(١١) - ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾: أي: لكنْ مَن زلَّ من المرسلين فجاء منه غيرُ ما أَذنتُ (١) له به ﴿ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾؛ أي: أَتبعَ توبةً وندمًا (٢) ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾؛ أي: زلةٍ ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أقبل توبته، وأغفر زلَّته، وأرحمه فأحقِّق أمنيتَه. و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (لكن) على هذا التأويل.
ووجهٌ آخر: ﴿لَا يَخَافُ﴾ عند خطابي أحدٌ من رسلي ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾؛ أي: زلَّ زلةً فإنه يخاف، ثم هاهنا مضمر: ومَن ظلَم ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾؛ أي: تاب بعد زلة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ووجهٌ آخرُ: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ منهم، وتم هذا الكلام، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ﴾؛ أي: ثم إنْ ﴿بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ له، فالمضمر فيه كلمة (إنْ).
وقيل: معناه: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ بل غيرُهم الخائف ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فإنه مع إبداله الحسنَ بعد السوء يخافني، وأنا غفور رحيم أُوْمنُه من خوفه وأرحمه وأغفر له.
قالوا: وهذه إشارة إلى أن موسى إنما خاف في الموضع الذي لا يخاف سائر الأنبياء؛ لِمَا سبق منه من قتل القِبطي وإن كان من غيرِ قصدٍ؛ كما قال: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] إلى قوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦].
قالوا: ولما خاف موسى زلةً واحدة لم يقصدها، وأحسنَ العذر عنها، وعفا اللَّه
стр. 5602
عنه ذلك، حضره ذلك بعد سنين كثيرةٍ حتى خاف في الحال التي لا يخاف فيها سائر الرسل، فما حال مَن عصى اللَّه تعالى معاصيَ كثيرةً عمدًا في طول عمره، كيف لا يخاف عند الموت؟ وهو الحالة (١) يَخاف فيها كل الخلائق.
* * *
(١٢) - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾: أي: في جيب قميصك ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أي: آفَةٍ من برصٍ وغيره.
﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾؛ أي: هما معجزتان: عصاك ويداك في جملةِ تسعٍ معجزات أُوتِيْتَها (٢)، وقد عدَّدْناها في آخر سورة بني إسرائيل.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾: أي: مبعوثٍ بهن أنت إلى فرعون وأشرافِ قومه، حُذف ذلك لدلالة الكلام عليه؛ كما قال الشاعر:
رأتْني بحَبْلَيها فصَدَّتْ مَخافةً... وفي الحبل روعاءُ الفؤادِ فَرُوقُ (٣)
أي: رأتني مقبلًا بحبليها.
стр. 5603
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: أي: هم متقادِمو الفسق، وهو الخروج عن طاعة اللَّه.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا﴾: أي: المعجزاتُ التي آتيناها موسى ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي: واضحةً بينة، و (١) ﴿مُبْصِرَةً﴾: ذاتَ إبصارٍ؛ أي: فيها إبصارٌ لمن نظر إليها.
﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أي: قالوا لمعجزته: هذا تخييلٌ لا حقيقةَ له، ظاهرٌ لمن تأمَّله.
﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾: أي: أنكروها ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: وقد تيقَّنت بصحتها قلوبُهم ﴿ظُلْمًا﴾ لأنفسهم ولآيات اللَّه بوضعها غيرَ موضعها ﴿وَعُلُوًّا﴾: تكبُّرًا من اتِّباع موسى، وترؤُّسًا على الناس.
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي: فانظر يا محمدُ نظرَ اعتبارٍ بالقلب كيف كان ختمُ أمرهم في الدنيا الهلاك، ثم لهم في الآخرة أشدُّ العذاب وذلك حال قومك.
* * *
(١٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾: أَتْبَع قصة موسى قصةَ داود وسليمان، وفي الأولى: البلاء والصبر، وفي الثانية: العطاء والشكر؛ تنبيهًا لمحمدٍ
стр. 5604
- ﷺ على فضلهما، ودعاءً له إليهما، واقتداءً منه بهما؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾؛ أي: أعطينا ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾؛ أي: بالدِّين والحُكم وغيرِ ذلك، قال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]، وقال في سليمان: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦]، وقال في حقهما جميعًا: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بما آتانا.
ودلت الآية على خلق أفعال العباد، وعلى فساد القول بالأصلح، فإن الحمد لا يجب على أداء ما عليه، فدل على أنه كان متفضِّلًا بما أعطاهما فاعلًا ما ليس عليه.
