← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

صدره، فنزلت عدة آيات: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] (١). * * * (٧ - ٨) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: أي: صنفٍ حسنٍ ولونٍ حسنٍ (٢) نفيسٍ مما يأكله الناس والأنعام، أفلا يعلم هؤلاء المكذبون بهذا الذكر أن ذلك لم يُخلق عبثًا وإنما خُلق لصلاح معاشهم قِوامًا لهم مدةَ مقامهم في دار الامتحان. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: إن في إنبات كلِّ زوجٍ كريم لعلامةً لوجوب شكره عليكم وإقراركم له بالوحدانية وإخلاصِ العبادة. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: وقد سبق في علمي وإرادتي أنَّ أكثر هؤلاء المشركين لا يؤمنون. * * * (٩ - ١١) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع الذي لا يغالَب، فليس بعَجْزِه وضَعْفِه طالت مدةُ هؤلاء في الشرك والعُتُوِّ.

стр. 5532

قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾: فلا يعجِّل بعقوبتهم إذ لا يَخاف الفَوْت، ويَقبل توبةَ مَن تاب منهم قبل الموت، ومن رحمته أيضًا إرسالُ الرسل وإنزالُ الكتب لإرشادهم، وتنبيههم (١) على صلاحهم وفسادهم. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنتقِمُ من أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾: المنعِم على أوليائه. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾: أي: واذكُر يا محمد لقومك إذ دعا ربُّك موسى، يعرِّفه بقصة موسى وما بعدها من قصص سائر الأنبياء، وأن اللَّه واصَلَ الحجج لعباده ودعاهم إلى توحيده وطاعته، والأنبياءُ صبروا على أذى الأمم، فكان النصرُ والفرج للموافِقين والهلاكُ والعقوبة على المخالفين، فكذلك أنت وقومك. وقوله تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: قال له ذلك ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بدلٌ وترجمةٌ عن الأول، ذكَر في بعض الآيات الإرسال إلى فرعون لعنه اللَّه، وفي بعضها إلى فرعون وملئه، وبيَّن هاهنا أنه كان مبعوثًا إلى كلِّ قومه. وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التوبيخ، وهي كلمة استبطاءٍ (٢) وحثٍّ. * * * (١٢ - ١٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾: أي: لا يصدِّقوني فيَردُّوا أمرك. وقوله تعالى: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾: أي: بتكذيبهم ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بضيقِ صدري.

стр. 5533

وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾: أي: اجعله رسولًا معي، وعونًا لي، وشرحًا لصدري، وإطلاقًا للساني، وتقويةً لي على القيام بأمرك على الوجه. وقيل: يضيق صدري غضبًا لك، وإذا اشتدَّ الغضب ضاق الصدر ولم ينطلق اللسان. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾: أي: دعوَى ذنبٍ بقتلِ القِبْطيِّ بالوكزة دفعًا عن السِّبطي. وقوله تعالى: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: بذلك فاكْفِني فلا كافي إلا أنت. * * * (١٥) - ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾. ﴿قَالَ كَلَّا﴾: أي: قال اللَّه تعالى: لا يقدرون على قتلك. وقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبَا﴾: أي: اذهب أنت وأخوك فقد أجبتُك إلى ما سألتَ مِن ضمِّه إليك. وقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾: أي: ببراهيننا، وهي اليد والعصا وغيرُ ذلك و ﴿بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: مع آياتنا، كقولك: دخل بسيفه؛ أي: مع سيفه. وقيل: أي: فاذهبا وأنا أُمِدُّكما بآياتي؛ أي: حُججي عند المحاجَّة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾: أي: أنا معك ومع هارون ومع فرعون وملئه سامعٌ لِمَا يجري عليكم و (١) بينكم، لا يخفى عليَّ شيءٌ من ذلك، والاستماعُ

стр. 5534

في غير هذا الموضع (١): الإصغاء للسماع، ولا يجوز حملُه هاهنا على ذلك فحُمل على السماع، والافتعالُ بمعنى الفعلِ كثيرٌ؛ يقال: كتب واكتَتب، وسلب واستَلب، وخطف واختَطف، ونهب وانتَهب. * * * (١٦ - ١٧) - ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إنما وحَّد لأنه في معنى الرسالة، وهي مصدرٌ فلا تثنَّى، قال الشاعر: لقد كذَب الواشون ما بُحتُ عندهمُ... بسرٍّ ولا أرسلتُهم برسولِ (٢) أي: برسالة. وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: بأنْ أطلق بني إسرائيل عن الاستعباد، وخلِّهم يذهبوا حيث شاؤوا، وهو كإرسال الصيد وأهلِ القيد (٣). * * * (١٨ - ١٩) - ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾: أضمر هاهنا: فأَتَياه فقالا له ذلك، فقال:

стр. 5535

﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾؛ أي: أليس قد أخذناك من اليمِّ فاسترضعنا لك وغذوناك ﴿فِينَا﴾؛ أي: بيننا و (١) في منازلنا ﴿وَليِدًا﴾: طفلًا مولودًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾: كنايةٌ عن قتلِ القِبْطي. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: من أهل كفران نعمتي؛ إذ قتلت رجلًا من شيعتي. وقيل: أي: وأنت الآن تكفر نعمتي، وتدعوني إلى طاعتك، وتدَّعي أن لك إلهًا غيري، وتأمرني أن أُفسد عليَّ مملكتي بإرسال بني إسرائيل معك. * * * (٢٠ - ٢١) - ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: أي: ضربتُه وأنا من الجاهلين بما يَؤُول إليه الضرب، لم (٢) أعلم أنه يصير قتلًا (٣)، والضالُّ عن الشيء هو الذاهب عن معرفته. وقال نفطويه: أردتُ أمرًا فضلَلْتُ عنه. وقوله تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾: أن تقتلوني، وذلك حين (٤) قال له

