وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾: أي: لا تحسبْ ذلك منهم (١) فما هم إلا كالبهائم ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ منها؛ لأن البهائم إن لم تعتقِد صحةَ التوحيد والنبوَّة لم تعتقِد بطلانهما، وهؤلاء يعتقدون بطلانهما.
* * *
(٤٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾: أي: ألم تعلم، وهو استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: قد علمتَ أن ربك مد الظل؛ أي: قد شاهدتَ الظلَّ كيف مدَّه اللَّه تعالى؛ أي: بسطه فعمَّ الأرض، وذلك من حين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإن الظلَّ مُطْبِقٌ (٢) للأرض من غير شمسٍ ولا ليل، وهذا قولُ عامة المفسرين، وهو كقوله في صفة الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]؛ أي: لا شمس معه ولا ظلمة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾: أي: مستقِرًّا دائمًا لا تَعقبه الشمس فتَنسخَه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾: أي: نسخناه بالشمس، ثم جعلنا زوال الظل بالشمس دليلًا على أنه مِن خَلْقنا نوجدُه إذا شئنا ونُعدمه إذا شئنا.
* * *
(٤٦) - ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾: أي: قبضنا ذلك الظلَّ الممدود؛ أي: أخذناه إلينا؛ أي: إلى حيث أردنا قبضه من الأرض.
стр. 5497
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: أي: قليلًا قليلًا شيئًا بعد شيء، بطلوع الشمس شيئًا فشيئًا.
وقيل: قبضه (١) بغروب الشمس؛ لأنَّها ما لم تَغرب فالظلُّ فيه بقية، وإنما يَتمُّ زواله بمجيء الليل، وعلى هذا قولُه: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾؛ أي: سهلًا علينا لا مؤنةَ فيه علينا؛ كقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤].
وقيل: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾؛ أي: سريعًا.
وقيل: كالأول قليلًا قليلًا؛ لأنَّه يذهب شيئًا فشيئًا إلى أن يجتمعَ كلُّ الظلام.
وهذا بيان القدرة، ومن آيات الوحدانية وإلزامِ الحجة على أهل الشرك والضلالة، وكذا ما بعده، وهو قوله:
* * *
(٤٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾: أي: سترًا وغطاءً للأشياء كلها بظلامه، فتسكن الأشياء فيه ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾؛ أي: راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال، والسَّبْت: القطع.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾: أي: حياةً من موت المنام لتنتشر الناس فيه لمعاشهم؛ كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١]، وكان النبيُّ ﷺ إذا أصبح قال: "الحمد للَّه الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" (٢).
وقال القشيري ﵀: رُوي أن النبي ﷺ نزل في بعض أسفاره وقتَ
стр. 5498
القيلولة في ظلِّ شجرة، وكان معه خلق كثير، فمدَّ اللَّه تعالى ظلَّ تلك الشجرة حتى وسِع جميعهم، ونزلت الآية، وكان ذلك من معجزاته.
وقال: مدَّ الظلَّ على أوليائه: فقومٌ في ظل الحماية، وآخرون في ظلِّ الرعاية، وآخرون في ظل العناية، وآخرون في ظلِّ الكفاية.
وقال في قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ قال: هو وقتُ سكونٍ لقوم ووقتُ انزعاجٍ لآخرين، فأربابُ الغفلة يسكنون، وأصحابُ المحبة يسهرون، إن كانوا في رَوح الوصال لم يناموا لكمال أُنسهم، وإن كانوا في ألم الفراق لم يناموا لكمال وَجْدهم (١).
* * *
(٤٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نشرًا (٢) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾:
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿نُشُرًا﴾ بضم النون والشين وهي جمعُ نَشُورٍ؛ أي: ناشراتٍ للغيم تَنْشرُه وتَبْسطُه في السماء بحركتها كما يُنشر الشيء المطويُّ.
وقرأ ابن عامر وأبو عمرو في روايةٍ بضم النون وسكون الشين.
وقرأ حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين.
وقال الكلبي: هو الريح الطيبة، مأخوذٌ من نشر المسك. وقيل: أي: حياةً.
وقرأ عاصم بالباء مضمومةً من البشارة (٣).
стр. 5499
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: أي: مطرِه، وهو من بيان قدرته ونعمته أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾: نقل الكلام من المغايبة إلى الإخبار عن نفسه بخطاب الملوك جمعًا، وهو من وجوه تصريف الكلام.
والطهور مبالغةٌ في الطهارة.
وقيل: هو ما يُتطهَّر به؛ كالوَضوء ما يُتوضأ به، والسَّحور والفَطور والوَقود كذلك.
* * *
(٤٩ - ٥٠) - ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾: بإنبات النبات وإخراج الثمار (١).
وقوله تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾: جمع إنسيٍّ؛ أي: نمكِّنهم من أن يشربوه ويَسقوا به دوابَّهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾: قيل: أي: صرَّفنا الماء الطهور وهو المطر؛ أي: قسَّمناه بين العباد فجعلناه (٢) سنَةً لهؤلاء وسنَةً لهؤلاء، ينقصر حولًا لقوم ويزاد لقوم.
وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ليَذْكُروا﴾ بالتخفيف، والباقون بالتشديد (٣)؛ أي: ليتذكَّروا نعمتي فيشكروا لي، ومعنى القراءتين: الذِّكر والتذكُّر بالقلب.
стр. 5500
وقيل: الذكر: الشكر باللسان، والتذكُّر: تكلُّف إحضار القلب بالذكر.
وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: أي: كفرانًا لنعمي؛ لأنَّهم يَصرفون النعمة والمطر إلى الأنواء، فيقولون: مُطِرنا بنَوءِ كذا، قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].
وقال الحسن: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أي: ليتذكَّروا بالمطر الذي أنزله فأحيى به الأرض أنه قادر على أن يُحيي الموتى.
وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: كفرًا (١) بالبعث، وعلى هذا تصريفُه أمطارَه في كلِّ البلاد مرةً هاهنا ومرةً هاهنا ليَشترك الكلُّ في التذكُّر به.
