستعار، وهو للَّهِ تعالى على الحقيقة، لا يزول ملكُه ولا يردُّ حكمُه. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: لِمَا ينالهم من الأهوال والتشديدِ في السؤال، ثم الخزيِ والنكال، ثم النارِ والأغلال. * * * (٢٧) - ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾: قيل: هو في حقِّ كلِّ (١) مشرك، يَعَضُّ على يديه تحسُّرًا، وهو واحد بمعنى الجمع؛ كما قال: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، وقال : ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾: أي: مع محمدٍ ﷺ ، وُصْلةً (٢) بالإيمان به وسلوك طريقه. * * * (٢٨) - ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾: أي: أحدًا خالَف الرسول ﴿خَلِيلًا﴾؛ أي: صديقًا. ينادي على نفسه بالويل لعِلمه بضا وقع فيه بمعاداة الرسول وموالاةِ مَن عاداه.

стр. 5484

و (فلان) عندهم كنايةٌ عن واحدٍ مجهول، وهو مستعمل في كلامهم، يقول الرجل لآخر: ما تصنعُ بصحبة فلانٍ وفلانٍ، وقال قائلهم: استَغْنِ باللَّه عن فلانٍ... وعن فلانٍ وعن فلان (١) * * * (٢٩) - ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾: أي: الإيمانِ بالقرآن، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ من اللَّه بإنزاله على رسوله وتبليغه إلينا. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾: أي: يَخذلُ أولياءه يوم القيامة ويتبرَّأ منهم، قال تعالى: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢]. وقال مجاهد: ﴿فُلَانًا خَلِيلًا﴾؛ أي: الشيطان (٢). وقيل: نزلت في مُعيَّنٍ (٣)، وأكثرُ القرآن نزل في أسبابٍ خاصةٍ ثم يكون عامَّ المعنى فيمَن تتناوله اللفظة. قال الضحاك: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾؛ أي: على أطراف أصابعه فيأكلها حتى يتنهيَ إلى مرفقيه وما يَشعر (٤).

стр. 5485

وقال ابن السمَّاك: يفعل ذلك أربعة آلاف (١) مرةٍ يأكلها ثم يعيدها اللَّه تعالى، إلى أن يجيء وقت الحساب. وقال ابن عباس ﵄: وهو عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان رجلًا يجالس النبي ﷺ يستمع إلى كلامه من غير أن يؤمن به، وكان أبيُّ بن خلف صديقَه، فقال: وجهي لوجهك حرام إن كلمتك أو صادَقْتُك ما لم تَصِرْ إليه فتبصقَ في وجهه، ففعل، فأنزل اللَّه هذه الآية (٢). وقال مقاتل والسدي: كان عقبة رجلًا يسافر كثيرًا، وكان إذا رجع من سفره أضاف أشراف قومه، فدعا رسول اللَّه ﷺ ، فلما قرِّب الطعام قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أنا بآكلٍ حتى تشهد شهادةَ الحق" فشهد بلسانه وهو مضمِرٌ الكفرَ، وكان أبيُّ بن خلف غائبًا، فلما رجع أخبره بذلك، فأتاه عقبة زائرًا، فقال له أبيٌّ: صبوتَ؟ قال: لا واللَّه، قال: قد انقطعت العصمة بيني وبينك إن لم تَتْفل في وجهه، ففعل، فقتَل رسول اللَّه ﷺ أبيَّ بن خلف يوم أحد، وذلك أنه طعنه طعنةً فرجع إلى مكة فمات منها، ولم يقتل بيده غيرَه، وأما عقبة فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريُّ يوم بدر صبرًا (٣).

стр. 5486

وقال أبو روقٍ: جمع عقبة البزاق فأتى رسول اللَّه ﷺ فيما بين أصحابه فرمى بالبزاق، فانصرف البزاق وصار قطعتين على خده فسفعتا (١) خديه فكان فيهما أثرُه إلى أن قتل (٢). * * * (٣٠) - ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾: أي: متروكًا (٣) لا يسمعونه ولا يتدبَّرونه ولا يعملون بما فيه، ويقولون مرةً: هو سحر، ومرةً: هو مفترًى، ومرةً: هو أساطيرُ الأولين. يعني: يقول الرسول يوم القيامة ذلك فيَشهد عليهم بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. و (قال) بمعنى: يقول؛ كسائر ما ذكر من أحوال يوم القيامة، وإخراجُه على صفة الماضي لتحقُّق كونه يومئذ فأُلحق بالكائن المتحقِّق. * * * (٣١) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.