стр. 5536

مؤمن من (١) آل فرعون: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ الآية [القصص: ٢٠]، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١]. ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾: أي: نبوَّةً؛ لأن صاحبها يَحكم على الناس بشرائع الدِّين فيَلزمُهم طاعتُه. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أرسلني إليك وإلى قومك. * * * (٢٢) - ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: قال الفراء: هذا إقرارٌ من موسى لفرعون بمنَّته بما ربَّاه. وقوله تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: استعبَدْتهم ولم تستعبِدْني، بل ربَّيتني في دارك وأدخلتَني في جملةِ أهلك، قال: ومثاله: أن يضرب الرجلُ أحدَ عبديه ويتركَ الآخرَ، فيقولَ المتروك: هي نعمةٌ عليَّ أن ضربتَ فلانًا وتركتَني، ثم تُحذف: وتركتني؛ لأن المعنى قائمٌ معروف (٢). ثم تقريب هذا الكلام: أن المنَّة تقتضي شكرًا ومقابلةً بالجميل، فإذا نبَّهتُك على رشدك، وخلَّصتُك من عذاب ربك، ودعوتُك إلى صلاح دينك ودنياك، فقد شكرتُك وقابلتُ نعمتك بما لا شيءَ أجملُ منه. وقيل: هذا من موسى إبطالُ أن يكون ما امتَنَّ به عليه نعمةً، وفي أوله مضمر

стр. 5537

وهو استفهام، وتقديره: أوتلك نعمةٌ تمنُّها عليَّ أن اتَّخذتَ (١) بني إسرائيل عبيدًا وهم أهلي ورَهْطي، ولو لم تفعل ذلك ولم تعبِّدهم لكفلني أهلي ولم يُلقوني في اليمِّ؟ فليس هذا موضعَ امتنانٍ منك، ولا موضعَ اعتقادٍ مني لك به (٢) منه. وقيل: معناه: إنك أحبطت ما كان لك (٣) عليَّ من المنَّة حيث عبَّدْتَ قومي ورَهْطي، وهو كمَن يمنُّ على الرجل بشيءٍ يسيرٍ بعد أن أساء إليه في أشياءَ كثيرة، فيقول: كيف تمنُّ عليَّ بأنْ وهبتَني درهمًا وقد أخذتَ مني ألوفًا؟! وقيل: معناه: إنك تمنُّ عليَّ بأنِ استَعْبدْتَ بني إسرائيل حتى ربَّوني (٤) وهم قومي والحِراصُ على تربيتي، وذلك أن أمه هي التي أرضعَتْه والذين ربَّوه من ذويها (٥) فهم مِن نساء بني إسرائيل دون نساء القبط، فقال له: أيُّ مِنَّةٍ لك عليَّ في التربية وإنما تولَّى ذلك مني مَن لو لم يكن أنت لكان هو يربِّيني. ثم إن فرعون سار مع موسى إلى المساءلة في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] فقال له: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قيل: أراد به: أيُّ شيء هو؟ ومن أيِّ الأجناس هو؟ كأنه ظن أن الذي يذكُره موسى من أحد أجناس الأجسام، فأعرض موسى عن الجواب من هذا الوجه وسار إلى الدلالة على اللَّه تعالى بأفعاله التي تشهدُ لذوي العقول على الصانع العالم القادر: * * *

стр. 5538

(٢٤) - ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي: مدبِّر ذلك ومصرِّفه، فإليه أدعو لا إلى مَن له مائية (١). وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: أي: إن كان قصدكم أن تعرفوا ربَّ السماوات حتى تُفيضوا إلى اليقين. وقيل: إن كنتم موقنين بما تعاينونه، فربُّ العالمين ربُّها. * * * (٢٥ - ٢٦) - ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. فوقع عند فرعون أنه لم يجبه عما سأله، وأنه أخبره بشيء آخر (٢) لم يعرف حقيقته (٣): ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾: معجِّبًا لهم من جواب موسى؛ أي: ألا تستمعون ما أسأله عنه وما يجيبني به. فعاد موسى إلى مثل قوله الأول فـ ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: هو خالقُكم ومصرِّفكم ومدبِّركم على ما يريد، وخالقُ آبائكم الأولين ومدبِّرهم

стр. 5539

ومصرِّفهم؛ أي: ليس الطريق إلى معرفته ما سألتَني عنه من المائية (١)، إنما الطريق إلى معرفته الاستدلال عليه بما قلتُ. * * * (٢٧ - ٢٨) - ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. فلما رآه فرعون ثابتًا على مثل جوابه الأول لا يجيبه عن الماهية ﴿قَالَ﴾ لمن حوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾: يستهزئ به؛ يقول: إن هذا الذي يزعم أنه رسول اللَّه أرسله إليكم لمجنونٌ لا يعقل ما يقال له، فهو يُسأل عن شيء ويجيب عن غيره. فعاد موسى ثالثةً إلى مثل كلامه الأول بالدلالة على اللَّه تعالى بأفعاله ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي: ربُّ العالمين هو الذي يُطلع الشمس ويُغربها، وهو خالقهما ومصرِّفهما (٢) على هذا الانتظام والاتِّساق (٣) الذي ترونه وتشاهدونه (٤). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ما يقال لكم، وكانت لكم عقولٌ تقفون بها على الكلام والمقصود، فرَبُّ العالمين هو المدلولُ عليه بهذه الأشياء؛ لظهور آثار الصَّنعة فيها، وشهادتِها أن لها صانعًا عالمًا قادرًا لا يُشبهها. * * * (٢٩) - ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.