وعن ابن عباس ﵄ قال: ما مِن عامٍ بأقلَّ مطرًا من عام، ولكن اللَّه تعالى يصرِّفه حيث يشاء، وقرأ هذه الآية (٢).
وقيل: ولقد صرَّفنا الذكرَ في القرآن في السور كلِّها بين الناس ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أي: ليتَّعظوا وينتهوا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ بالنعم وكفرًا بالمنعم.
* * *
(٥١ - ٥٢) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾: أي: ولو شئنا لأرسلنا في كلِّ مصرٍ نبيًّا، ولكن لم نفعل فجعلناك نذيرًا للجميع، فاشكر نِعَم اللَّه عليك.
стр. 5501
وقوله تعالى: ﴿تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾: أي: بالقرآن؛ أي: حاجَّهم وجادِلْهم به وقرِّعهم بالعجز عنه.
وقيل: جاهدهم بالسيف.
والصحيح الأول؛ لأن السورة مكية، وكان الأمرُ بالقتال بعد ذلك.
وقيل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ تكثيرًا للآيات، ولكنَّا أقمنا بك وحدك الدلالات، فلا تُطِعْ مَن كذَّبك، بل جاهدهم بالقرآن فقد لزمتْهم الحجةُ؛ كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
وقيل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لتَخِفَّ عنك بذلك المؤونة، ولكنَّا حمَّلناك ثقل تبليغ الرسالة (١) إلى كلِّ القرى؛ لتنال بصبرك عليه (٢) ما أَعدَّ اللَّه لك من الكرامة والمثوبة، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم، وجاهدهم بالقرآن.
﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾: بليغًا؛ كما قال تعالى: ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩].
وقيل: ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾؛ أي: عظيمًا موقعُه عند اللَّه، وعلى حسَبه الثوابُ عليه.
* * *
(٥٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: وهو بيانُ نعمته وقدرته أيضًا؛ أي: أجراهما (٣) وأرسلهما في الأرض ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾؛ أي: أحد البحرين
стр. 5502
عذبٌ؛ أي: طيبٌ فرات؛ أي: شديد العذوبة، والآخر ﴿مِلْحٌ﴾: فيه ملوحةٌ ﴿أُجَاجٌ﴾: مرٌّ.
قيل: أراد به الأنهار العظام، يعني: أرسل في الأرض المياه على ضربين: أحدهما عذبٌ والآخر ملح، وكلُّ واحد منهما بحر، فالفرات العذبُ كالنيل والفرات ودجلةَ وسيحان ونحوِها، والملح الأجاج كالبحار المعروفة.
قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾: أي: حاجزًا ﴿وَحِجْرًا﴾؛ أي: سترًا مانعًا ﴿مَحْجُورًا﴾؛ أي: مستورًا ممنوعًا.
وقيل: ﴿مَحْجُورًا﴾؛ أي: مجعولًا حجرًا (١)؛ كما يقال: حدٌّ محدودٌ، وحرامٌ محرَّمٌ، وذلك هو الجزائر والبلاد، فلا يختلط أحدهما بالآخر كذلك فيُفسدَ على الناس مياههم، فإذا قامت الساعة زال الحاجز فاختلطت؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] وهو قول الحسن.
وقيل: بحر الأرض وبحر السماء.
وقيل: بحرٌ (٢) تحت الأرض، والبرزخُ الأرض.
وقيل: هو بحرٌ واحد من البحار المعروفة يجتمع فيه الماء العذب والماء الملح في مكان واحد، فلا يختلطان فيَفسُدَ العذبُ بالملح ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾: حاجزًا من القدرة، قاله قتادة (٣).
وقيل: ﴿بَرْزَخًا﴾ هو مدة الدنيا، فإذا قامت الساعةُ اختلط أحدهما بالآخر، وذلك قولُه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]، وسيأتي بيانُ ذلك في سورة الرحمن إن شاء اللَّه تعالى في قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩].
стр. 5503
وقيل: هما بحر الهند وبحر الروم.
وقيل: هو بحر العراق وبحر الشام.
* * *
(٥٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾: وهذا أيضًا بيانُ قدرته ونعمته.
﴿مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ قيل: خلق آدم من الطين وأصله الماء ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ آدمَ ﴿وَصِهْرًا﴾ حواء.
وقيل: ﴿خَلَقَ مِنَ﴾ النطفة ولدَ آدم ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾؛ أي: قرابةً ﴿وَصِهْرًا﴾؛ أي: مصاهرةً، وهي الوصلة بالنكاح، مَنَّ بالأنساب لأن التقارب والتواصُل يقع (١) بها، ومنَّ بالمصاهرة لأن التوادَّ والتوالُدَ يكون بها.
وقيل: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ لمن وُلد منه ولمن يُولد منه ﴿وَصِهْرًا﴾ لمن يتزوَّج به.
وقال قطرب: الصِّهر أبو زوجِ البنت، وما كان من قِبَل زوجِ البنت فهم أصهارٌ، وما كان من قِبَل المرأة فهم أحماءٌ.
﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾: على كلِّ شيء.
* * *
(٥٥) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾: أي: اللَّه تعالى مالكُ النفع والضر، وهؤلاء المشركون بجهلهم يعبدون مِن دونه جمادًا لا ينفعهم إنْ عبدوه ولا يضرُّهم إن تركوا عبادته.
стр. 5504
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾: قال عطية العوفي والشعبي ومجاهد: نزلت في أبي جهل بن هشام لعنه اللَّه (١).
وقيل: هو اسمُ جنس يقع على كلِّ كافرٍ.
﴿ظَهِيرًا﴾ قال قتادة ومجاهد والحسن: أي: مُعينًا للشيطان (٢)، والمظاهرة: المعاونة.
ومعنى ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾: على معصية ربه ومخالفةِ أمره، يعني: إن الكافر إذا أتى بالكفر والمعاصي كان مُعينًا للشيطان على الإصرار على الكفر والاستكبار.