стр. 5487

وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: كما يُعاديك هؤلاء المشركون ويقولون فيك ما يقولون، فكذلك جعلنا لكلِّ نبيٍّ قبلك عدوًّا من المجرمين مثلَ أعدائك من الكافرين، فصبروا ففازوا، فاصبر أنت تَفُزْ أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾: أي: حسبُك اللَّه موفِّقًا لك (١) للحق، كافيك به وناصرًا لك على أعدائك. * * * (٣٢) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾: وهذا طعنٌ آخرُ منهم، قالوا: هلا نزِّل على محمد هذا القرآن دفعةً واحدةً مجتمعًا كلُّه. ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: أي: كذلك أنزلناه متفرقًا، وكذلك نُنزله لنُحْكِمه حفظًا (٢) في قلبك، فيكون فؤادُك ثابتًا به غيرَ مضطربٍ، ولو أنزلناه (٣) عليه جملةً واحدة (٤) وهو أميٌّ لا يكتب لتعذَّر عليه حفظه. وقيل: لأن فيه ناسخًا ومنسوخًا، فلم يَستقِم إنزاله جملةً واحدة (٥). وقيل: كان النبي ﷺ في دار الحَجْبة، وسكونُ قلبِ المحِبِّ المحجوب بأن

стр. 5488

يتواصل إليه كتُبُ (١) المحبوب، فجعله متفرقًا تثبيتًا لقلبه، وترويحًا لروحه، وتسكينًا لشوقه. وقوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: أي: جئنا ببعضه على إثر بعضٍ، وأَضمر بعد قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾: فرقنا ذلك ورتَّلناه؛ أي: فرَّقناه تفريقًا غيرَ متباعدٍ، بل تابعناه ولم نقطعه قطعًا يُضعف بذلك قلبك (٢). قالوا (٣): ولما نزلت التوراة جملةً (٤) تركوها جملةً، ولما نزل القرآن مرتَّلًا مفصَّلًا ثبت في القلوب مقرَّرًا ومحصَّلًا. * * * (٣٣) - ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾: أي: لا يأتيك هؤلاء المشركون بمثَلٍ؛ أي: شيءٍ يماثل ما كان من الأمم السالفة من محاجَّةِ أنبيائهم وتعنُّتِ رسلهم ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: أي: أتيناك بما يحقُّ أن يُؤتى به (٥)، دون الباطل الذي لا حقيقة له. وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾: أي: أحسن بيانًا مما عند هؤلاء السائلين؛ لأنهم لم يكونوا فيما يسألونه يعرفون من تلك الأمور مثلَ الذي كان اللَّه يُعرِّفه نبيَّه ﷺ ، وكان التحريف قد غلب على أهل الكتاب، فكان المشركون يرجعون إليهم

стр. 5489

ويأخذون منهم ثم يسألون النبيَّ ﷺ ، وهو يخبرهم على الوجه الذي (١) أخبره اللَّه تعالى به، فكان أحسنَ تفسيرًا مما هم يذكرونه. * * * (٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾: أي: هؤلاء المشركون الذين يعادُونك ويتعنَّتونكَ يمشَّون يومَ القيامة على وجوههم خزيًا ونكالًا لهم، وسئل النبي ﷺ : كيف يمشَّون على وجوههم؟ فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشِيَهم على وجوههم" (٢). وقيل: يُسحبون على وجوههم إلى النار؛ كما ورد ذلك في آية أخرى. ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ في الآخرة فإنهم في النار ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ عن الجنة. وقيل: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾: منزلةً في الدنيا، وأضلُّ عن طريق الحق، كما قال يوسف ﵇: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧]. ومعنى كل الآية: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ﴾ في جوابه ﴿بِالْحَقِّ﴾ فأنت منصورٌ عليهم في الدنيا بالحجة الواضحة، ثم هم محشورون على وجوههم إلى جهنم، وذلك نصرةٌ لك في الآخرة وخذلانٌ لهم وإخزاءٌ لهم في الدارين جزاءً على ضلالتهم، وهم أسوءُ مكانًا وأضلُّ سبيلًا. وليس هذا للتفضيل بعد ثبوت التسوية في الطرفين، بل طريقه ما قلنا في قوله: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.