стр. 5540

فلما أوضح موسى ﵇ عمَّا أراد، ترَك مساءلة موسى إذ لم يتهيَّأ له أن يدفع ظهور آثار الصنعة مما ذكر، فاشتغل بتوعُّده بالحبس: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: أي: لأسجُنَنَّك مع مَن سجَنْتُهم لسعيهم في فساد مملكتي وتفريقِ شمل رعيتي. وقيل: لمَّا قال موسى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سأل فرعون عن مقدار مُلك مَن أرسله على ما يُسأل (١) مثله من الملوك إذا وردت رسلهم، فيقول هذا: ما ملكُ (٢) صاحبك؟ أي: ما مقدار ملكه وسلطانه؟ فقال موسى صلوات اللَّه عليه: هو ربُّ السماوات والأرض وما بينهما، فعجَّب جلساءه من جوابه وقال لهم: ألا تستمِعون ما يقول موسى من سَعة ملك مَن أرسله (٣)؟ أي: متى يكون هذا؟ فأوضح موسى ذلك وقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وكان في هذا تضليلُ هؤلاء الذين يعبدون مِن دون اللَّه، فكان هذا أشنعَ من الأول عندهم، وأبعدَ من وفاق فرعون فيما يدَّعي من الربوبية، فقال: هو مجنون إذ يزعم (٤) أن له إلهًا غيري، فيزداد موسى ﵇ في بيانه فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فاعقِلوا وميِّزوا بين مَن يملك الدنيا كلَّها من شرقها إلى غربها وبين مَن لا يعدو ملكُه حدود مصر، فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾؛ أي: أصرَرْتَ على عبادة هذا لأجعلنك من أهل السجون، وكان إذا سجن أحدًا لم يخرجه من سجنه حتى يموت فيه (٥)؛ قطعًا لإفساده. * * *

стр. 5541

(٣٠ - ٣٢) - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾: أي: أرأيت لو جئتُك بشيء يُبين لك صدقَ دعواي الرسالةَ وأنه ملك الملوك، أتجعلني من المسجونين إن عبدتُ هذا الإله؟ فلم يتهيأ له دفعه فـ ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك. وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: أي: فتحوَّلت عصاه ثعبانًا أبانَ عن نفسه أنه ثعبان، وقال في آية أخرى ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: ١٠] والجان إلى الصغر ما هي، فالتوفيق بينهما: أنه صار ثعبانًا في خلقته جانًّا في خفَّته. * * * (٣٣ - ٣٥) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ من كمِّه (١) ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ كالثلج ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: لمن نظر إليه. ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِلْمَلَإِ﴾؛ أي: للأشراف ﴿حَوْلَهُ﴾ ليلبِّس عليهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: في السحر. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾؛ أي: يُلقيَ العداوةَ والفُرقة بينكم ويستميلَ بعضكم ليحارب به بعضكم فيُخرجَكم من بلادكم. وقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: أي: تشيرون به في أمره من حبسٍ أو قتلٍ أو غيرِ ذلك.

стр. 5542

(٣٦ - ٣٩) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾ (١): أي: أخِّره، وقيل: احبِسْه ﴿وَأَخَاهُ﴾ هارونَ كذلك ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ﴾: أي: أمصارِ ملكك ﴿حَاشِرِينَ﴾: رجالًا يَحشرون السحرة؛ أي: يَجمعون ويُحضرون ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾. ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾: وها هنا مضمر: فأرسل فرعونُ في المدائن حاشرين فجمعوا لميقات يوم معلوم، وهو يومُ الزينة: يوم عيد أو (٢) يوم نيروز كما مرَّ مرات. ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ﴾: أي: أن أصحاب فرعون قالوا للناس: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾؛ أي: اجتمِعوا في هذا اليوم. * * * (٤٠ - ٤٢) - ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. وقوله: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: أي: إنَّ الغلَبة تكون لهم فاجتمِعوا لنتَّبعهم؛ أي: لنكون من جملتهم وعلى دينهم وهو دينُ فرعون، و (لعل) للتحقيق هاهنا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ أي: لتُرحموا. قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾: أي: جاءوا فرعون ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾؛ أي: جزاءَنا بالخير ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى وهارون.

стр. 5543

﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿نَعَمْ﴾ لكم جزاء عندي ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾؛ أي: وتكونون مع ذلك مقرَّبين عندي في المنزلة (١) والجاه، فتكونون أولَ مَن دخل عليَّ وآخِرَ مَن خرج. وقيل: تدخلون عليَّ من غيرِ إذنٍ. وقيل: تُقبل شفاعتكم فيمَن تشفعون لهم. * * * (٤٣ - ٤٥) - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: أي: ما تريدون أن تُلقوه من الحبال والعصيِّ فستعلمون بطلانها وغلبةَ الحق. ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾: قال القاسم بن أبي بَزَّةَ: كانوا سبعين ألفَ ساحرٍ، وألقَوا سبعين ألفَ حبلٍ وسبعين ألفَ عصًا (٢)، فجعلت تسعى، فتعاظم ذلك عندهم وتوهَّموا أنهم غلبوا موسى بكثرتها، فقالوا: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾: أي: بأمر اللَّه تعالى ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾؛ أي: فصارت ثعبانًا فجعلت تلتقِم ما أَلقَوه يوهمون به الانقلابَ زورًا وبطلانًا. * * *

стр. 5544

(٤٦ - ٤٩) - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾: أي: لسرعة ما سجدوا صاروا كأنهم أُلقوا. قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: وكانوا حفظوا الاسم حين قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فقال فرعون: تعنوني؟ فقالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ وفيه إقرارٌ برسالتهما. فلما رأى فرعون ذلك تحيَّر ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾: أي: أصدقتم بذلك موسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ بذلك ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾؛ أي: لأُستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهذا تلبيسٌ منه على العامة، ثم قال: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهذا تهديد. وقوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أراد به ترهيبَ العامة لئلا يتَّبعوهم في الإيمان. * * * (٥٠ - ٥١) - ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾: أي: لا نَعُدُّ ذلك ضررًا علينا، فإنه تعبُ ساعة ثم نصير إلى كرامة اللَّه تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. وقيل: هل هو إلا أن تقتلَنا فتقلبنا (١) إلى ربنا؟ وقيل: إنَّا وأنت منقلبون إلى ربِّنا فيجزي كلًّا على عمله.