وقيل: ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾؛ أي: على أوليائه؛ قال النبيُّ ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: مَن أهان لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة" (٣)؛ أي: يُعين الكافرُ الشيطانَ على معاداة أولياء اللَّه.
وقيل: أي: يستظهر الكافر بالأوثان وعبادتها وعبَدتها على مغالبة رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين.
وقيل: الظهير: الهيِّنُ الملقَى خلف الظهر؛ أي: وكان الكافر على ربِّه هيِّنًا حقيرًا.
وقيل: ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾ معناه: على ما يعتقده ربًّا وهو الصنم، ومعناه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾؛ أي: قويًّا قادرًا، ويتصل بأول الآية: أن الصنم لا ينفع ولا يَضر ولا
стр. 5505
يقدر على شيء، وعابد الصنم قادرٌ على الصنم يعمل به ما شاء وينقله حيث شاء، وهو بيانُ جهلهم أنهم يعبدون ما هو عاجز وهم قادرون عليه.
* * *
(٥٦ - ٥٧) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾: أي: للموافق ﴿وَنَذِيرًا﴾ للمخالفين.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: على التبليغ، وقيل: على التبشير.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: أي: إلا مَن شاء أن يتخذ إلى ربِّه قربةً بإجابته فلْيَفعلْ والاستثناء منقطِع بمعنى (لكن).
وقيل: هو استثناءٌ حقيقةً: إلا متَّخذَ السبيل إلى ربه بالتوحيد فإنه أجري (١)؛ أي: يَأْجُرني اللَّه تعالى بدعوتي إياه وأجابته إياي، قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢].
وقيل: اتخاذُ السبيل إلى اللَّه تعالى هو الإيمانُ به.
وقيل: أي: بمودَّة رسول اللَّه ﷺ لقرابته، كما قال: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].
وقيل: أي: لا أطالبكم بالأجر إلا أنْ يشاء أحدكم أن يتقرب إلى اللَّه تعالى ببذلِ مالٍ أنفقه على الفقير، أو في الجهاد وسبُل الخير، فإن هذا مما أرغِّبكم فيه، أما لا أطالبكم به لأَجْلي (٢).
стр. 5506
(٥٨) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾: بالتبليغ، فإنه يعصمك ويحرسك.
وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾: أي: نزِّه اللَّه تعالى عما يصفُه به هؤلاء واحمده؛ أي: صِفْه بصفاته الحميدة.
وقيل: أي: صلِّ للَّه تعالى حامدًا له فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾: أي: عالمًا بمعاصي هؤلاء المشركين، فهو يجزيهم عليها.
* * *
(٥٩) - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: قد فسرنا هذه الكلمات مرات، وهذا كلُّه صفة قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾: أي: هو الرحمن، أو: ثم استوى الرحمن على العرش، أو: كان ربُّك الرحمن قديرًا، أو (١) هو خبر المبتدأ، والمبتدأُ قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾: قيل: فاسأل يا محمدُ الرحمنَ عن ذلك، فإنك تسألُ خبيرًا بما خلَق، و ﴿خَبِيرًا﴾ مفعولُ (سل)، و ﴿بِهِ﴾ بمعنى: عنه؛ كما
стр. 5507
قال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾؛ أي: عن عذابٍ، والخبير صفةُ اللَّه تعالى، وهو معنى قول الحسن: إنْ سألتَه فهو خبير بالعباد.
وقيل: معناه: فاسأل اللَّه؛ أي: عن اللَّه ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: عالمًا، وهو اللَّه تعالى العالمُ بحوائجك ومصالحك، و ﴿بِهِ﴾ على هذا له معنيان:
أحدهما: أنه صلةُ ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: خبيرًا به.
والثاني: أن يكون بمعنى: سلِ اللَّهَ باللَّه، كما تقول: أعوذ بك منك، و: أهرب منك إليك.
* * *
(٦٠) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾: أي: صلُّوا للَّه تعالى واخضَعوا لأمره.
﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾: أي: لا نعرف الرحمنَ فنسجدَ له ﴿أنسجدُ لِمَا يَأمُرنا﴾ بياء المغايبة في قراءة حمزة والكسائي؛ أي: يأمرنا به محمد من غير أن نعرفه (١).
وقرأ الباقون بالتاء (٢)؛ أي: لما تَأمرنا به يا محمد؟ استفهام بمعنى الاستنكار.
وقوله تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾: أي: زادهم هذا الأمرُ شرودًا عن الإسلام.
* * *
(٦١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾: قيل: قصورًا.
стр. 5508
وقيل: هي التي تُبنى حول السور والحصون.
وقيل: هي البروج الاثنا عشرَ المعروفةُ: الحَمَل، والثَّوْر، والجَوْزاءُ، والسَّرَطان، والأسدُ، والسُّنبلةُ، والميزانُ، والعَقْربُ، والقَوْس، والجَدْيُ، والدَّلْو، والحُوت.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾: أي: في جملتها شمسًا، فهي من البروج؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ بالليل.
ومَن قرأ: ﴿سُرُجًا﴾ (١) فهي النجوم التي يُهتدَى بها، فهي كالمصابيح.
* * *
(٦٢) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾: قيل: أي: مختلفَين؛ يجيء هذا ويذهب ذلك، ويجيءُ ذاك ويذهب هذا، ولم يجعل منهما واحدًا سرمدًا نهارًا لا ليلَ له، وليلًا لا نهار له، ليَعلم الناسُ عددَ السنينَ والحسابَ، وليكون للانتشار في المعاش وقت معلوم، وللقرار والاستراحة وقتٌ معلوم، وفيه تنبيه على قدرته ونعمته، وذلك قوله:
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: أي: يتذكر بذلك ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾؛ أي: أراد شكر اللَّه تعالى بما أنعم عليه.
وقيل: أي: جعل الليل والنهار خلفة؛ أي: مختلفين في اللون ليتميَّز أحدهما عن الآخر؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا﴾ الآية [الإسراء: ١٢]، قاله مجاهد (٢).
