(١٣٧ - ١٤٠) - ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح الخاء؛ أي: اختلاق الأولين؛ أي: كذبهم، قاله ابن مسعود ﵁ (١).
وقيل: هو من الخَلْق الذي هو التخليق، وهو معنى قول قتادة: أي: هكذا كان الناس يعيشون ما عاشوا ويموتون ولا بعث عليهم ولا حساب (٢).
وقرأ الباقون بضم الخاء واللام (٣)، ومعناه: إلا عادةُ الأوَّلين؛ أي: اتخاذُ البنيان والبطشُ ونحو ذلك؛ أي: نفعله كما فعلَ الأولون.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾: في الدنيا ولا بعد البعث، فلا بعثَ.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: أي: هودًا ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ سُخِّرت (٤) عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: مر تفسيرها.
* * *
(١٤١ - ١٤٨) - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ
стр. 5568
(١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: صالحًا وسائرَ الأنبياء.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قد فسرناها.
وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾: أي: أتظنُّون أنكم تبقَون في الدنيا في دياركم هذه اَمنين لا تخافون عذابًا ولا موتا.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: في بساتينَ نزهةٍ وعيون جارية ﴿وَزُرُوعٍ﴾؛ أي: وحروث ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: قد نَضِجَ وأَيْنَعَ وبَلَغَ (١).
وقال الضحاك: أي: قد ضمر بركوبِ بعضه بعضًا (٢)، من قوله: هضيم الكشح؛ أي: لطيفُه.
وعن الضحاك أيضًا (٣) في رواية: هو أنْ يَكثر حملُ التَّمر (٤) حتى يَهضم بعضُه بعضًا؛ أي: يَكسر وينقص (٥).
وقال مجاهد: ﴿هَضِيمٌ﴾؛ أي: هشيمٌ متهشِّمٌ يتفتَّت إذا مُسَّ (٦).
стр. 5569
وقال عكرمة: أي لينٌ رَطْبٌ (١).
وقال في "ديوان الأدب": يقال للطلع: هضيم، ما لم يخرج من كُفُرَّاه (٢).
* * *
(١٤٩) - ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿فَرِهين﴾ والباقون: ﴿فَارِهِينَ﴾ (٣).
والفَرِهُ والفارِهُ: الماهر (٤) في الصنعة، الحاذق في الأمر، وعن ابن عباس ﵄ هكذا قال: ﴿فَارِهِينَ﴾: حاذقين (٥).
وفي رواية عنه: أَشِرِينَ بَطِرِين (٦).
وقال الضحاك: كيِّسين (٧).
وقال ابن زيد: ﴿فَارِهِينَ﴾: قويِّين (٨).
стр. 5570
وقيل: مَرِحين (١).
وقيل: فَرِحين، وقد فَرِحَ وفَرِهَ كما يقال: مَدَح ومَدَه.
أي: فلا تظنُّنَّ (٢) ذلك فإنكم لم تُخلقوا للبقاء، بل للابتلاء والحساب في دار الجزاء.
* * *
(١٥٠ - ١٥٣) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أن تُعْرِضوا عن هذه السنَّة ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ الذين أسرفوا على أنفسهم في تمردهم على اللَّه وهم تسعةُ رهط.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: بالكفر والمعاصي (٣) والظلم ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بالإيمان والعدل.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾: أي: المسحورين، سحروك ففسَد عقلك فلا تدري ما تقول، هذا قول مجاهد وقتادة (٤).
وقيل: ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾؛ أي: المخلوقين، قاله ابن عباس ﵄ (٥)، وهو الذي له السَّحْر بفتح السين؛ أي: الرئة.
стр. 5571
وقيل: أي: المعلَّلين بالطعام والشراب، قال لبيد:
فإن تسألونا فيمَ نحن فإننا... عصافيرُ من هذا الأنامِ المسحَّر (١)
وقال الفراء: المسحَّر: المجوَّف (٢).
* * *
(١٥٤ - ١٥٧) - ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ﴾: أي: بعلامةٍ على صدق دعواك الرسالةَ، وعلى أنك داعٍ (٣) إلى الحق ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما تدَّعي.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ﴾: أخرجها اللَّه تعالى لا من ناقةٍ، وهي آية عظيمة ﴿لَهَا شِرْبٌ﴾؛ أي: حظٌّ من الماء فلا تزاحموها فيه ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ لا تزاحمكم هي فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: بقتل ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: يوم نزول الهلاك بكم.
وقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: أي: فعَرْقبوها، وقد عَرْقبها قُدَارٌ -على ما ذكرنا القصة في سورة الأعراف- وهم مُعِيْنون له راضون به فأضيف إليهم.
﴿وَتَذَرُونَ﴾: أي: وتتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: زوجاتكم، جمع زوجٍ وهي الزوجة، وهذا يحتمِل وجهين:
أحدهما: وتتركون النساء اللاتي خُلقن للتزوُّج ولا تتزوَّجونهنَّ.
والثاني: وتتركون زوجاتكم اللاتي عقَدتم عليهن وتأتون غيرهنَّ.
ويحتمل وجهًا ثالثًا: وتتركون القُبُل من زوجاتكم إلى أدبار الرجال والنساء.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾: أي: ليس لكم قضاءُ وطرٍ للتلذُّذ فذلك حاصل بالنساء، بل أنتم مجاوِزون حدودَ اللَّه (١) متعدُّون أمرَه.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾: أي: لئن لم تمتنِعْ عن هذا القول ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾؛ أي: لننفينَّك (٢) من أرضنا؛ كما قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: ٥٦].