стр. 5545

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾: المتقدمةَ ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ به وبرسوله في هذا المحفل، وقد مرت القصة وفوائدها مرات (١). * * * (٥٢ - ٥٣) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾: أَخبر بما آلَ إليه أمرُ فرعون وقومه من الهلاك بالغرق، وأمرُ موسى ﵇ وقومه من العلوِّ والنصر، فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾؛ أي: سرْ ببني إسرائيل ليلًا، وسماهم عبادَه لإيمانهم بنبيِّه ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾؛ أي: يتبعكم فرعون وقومه ليردُّوكم ويحاربوكم (٢) إن لم تنصرفوا، وكان هذا بعد سنين من أمر السحرة. ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾: أي: ففعل ذلك موسى وخرجوا، فأُخبر فرعون بذلك فأرسل فرعونُ ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾؛ أي: أمصارِ عمله ﴿حَاشِرِينَ﴾؛ أي: شُرطًا يحشرون الأجناد إليه للإنجاد. * * * (٥٤ - ٥٦) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾: قال فرعون حيث تبعهم بجنوده ونظر إليهم فاستقلَّهم، وكانوا ستَّ مئة ألفٍ وسبعين ألفًا، قاله عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (٣)، وفرعون في ألفِ ألفِ فارسِ.

стр. 5546

والشرذمة: العُصْبة الباقية من عُصَبٍ كثيرة. وقيل: الطائفة، وشرذمة كل شيء: بقيتُه القليلة. قال الراجز: جاء الشتاءُ وقميصي أخلاقْ... شراذمُ يضحكُ منه التَّوَّاقْ (١) وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾: فعلوا ما يَغيظنا ويُسخطنا، وهو خروجهم من مِصْرنا. وقيل: بحَمْلهم الحليَّ التي استعاروها منَّا للعيد. ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (٢): قرأ حمزة والكسائي وعاصم بالألف، والباقون: ﴿حَذِرون﴾ بغير ألف (٣). ومعنى ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ﴾؛ أي: مجتمعون متفقو الآراء، قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]. ﴿حَاذِرُونَ﴾ تامُّو السلاح، ﴿حَاذِرُونَ﴾ (٤):. . . . .

стр. 5547

متيقِّظون متأهِّبون، وقوم موسى لا سلاح معهم، ولم يتأهَّبوا لمقاومتنا (١)، شجَّع بذلك قومه. وقال العبدي: حَذِرون: عالمون بالحرب. * * * (٥٧ - ٥٨) - ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾: أي: فأخرجناهم من مصر فلم يرجعوا إليها ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾: بساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ كثيرة المياه ﴿وَكُنُوزٍ﴾ من ذهب وفضة. ﴿مَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: قيل: هو جمع مَقامةٍ، وهي مقاماتٌ كانت تقوم بها أشرافهم ورؤساؤهم في المحافل التي يجتمعون فيها لجلائل الأمور كما كانت العرب تفتخِر بذلك. وقيل: هي منابر كانوا يَذكرون عليها ملكَهم فرعون ويُثنون عليه، وكان تكرَّم (٢) عليهم ذلك وتعظَّم. وقال ابن عباس ﵄: كان بمصر ألف منبر يُثْنون عليها على فرعون لعنه اللَّه (٣). وقيل: هي الدُّور الواسعة. وقيل: هو المسكن الحسن الشريف.

стр. 5548

(٥٩ - ٦٠) - ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كذلك كان الأمرُ أخرجناهم منها (١) ولم نُعِدْهم إليها. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: وملَّكناها (٢) بعدهم قوم موسى، قيل: ردَّ بني إسرائيل إلى أرض مصر فسكنوها. وقيل: ملَكوها فنقلوا ما فيها وذهبوا به (٣) إلى الشام وسكنوا الشام. وقيل: ملكوا بعد ذلك بلادَ مصر وكنوزَهم ومدائنَ فرعون، بعد ذلك بزمانٍ في عصر داود وغيره. وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾: أي: فلحقوهم؛ أي: لحق فرعون وقومُه قوم موسى. وقد تَبِعه؛ أي: قفا أثره، واتَّبعه؛ أي: لحقه. وقوله تعالى: ﴿مُشْرِقِينَ﴾: أي: حالَ شروق الشمس وهو طلوعُها. وقد رَوَينا أن قوم فرعون اشتغلوا بدفنِ مَن كان مات من أبكارهم (٤) إلى أن انبسطت الشمس. و ﴿مُشْرِقِينَ﴾ في الظاهر حال قوم فرعون، وقيل: هو حال قوم موسى.

стр. 5549

وقيل في معناه: كان قوم فرعون في الضباب والظُّلمة وقومُ موسى في ضياءِ الشمس، فلحقوهم فوجدوهم في ضياء الشمس. * * * (٦١ - ٦٢) - ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾: أي: تلاقى فصار كلُّ جمع يرى الجمع الآخر ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾؛ أي: قرُب قوم فرعون منَّا بحيث يدركوننا، خافوا ذلك. وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا﴾: أي: قال موسى: ليس كذلك، نفَى إدراكَهم إياهم، وفيه حجتُنا على نُفاةِ رؤية اللَّه تعالى الذين يتعلَّقون بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ويتأوَّلونه: لا تراه، فإنه نفى الإدراك مع إثبات الرؤية بقوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ فعُلم أنه ليس هي، بل الإدراك هو الإحاطة بجوانب الشيء، وهم خافوا ذلك، وهو المنفي في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ دون الرؤية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾: أي: ناصري على عدوِّي ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: سيعرِّفني الطريق الذي في سلوكه نجاتي ونجاةُ مَن معي. * * * (٦٣) - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾: هو بحر القُلْزُم (١).