стр. 5509
وقيل: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾؛ أي: يَخلُف كلُّ واحد منهما صاحبه، فيكون خَلَفًا عنه، ووحِّد لأنه كالمصدر، قال زهير:
بها العِينُ والآرامُ يَمشِينَ خِلْفةً... وأطلاؤُها يَنهَضْنَ من كلِّ مَجْثَمِ (١)
كأنه قال: جَعَل كلَّ واحدٍ منهما خلَفًا عن الآخر فيما أَمر به فيهما، حتى إذا فاته ما أُمر به في أحدهما أتى به في الآخر، فيكون إخبارًا عن توسعةِ الأمر على عباده في نوافل الطاعات؛ يأتي بما فاته في الليل القصير في النهار الطويل الذي بعده، وكذا الآخر، قاله الحسن (٢).
وقيل: إنهما خلفةٌ في النقصان والزيادة يتعاقبان حثيثين إلى أجلٍ مسمى، وهو كقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١].
* * *
(٦٣) - ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾: ثم وصف أولياءه بعدما ذكر في كلِّ السورة أعداءه، فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: وعباد اللَّه الذين رضي اللَّه بهم عبادًا، وخصَّهم بإضافتهم إليه بالعبودية تشريفًا لهم ورفعًا (٣) لأقدارهم؛ كما يقال: بيت اللَّه، وناقة اللَّه، وشهر اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾: إذا خرجوا يمشون بين (٤) الناس
стр. 5510
بما لا بد لهم من معاشٍ وقضاءِ حقٍّ وحضورِ جماعة يمشون في لِينٍ ووقارٍ وسكونٍ وتواضعٍ، لا بمرحٍ (١)، ولا تحريكِ أعطافٍ ودقِّ أقدام على الأرض، فهذا مشيٌ ممدوح، وقد ذكر المشي المذموم في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩] وقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾: الجاهلون: الكفار والعصاة، و ﴿سَلَامًا﴾؛ أي: سَدادًا من القول؛ أي: إذا خُوطبوا بما يكرهونه لم يجيبوهم بمسافهةٍ ومشاتمةٍ، بل صانوا أنفسَهم عن ذلك وأجابوهم (٢) بالذي يسلَمون به من أذاهم ومن معصية اللَّه تعالى.
* * *
(٦٤ - ٦٥) - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾: أي: يُمضون لياليهم متهجِّدين للَّه تعالى قيامًا على أرجلهم في موضعِ القيام، وسجَّدًا في موضع السجود، ومع ذلك يخافون اللَّه تعالى، وذلك قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: قيل: هلاكًا، وقيل: دائمًا لازمًا، وقال ابن عباس ﵄: أي: شديدًا (٣).
стр. 5511
(٦٦ - ٦٧) - ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: أي: إنَّ جهنم بئسَ موضعُ قرارٍ وموضعَ إقامةٍ، والاستقرار أقل من الإقامة، وجهنم مستقرٌّ للعصاة ومقامٌ للكفار.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾: والإسراف: مجاوزة الحدِّ في الإنفاق لغةً (١)، والإقتار: التقصير عن العدل فيه، وقد قَتَر من حدِّ دَخَل وضَرَب، وأَقْتر من باب أدخَلَ، وهذا من صفات عباد الرحمن أيضًا.
قال إبراهيم: السَّرَف: مجاوزةُ الحد في النفقة، والإقتار: التقصيرُ عما لا بد منه (٢).
وقال ابن عباس ﵄: الإسراف: الإنفاق في معصية اللَّه تعالى قلَّ أو كثُر، والإقتار: منعُ حقِّ اللَّه تعالى من المال (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: أي: بين ذَينك (٤) ﴿قَوَامًا﴾؛ أي: عدلًا، والقَوَام بالفتح: العدل، والقِوَام بالكسر: العماد يقال: هذا قِوَامُ الأمر ونظامُه ومِلاكُه، وهذا في المطعم والمشرب والملبس وكلِّ شيء.
وقيل: أي: لم يتكلَّفوا فوق الطاقة، ولم يقصِّروا عن الحاجة.
وقيل: إذا تكلَّموا لم يأتوا بالفضول ولم يسكتوا عن الحق، وإذا عملوا لم يأتوا بالمعصية ولم يتركوا الطاعة.
стр. 5512
(٦٨) - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي: لا يُشركون ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾: وهي النفس المسلمة والذِّمِّية ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بقِصاصٍ أو رجمٍ أو قتلٍ على رِدَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾: قال ابن مسعود ﵁: قال رجل: يا رسول اللَّه! أيُّ الذنب أكبر؟ قال: "أنْ تَجعل للَّه نِدًّا وهو خلَقك"، قال: ثم أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك خشيةَ أنْ يأكل معك"، قال: ثم أيّ؟ قال: "أن تُزانيَ حليلةَ جارك"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية (١).
وقال القشيري ﵀: من النفوس المحرَّمة نفسك المسكينة، وقتلُها بغير حقٍّ تمكينُك إياها من اتِّباع ما فيه هلاكُها، و:
إنَّ السفيه إذا لم يُنْهَ مأمور (٢)
ثم قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ دليلٌ على جواز قتلها بحقٍّ، وذلك بذبحِها بسكين المخالفات، وما فلاحُك إلا بقتل عدوِّك، وأعدى عدوِّك نفسُك التي بين جنبيك (٣).
стр. 5513
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي: هذه الأشياء الثلاثة ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾؛ أي: بجزاء إثمه، وقيل: الأثام: العقاب (١)، قال الشاعر:
جزى اللَّه بنَ عروة حيث أمسى... عَقوقًا والعُقوقُ له أثامُ (٢)
أي: عقابًا (٣).
وقال قتادة: الأثام: النَّكال (٤).
وقال مجاهد: وادٍ في جهنم (٥) من قيحٍ ودمٍ فيه حياتٌ وعقاربُ كالبغال.
* * *
(٦٩) - ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾: قرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر برفع الفاء من ﴿يضاعفُ﴾ ورفع الدال من ﴿يَخلدُ﴾ على الاستئناف، وقرأ ابن عامر: ﴿يُضعَّفُ﴾ بالتشديد مرفوعًا، وقرأ الباقون بجزمهما على جزاء الشرط، إلا أنَّ ابنَ كثير يقرأ: ﴿يُضَعَّفْ﴾ بالتشديد (٦).