* * *
(١٦٨ - ١٧٠) - ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾: أي لإتيانكم الذُّكران (٣) وسائرَ المعاصي ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغِضين، وقد قَلَاه يقليه؛ أي: أبغضه، وبين الكلمتين تجنيس، وهو من أنواع الكلام النفيس.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾: من عقاب ما يعملون.
стр. 5574
وقيل: نجِّني وأهلي من أن نكون (١) على دينهم وعملهم؛ أي: اعصِمني عن ذلك.
وقيل: لمَّا قالوا: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أظهَر أنه لا يسوءه مفارقتُهم فقال: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ فلا أكرهُ مفارقتَكم ولا أرضَى مجاورتَكم، ثم: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: أخرِجنا من جملتهم فننجو من مجاورة مَن يعمل بمعاصيك.
قوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾: إجابةً لدعوته، فأخرجناهم من جملتهم.
* * *
(١٧١ - ١٧٥) - ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾: وهي امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾؛ أي: الباقين في العذاب فلم تنجُ منه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾: أي: بعد إخراجهم أهلكنا مَن سوى لوطٍ ومَن نجا من أهله؛ أي: عياله وأولاده وأهل بيته، فجعلنا قريتهم عاليَها سافلَها بمن فيها.
قوله تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾: حجارة من سجِّيل.
وقوله تعالى: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾: أي: فبنس المطر الذي أصاب المخوَّفين (٢) بالعذاب إنْ أصروا على تكذيبهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ [القمر: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
* * *
стр. 5575
(١٧٦) - ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: سكانُ الغيضةِ وهم أهل مدين، قاله ابن عباس ﵄ (١).
وقال الخليل: الأيكة: غيضةٌ تُنبت السِّدر والأراك وناعمَ الشجر (٢).
وقيل: بُعث شعيب صلوات اللَّه عليه إلى قومٍ هم أصحاب بادية وأصحاب قرًى، وأصحاب البادية هم أصحاب الأيكة، وأهل مدين هم أهل القرية.
وقيل: هم أهل مدين هم قومه وعشيرته، ولذلك قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] في الآية التي ذكر أصحاب مدين، وأهل الأيكة غيرُ قومة وعشيرته، ولذلك لم يقل في هذه الآية: إذ قال لهم أخوهم، بل قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ وقد بُعث إلى كلِّ واحد منهما على الانفراد أحدهما بعد الآخر.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا ندري ذلك (٣).
* * *
(١٧٧ - ١٨٣) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا
стр. 5576
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: بيَّن سبحانه أن جميع الأنبياء كانوا على طريق واحدٍ في الدعوة إلى اللَّه تعالى وطاعته ومعاملةِ الخلق.
وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾: أي: أتمُّوا الكيل في قضاء حقوق الناس ولا تَنقصوهم حقوقهم.
قوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: قال الحسن: أي: القبَّان (١).
وقيل: أي: الميزان.
وقال أبو عبيدة: أي: العدل والسَّواء (٢).
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾: أي: لا تنقصوا الناس في معاملتكم في مالهم (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: أي: لا تبالغوا فيها بالإفساد وهو بالكفر والظلم.
* * *
(١٨٤ - ١٨٧) - ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: الخليقةَ الماضينَ، وإذا كان هو خالقَ أنفسكم وأعمالكم كان هو عالمًا بكم قادرًا عليكم فسيجازيكم على وَفق عملكم.
стр. 5577
وقيل: معناه: إن الذي خلقكم هو الذي خلق الأولين، وقد رأيتم عقوباته للأولين حين عصوا رسله وظلموا عباده، فاتَّقوه فإنه خالقكم وقادرٌ عليكم أيضًا (١).
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾: قد فسرناه.
﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: ما نظنُّك إلا من الكاذبين في دعوى الرسالة.
وقوله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: جمع كِسْفةٍ؛ أي: قطعة، قاله ابن عباس ﵄.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: وهذا قد يكون على معنى: أن يفتح لهم بابًا من السماء فينظروا إليه كما كانوا يسألون أن يروا اللَّه جهرة، وهو كما قال: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥] وما أشبهه.
ويحتمل أن يكون على معنى الْتِماس العذاب إظهارًا منهم للاستنصار (٢) في كذب الرسول؛ كما قال خبرًا (٣) عن النَّضْر بن الحارث: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]؛ أي: نعلم أنه ليس كذلك.
* * *
(١٨٨ - ١٩١) - ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
стр. 5578
﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي فهو مُجازيكم عليه.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: وهو العذاب الذي أهلكهم اللَّه به من ظلةٍ أقامها (١) فوق رؤوسهم فألهبها عليهم فماتوا من حرِّها ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقيل: أصابهم الحر حتى أقلقهم وأخرجهم من بيوتهم، ورُفعت إليهم سحابة فانطلقوا إليها، فلما استظلُّوا بها أُرسلت عليهم فلم ينفلت منهم أحد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ مر تفسيره.
* * *
(١٩٢ - ١٩٣) - ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: إن القرآن منزَلٌ من عند ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد تقدم ذكره في أول السورة: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ والسورة كلها في معنًى واحد، فإنه ذكر القرآن وتكذيبَ المشركين الرسولَ ﵇ فيه، ووصَل به تكذيبَ سائر الأمم رسلَهم، ثم عاد إلى ذكر القرآن فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا مصدر بمعنى المفعول؛ كقولهم: هذا الدرهم ضربُ الأمير؛ أي: مضروبُه.