стр. 5550

﴿فَانْفَلَقَ﴾ وهاهنا مضمر؛ أي: فضرب فانفلق؛ أي: فانشقَّ فصارت فيه طرقٌ ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾ من الماء ﴿كَالطَّوْدِ﴾ كالجبل ﴿الْعَظِيمِ﴾. والفَرْق بالفتح: مصدرٌ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، والفِرْق بالكسر: الاسم، كالقَشْر والقِشْر، والقَطْف والقِطْف؛ أي: ارتفع ماءُ كلِّ طريقٍ في الهواء فصار كجبلٍ، وكانوا اثني عشر سِبطًا، فصار اثني عشر فِرقًا، فسلك كلُّ سبطٍ فِرقًا فجاوزوه حتى أصحروا (١). * * * (٦٤) - ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾. ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾: أي: قرَّبنا ﴿ثَمَّ﴾؛ أي: هناك من البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾؛ أي: قومَ فرعون، فدخلوه على أن يسلكوا فيه كما سلك موسى وقومُه، فانطمَّ (٢) عليهم البحر وصارت الأفراق كلُّها شيئًا واحدًا. قال ابن عباس وقتادة ﵃: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾؛ أي: قرَّبنا، قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ [الشعراء: ٩٠] (٣). قال أبو عبيدة: أي: جمعنا، ومزدلفة مجمع (٤). وقال الحسن: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾؛ أي: أهلكنا (٥)؛ أي: قرَّبْناهم إلى الهلاك.

стр. 5551

(٦٥ - ٦٩) - ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾: أي: قومَه ﴿أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾: قومَ فرعون بعد إخراج قوم موسى، وفيه إبطالُ القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك مع اختلاف الطوالع. وقوله تعالى: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: قد فسَّرنا ذلك كلَّه غيرَ مرة. وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾: كان في عصر النبيِّ ﷺ أهلُ كتاب ومشركون، فحاجَّ أهلَ الكتاب بقصة نبيِّهم موسى، وحاجَّ المشركين بقصةِ أبيهم إبراهيم، فلذلك جمع بين القصتين. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: واقرأ عليهم خبر إبراهيم. * * * (٧٠ - ٧٢) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾: آزر ﴿وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: أيَّ شيء تعبدون؟ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾: تماثيلَ ممثَّلةً ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾؛ أي: نقيم على عبادتها وخدمتها طول النهار، هذا ظاهر الكلمة، ويجوز أن يكون عبارة عن: فنكون، كما تستعمل كلمة أصبح وأمسى في معنى: صار وكان. فـ ﴿قَالَ﴾ إبراهيم منبِّهًا لهم على ضلالتهم وجهالتهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾؛ أي:

стр. 5552

هل يجيبونكم ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾؟ قال قتادة: أي: هل تجيبكم آلهتكم إذا دعوتُموهم (١). وقال عكرمة: هل يسمعون أصواتكم (٢). وقال أبو عبيدة: هل يسمعون دعاءكم (٣). وقال قطربٌ: هو كقولك: سمعته يشتم زيدًا، ونظيره قوله: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥] ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣] ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، ويستعمل باللام أيضًا: سمع اللَّه لمن حَمِده، وبـ (مِن)؛ يقال: سمع منه. * * * (٧٣ - ٧٤) - ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾: ﴿يَنْفَعُونَكُمْ﴾: يرزقونكم على عبادتهم ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾: يعاقبونكم على ترك العبادة، وجمع هذه الأفعال بالواو والنون لأنها من صفاتِ مَن يَعقل. ﴿قَالُوا بَلْ﴾: أي: لا تسمع ولا تُبصر، ولا تنفع ولا تَضُر، ولسنا نعبدها لشيء من ذلك، ولكن ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: يعبدون هذه الأصنام فقلَّدناهم. * * * (٧٥ - ٧٧) - ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ

стр. 5553

عَدُوٌّ لِي﴾: أي: كلُّ ما عبدتُموهم أنتم وعبدَه آباؤكم الأقدمون في سالف الدهر -و (الأقدم) تفضيل القديم، وهو الأجداد وآباء الأجداد- فإني أعاديهم؛ أي: أجتنبُ عبادتهم وتعظيمَهم. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: فإني أعبده وأعظِّمه، لا أعبد غيرَه ولا أعظِّم سواه. وذكرُ الأقدمين على معنى: أنه ليس في تقليد الآباء حجةٌ، فإن كانوا قرونًا فكيف الآباء الأدنَونَ (١). والعدو: اسم للمعادِي والمعادَى جميعًا، ونظير قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ قولُ اليهود لجبريل ﵇: هو عدونا من الملائكة، وقول اللَّه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٨] وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فوقع على المعادِي والمعادَى جميعًا. وقيل: معناه: افعل بهم من الاستحقاق ما لو كانوا أحياءً عقلاءَ لعادَوني. وقيل: أي: لو عبدتُهم لكانوا أعداءً لي يوم القيامة، كما قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١] إلى قوله تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]؛ أي: يتبرَّؤون من عبَدتهم ويضلِّلونهم. وقال الضحاك: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: إني بريء من الآلهة التي تعبدون كلِّها إلا ربَّ العالمين فإني لا أتبرَّأ منه. وقيل: هو استثناء منقطع بمعنى: لكن. وقيل: بل هو استثناء متصل، وقد كان في أبائهم مَن يَعبد اللَّه فاستثنى ذلك.