* * *
(١٦) - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾: ملكَه وعلمه ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾؛ أي: تفضل اللَّه عليَّ بزيادةٍ على ما ورَّثنيه (١) من أبي من النبوة والملك والعلم، بأنْ علَّمني منطق الطير؛ أي: فهَّمني (٢) ما يقول الطير.
قوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: أعطانا اللَّه الكثير من خيرات الدنيا (٣)
стр. 5605
ونعمها، وهو للتكثير لا للاستيعاب؛ كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ سألناه أن يؤتيَنا، [أو]: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يؤتاه الأنبياء والملوك مما يحتاجون إليه (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾: مبينٌ عن نفسه ولا يخفى على مَن شاهده جلالةُ قَدْرِه.
* * *
(١٧) - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: أي: جُمع وسِيق في مسير سليمان (٢) ما سخِّر له من جنود الإنس والجن والطير، فهو يسير فيهم كما يسير الملِك في عسكره.
قال محمد بن كعب القرظي: كان عسكرُه مئةَ فرسخ؛ خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش.
قوله ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: أي: فعليهم وَزَعةٌ يَحبسون أولهم على آخرهم إذا تفرَّقوا حتى يجتمعوا في مسيرهم، وذلك أحسنُ في الهيئة (٣)، وأهيَبُ في الرؤية.
وقال أبو عوسجةَ: ﴿يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يساقون (٤).
стр. 5606
وقال القُتبي: ﴿يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يُدفعون (١).
والوَزْع: الكفُّ والمنع، والوَزَعة: جمع وازعٍ، وهو الذي يكفُّ الجيش من التفرُّق والانتشار، ويكفُّ العامة عن التظالُم والإفساد، وفي الخبر (٢): ما يَزَعُ السلطانُ أكثرُ مما يَزَع القرآن (٣).
* * *
(١٨) - ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾: أي: على وادٍ فيه نملٌ كثير، وهو كما يقال: هذا بلدُ الإبل؛ أي: الإبلُ فيه كثيرةٌ، وكذا: هذا بلدُ النمل، وكان النمل يكون في غير ذلك الوادي أيضًا، لكن كانت به كثيرةً.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾: أي: سمع سليمان نملةً تقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾؛ أي لا يَدُقَّنكم ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾؛ أي: خيلُ سليمانَ وجنودِه بأرجلها ولا يكسرنَّكم بذلك ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون بمكانكم، قالت النملة ذلك على وجه العذر، ووصفت سليمان وجنوده بالعدل.
أو (٤) قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قول اللَّه تعالى، ومعناه: سمع سليمان وعلم
стр. 5607
ذلك وجنوده لا يشعرون بذلك، وهو قول ابن عباس (١).
وقيل: والنمل لا يشعرون أن الجنود تمر في الهواء أم تنزل إلى الأرض فتدقهم.
وجمع ﴿ادْخُلُوا﴾ بالواو، و ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾ بالميم وكذلك ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وهو خطاب العقلاء وكنايتهم؛ لأنَّها وصفتهم بصفات العقلاء.
* * *
(١٩) - ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: تعجُّبًا منها وسرورًا بما أعطاه اللَّه مِن فَهم كلامها ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾؛ أي: ألهِمْني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ من النبوة والعلم والمُلك وغير ذلك ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ والإنعامُ على الوالدين إنعامٌ على الولد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ في بقية عمري ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: وأدخلني الجنة برحمتك مع عبادك الصالحين، وهم الأنبياء ومن تبعهم من أهل الجنة، وذلك برحمة اللَّه، وهو دعاءٌ بحُسن العاقبة كدعاء يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وقال مقاتل: نَسجت الشياطين لسليمان عليه الشلام بساطًا فرسخًا في فرسخ ذهبًا في إبريسم، وكان يوضع له منبرٌ من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه وحوله ثلاثةُ آلاف كرسي من ذهب وفضة، تقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس، وحول الناس الجنُّ والشياطين، وتُظلُّه الطير
стр. 5608
بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرةَ شهر من الصباح إلى الرَّواح ومن الرَّواح إلى الصباح (١).
قال ابن عباس: كانت النمل إذ ذاك كالذئاب والكلاب (٢).
وقال مجاهد: كانت نملًا ذواتِ أجنحةٍ (٣).