يقول -وهو معنى أول السورة وآخرها على التقدير-: وإن هذا القرآن الذي نتلوه على هؤلاء المشركين فيستهزؤون به ويعرضون عنه، هو منزلُ ربِّ العالمين، وما كان منه فحقيقٌ بالإصغاء إليه والتدبُّر فيه، ليس هو مما تقوَّلتَه علينا، ولا مما تنزَّلت به الشياطين، ولا هو شعرٌ، بل نزل به جبريل من عند اللَّه، وهو قوله:
стр. 5579
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾: قرأ ابن عامر وحمزةُ والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿نَزَّلَ﴾ بالتشديد ﴿الرُّوحَ﴾ بالنصب؛ أي: نزَّل اللَّه جبريلَ مع القرآن.
وقرأ الباقون: ﴿نَزَلَ﴾ بالتخفيف ﴿الرُّوحُ﴾ بالرفع على أن الفعل لجبريل (١)، يعني: نزل جبريل ومعه القرآن إذ هو أنزل (٢) القرآن؛ لأن الباء تستعمل للتعدية يقال: ذهب به؛ أي: أذهبه، وتستعمل للقران يقال: دخل بسيفه.
و ﴿الرُّوحُ﴾: جبريل، سمي به لِمَا يجري على يديه من الوحي الذي فيه الحياةُ من موت الجهالة، و ﴿الْأَمِينُ﴾ صفتُه؛ لأنَّه أمين اللَّه على وحيه عَلِم اللَّه أنه لا يغيِّره ولا يبدِّله.
* * *
(١٩٤ - ١٩٦) - ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾: أي: لقَّنك حتى تلقَّنْتَه وحَفِظْتَه بقلبك، فصار قلبك وعاءً له، فكأنه ينزل على قلبك.
وقوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾: أي: لتُنذر الناس به فتكونَ من المرسلين الذين كان الإنذار صفتَهم.
وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾: أي: بلغةِ العرب، وهو مُبينٌ (٣) ما يراد به لوضوحه، ومبينٌ (٤) للناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم.
стр. 5580
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: في كتب المرسلين الماضين المنزلةِ من اللَّه عليهم؛ كما قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]؛ أي: معناه فيها.
ودلت الآية على صحة قول أبي حنيفة ﵀: إن القرآن لا يتبدَّل بتبدُّل اللسان، وإن قراءة اقرآن بالفارسية في الصلاة جائزةٌ، فإن اللَّه تعالى جعل ما في الصحف الأولى وفي زبر الأولين قرآنًا، وكان ذلك بمعناه لا بنظمه ولفظه بالعربية.
* * *
(١٩٧) - ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: وقراءة العامة: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ﴾ بياء التذكير ﴿آيَةً﴾ نصب على أنه خبرُ كان، واسمُه ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ لأن (أنْ) مع الفعل مصدر، وتقديره: أولم يكن لهم علمُ بني إسرائيل آيةً.
وقرئ: ﴿أولم تكُنْ﴾ بتاء التأنيث ﴿آيةٌ﴾ بالرفع (١) على أنه اسم كان، وعلى هذا ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ يجوز نصبًا خبرًا لكان، ويجوز رفعًا ترجمةً لقوله: (آيةٌ) (٢)، ومعناه: ألَا يكفي أنَّ هذا القرآن مِن عند اللَّه أنْ يشهد بذلك علماءُ بني إسرائيل عبدُ اللَّه بن سلَام وسلمانُ ونحوُهما، وكانوا يرجعون في كثير من الأمور الدينية إلى علماء أهل الكتاب، وكان ذلك لازمًا لهم.
وقيل: إن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ وقولَه تعالى: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ راجع إلى بيان النبي ﷺ في الكتب.
стр. 5581
(١٩٨ - ١٩٩) - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾: أي: القرآن ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ والأعجم: الذي لا يُفصح عربيًّا كان أو غيره.
وقيل: هو الذي يمتنع لسانه من العربية، والعَجَمُ غيرُ العرب نسبةً وولادة، والعجم منسوبٌ إلى العجم وهو من الولادة (١)، والأعجميُّ منسوب إلى أنه من الأعجَمين الذين لا يُفصحون الكلام (٢).
يقول: ولو نزَّلنا القرآن على بعض الأعاجم الذين لا يُفصحون الكلام بلسان العربية وجعلنا القرآن بلسان ذلك الأعجم ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على العرب ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنهم لا يعرفونه.
وقيل: معناه: ولو نزلناه على رجلٍ من العَجَم يُحْسِن لسان العرب بالعربية، لكانت العرب لا تؤمن به ولا تتَّبعه لأَنَفتهم من اتِّباع العجم؛ أي: فلم أجعله كذلك، بل جعلتُه من أنفسهم والقرآنَ بلسانهم ليفهموه وليكونوا إليه أسكَنَ وبه أوثَقَ، ومع ذلك يُعرضون عنه فدل على عنادهم.
* * *
(٢٠٠) - ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾: أي: أدخلنا الكفر، وهو مدلول قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 5582
﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: المشركين الذي علِمنا منهم اختيارَ الكفر والإصرارَ عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في مسألة خلق أفعال العباد خيرِها وشرها، وهو كقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]، ونظائرِها.
* * *
(٢٠١ - ٢٠٣) - ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: أي: الهلاكَ المستأصِلَ الذي ينزل بهم في الدنيا، ويكون ذلك إيمانَ يأسٍ فلا ينفعهم.
وقيل: هو عذاب يوم القيامة، ويَسألون الرجعة حينئذ ويندمون ولا ينفعهم.
وقيل: هو قيام الساعة، ودليله ما بعده: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة وهو الساعة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون.
﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾: ونصب ﴿فَيَقُولُوا﴾ وحُذف النون منه عطفًا على قوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا. . . فَيَأْتِيَهُمْ﴾؛ أي: يسألون الرجعة فلا يُجابون إليها.