стр. 5554

وقيل: كان هؤلاء يعبدون اللَّه ويعبدون الأصنام على الاشتراك، فتبرَّأ من كلِّ ما يعبدونه واستثنى ربَّ العالمين مما يعبدونه فصحَّ الاستثناء. وقيل: إنهم لم يعبدوا اللَّه العبادة المعروفة، فقد قالوا: إن اللَّه خالقهم ورازقهم، فكانوا مُقرِّين بالعبودية من هذا الوجه. وقيل: كانت آثار العبودية عليهم ظاهرةً، فاستثنى من هذا الوجه. * * * (٧٨ - ٧٩) - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾: أي: أَوْجدني ولم أكُ شيئًا ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾؛ أي: يرشدني ويوفِّقني لصواب القول والعمل. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾: أي: يرزقني ما أتغذَّى به وأقيمُ به بدني مدةَ حياتي. * * * (٨٠ - ٨٢) - ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾: أضاف المرض إلى نفسه؛ لأنه في موضعِ عدِّ نعم اللَّه ومنَّته عليهم (١)، فكان الأدبُ في ألا يضيف المكروه إلى المنعِم. وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾: ليس معناه أنه يشفيني لا محالةَ، لكن معناه: إذا مرضتُ ثم شُفيت فاللَّه هو الذي شفاني دون غيره.

стр. 5555

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾: أي: هو مالكُ إماتتي وإحيائي بعد موتي. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾: تلطَّف في سؤال المغفرة، وأَحسنَ في الثناء على اللَّه، ونبَّه المشركين على ضلالتهم في عبادة الأصنام، وقال: معبودي هو الذي إن أخطأتُ كان هو الذي أرجو منه المغفرة لسَعة رحمته، فلا حاجة لي إلى عبادة شيء من دونه أرجو أن يشفع لي عنده يومَ الدين؛ أي: يوم الحساب والجزاء. ومنهم مَن حمل الخطيئة على كلماته الثلاث: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] "هذه أختي" (١)، ولم تكن هذه الكلمات خطيئات، وهي معاريضُ جائزة، لكن معناه ما ذكرنا: أنه ليس لتحقيق الخطيئة، لكن لرجاءِ المغفرة منه لو وقع في الخطيئة ما يقع (٢) من الأنبياء مما يعاتَبون عليه، فهو زلةٌ فليس بذنب ولا معصية، وقد عُرف ذلك في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. * * * (٨٣ - ٨٤) - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾: وهو دوامُ العلم والفهم، فقد كان أعطاه الحكمَ وهو العلمُ والفهم، فكان هذا سؤالَ الإدامة كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.

стр. 5556

وقيل: هذا سؤالُ صواب (١) الحكم الذي يَحكم به، وقبول ذلك في قلوب الخلق. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾: أي: الأنبياء؛ أي: توفَّني على ما توفَّيْتَهم. ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾: أي: وأَبْقِ لي الثناء الحسن على ألسنةِ عبادك إلى آخِر الدهر، ففعل اللَّه تعالى له ذلك، فكلُّ أهل الأديان يتولَّونه وينتسبون إليه. وقيل: معناه: أي: اجعل في آخر الزمان من ذريتي مَن يقولُ بالحق، ويقومُ بالدِّين، ويدعو الناس إليه، وذلك راجعٌ إلى نبيِّنا محمد ﷺ ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]. * * * (٨٥ - ٨٧) - ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾: أي: من الباقين فيها. وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾: أي: اجعله أهل المغفرة بإعطاء الإسلام. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾: للحال، رجا إسلامه فسأل اللَّه تعالى أن يعطيَه ذلك، وكان وعَدَه مِن نفسه ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية [التوبة: ١١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: أي: لا تخجلني بتقصيري يوم القيامة. وقيل: أي: لا تطالبني بصدق الخلة. فاستجاب اللَّه دعواته فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]،

стр. 5557

وقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]، وقال: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]. * * * (٨٨ - ٨٩) - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾: كما ينفع في الدنيا ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ استثناء منقطع بمعنى لكنْ، يعني لكنْ (١) مَن أتى كذلك نَفَعه. ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾؛ أي: سالم عن الشرك والنفاق، فالسليم: المخلِص، والميت: الكافر، والمريض: المنافق؛ تشبيهًا بسلامة البدن ومرضه وموته. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "القلب السليم: المتبرِّئ من بغضِ أهل بيتي وأصحابي وأزواجي" (٢). وقال الحسين بن الفضل ﵀: بقلبِ سليمٍ من آفة المال والبنين. وقال الجنيد: السليم في اللغة: اللَّديغ (٣)، وهو لا يستقرُّ، فالقلب السليم: الذي أقلقه الحب فلا يستقر. وقال الأستاذ أبو القاسم بن حبيب: القلب السليم: الذي سلِم من ذكر غيرِ اللَّه، وسلَّم لأمر اللَّه، وأسلم نفسَه إلى اللَّه، وسالم ربه -أي: رضي بقضاء اللَّه-، واستسلم؛ أي: انقاد لحكم اللَّه. وقال مقاتل بن حيان: ﴿سَلِيمٍ﴾؛ أي: خالص (٤) من حب الدنيا.

стр. 5558

وقيل: هو السالم عن الهوى والبدعة. وقيل: هو السالم من الذنب والذلة. وقيل: هو السالم من الحسد والخيانة. وقيل: هو الذي لا هم فيه غيرُ اللَّه (١). وقيل: هو الذي لا يشكُّ في اللَّه، ولا في الدِّين، ولا في الرزق، ولا في الوعد. وقال أبو سليمان الداراني: هو الخالي عما سوى اللَّه. وقال الشيخ أبو القاسم: الحليم (٢) هو الذي لا يؤذي الخلق ولا يتأذى منهم، ولا يتوقعُ المكافأة (٣) على إحسانه إليهم. وقيل: السليم هو الذي لا يزيل تغيُّرُ الأحوال يقينَه، ولا يقطع جفاءُ الخلق شفقتَه. وقال القشيري ﵀: إن إبراهيم الخليل ﵇ حقَّق مقام الخُلَّة بأنْ قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ جمع أولهم وآخرهم في اسم واحد يطلق غالبًا على الفرد تقليلًا لهم، ثم أعرض عن ذكرهم واشتغل بذكر اللَّه فقال: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم لمَّا أخذ في وصفه كاد لا يسكت، ومن أمارة المحبة كثرةُ ذكر المحبوب والإعراض عن ذكر غيره (٤). * * *