ومعنى (٧) ﴿يُضَاعَفْ﴾ هو؛ أي: يُعذَّب على مرور الأيام في الآخرة عذابًا على عذابٍ.
وقال ابن جرير: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ لاجتماع هذه المعاصي الثلاثة،
стр. 5514
فيكون لكل معصيةٍ قسطٌ ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾؛ أي: يبقى في العذاب ﴿مُهَانًا﴾؛ أي: مذَلًّا مستخَفًّا (١) به؛ كما قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
* * *
(٧٠) - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾: أي: رجع عن ذلك ﴿وَآمَنَ﴾ باللَّه ورسوله ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾؛ أي: أتى بالطاعات.
وقيل: لما نزل هذا قال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : ما منا إلا وقد فعل هذا في الجاهلية، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٢).
وقيل: نزلت في قوم من المشركين عملوا هذه الأشياء ثم جبُنوا عن الدخول في الإسلام خوفًا ألا يُقبل منهم (٣).
وقيل -وهو مروي عن ابن عباس ﵄: نزلت في وحشيِّ بن حرب غلامِ مُطْعِم بن عدي بن عبد مناف -وقيل: غلامِ جُبير بن مُطْعِمٍ- وذلك أنه كتب إلى النبي ﷺ : إنك تدعونا إلى دينك وتقول: ومَن يَدْعُ مع اللَّه إلهًا آخرَ، ويقتل النفس التي حرَّم اللَّه، ويزنِ، فهو من أهل النار، وإني قد فعَلْتُ هذا كلَّه، فهل من توبةٍ؟ فأنزل اللَّه تعالى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
стр. 5515
[النساء: ٤٨]، فقال: إن اللَّه تعالى شرَطَ المشيئة، ولا أدري أيشاء اللَّه تعالى بمغفرتي أم لا يشاء، فنزلت هذه الآية: ﴿مَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فقال: لعلي لا أصل إلى العمل الصالح، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فقال: لا أرى (١) في هذا شرطًا، فجاء (٢) فأسلم (٣).
وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾: قال الحسن: أي: في الدنيا يبدِّل اللَّه العمل السيِّئ بالعمل الصالح: الشركَ إخلاصًا، والكفر إيمانًا، والزنا عفافًا وإحصانًا (٤).
وقال قتادة: هو طاعةُ اللَّه تعالى بعد عصيانه، وذكرُ اللَّه بعد نسيانه، والخيرُ يعمله بعد الشر (٥).
وقال علي بن الحسين وإبراهيم وأبو يعلى (٦): هو في الآخرة يجعل سيئاته حسنات (٧).
قال سلمان: يُعطَى رجل يوم القيامة صحيفةً فيقرأ أعلاها فإذا سيئاته أكثرُ، فإذا كاد يسوءُ ظنُّه ينظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم نظر في أعلاها فإذا هي بدِّلت حسنات (٨).
стр. 5516
وروي مثلُه عن ابن مسعود.
وعن أبي عثمان النهديِّ ﵁: أن المؤمن يعطَى كتابه في سترٍ من اللَّه تعالى فيقرأ سيئاته، فإذا قرأها تغيَّر لونه، حتى يمرَّ بحسناته فيقرؤها يرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاتُه قد بدِّلت حسناتٍ، فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: لمن تاب وإليه أناب.
* * *
(٧١) - ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾: الأول -وهو قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ - في حق المشرك، وهذا في حق المؤمن المذنب، يقول: ومَن تاب من ذنوبه وأتبعه عملًا صالحًا فإنه أيضًا قد تاب إلى اللَّه، فله ما للأول من المغفرة والرحمة وتبديل السيئات حسنات.
وقيل بخلاف ذلك؛ قال عبد الرحمن بن زيد: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية، قال: هذه صفة أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فقال المشركون: واللَّه ما كان هؤلاء الذين مع محمد إلا معنا بالأمس في هذا، فأنزل اللَّه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ ثم قال لهؤلاء المشركين: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾؛ أي: منكم ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإن له مثل ما لهؤلاء ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ لم تحظر التوبة عنكم (٢).
وقيل: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: يرجع إلى اللَّه يوم القيامة وإلى ثوابه.
* * *
(٧٢) - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.
стр. 5517
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾: قال قتادة: أي: الكذبَ (١).
وقال الضحاك: الشرك (٢).
وقال أيضًا: أعيادَ المشركين (٣).
وقال محمد بن الحنفية: الغناءَ واللهو (٤)، و (يشهد) بمعنى: يَحضر، ولذلك لم يقل: لا يشهدون بالزور؛ لأنه أداءُ (٥) الشهادة، ومَن حضر الزور شهد به أيضًا وثبت مقتضاه.
والزور: تمويهُ الباطل بما يوهِم أنه حقٌّ، والتزوير فعلُ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾: اللغو: الفعل الذي لا فائدة فيه؛ أي: إذا مروا بقوم يفعلون أو يقولون ما لا يفيد مرُّوا مرَّ الكرام الذين لا يرضَون به، ويكرمون أنفسهم أن يدخلوا فيه أو يختلطوا بأهله.
وقال قتادة: أي: [لا] يساعدون أهلَ الباطل على باطلهم (٦).
وقال مجاهد: إذا مرُّوا بمن يؤذيهم صفحوا عنه (٧).
وقال ابن جرير (٨): أي: إذا مروا بالباطل فسمعوه أو رأوه مروا كرامًا (٩).
стр. 5518
والكرم في بعض ذلك ألا يسمعوه كالغناء.
وفي بعضه ألا يجيبوا وهو إذا سمعوا قبيحًا.
وفي بعضه أن ينهوا عنه بأن يروا منكرًا.
وفي بعضه أن يضاربوا بالسيوف كقطع الطريق ونحوه.
ويقال: مات فلان كريمًا؛ أي: مدافعًا عن نفسه وأهله وقومه، فلم يكن الكرم على وجه واحد.