стр. 5490

(٣٥ - ٣٦) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: يقول: لستَ أولَ نبيٍّ كذِّب، بل قد أعطينا موسى التوراةَ ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ وقد فسرناه في (طه). وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا﴾: أي: لهما (١): ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: فرعونَ وقومِه. وقوله تعالى: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾: أي: قد ذهبا إليهم فدعَواهم فعصَوهما فأهلكناهم إهلاكًا بالغرق في اليم. * * * (٣٧) - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا﴾: أي: ودمَّرنا قوم نوح لما كذَّبوا ﴿الرُّسُلَ﴾؛ أي: نوحًا ومَن قبله من آدم وشيث وإدريس؛ أو (٢) أخبرهم نوحٌ أن اللَّه يبعث بعدي رسلًا فكذَّبوهم أيضًا كما كذبوه، أو أراد به تكذيبَ نوحٍ وحده، ويطلق اسم الجمع على الواحد، يقال: خرج فلان على البغال، وإن خرج على بغلة واحدة. وقوله تعالى: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾: أي: بالطوفان ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾؛ أي:

стр. 5491

لمن بعدهم علامةً على قدرتنا وربوبيَّتنا وانتقامنا ممن كذَّب الرسل (١)؛ لأن الطوفان عمَّ الدنيا كلَّها، فصار عبرةً للكل. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: وكذلك هيَّأنا لكلِّ ظالمٍ نفسَه بالكفر بي وبرسلي. * * * (٣٨) - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾: أي: ودمَّرنا عادًا قومَ هود وثمودَ قومَ صالح. ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾: قيل: هم الذين بُعث إليهم صاحبُ (يس) حبيبٌ النجارُ، المذكورُ في قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، فقذفوه في بئرٍ بأنطاكيةَ ورسُّوه بالحجارة؛ أي: أثبتوه (٢) فيها بها، كذلك قال كعبُ الأحبارِ، رواه عنه ابن عباس ﵄ (٣). وقيل: هم قرية (٤) من ثمود (٥). وقيل: هم باليمامة. وقيل: كانوا بين المدينة ووادي القرى. وقيل: الرسُّ: البئر غيرُ المطويَّة.

стр. 5492

وقيل: الرسُّ: ماء ونخلٌ لبني أسد. وقال عكرمة: الرسُّ: بئر أَلقوا فيها نبيَّهم (١). وقال قتادة: هي قرية باليمامة يقال لها: فلج (٢). وقال أبو عبيدة: هو المعدِن (٣). وقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾: قال إبراهيم: القرن أربعون سنة (٤). وقال بعضهم: سبعون سنة. وقيل: هم أهلُ عصرٍ مقترِنون. ومعناه: وأممًا بين ذلك كثيرًا، وقال النبيُّ ﷺ : "كذب النسَّابون، يقول اللَّه: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ " (٥). * * * (٣٩) - ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾.

стр. 5493

وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾: أي: وصفنا (١) له الأشباهَ من الأمم التي كانت قبلهم فأُهلكت بتكذيب الأنبياء، فحذَّرنا كلَّ أمةٍ أن ينزل بها ما نزل بمن كان (٢) قبلها. وقوله: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾: أي: أهلكنا إهلاكًا. وهذا كلُّه تعريفٌ للنبي ﷺ أن الأنبياء قبله قد لقُوا من أممهم نحوَ ما تَلْقاه، وأن اللَّه تعالى جاعلٌ العاقبةَ المحمودة له على مَن كذبه؛ تطييبًا لنفسه وتثبيتًا لقلبه. * * * (٤٠) - ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾: أي: هؤلاء المشركون قد أتوا في أسفارهم على قريةِ قوم لوط وهي سَدُومُ، أُمطر أهلُها الحجارة عقوبةً لهم على معصيتهم نبيَّهم لوطًا ﵇، وارتكابهم الفاحشةَ بإتيان الذُّكران، وغيرِ ذلك. قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾: يَعتبِروا بها؛ أي: فكان ينبغي لهم أن يؤمنوا عند مشاهدةِ تلك الآيات. قوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: أي: قد رأوا هذه القرية وسمعوا بخبرها، ولكنهم كانوا لا يخافون الآخرة، ولا يرون ثوابًا ولا عقابًا، فلِكفرهم بالبعث أصرُّوا على تكذيب محمد ﷺ ولم يعتبروا بأولئك. * * *