стр. 5559

(٩٠ - ٩١) - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: من صفات قوله: ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: قرِّبت لهم ليدخولها. وقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾: أي: ظهرت ﴿لِلْغَاوِينَ﴾؛ أي: للضالين. وقيل: للخائبين من رحمة اللَّه، تظهر لهم قبل أن يدخلوها تعجيلًا لإفزاعهم وإقراعهم (١) كما قربت الجنة للمتقين تعجيلًا لإفراحهم وإمتاعهم. * * * (٩٢ - ٩٦) - ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾: أي: للغاوين: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا تعيير لهم وتوبيخ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾؛ أي: هل يمنعونكم عن العذاب، وهل يمتنعون (٢) بأنفسهم، وهو استفهام لمعنى النفي؛ أي: يدخلون النار معكم تشديدًا لعذابكم. وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾: أي: كُبُّوا وأُلقوا على رؤوسهم فيها؛ أي: في الجحيم ﴿هُمْ﴾؛ أي: المعبودون ﴿وَالْغَاوُونَ﴾؛ أي: عابدوهم الضالون ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾؛ أي: أعوانُه كلُّهم سوى هؤلاء. وقيل: ﴿وَالْغَاوُونَ﴾: الشياطين، ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ أي: أتباعه من الإنس.

стр. 5560

وقيل: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ الذين عصوا اللَّه ودعَوا إلى معصيته. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾: أي: الأتباعُ والمتبوعون، فهو كقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧]. * * * (٩٧ - ١٠٢) - ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: قال عبَدةُ الأصنام: واللَّه ما كنا إلا في غوايةٍ ظاهرة ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ أيها الأصنام ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في العبادة واعتقادِ الربوبية. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾: الذين دعَونا إلى ذلك ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ من الأباعد ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ من الأقارب فيخلِّصَنا ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ فيا ليت لنا رجعة إلى الدنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ باللَّه ورسوله. * * * (١٠٣ - ١٠٧) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: باللَّه ورسوله (١) ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قد فسرناه (٢). وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: كذَّبت جماعةُ قوم نوح، فلذلك

стр. 5561

أنِّث، وقوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: نوحًا في دعوى الرسالة والدعاءِ إلى توحيد اللَّه تعالى وطاعته، وإلى ذلك دعا مَن قبله من الرسل ومَن بعده، فكان تكذيبه في ذلك تكذيبًا للكل. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾: أي: كذَّبوا إذ قال لهم ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ أي: نبيُّهم ﴿نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ اللَّه فتتركوا عبادة الأصنام، استفهام بمعنى الأمر. وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: أي: أمين عليكم غيرُ خائن لكم. وقيل: أمينُ اللَّه على وحيه. * * * (١٠٨ - ١١١) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: لأني رسولٌ أمين (١) فيما أمرتُكم به ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: جزاءٍ منكم على تبليغ الوحي ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾؛ أي: ثوابي على تبليغي (٢) ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: من ربِّ العالمين بوعده. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: كرَّر لتكرار الداعي: الأول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ لأني لكم رسول أمين. والثاني (٣): ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ لأني لا أسالكم عليه من أجر. وكلُّ واحد منهما يقوِّي الصدق ويدعو إلى التصديق.

стр. 5562

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾: قال مقاتل: أي: السَّفِلة (١). وقال عكرمة: أي: الحاكَة والأساكفة (٢). وقيل: الحجَّامون، وقيل: ناقصو العقول. أي: أنصدِّقك فيما تدعونا وننقادُ لك وإنما اتَّبعك الأخسَّاء منا والفقراء والضعفاء فنكونَ أمثالَهم إذا آمنَّا بك، بل يكونُ لهم الفضل علينا بالسَّبق، وهذا مما تنفر منه النفوس، توهَّموا لجهلهم أن اتِّباع هؤلاء الضعفاء مما يُضعف أمره، ولم يعلموا أن الفضل لمن فضَّله اللَّه تعالى بالدِّين لا لمن له المالُ والرفعةُ في الدنيا. * * * (١١٢ - ١١٦) - ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: وقيل: ولا حاجة لي إلى علم ما كان هؤلاء يعملونه من الأعمال التي استرذَلْتُموها. قوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾: أي: ما حسابهم ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾: لو تعلمون أنه كذلك. وقيل: قالوا: إنما اتَّبعوك ليكون ذلك شرفًا لهم ورفعةً، واتَّبعوك طمعًا في مالٍ (٣) ينالونه منك لا تصديقًا بك وإيمانًا بربك (٤)، وباطنهم بخلاف ظاهرهم، فقال:

стр. 5563

﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الباطن، و (كان) زائدة كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ وهو يجازيهم على حقيقة أمرهم، وإنما عليَّ البناءُ على الظاهر، وهم في (١) الظاهر مؤمنون مصدقون. قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: فإذا قبلوا ما أنذرتُهم لم يكن لي أن أطردهم. ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ﴾: أي: عن ادِّعاء الرسالة وعن سبِّ آلهتنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾: قيل: أي: من المشتومين، وقيل: أي: من المقتولين بالحجارة؛ أي: أَوعدوه شتمَهم أو رجمهم. * * * (١١٧ - ١١٩) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾: أي: فاقضِ بيني وبينهم قضاءً؛ أي: أهلِكْهم ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: هو حكمُك فاحكم بهذا الحكم الحقِّ وهو استنجازُ الموعود. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: أي: السفينة المملوءة. وقال مجاهد: المفروغِ منه تحميلًا (٢).