* * *
(٢٠٤ - ٢٠٧) - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾: توبيخٌ لهم وإنكارٌ عليهم قولَهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، لن نؤمنَ لك حتى تُسقط علينا كسفًا من السماء (١)، ونحوَ ذلك.
стр. 5583
ثم بيَّن سفَهَهُم في هذا الاستعجال فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾: قيل: هو سِنُو مدة (١) الدنيا، وقيل: هي سِنُو مدةِ عمر (٢) كلِّ واحدٍ منهم.
﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: من العذاب ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.
معناه: إن عمر الإنسان في الدنيا إنما يكون سنين، وإن تفاوتت (٣) فإنما هي سنونَ معدودةٌ، فما معنى الفرحِ بذلك وهو ينقضي عن قريبٍ ثم وراءه عذابٌ غير منقضٍ؟
* * *
(٢٠٨ - ٢١١) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾: أي: رسلٌ مخوِّفون بعذابنا إنْ لم يؤمنوا.
﴿ذِكْرَى﴾: أي: تذكرةً ووعظًا ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: معذِّبين بغير ذنبٍ، وهو كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقد شرحنا تلك الآية (٤) في موضعها على الوجه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾: أي: بالقرآن، كما يقول هؤلاء: إنك كاهن، والكاهن يلقي عليه الشيطان، بل هو تنزيل رب العالمين.
стр. 5584
قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾: أي: للشياطين أن يتنزَّلوا به؛ أي: لم يجعلهم اللَّه بهذا المحل فإنهم أرجاسٌ، وإنما جعل ذلك للملائكة المطهَّرة (١)، الكرامِ البَرَرة.
﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: أي: الشياطين.
* * *
(٢١٢ - ٢١٣) - ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾.
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُو﴾: أي: إن الشياطين قد (٢) عزلوا عن الأمكنة التي كانوا يسمعون فيها من الملائكة أخبارَ السماء برجمهم بالكواكب، قال تعالى خبرًا عن الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩].
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾: أي: ينزلُ بك من العذاب ما نزل بهؤلاء الذين قصَصْنا خبرهم.
* * *
(٢١٤) - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: أي: ابدأ بإنذار رهطِك الأدنَيْنَ إنْ لم يؤمنوا بك فتَنْحسِم أطماعهم وأطماعُ الأبعدين في تركهم وما هم عليه، وإن هم أجابوك كانوا عُد لك على غيرهم، فكان أقوى لأمرك وأهيَبَ لأعدائك فامتثِلْ به.
قال أبو هريرة ﵁: لمَّا نزلت عليه (٣) هذه الآية دعا قريشًا فعمَّ وخصَّ
стр. 5585
فقال: "يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب، يا معشر بني عبد مناف، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد المطلب" يقول لكل معشر: "أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمةُ بنت محمدٍ أنقذي نفسك من النار، فإني واللَّه لا أملك لكم من اللَّه شيئًا" (١).
وفي حديث عروة بن الزبير: "يا صفيةُ عمةَ رسول اللَّه، يا فاطمة بنتَ محمد، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من اللَّه شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم" (٢).
وعن أبي هريرة أيضًا: "يا بني عبد المطلب، ويا بني عبد منافٍ، ويا بني هاشم، افتكُّوا أنفسَكم من النار فإني لا أُغني عنكم شيئًا، يا عائشةُ بنت أبي بكر، ويا حفصةُ بنت عمر، ويا فاطمةُ بنت محمد، ويا صفيةُ عمة محمد، اشترينَ أنفسكن (٣) من النار فإني لا أغني عنكن (٤) شيئًا" (٥).
وقال السُّدِّي: قال: "يا بني هاشم، يا بني المطلب، إني رسول اللَّه إلى الناس عامة وإليكم خاصة" (٦).
стр. 5586
وقال مقاتل: قال رسول اللَّه ﷺ لعمه أبي طالب: "اتَّخِذْ دعوةً وادْعُ أُناسًا" سماهم، ثم دخل عليهم فدعاهم إلى دينه (١).
وقال ابن عباس ﵄: لما نزلت هذه الآية صعد رسول اللَّه ﷺ أبا قُبيسٍ فدعا أحياء العرب فقال: "يا آلَ غالبٍ ويا آلَ مرةَ ويا آل تميمٍ" حتى اجتمعوا فقال: "ما تقولون فيَّ؟ " قالوا: أمين صدوق، قال: "لو أخبرتُكم أن بسفحِ هذا الجبل خيلًا أكنتُم مُصَدِّقيَّ؟ " قالوا: نعم، قال: "فإني رسول اللَّه إليكم أدعوكم (٢) من عبادة الأوثان إلى عبادته"، فقام أبو لهب فقال: ألهذا دعوتنا؟ تبًّا لك! فأنزل اللَّه تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٣).
* * *
(٢١٥ - ٢١٦) - ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قال ابن عباس: أَلِنْ جانبَك لهم، وأراد به التواضُع والعطف (٤).
وقال محمد بن علي: أي: حسِّن خلقَك.
стр. 5587
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾: أي: عشيرتُك؛ أو: المؤمنون (١) ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلم يقل: منكم، بل: إني بريء من أعمالكم لا أرضى بها.
وقيل: أي: ليس عليَّ من أعمالكم تبعةٌ أنتم المؤاخَذون بها.
وقيل: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ منها لا أملك لكم فيها شفاعةً عند اللَّه، ولا دفعًا لِمَا يحلُّ بكم من العقوبة.