وفي نسخة (٤) الشيخ أبي القاسم بن حبيب عن وهب قال: قرأتُ في بعض الكتب أن سليمان ركب ذات يوم مركبَ الريح، فلما قرُب من وادي النمل سمع قولَ النمل، وكان يسمع قولها من ثلاثة أيام أو (٥) أميال فأمر الريح حتى وقفت فقال للنملة: ما قولك: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وكيف أحطمنكم وأنا على الهواء؟ فقالت: إني لم أُرِدْ حَطْم الأرجل، إنما أردتُ حتى لا ينظروا إلى ملكك فيتمنَّوه، فيكون ذلك حطمًا لقلوبهم (٦).
стр. 5609
وفي رواية: خفتُ أن يشتغلوا بالنظر إلى ذلك فيغفلوا عن تسبيح الرب (١).
ثم قالت: يا سليمان ما سألتَ ربك؟ قال: سألتُه ﴿مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، قالت: فما أعطاك؟ قال: أعطاني خاتمًا جعل ملكي فيه، قالت: إنه يقول: لا تفتخر به فإنه حجر، قالت: وما أعطاك أيضًا؟ قال: أعطاني مركب الريح (٢)، قال: ركبتُ مركبًا غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهر، قالت: فأين أنت من مركب يوصلُك في ساعة إلى العرش؟ ثم قالت: إن جندي أطوعُ لي من جندِك لك، قال: ولم؟! قالت: لأنهم يريدون منك الرزق ويَعصون ربهم، وجندي مطيعون للَّه ولا يسألون مني الرزق.
ثم قالت: يا نبي اللَّه أتدري لم صار اسم أبيك داودَ واسمُك سليمان؟ قال: لا، قالت: لأن أباك داوى جرحه فوُدَّ، وأنت سُليمُ آن لك أن تلحق بأبيك، فعند ذلك تبسَّم سليمان ضاحكًا من قولها (٣).
وفي رواية: قالت له: كما سخِّرتْ لك الريح فزوالها من يدك كزوال الريح.
وعن أبي الصدِّيق الناجي (٤) قال: ركب سليمان يومًا فعدل عن الطريق وأخذ
стр. 5610
في غيره، فقيل له في ذلك، فقال: جاءت خُطَّافةٌ فقالت: إني قد (١) أخرجت فراخي أعلِّمها الطيران، وإن أخذت على طريقك حطَمْتَهنَّ، فعدلْتُ عنه لأجلهنَّ.
وحكي أن الناس قُحِطوا على عهد سليمان، فجمع سليمان الناس فخرج بهم للاستسقاء، فلما رجعوا مروا على نملة رافعةٍ يديها تدعو اللَّه وتقول: اللهم لا تحبِسْ عنا رزقَنا بخطايا بني آدم، فأوحى اللَّه تعالى إلى سليمان: إني قد استجبتُ لهذه النملة، فأُمطِرَ الناس، فقالوا: هذه بدعوة نبي اللَّه سليمان، فقال لهم سليمان: إنها ليست بدعوة سليمان، ولكن اللَّه قد استجاب للنملة.
* * *
(٢٠) - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: أي: تعرَّف الطير فلم يجد فيها الهدهد، وكان هذا في مسير سليمان، وظاهرُ نظم هذه الآيات يدل على أنه كان في مسيره إلى وادي النمل.
وقال الخليل: التفقُّد: طلب ما غاب (٢).
قال ابن عباس ﵄: كان سليمان يوضع له ستُّ مئة ألف كرسي، ثم يجيء أشراف الناس حتى يجلسوا مما يليه، ثم تجيء أشراف الجن حتى يجلسوا مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتُظلُّهم، ثم يدعو الريح فتحملهم، ثم يسير في الغداة الواحدة مسيرةَ شهر، فبينما هو كذلك في مسيره إذ احتاج إلى الماء وهو في فلاةٍ من الأرض، فيدعو الهدهد فينقر الأرض فيدلهم على موضع الماء، فتجيء الشياطين
стр. 5611
إلى ذلك المكان، فيسلخونه كما يُسلخ الإهاب فيخرجون منه الماء.
فقال له نافع بن الأزرق: قِفْ يا وقَّاف، أرأيت قولك: ثم يجيء الهدهد فينقر الأرض فيصيب موضع الماء، كيف يبصر هذا ولا يبصر الفخَّ يجيء إليه حتى يقع في عنقه؟! فقال ابن عباس: ويحك إن القدَر حال دون البصر (١).