стр. 5564

وقال الحسن: المُوْقَر (١). وقال عطاء: المثقل (٢). وقال الربيع بن أنس: أي: المملوء (٣). والفلك يذكَّر ويؤنَّث. * * * (١٢٠ - ١٢٧) - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾: أي: بعدَ إنجائنا نوحًا والمؤمنين ﴿الْبَاقِينَ﴾ من قومه بالطُّوفان. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قد فسرناه. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: هودًا ومَن قبله ومَن بعده من الرسل. ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قد فسرناه. * * *

стр. 5565

(١٢٨ - ١٢٩) - ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾: قال قتادة: بكلِّ طريق (١). وقيل: بكلِّ سوق. وقيل: بكل مكانٍ مرتفعٍ. ﴿آيَةً﴾: أي: علامة، قيل: هي البناء العالي. وقال مجاهد أي: برجَ حمَام (٢). ﴿تَعْبَثُونَ﴾: قال ابن عباس ﵁: تلعبون (٣). ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾: قال مجاهد: أي: حصونًا مشيَّدة (٤). وقال قتادة: حياضًا (٥)، والمصنعة: الحوض (٦)، والمصنعة: البناء. وقيل: معناه: أتجعلون بكلِّ موضع عالٍ مشرِفٍ علامةً تبنونها لا تحتاجون إليها لسكناكم إنما تريدون بها المباهاة والمراءاة، وذلك عبث. وقيل: بل كانوا يبنون بالطرق (٧) والمواضع المشرِفة بروجَ الحمام ليلعبوا بها، فذلك عبثُهم.

стр. 5566

وقيل: كانوا يجتمعون في ذلك للَّهو واللعب (١). وقوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾: أي: تتخذون دُورًا وقصورًا اتخاذَ مَن يؤمِّل الخلود في الدنيا فيُحْكِم ويُبْرِم ذلك ويُحْسِن ويُتْقن. * * * (١٣٠ - ١٣٦) - ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾: أي: أَخذتُم أخذَ العقوبة ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾: قهَّارين بالسيف والسوط ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ أي: تابَعَ عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾: إن دمتُم على هذا ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الدنيا، وهو يومُ إهلاككم، وتَلِجون عذاب النار يومَ القيامة، وهو يومٌ عظيم. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾: فلسنا نُصغي إليك، ولا نقبل منك (٢)، فيعامَلون في النار بمثله فيقال لهم: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]، وهم يقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]. * * *

стр. 5567

(١٣٧ - ١٤٠) - ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح الخاء؛ أي: اختلاق الأولين؛ أي: كذبهم، قاله ابن مسعود ﵁ (١). وقيل: هو من الخَلْق الذي هو التخليق، وهو معنى قول قتادة: أي: هكذا كان الناس يعيشون ما عاشوا ويموتون ولا بعث عليهم ولا حساب (٢). وقرأ الباقون بضم الخاء واللام (٣)، ومعناه: إلا عادةُ الأوَّلين؛ أي: اتخاذُ البنيان والبطشُ ونحو ذلك؛ أي: نفعله كما فعلَ الأولون. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾: في الدنيا ولا بعد البعث، فلا بعثَ. وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: أي: هودًا ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ سُخِّرت (٤) عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: مر تفسيرها. * * * (١٤١ - ١٤٨) - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ

стр. 5568

(١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: صالحًا وسائرَ الأنبياء. ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قد فسرناها. وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾: أي: أتظنُّون أنكم تبقَون في الدنيا في دياركم هذه اَمنين لا تخافون عذابًا ولا موتا. قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: في بساتينَ نزهةٍ وعيون جارية ﴿وَزُرُوعٍ﴾؛ أي: وحروث ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: قد نَضِجَ وأَيْنَعَ وبَلَغَ (١). وقال الضحاك: أي: قد ضمر بركوبِ بعضه بعضًا (٢)، من قوله: هضيم الكشح؛ أي: لطيفُه. وعن الضحاك أيضًا (٣) في رواية: هو أنْ يَكثر حملُ التَّمر (٤) حتى يَهضم بعضُه بعضًا؛ أي: يَكسر وينقص (٥). وقال مجاهد: ﴿هَضِيمٌ﴾؛ أي: هشيمٌ متهشِّمٌ يتفتَّت إذا مُسَّ (٦).

стр. 5569

وقال عكرمة: أي لينٌ رَطْبٌ (١). وقال في "ديوان الأدب": يقال للطلع: هضيم، ما لم يخرج من كُفُرَّاه (٢). * * * (١٤٩) - ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿فَرِهين﴾ والباقون: ﴿فَارِهِينَ﴾ (٣). والفَرِهُ والفارِهُ: الماهر (٤) في الصنعة، الحاذق في الأمر، وعن ابن عباس ﵄ هكذا قال: ﴿فَارِهِينَ﴾: حاذقين (٥). وفي رواية عنه: أَشِرِينَ بَطِرِين (٦). وقال الضحاك: كيِّسين (٧). وقال ابن زيد: ﴿فَارِهِينَ﴾: قويِّين (٨).

стр. 5570

وقيل: مَرِحين (١). وقيل: فَرِحين، وقد فَرِحَ وفَرِهَ كما يقال: مَدَح ومَدَه. أي: فلا تظنُّنَّ (٢) ذلك فإنكم لم تُخلقوا للبقاء، بل للابتلاء والحساب في دار الجزاء. * * * (١٥٠ - ١٥٣) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أن تُعْرِضوا عن هذه السنَّة ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ الذين أسرفوا على أنفسهم في تمردهم على اللَّه وهم تسعةُ رهط. قوله: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: بالكفر والمعاصي (٣) والظلم ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بالإيمان والعدل. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾: أي: المسحورين، سحروك ففسَد عقلك فلا تدري ما تقول، هذا قول مجاهد وقتادة (٤). وقيل: ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾؛ أي: المخلوقين، قاله ابن عباس ﵄ (٥)، وهو الذي له السَّحْر بفتح السين؛ أي: الرئة.
следующие страницы →