* * *
(٢١٧ - ٢٢٠) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ﴾: أي: فوِّض أمرك في مُنابذة عشيرتك وغيرِ ذلك إلى اللَّه تعالى، المنيعِ الذي لا يغالَب ﴿الرَّحِيمِ﴾: الذي لا يخذل أولياءه، وثِقْ به.
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾: أي: وحدك من فراشك أو من مجلسك إلى الصلاة لتلاوة كلامه ومناجاته ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾: حين تتقلَّب بين المصلين في الجماعة ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾: الذي لا تخفى عليه الأصوات ﴿الْعَلِيمُ﴾: الذي لا تَعْزُبُ عنه الطَّويَّات، وهذا تأويل الحسن وجماعةٍ (٢).
وقيل: أي: يراك في تصرفاتك في حالاتك ومجالستك أهلَ الصلوات، لستَ تعاشر (٣) السحَرة والكهَنة والشعراء، فدُمْ على مصاحبة (٤) هؤلاء ومجانبة أولئك.
стр. 5588
وقال عكرمة: ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾: في أصلاب الرجال (١).
وعن ابن عباس ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ نبيٍّ بعد نبيٍّ (٢).
وقال القشيري: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾؛ أي: انقطِعْ إلينا، واعتصِمْ بنا، وتوسَّل بنا إلينا، وكن بنا، وإذا قلتَ فقل بنا، وتحقَّق بنا ولنا.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ﴾ تجد العزة فإن العزيز مَن ورثق بالعزيز ﴿الرَّحِيمِ﴾ الذي يقرِّب مَن تقرَّب إليه، ويُجْزِل البِرَّ لمن توسَّل به إليه.
وقوله تعالى: ﴿يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ اقتطعه بهذا عن شهود الخلق، فإنه مَن علِم أنه بمشهدٍ من الحق انقطع بالكلِّية (٣) عن شهود الخلق.
وقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ هوَّنَ عليه معاناةَ مشاقِّ العبادات حين أخبر برؤيته له (٤)، ولا مشقَّةَ على مَن يعلم أنه يعمل بمرأًى من مولاه.
وقيل: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ من أصحابك، فهم نجومٌ وأنت بدر، وهم بدورٌ وأنت شمسٌ، وهم شموسٌ وأنت للشموس شمس (٥).
* * *
стр. 5589
(٢٢١ - ٢٢٣) - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾: أي: هل أخبركم أيها المشركون ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾؛ أي: كذَّاب ﴿أَثِيمٍ﴾: عاصٍ (١) مرتكبٍ للآثام، وهو الكاهن؛ أي: فكيف تنزل الشياطين بالكتاب على محمد ﷺ وهو يشتم الأفَّاكين الآثمين والشياطين ويذمُّهم ويلعنهم ويلعن مَن اتَّبعهم، والكاهن كان كذَّابًا يخلط (٢) الأكاذيب بما يلقي إليه الشيطان، ولدعواه علم الغيب.
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾: قال الكلبي: يستمعون القول؛ أي: الشياطينُ يلقون أسماعهم للاستماع من الملائكة، ثم يخلطون به كذبًا كثيرًا فيخبرون به الكهَّان.
وقيل: ﴿يُلْقُونَ﴾ ما سمعوه من الملائكة إلى الكهَّان.
فعلى الأول: السمع للأذن بمعنى الجمع وعلى الثاني: السمع بمعنى المسموع.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾: يخلط الأكاذيب بذلك.
* * *
(٢٢٤ - ٢٢٦) - ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: فكيف يكون محمدٌ شاعرًا، وكيف يكون ما أَتى به شعرًا، والشعراءُ أهل هَزْلٍ وكذبٍ، وأتباعُهم غواةٌ، ومحمد ﷺ صاحبُ جِدٍّ وصدق، وأصحابه مهتدون هداة؟
стр. 5590
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ﴾: أي: الشعراءَ ﴿فِي كُلِّ وَادٍ﴾: في كل طريق من الكلام ﴿يَهِيمُونَ﴾: يمضون على وجوههم حائرين عن القصد؛ من مدحٍ بكذبٍ، وهجاءٍ بباطل، وإخبارٍ على غير تثبُّت.
﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾: يكذِبون في الوعد والوعيد، والمدحِ والذمِّ، والتفاخُرِ بالقبائل، وهذا في شعراء الجاهلية: عبدِ اللَّه بن الزِّبَعْرَى المخزوميِّ، وهبيرةَ بن أبي وَهْبٍ، ومسافعِ بن عبد منافٍ، وعمرِو بن عبد اللَّه أبي عزَّةَ، وأميةَ بن أبي الصلت، كانوا يهجون النبيَّ ﷺ ويذمُّون الإسلامَ، ويحرِّضون على الشرك وعبادة الأصنام.
* * *
(٢٢٧) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
وقال عبد اللَّه بن رواحة: لما نزلت هذه الآية لقد خشيت أن أموت على هذا، فنزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية (١)، فاستثنى شعراء أهل (٢) الإسلام، وهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد اللَّه بن رواحة وجماعةٌ من الصحابة كانوا ينشدون (٣) الأشعار وغيرَ ذلك.
﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: في الشعر وغير الشعر ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾؛ أي: أجابوا شعراء الجاهلية الذين هجَوهم بشعرٍ قالوه في هجائهم، فهؤلاء مستثنَون من
стр. 5591
أولئك الشعراء، فإن أولئك هائمون في كلِّ وادٍ، ذامُّون للدِّين الحق وللرسول ﵇ وللمؤمنين، وهؤلاء ليسوا بهائمين بل يذمُّون الدِّين الباطلَ والمشركين.