* * *
(٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾: قال الفراء: أي: والذين إذا قرئ عليهم القرآن لم يقعدوا على حالتهم الأولى كأنهم لم يستمعوا ولم يروا قارئه، فذلك الخرور (١).
وقيل: ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾؛ أي: لم يلبثوا ولم يبقوا.
وقيل: لم يقعوا.
وقال القُتبي: أي: لم يتغافلوا عنها كأنهم صمٌّ وعميٌ (٢).
وقال الزجَّاج: خرُّوا سجَّدًا وبكيًّا، ولم يخروا عليها (٣) صمًّا وعميانًا (٤).
وقيل: لم يكونوا كالذي ولَّى مستكبرًا كأنْ لم يسمعها، بل كانوا من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، والذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا.
стр. 5519
(٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾: أي: نسائنا ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ (١): قرأ حمزة والكسائي على الواحد: ﴿وذرِّيَتنا﴾؛ أي: ولدنا، وقرأ الباقون: ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ على الجمع (٢)؛ أي: أولادنا.
وقوله تعالى: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾: وحَّد القرة لأنها مصدر، وهي بردُ دمعتها، وذاك من السرور.
وهذا الدعاء معناه: أن تريناهم مؤمنين مطيعين فبه يتم السرور والراحة، وهذا إن كان من الذين لم يُسلم أزواجُهم ولا أولادهم سؤالُ الإيمان، وممن أسلم أهاليهم وأولادهم سؤالُ الإبقاء على الإيمان.
قال جُبير بن نُفيرٍ: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمرَّ به رجل فقال: طُوبى لهاتين العينين اللَّتين رأتا رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه لودِدْنا أنَّا رأينا ما رأيتَ وشهِدْنا ما شهدتَ، قال: فاستُغْضِب، فجعلتُ أعجبُ وما قال إلا خيرًا، ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجلَ على أن يتمنَّى محضرًا غيَّبه اللَّه عنه لا يدري لو شهِدَه كيف كان يكون فيه؟ واللَّه لقد حضر رسولَ اللَّه ﷺ أقوامٌ كبَّهم اللَّه على مناخرهم في النار لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون اللَّه إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربَّكم، مصدِّقين بما جاء به نبيُّكم، قد كُفيتم البلاء بغيركم، واللَّه لقد بعث النبيُّ ﷺ على أشد حالٍ بعث عليها
стр. 5520
نبيٌّ من الأنبياء في فترةٍ وجاهلية، ما يرون دينًا أفضلَ من عبادة الأوثان، فجاء بفرقانٍ فرَق بين الحق والباطل، ففرَّق بين الوالد وولده حتى إنْ كان الرجل ليَرى والدَه أو ولدَه أو أخاه كافرًا وقد فتح اللَّه قلبَه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل (١) النار، فلا تقَرُّ عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها التي قال اللَّه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: هو سؤالُ الرياسة في الدِّين على وَفق السؤال الأول، والإمام واحدٌ لكنه جنسٌ يصلح للجمع، وهذه درجةٌ عَلِيَّة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] وقال تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وقال مجاهد: اجعلنا ممن يأتَمُّ بمن قبلنا حتى يأتمَّ بنا مَن بَعْدنا (٣).
وقال أبو رَوق: واجعلنا للمتقين إمامًا في الجنة.
وقيل: اجعلنا أئمةً للمتقين يومَ الدِّين نتقدَّمُهم (٤) في المضي إلى الجنة.
* * *
стр. 5521
(٧٥) - ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾: أي: هؤلاء يُجزون بأقوالهم وأفعالهم الغرفَ في الجنة بما صبروا على هذه الأخلاق، والغرفةُ جنسٌ يصلح للجمع، وقد قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وقال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠].
وقال القشيري ﵀: استكثَرَ القليل من عباده فعدَّد أفعالهم في آيات، واستقلَّ الكثير من نفسه فعدَّ الجنة بما فيها على كثرتها غرفةً (١).
وقوله تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾: قرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وتخفيف القاف، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر؛ أي: يَرَوْن فيها ويَجِدُون فيها، وقرأ الباقون: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ بضم الياء وتشديد القاف (٢)؛ أي: تلقِّيهم الملائكة ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
وقيل: يلقِّي بعضُهم بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦].
* * *
(٧٦ - ٧٧) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾.
стр. 5522
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي: في الغرفة ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾؛ أي ما أحسنَها موضعَ قرارٍ وإقامة! كما قال في صفة أهل النار: ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: قال مجاهد وابن زيد: ما يصنع بكم (١)، ختَم السورة بأن عرَّف المشركين حكمةَ خَلْقهم.
وقيل ما يريد بكم.
وقيل ما يبالي بكم.
وقيل: أيُّ حظٍّ (٢) لكم.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: أي: دعاؤه إياكم (٣)؛ أي: إلى التوحيد والطاعة، وقد دعاكم إليه على لسانِ محمد ﷺ .
وقيل: لولا عبادتُكم إياه؛ أي: لو لم يكن هذا مما يلزمُكم.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾: رسولي الذي دعاكم فسوف يكون تكذيبكم عذابًا لازمًا لكم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾: قيل: كان ذلك يومَ بدر (٤).
وقيل: هو عذاب الآخرة.
стр. 5523
وقال الضحاك: ﴿مَا يَعْبَأُ﴾ بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه إلهًا آخر ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (١).
والحمد للَّه رب العالمين
والصلاة على خير البرية وآله وصحبه (٢) أجمعين، نسألك اللهم الإيمان تمامًا، وإعطاءَك الجنة إنعامًا وإكرامًا، وتفضلًا وجودًا وإحسانًا وائتناما (٣)، نأملُ (٤) من الخير بلا نقصان، فلك الجود والفضل والامتنان، نجِّني وولدي من الخزي والهوان، وعن السلاسل والأغلال والنيران، وأنزلنا في جوارك في غُرفات الجنان، مع الأولاد والأخلَّاء والإخوان (٥).