وقيل: كان يَرى الماءَ في الأرض كما يُرى الماءُ في الزجاج.
وقيل: بل كان يَعْرض جنوده من الطير وغيرها، فتفقَّد الغائبَ منهم والحاضرَ (٢)، وإنه كان يأتيه من كلِّ صنفٍ واحدٌ نُوبًا، فلم ير الهدهد (٣).
وقيل: كانت الطير تظلُّه حتى تسترَه عن الشمس بتقارب أجسامها وأجنحتها، فيقال: إن الشمس سقطت عليه من مكان الهدهد، فنظر إلى الطير فوقه فلم يره وقال ما قال.
وقيل: كان يسلِّم غداءَ كلِّ واحد منهم بنفسه، فنظر إليه فطلبه ليسلِّم إليه غداءه فلم يجده.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾: بدأ أولًا بنفسه ثم قال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ قال الكسائي والأخفش: أي: بل كان.
وقيل: هاهنا مضمر فيه ألف الاستفهام ثم عطف عليه ﴿أَمْ﴾، وذلك: أحاد بصري عنه بسببٍ ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾.
ولقوله ﴿كَانَ﴾ وجوه:
стр. 5612
أحدها: أنها زائدة، وتقديره: أم هو من الغائبين، كقوله: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
والثاني: أم صار، كقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].
والثالث: أم كان قبل هذه الساعة غائبًا فلغيبته لم أره الساعة.
* * *
(٢١) - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قيل: أي: لأنتفنَّ ريشه ولأطرحنَّه في الشمس، وهو قول ابن عباس ومقاتل بن سليمان (١).
وقال مقاتل بن حيان: لأَطْليِنَّه بالقَطِران ولأشمِّسنَّه (٢).
وقيل: لأمنعنَّه من خِدمتي.
وقيل: لأفرِّقن بينه وبين إلفه.
وقيل لأغيِّبنَّه عن وطنه.
وقيل: أي: لأضُمَّنه إلى خلافِ جنسه.
﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾، ثم جعل لنفسه مخرجًا مما توعَّده به فقال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحجةٍ ظاهرة له فيها عذرٌ ظاهر في غيبته.
وقيل: إنَّ جبريل ﵇ قال له وبقي شيء لم يقله: أو لأعفون عنه، وهو
стр. 5613
الأليقُ بالكرم (١) والأقرب إلى التقوى، هذا في حق طيرٍ غاب عن خدمة سليمان ساعةً فكيف بالعصاة الهِرَاب من الباب.
* * *
(٢٢) - ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: أي: لبث الهدهد زمانًا قليلًا.
وقيل: لبث سليمان وجاء الهدهد ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم تعلم، وقيل: رأيتُ ما لم ترَ.
وقيل: أدركتُ ما لم تدركْ.
وقيل: أي: شهدتُ ما لم تشهدْ.
ثم فسره فقال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾: وهي قرية بلقيس ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾؛ أي: بخبرٍ متيقَّن، والباء للتعدية، و (سبأ) ينوَّن ويكون مذكَّرًا لأنه اسم رجل وهو أصل القبيلة أو اسم المكان، ولا ينوَّن ويكون مؤنَّثًا ويكون اسمًا للقبيلة أو للقرية (٢).
* * *
(٢٣) - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾: أي: تملك أهلَ سبأ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: مما تحتاج إليه الملوك: من الرجال والأموال والآلات وصنوف النِّعم.
стр. 5614
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: أي: سريرٌ عظيم تجلس عليه كما تجلس الملوك على الأسرَّة تعظُّمًا.
قال ابن عباس ﵄: كان عرشها ثلاثين ذراعًا في ثلاثين ذراعًا، طولُه في الهواء ثلاثون ذراعًا (١)، معمول من ذهب قوائمه من لؤلؤ وجوهر (٢).
وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعًا في ثمانين ذراعًا، وطوله في الهواء ثمانين ذراعًا، مكلَّل بالجواهر والدرِّ واليواقيت (٣).
وعن وهبٍ شرحُه على ما يتبيَّن من بعدُ إن شاء اللَّه تعالى.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ غير مصروف (٤)، والباقون مصروفًا.