وقال أبو منصور ﵀: ذكر أن شاعرين كافرين قالا في النبيِّ ﷺ وفي الإسلام أشعارًا، واتَّبعهما غواة من قومهما في ذلك، فاستأذن شعراءُ المسلمين (١) رسولَ اللَّه ﷺ في جوابهما، فأذن لهم، قالوا: فنزلت الآية فيهم (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوز أن يكون مستثنًى من الشعراء؛ أي: هؤلاء ليسوا بمذمومين، ويحتمل أن يكون مستثنًى من قوله: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾؛ أي: المؤمنون لا يتَّبعون شعراء الجاهلية.
وقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: من الشعراء وغيرهم ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: في الآخرة (٣) في منقلب الظلمة وهي النار؛ أي: يعلمون علم العِيان إذ تركوا النظر في الدنيا فلم يعلموا علم الاستدلال، أو علموا علم الاستدلال في الدنيا وعاندوا، فيعلمون علم العيان في الآخرة، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
стр. 5592
سورة النمل
стр. 5593
سورة النمل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الهادي بآيات القرآن وإنزالها، الرحمنِ الذي يجيب المضطرَّ إذا دعاه في الشدائد وأهوالها، الرحيمِ الذي يجعل لمن جاء بالحسنة عشرَ أمثالها.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ طس سليمان (١) كان له من الأجرِ عشرُ حسنات عددَ مَن كذَّب بموسى وصدَّق به، وسليمان وصالحٍ ولوطٍ، ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلا اللَّه" (٢).
وسورة النمل مكية، وهي ثلاثٌ وتسعون آيةً، وقيل: أربع، وقيل: خمسٌ، والاختلافُ في آيتين: ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ و ﴿مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾.
وكلماتها ألفٌ ومئة (٣) واثنتان وخمسون، وحروفها أربعة آلاف وستُّ مئة وخمسة وتسعون (٤).
стр. 5594
وانتظام أول هذه السورة بآخر السورة التي قبلها: أنهما جميعًا في بيان أن القرآن منزل من عند اللَّه معجزةً لرسول اللَّه هاديًا الخلق إلى اللَّه.
وانتظام السورتين: أنهما جميعًا في بيان وحدانية اللَّه تعالى، وإبطالِ الشرك باللَّه، وذكرِ قصص الدعاة إلى اللَّه.
* * *
(١) - ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿طس﴾ مرت الأقاويل فيه.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: أي: هذه آياتُ القرآن ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهو القرآن، وإنما جمع بينهما لاجتماع الوصفين له، فإنه يُقرأ ويُكتب، والواو ليست للمغايرة بل للدلالة على الوصفين.
وقيل: هو للمدح (١) كما في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩]، وإنما عرِّف الأول ونكِّر الثاني؛ لأن الأول كاسم العلم له، والثاني كالصفة له، ويجوز في صفة العلم التعريف والتنكير: زيد رجل عاقل، وزيد الرجل العاقل.
وقال في سورة الحجر: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] فعرَّف الكتاب ونكَّر القرآن، وهاهنا على قلبه (٢)؛ لأن كل واحد من الاسمين جُعل اسمًا له (٣) مطلقًا وفيه معنى الصفة، وأيُّهما جعل اسمًا والآخرُ صفةً صح هذا.
* * *
стр. 5595
(٢ - ٣) - ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾: قال الفرَّاء: يجوز أن يكون نصبًا على القطع، ورفعًا على الاستئناف (١) على تقدير: هو هدًى وبشرى.
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: خصَّهم بإضافة الهدى والبشرى إليهم؛ لحصول نفع ذلك لهم على ما مر شرحه في أول سورة البقرة.
وإذا أيقنوا بالآخرة كانوا مشفقين من التقصير؛ كما قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وكذلك إذا أيقنوا بالجزاء كانوا أنشطَ في الطاعة وأحرصَ عليها؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
* * *
(٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: ذكر الذين لا يؤمنون بالآخرة بعدما ذكر المؤمنين بها، وذكر صفتهم فقال: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: الأعمالَ التي يعملونها بما ركَّبنا فيهم من الشهوات والأماني حتى رأوا ذلك حسنًا؛ كما قال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]، وهو كالختم والطبع، وفيه إثبات خلقِ اللَّه تعالى أفعالَ العباد.
وفي قوله في أول الآية: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وفي آخرها: ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ إثبات الأفعال، وثبت بذلك صحة مذهب أهل السنة والجماعة.
стр. 5596
﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: أي: يترددون في الضلالة متحيِّرين.
* * *
(٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾: بما كان منهم من سوء الأعمال، و ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾: اشتداده وامتداده، وقيل: هو قتلُهم يومَ بدر.
قوله: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: تكرار كلمة ﴿هُمُ﴾ للتحقيق والتأكيد، وكذلك في الآية الأولى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
و ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾؛ أي: الخاسرون، كما في قوله: اللَّه أكبر، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أنه بمعنى الكبير والهين.
وقيل: هو على حقيقته للتفضيل، ومعناه: هم الأخسرون من الخاسرين في الدنيا؛ أي: الأعظمون هلاكًا والأبينون (١) خسرانًا؛ لأنهم خسروا الجنة ومجاورةَ الأنبياء والأولياء واكتسبوا سوء العذاب ومجاورةَ الشياطين والكفار، فمَن أظهر غبنًا منهم؟
وقيل: قد يكون في النار خاسرين وهذه الطبقة أخسرُهم.