* * *
стр. 5524
سورة الشعراء
стр. 5525
سورة الشعراء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أنزل آيات الكتاب المبين، الرحمنِ الذي نصَر المرسلين وأهلك المكذِّبين، الرحيمِ الذي أمر نبيَّه بخفضِ جناحه لمن اتَّبعه من المؤمنين.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة طسم الشعراء كان له عشرُ حسنات بعددِ مَن صدَّق بموسى وكذَّب به، وإبراهيم ونوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيب، وبعددِ مَن صدَّق بمحمد وكذَّب به" (١).
وهذه السورة مكيةٌ إلا أربعَ آيات نزلت بالمدينة: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخر السورة، نزلت في حسان وكعب وابنِ رواحة (٢).
وهي مئتا آيةٍ وستٌّ وعشرون، وقيل: سبعٌ وعشرون (٣)، الاختلاف في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] (٤).
стр. 5526
وكلماتُها ألف وثلاثُ مئة وتسعةَ عشرَ، وحروفُها خمسة آلاف وخمس مئة وسبعة وعشرون (١).
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة:
أنه قال: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ وكان الدعاء بآيات الكتاب المبين، وعلى لسان المصطفى الأمين، فلم يستجيبوا فشقَّ عليه، فقال له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
وقال: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾، وقال هاهنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾.
وقال ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ وقال هاهنا: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وانتظام السورتين: أن تلك السورة في بيان إنزال آيات الكتاب، وإرسالِ الرسول، والدعاءِ إلى التوحيد، ووعدِ الموحدين ووعيدِ الجاحدين، وكذلك هذه السورةُ، وفيها بسطُ القول بإرسال الرسول، وتكذيبِ الأمم، وعاقبةِ الفريقين.
* * *
(١) - ﴿طسم﴾.
وقوله تعالى: ﴿طسم﴾: قال ابن عباس ﵄: هو قسمٌ أقسم اللَّه تعالى به (٢).
وقال قتادة: هي فاتحة السورة (٣).
стр. 5527
وقال مجاهد: هي اسم هذه السورة (١).
وقال الحسن: هي أسماءُ اللَّه مقطَّعة الحروف (٢).
وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم اللَّه تعالى بطَوله وسنائه وملكه (٣) أنه لا يعذب أحدًا من هذه الأمة عاد إليه بلا إلهَ إلا اللَّه مخلصًا من قلبه.
وروى عكرمة عن ابن عباس ﵃ أنه قال: عجزت العلماء عن علم تفسيرها (٤).
وقيل: طا: شجرة طوبى، سين: سدرةُ المنتهى، ميم: محمد المصطفى، أقسم اللَّه بها.
стр. 5528
وقيل طا: طوبى للمؤمنين، سين: سلام على المؤمنين، ميم: مملكة المؤمنين.
وقيل طا: طهارة أبدان الصالحين، سين: سلامة قلوب الزاهدين، ميم: مشاهدة أرواح العارفين.
وقيل: طا: طرب المشتاقين، سين: سرور (١) العارفين، ميم: مناجاة المحبين.
وقيل: طا: طُول قيام المصطفى في خدمة ربِّ العالمين، سين: سؤالُ عفو الأمة من ربِّ العالمين، ميم: مقامه المحمود في شفاعة الخلق من رب العالمين (٢).
* * *
(٢) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: أي: هذه آيات.
وقيل: ﴿تِلْكَ﴾ الآيات التي تقدَّم نزولُها ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: القرآن ﴿الْمُبِينِ﴾: المظْهِرِ دلائلَ وحدانيتنا، وصدقَ رسالتك، وما بالناس إليه حاجة.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: أي: قاتلٌ نفسَك، وهو مثَلٌ لحرصه على إيمانهم.
وقيل: لتأسُّفه على كفرهم؛ قال تعالى في سورة الكهف: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦].
стр. 5529
وقيل: شفقةً عليهم.
وقيل غضبًا للَّه، وهو كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾: أي: صارت رقابهم لنا خاضعةً منقادةً، وجمع بالياء والنون؛ لأنَّه وصفها بالخضوع وهو صفةُ مَن يعقل.
وقيل: الأعناق: الكُبَراء والسادة، يقال: هؤلاء وجوه القوم وأعناقُ القوم، يعني: إذا أسلم القادة أسلم الأتباعُ تَبَعًا لهم.
وقيل: الأعناق: الطوائف، وفي الخبر: "يخرج عنقٌ من النار" (١)؛ أي: قطعةٌ وطائفة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ومعناه: إن يشأ إيمانهم ينزل (٢) عليهم من السماء آية فيؤمنوا (٣)، والمعتزلة حملوا ذلك على مشيئة القهر وآيةِ الاضطرار (٤)، وهو باطل لأن الآية لا تَضطرُّ إلى الإيمان بدون الاختيار؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١]، ولأنهم يقولون يوم القيامة: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ولا آية فوق رؤية أحوال يوم القيامة (٥).
* * *
стр. 5530
(٥ - ٦) - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: من وعظِ في القرآن ﴿مُحْدَثٍ﴾ في النزول والوصول.
وقيل: ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾: من شرف يحصل لهم؛ لأنَّهم إذا قبِلوه وعملوا به صار به لهم ذكرٌ في الناس.
﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾: مولِّين على عادتهم.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾: أي: أقاموا على التكذيب ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: أخبارُ ما استهزَؤوا به وهو القرآن، وإتيانُ الخبر عبارةٌ عن حلول العقوبة، يقول: تفعل كذا وسيبلغك الخبر عن فعلك.
وقيل: فسيأتيهم وهم في النار أخبارُ الذين آمنوا بما كانوا هم به يستهزؤون؛ أي: خبرُ كرامتهم في الجنة.
وقيل: إتيان الخبر: وصول الوعيد عند الموت، أو عند البعث، أو قبل الوصول إلى العذاب.
وقيل: هو الإخبار بظهور هذا الدِّين وانتشارِ أحكام هذا القرآن الذي كانوا به يستهزؤون.