стр. 5494

(٤١) - ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾: أي: ما يتَّخذونك إلا سخريةً لا يَرَونك أهلًا للتعظيم، ويقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾؛ أي: بعثه اللَّه رسولًا إلى خلقه. نزلت في أبي جهل لعنه اللَّه تعالى، كان إذا مرَّ بالنبي ﷺ يقول: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (١). * * * (٤٢) - ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾: أي: قد كاد يضلُّنا، وقيل: ما كاد إلا ليُضِلُّنا. ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾: أي: قارَبَ أن يصرفنا عنها وعن عبادتها بالسحر الذي أتى به، والخدع الذي يزعم أنها آيات من عند اللَّه تعالى ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾؛ أي: لولا حبسُنا أنفسَنا على عبادتها وتركُنا الإصغاءَ إلى ما يدعونا إليه محمدٌ لقارَبَ محمد أن يصرفنا عنها إلى إلهه. عدُّوا عبادتَهم الأصنام رشادًا، واعتقدوا صرفهم عنها ضلالًا، فأَوعدهم اللَّه تعالى فقال: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾: أي: عن قريبٍ يعلمون إذا رأوا العذاب في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما، مَن أضلُّ سبيلًا أهم أم مَن كان يدعوهم إلى تركها؟

стр. 5495

(٤٣) - ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾: أي: ما يهواه، نزلت في الحارث بن قيس السَّهْميِّ كان تَبُوعًا لهواه يتَّخذ صنمًا يعبدُه ثم يرمي به (١) فيتخذُ سواه، فهذا كان دأبَه (٢). وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾: أي: أرأيتَ مَن عبَد ما يهواه من غيرِ حجةٍ ولا دليل، أفأنت تكون عليه موكَّلًا فتصرفَه عن الهوى إلى الهدى؟ عرَّفه أنه ليس بمقدورٍ للنبيِّ ﷺ ، بل هو المنفرد (٣) به، إذا شاء فعله بمن شاء، وأنه ليس عليه إكراههم على الإسلام بل عليه التبليغ لا غير. * * * (٤٤) - ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾: أي: أم تتوهَّم أن أكثر هؤلاء المشركين يعملون عمل مَن يسمع، أو يعقلون عقلَ (٤) مَن يَعقل، و (أم) لا تكون إلا بعدَ ألف الاستفهام، وهو ثابت هاهنا تقديرًا: أتعلم أنهم يسمعون أو يعقلون أم تحسبُ ذلك منهم.

стр. 5496

وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾: أي: لا تحسبْ ذلك منهم (١) فما هم إلا كالبهائم ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ منها؛ لأن البهائم إن لم تعتقِد صحةَ التوحيد والنبوَّة لم تعتقِد بطلانهما، وهؤلاء يعتقدون بطلانهما. * * * (٤٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾: أي: ألم تعلم، وهو استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: قد علمتَ أن ربك مد الظل؛ أي: قد شاهدتَ الظلَّ كيف مدَّه اللَّه تعالى؛ أي: بسطه فعمَّ الأرض، وذلك من حين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإن الظلَّ مُطْبِقٌ (٢) للأرض من غير شمسٍ ولا ليل، وهذا قولُ عامة المفسرين، وهو كقوله في صفة الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]؛ أي: لا شمس معه ولا ظلمة. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾: أي: مستقِرًّا دائمًا لا تَعقبه الشمس فتَنسخَه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾: أي: نسخناه بالشمس، ثم جعلنا زوال الظل بالشمس دليلًا على أنه مِن خَلْقنا نوجدُه إذا شئنا ونُعدمه إذا شئنا. * * * (٤٦) - ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾: أي: قبضنا ذلك الظلَّ الممدود؛ أي: أخذناه إلينا؛ أي: إلى حيث أردنا قبضه من الأرض.

стр. 5497

﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: أي: قليلًا قليلًا شيئًا بعد شيء، بطلوع الشمس شيئًا فشيئًا. وقيل: قبضه (١) بغروب الشمس؛ لأنَّها ما لم تَغرب فالظلُّ فيه بقية، وإنما يَتمُّ زواله بمجيء الليل، وعلى هذا قولُه: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾؛ أي: سهلًا علينا لا مؤنةَ فيه علينا؛ كقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]. وقيل: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾؛ أي: سريعًا. وقيل: كالأول قليلًا قليلًا؛ لأنَّه يذهب شيئًا فشيئًا إلى أن يجتمعَ كلُّ الظلام. وهذا بيان القدرة، ومن آيات الوحدانية وإلزامِ الحجة على أهل الشرك والضلالة، وكذا ما بعده، وهو قوله: * * * (٤٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾: أي: سترًا وغطاءً للأشياء كلها بظلامه، فتسكن الأشياء فيه ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾؛ أي: راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال، والسَّبْت: القطع. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾: أي: حياةً من موت المنام لتنتشر الناس فيه لمعاشهم؛ كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١]، وكان النبيُّ ﷺ إذا أصبح قال: "الحمد للَّه الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" (٢). وقال القشيري ﵀: رُوي أن النبي ﷺ نزل في بعض أسفاره وقتَ