وقال القشيري: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾: أغشيناهم فهم لا يبصرون، وعمَّيناهم عن سواء السبيل فهم عنه يعدلون، أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وهم في حيرتهم يتردَّدون.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وهو أن يجد الآلام ولا يعرفَ المبتلي فيتسلَّى بمعرفته ويخفَّ عنه البلاء بمشاهدته، وهو للكفار كذلك، وأما المؤمنون فيخفِّف
стр. 5597
عنهم العذابَ في الآخرة حُسنُ رجائهم باللَّه، ثم تضرُّعهم إلى اللَّه، ثم فضلُ اللَّه معهم بالتخفيف، ثم تغييبُه إياهم عن الإحساس به حالةَ التعذيب (١).
* * *
(٦ - ٧) - ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾: أي: لتُلقَّنُه وتُعلَّمُه (٢) ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾؛ أي: من عند اللَّه الذي هو مصيب في أفعاله وأقواله ﴿عَلِيمٍ﴾ بكلِّ شيء وأحواله.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾: أي: واذكر إذ قال موسى ﴿لِأَهْلِهِ﴾: لزوجته وولده ومَن كان معه في سفره إذ خرج من مدينَ يقصد الشام:
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾: أي: أبصرتُ؛ أي: امكثوا هاهنا وأنا أذهب إليها.
﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾: أي: بدلالةٍ على الطريق؛ كما قال: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]، وكان ضلَّ الطريق مع وجود البرد.
﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿بِشِهَابٍ﴾ منوَّنًا غيرَ مضاف (٣)، والشهاب: الشُّعلة، والقبس: ما اقتُبس من نارٍ كثيرةٍ على طرفِ خشبة، والتنوين على أن الثانيَ بدل وترجمة عن الأول، وتركُ التنوين على الإضافة، وهو قد يكون إضافةَ الشيء إلى نفسه، كـ ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، و ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]،
стр. 5598
وقد يكون على أن الشهاب اللهبُ، والقبسَ: النار التي في الخشب، فكان إضافةَ الشيء إلى غيره.
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾: أي: تستدفئون (١) بالنار من البرد الذي أصابكم.
* * *
(٨) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾: أي: النارَ ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال الفراء والكسائي: تقول العرب: باركك اللَّه، وبارك فيك، وبارك لك، وبارك عليك (٢)، قال الشاعر:
فبُوركْتَ مولودًا وبُوركْتَ ناشئًا... وبُوركْتَ عند الشيبِ إذ أنتَ أَشْيبُ (٣)
و ﴿نُودِيَ﴾؛ أي: جاءه النِّدَاء، وهو الكلام المسموع، والمنادي هو اللَّه تعالى كما قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢].
﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ أي: نودي بهذا الكلام: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: الملائكةُ الذين أحضرهم اللَّه تعالى ذلك المكان إكرامًا لموسى ﵇، كالملِك منا إذا أراد إكرام رجل من أوليائه أو إرسالَه في وجهٍ جليلِ الخطر أشهَدَ ذلك الموضعَ خواصَّه وعظماء (٤) حشَمه.
стр. 5599
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: الملائكة أيضًا، بارك اللَّه عليهم؛ أي: تابع لهم الخيرات ليَعلم موسى أنه هُيِّئ (١) في ذلك المقام لأمر عظيم أحضره المقرَّبين من الملائكة، وكأنه قال: بركاتُ اللَّه على مَن في النار ومَن حولها، على وجه الدعاء، وحقيقتُه راجعة إلى الإخبار من اللَّه تعالى بفعلِ البركات بهم، ولم يكن للنار تأثير فيهم (٢) كما في خزَنة جهنم، على أن هذه النار لم يكن لها إحراقٌ ولذلك تضرَّمت في الشجرة الخضراء.
وقيل: دخل موسى في هذه البركة معهم أيضًا؛ لأنَّه (٣) كان مع مَن حولها.
وقيل: يجوز أن يكون أراد بـ ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾: مَن دنا منها وإن لم يكن فيها؛ كما يقال: ورَدْنا البلد، و: صرنا في البلد؛ أي: قربنا منها (٤)، وهم الملائكة أيضًا الذين بقربها وحولها.
وقيل: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ أي: مَن في طلَب النار وهو موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: الملائكة.
وقيل: يجوز أن تكون (مَنْ) في معنى (ما) كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]، ومعناه: بورك ما في النار وما حولها من أمر اللَّه؛ أي: ما دل اللَّه بهذه النار عليه من [أن] (٥) الأمر الذي جعله علَمًا لموسى على نبوته أمرٌ مبارك؛ لأن
стр. 5600
فيه نجاةً من الجهل وهدًى من الضلالة، وتخليصًا للعباد المستضعفين (١)، وغيره من جلائل الأمور.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: واللَّهُ منزَّهٌ عن أن يكون له شريك أو يوصفَ بما لا يليق به.
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾: أي: المنيع فلا أغالَبُ ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالي وأفعالي، فلحكمتي اخترتُك لرسالتي، و ﴿إِنَّهُ﴾ الهاءُ للعماد كما في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾: أي: اطرح (٢) العصا التي بيدك.
﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾: أي: فألقاها فرآها تتحرك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ أي: حية ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾؛ أي: هرب خوفًا من وثوب الحية عليه ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾؛ أي: لم يرجع ولم يحوِّل عَقِبه متوجِّهًا إلى عصاه.
﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾: أي: قلنا له: يا موسى لا تخف ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: عندي، ومعناه: في (٣) حال خطابي إياهم، و ﴿لَا تَخَفْ﴾؛ أي: لا يخاف ما دوني.
* * *
стр. 5601
(١١) - ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾: أي: لكنْ مَن زلَّ من المرسلين فجاء منه غيرُ ما أَذنتُ (١) له به ﴿ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾؛ أي: أَتبعَ توبةً وندمًا (٢) ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾؛ أي: زلةٍ ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أقبل توبته، وأغفر زلَّته، وأرحمه فأحقِّق أمنيتَه. و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (لكن) على هذا التأويل.