وقيل: سيأتيهم يومَ بدر.
قال مقاتل: نزل قوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في أبي جهل بن هشام وأميةَ بن خلفٍ وأبيِّ بن خلف (١)، آذَوْا رسولَ اللَّه ﷺ فضاق بأذاهم
стр. 5531
صدره، فنزلت عدة آيات: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] (١).
* * *
(٧ - ٨) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: أي: صنفٍ حسنٍ ولونٍ حسنٍ (٢) نفيسٍ مما يأكله الناس والأنعام، أفلا يعلم هؤلاء المكذبون بهذا الذكر أن ذلك لم يُخلق عبثًا وإنما خُلق لصلاح معاشهم قِوامًا لهم مدةَ مقامهم في دار الامتحان.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: إن في إنبات كلِّ زوجٍ كريم لعلامةً لوجوب شكره عليكم وإقراركم له بالوحدانية وإخلاصِ العبادة.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: وقد سبق في علمي وإرادتي أنَّ أكثر هؤلاء المشركين لا يؤمنون.
* * *
(٩ - ١١) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع الذي لا يغالَب، فليس بعَجْزِه وضَعْفِه طالت مدةُ هؤلاء في الشرك والعُتُوِّ.
стр. 5532
قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾: فلا يعجِّل بعقوبتهم إذ لا يَخاف الفَوْت، ويَقبل توبةَ مَن تاب منهم قبل الموت، ومن رحمته أيضًا إرسالُ الرسل وإنزالُ الكتب لإرشادهم، وتنبيههم (١) على صلاحهم وفسادهم.
وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنتقِمُ من أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾: المنعِم على أوليائه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾: أي: واذكُر يا محمد لقومك إذ دعا ربُّك موسى، يعرِّفه بقصة موسى وما بعدها من قصص سائر الأنبياء، وأن اللَّه واصَلَ الحجج لعباده ودعاهم إلى توحيده وطاعته، والأنبياءُ صبروا على أذى الأمم، فكان النصرُ والفرج للموافِقين والهلاكُ والعقوبة على المخالفين، فكذلك أنت وقومك.
وقوله تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: قال له ذلك ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بدلٌ وترجمةٌ عن الأول، ذكَر في بعض الآيات الإرسال إلى فرعون لعنه اللَّه، وفي بعضها إلى فرعون وملئه، وبيَّن هاهنا أنه كان مبعوثًا إلى كلِّ قومه.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التوبيخ، وهي كلمة استبطاءٍ (٢) وحثٍّ.
* * *
(١٢ - ١٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾: أي: لا يصدِّقوني فيَردُّوا أمرك.
وقوله تعالى: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾: أي: بتكذيبهم ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بضيقِ صدري.
стр. 5533
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾: أي: اجعله رسولًا معي، وعونًا لي، وشرحًا لصدري، وإطلاقًا للساني، وتقويةً لي على القيام بأمرك على الوجه.
وقيل: يضيق صدري غضبًا لك، وإذا اشتدَّ الغضب ضاق الصدر ولم ينطلق اللسان.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾: أي: دعوَى ذنبٍ بقتلِ القِبْطيِّ بالوكزة دفعًا عن السِّبطي.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: بذلك فاكْفِني فلا كافي إلا أنت.
* * *
(١٥) - ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾.
﴿قَالَ كَلَّا﴾: أي: قال اللَّه تعالى: لا يقدرون على قتلك.
وقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبَا﴾: أي: اذهب أنت وأخوك فقد أجبتُك إلى ما سألتَ مِن ضمِّه إليك.
وقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾: أي: ببراهيننا، وهي اليد والعصا وغيرُ ذلك و ﴿بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: مع آياتنا، كقولك: دخل بسيفه؛ أي: مع سيفه.
وقيل: أي: فاذهبا وأنا أُمِدُّكما بآياتي؛ أي: حُججي عند المحاجَّة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾: أي: أنا معك ومع هارون ومع فرعون وملئه سامعٌ لِمَا يجري عليكم و (١) بينكم، لا يخفى عليَّ شيءٌ من ذلك، والاستماعُ
стр. 5534
في غير هذا الموضع (١): الإصغاء للسماع، ولا يجوز حملُه هاهنا على ذلك فحُمل على السماع، والافتعالُ بمعنى الفعلِ كثيرٌ؛ يقال: كتب واكتَتب، وسلب واستَلب، وخطف واختَطف، ونهب وانتَهب.
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إنما وحَّد لأنه في معنى الرسالة، وهي مصدرٌ فلا تثنَّى، قال الشاعر:
لقد كذَب الواشون ما بُحتُ عندهمُ... بسرٍّ ولا أرسلتُهم برسولِ (٢)
أي: برسالة.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: بأنْ أطلق بني إسرائيل عن الاستعباد، وخلِّهم يذهبوا حيث شاؤوا، وهو كإرسال الصيد وأهلِ القيد (٣).
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾: أضمر هاهنا: فأَتَياه فقالا له ذلك، فقال:
стр. 5535
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾؛ أي: أليس قد أخذناك من اليمِّ فاسترضعنا لك وغذوناك ﴿فِينَا﴾؛ أي: بيننا و (١) في منازلنا ﴿وَليِدًا﴾: طفلًا مولودًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾: كنايةٌ عن قتلِ القِبْطي.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: من أهل كفران نعمتي؛ إذ قتلت رجلًا من شيعتي.
وقيل: أي: وأنت الآن تكفر نعمتي، وتدعوني إلى طاعتك، وتدَّعي أن لك إلهًا غيري، وتأمرني أن أُفسد عليَّ مملكتي بإرسال بني إسرائيل معك.
* * *
(٢٠ - ٢١) - ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: أي: ضربتُه وأنا من الجاهلين بما يَؤُول إليه الضرب، لم (٢) أعلم أنه يصير قتلًا (٣)، والضالُّ عن الشيء هو الذاهب عن معرفته.
وقال نفطويه: أردتُ أمرًا فضلَلْتُ عنه.
وقوله تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾: أن تقتلوني، وذلك حين (٤) قال له