стр. 5498

القيلولة في ظلِّ شجرة، وكان معه خلق كثير، فمدَّ اللَّه تعالى ظلَّ تلك الشجرة حتى وسِع جميعهم، ونزلت الآية، وكان ذلك من معجزاته. وقال: مدَّ الظلَّ على أوليائه: فقومٌ في ظل الحماية، وآخرون في ظلِّ الرعاية، وآخرون في ظل العناية، وآخرون في ظلِّ الكفاية. وقال في قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ قال: هو وقتُ سكونٍ لقوم ووقتُ انزعاجٍ لآخرين، فأربابُ الغفلة يسكنون، وأصحابُ المحبة يسهرون، إن كانوا في رَوح الوصال لم يناموا لكمال أُنسهم، وإن كانوا في ألم الفراق لم يناموا لكمال وَجْدهم (١). * * * (٤٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نشرًا (٢) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿نُشُرًا﴾ بضم النون والشين وهي جمعُ نَشُورٍ؛ أي: ناشراتٍ للغيم تَنْشرُه وتَبْسطُه في السماء بحركتها كما يُنشر الشيء المطويُّ. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو في روايةٍ بضم النون وسكون الشين. وقرأ حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين. وقال الكلبي: هو الريح الطيبة، مأخوذٌ من نشر المسك. وقيل: أي: حياةً. وقرأ عاصم بالباء مضمومةً من البشارة (٣).

стр. 5499

﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: أي: مطرِه، وهو من بيان قدرته ونعمته أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾: نقل الكلام من المغايبة إلى الإخبار عن نفسه بخطاب الملوك جمعًا، وهو من وجوه تصريف الكلام. والطهور مبالغةٌ في الطهارة. وقيل: هو ما يُتطهَّر به؛ كالوَضوء ما يُتوضأ به، والسَّحور والفَطور والوَقود كذلك. * * * (٤٩ - ٥٠) - ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾: بإنبات النبات وإخراج الثمار (١). وقوله تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾: جمع إنسيٍّ؛ أي: نمكِّنهم من أن يشربوه ويَسقوا به دوابَّهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾: قيل: أي: صرَّفنا الماء الطهور وهو المطر؛ أي: قسَّمناه بين العباد فجعلناه (٢) سنَةً لهؤلاء وسنَةً لهؤلاء، ينقصر حولًا لقوم ويزاد لقوم. وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ليَذْكُروا﴾ بالتخفيف، والباقون بالتشديد (٣)؛ أي: ليتذكَّروا نعمتي فيشكروا لي، ومعنى القراءتين: الذِّكر والتذكُّر بالقلب.

стр. 5500

وقيل: الذكر: الشكر باللسان، والتذكُّر: تكلُّف إحضار القلب بالذكر. وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: أي: كفرانًا لنعمي؛ لأنَّهم يَصرفون النعمة والمطر إلى الأنواء، فيقولون: مُطِرنا بنَوءِ كذا، قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. وقال الحسن: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أي: ليتذكَّروا بالمطر الذي أنزله فأحيى به الأرض أنه قادر على أن يُحيي الموتى. وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: كفرًا (١) بالبعث، وعلى هذا تصريفُه أمطارَه في كلِّ البلاد مرةً هاهنا ومرةً هاهنا ليَشترك الكلُّ في التذكُّر به. وعن ابن عباس ﵄ قال: ما مِن عامٍ بأقلَّ مطرًا من عام، ولكن اللَّه تعالى يصرِّفه حيث يشاء، وقرأ هذه الآية (٢). وقيل: ولقد صرَّفنا الذكرَ في القرآن في السور كلِّها بين الناس ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أي: ليتَّعظوا وينتهوا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ بالنعم وكفرًا بالمنعم. * * * (٥١ - ٥٢) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾: أي: ولو شئنا لأرسلنا في كلِّ مصرٍ نبيًّا، ولكن لم نفعل فجعلناك نذيرًا للجميع، فاشكر نِعَم اللَّه عليك.
следующие страницы →