ووجهٌ آخر: ﴿لَا يَخَافُ﴾ عند خطابي أحدٌ من رسلي ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾؛ أي: زلَّ زلةً فإنه يخاف، ثم هاهنا مضمر: ومَن ظلَم ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾؛ أي: تاب بعد زلة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ووجهٌ آخرُ: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ منهم، وتم هذا الكلام، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ﴾؛ أي: ثم إنْ ﴿بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ له، فالمضمر فيه كلمة (إنْ).
وقيل: معناه: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ بل غيرُهم الخائف ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فإنه مع إبداله الحسنَ بعد السوء يخافني، وأنا غفور رحيم أُوْمنُه من خوفه وأرحمه وأغفر له.
قالوا: وهذه إشارة إلى أن موسى إنما خاف في الموضع الذي لا يخاف سائر الأنبياء؛ لِمَا سبق منه من قتل القِبطي وإن كان من غيرِ قصدٍ؛ كما قال: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] إلى قوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦].
قالوا: ولما خاف موسى زلةً واحدة لم يقصدها، وأحسنَ العذر عنها، وعفا اللَّه
стр. 5602
عنه ذلك، حضره ذلك بعد سنين كثيرةٍ حتى خاف في الحال التي لا يخاف فيها سائر الرسل، فما حال مَن عصى اللَّه تعالى معاصيَ كثيرةً عمدًا في طول عمره، كيف لا يخاف عند الموت؟ وهو الحالة (١) يَخاف فيها كل الخلائق.
* * *
(١٢) - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾: أي: في جيب قميصك ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أي: آفَةٍ من برصٍ وغيره.
﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾؛ أي: هما معجزتان: عصاك ويداك في جملةِ تسعٍ معجزات أُوتِيْتَها (٢)، وقد عدَّدْناها في آخر سورة بني إسرائيل.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾: أي: مبعوثٍ بهن أنت إلى فرعون وأشرافِ قومه، حُذف ذلك لدلالة الكلام عليه؛ كما قال الشاعر:
رأتْني بحَبْلَيها فصَدَّتْ مَخافةً... وفي الحبل روعاءُ الفؤادِ فَرُوقُ (٣)
أي: رأتني مقبلًا بحبليها.
стр. 5603
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: أي: هم متقادِمو الفسق، وهو الخروج عن طاعة اللَّه.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا﴾: أي: المعجزاتُ التي آتيناها موسى ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي: واضحةً بينة، و (١) ﴿مُبْصِرَةً﴾: ذاتَ إبصارٍ؛ أي: فيها إبصارٌ لمن نظر إليها.
﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أي: قالوا لمعجزته: هذا تخييلٌ لا حقيقةَ له، ظاهرٌ لمن تأمَّله.
﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾: أي: أنكروها ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: وقد تيقَّنت بصحتها قلوبُهم ﴿ظُلْمًا﴾ لأنفسهم ولآيات اللَّه بوضعها غيرَ موضعها ﴿وَعُلُوًّا﴾: تكبُّرًا من اتِّباع موسى، وترؤُّسًا على الناس.
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي: فانظر يا محمدُ نظرَ اعتبارٍ بالقلب كيف كان ختمُ أمرهم في الدنيا الهلاك، ثم لهم في الآخرة أشدُّ العذاب وذلك حال قومك.
* * *
(١٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾: أَتْبَع قصة موسى قصةَ داود وسليمان، وفي الأولى: البلاء والصبر، وفي الثانية: العطاء والشكر؛ تنبيهًا لمحمدٍ
стр. 5604
- ﷺ على فضلهما، ودعاءً له إليهما، واقتداءً منه بهما؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾؛ أي: أعطينا ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾؛ أي: بالدِّين والحُكم وغيرِ ذلك، قال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]، وقال في سليمان: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦]، وقال في حقهما جميعًا: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بما آتانا.
ودلت الآية على خلق أفعال العباد، وعلى فساد القول بالأصلح، فإن الحمد لا يجب على أداء ما عليه، فدل على أنه كان متفضِّلًا بما أعطاهما فاعلًا ما ليس عليه.
* * *
(١٦) - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾: ملكَه وعلمه ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾؛ أي: تفضل اللَّه عليَّ بزيادةٍ على ما ورَّثنيه (١) من أبي من النبوة والملك والعلم، بأنْ علَّمني منطق الطير؛ أي: فهَّمني (٢) ما يقول الطير.
قوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: أعطانا اللَّه الكثير من خيرات الدنيا (٣)
стр. 5605
ونعمها، وهو للتكثير لا للاستيعاب؛ كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ سألناه أن يؤتيَنا، [أو]: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يؤتاه الأنبياء والملوك مما يحتاجون إليه (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾: مبينٌ عن نفسه ولا يخفى على مَن شاهده جلالةُ قَدْرِه.
* * *
(١٧) - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: أي: جُمع وسِيق في مسير سليمان (٢) ما سخِّر له من جنود الإنس والجن والطير، فهو يسير فيهم كما يسير الملِك في عسكره.
قال محمد بن كعب القرظي: كان عسكرُه مئةَ فرسخ؛ خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش.
قوله ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: أي: فعليهم وَزَعةٌ يَحبسون أولهم على آخرهم إذا تفرَّقوا حتى يجتمعوا في مسيرهم، وذلك أحسنُ في الهيئة (٣)، وأهيَبُ في الرؤية.
وقال أبو عوسجةَ: ﴿يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يساقون (٤).