وقال الزجَّاج: (سبأ) مدينة تُعرف بمأرب من اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، فإذا صُرف فعلى البلد، وإذا لم يُصرف فعلى المدينة (٥).
* * *
(٢٤) - ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾: أي: يعبدونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
стр. 5615
أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: حبَّب إليهم كفرهم ومعاصيهم ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: فعدل (١) بهم عن الطريقة المستقيمة، وهي التوحيد وإخلاص العبادة للَّه.
وأطلق ﴿السَّبِيلِ﴾ لأن السبيل الذي لا يجوز سلوكها ممنوعٌ منه فكأنه ليس بسبيل.
قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾: لذلك لسبيل الرشد.
* * *
(٢٥) - ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: قرأ الكسائي وأبو جعفر ورويسٌ عن يعقوب بالتخفيف (٢)، ومعناه: (ألَا) كلمة تنبيهٍ، و ﴿يَسْجُدُوا﴾ بمعنى: يا اسجدوا، (يا) نداء والمنادى مضمر؛ أي: يا هؤلاء اسجدوا للَّه، قال ذو الرُّمَّة:
ألَا يا اسْلَمي يا دارَ مَيَّ على البِلَى... ولا زالَ مُنْهَلًّا بجَرْعائكِ القَطْرُ (٣)
وقرأ الباقون بالتشديد، وله وجوه:
أحدها: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ألَّا يسجدوا.
والثاني: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أعمالهم لئلا يسجدوا.
والثالث: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ لئلا يسجدوا.
стр. 5616
والرابع: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ أن لا يسجدوا، ومعناه: أن يسجدوا، و (لا) زائدة، كما في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ أي: أن تسجد.
والخامس: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ لقُبْحِ أن لا يسجدوا للَّه، كما قالوا في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾؛ أي: كراهة أن تضلوا على الإضمار.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ينزل المخبوء؛ أي: المستور المكنون الذي في السماوات والأرض، مصدر بمعنى المفعول.
وخَبْءُ السماوات: المطر والريح، وخَبْءُ الأرض: الشجر والنبات.
وقيل: يدخل في ذلك معادن الأرض.
وحقيقته: يُنزل من السماء الغيثَ ويُخرج من الأرض النبات بعد أن كانا مستورين غيرَ ظاهرين؛ أي: خلق ذلك وأوجده بعد أن كان معدومًا إقامةً لأسباب معاش العباد وعمارةِ البلاد.
قوله تعالى ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: قرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص بتاء الخطاب بناء على قوله: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾، والباقون بياء الغائبة (١)، بناء على أن الياء في: ﴿يَسْجُدُوا﴾ للمغايَبة.
* * *
(٢٦) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: فهو المستحِقُّ للعبادة دون الشمس.
قال ابن زيد: إلى هاهنا كلام الهدهد (٢).
стр. 5617
وقيل: من قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ كلامُ سليمان بعد تمام كلام الهدهد.
وقيل: هو خطاب اللَّه للمشركين بعد تمام (١) كلام الهدهد (٢)، وهو كلام معترِض.
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾.
ثم اتصل به قوله: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: قال سليمان للهدهد سنعرف حقيقة ما أخبرتَ به عن سبأ وملكها وأهلها، هل أخبرتَ بالصدق فتُعذرَ في غيبتك، أو أخبرت بالكذب فتؤدَّبَ على فعلتك؟ وذلك قوله تعالى:
﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: و ﴿كُنْتَ﴾ بمعنى أنت.
وقيل: معنى ذلك: أم كذبتَ، على الماضي.
قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾: أي: فكتب سليمان كتابًا إلى ملكة سبأ وقال للهدهد: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ وهو ما ذكر بعده.
قوله: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾: أي: اطرحه إليهم؛ لأن الطائر لا يمنكه تبليغ الكتاب مناولةً.
قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: تنحَّ عنهم لئلا تؤخذ، وكن قريبًا منهم بحيث تسمع كلامهم ماذا يجيبون، وهو قوله تعالى:
﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾: أي: يردُّون من الجواب.
стр. 5618
وقيل: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: أسرع الرجوع منهم إلينا، وعلى هذا فيه تقديم وتأخير: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم أسرع الانصراف عنهم إلينا.
وقيل: ﴿فَانْظُرْ﴾؛ أي: فانتظر، وقوله: ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: يتراجعون بينهم الكلام؛ كما قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [سبأ: ٣١].
* * *
(٢٩) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾.
ثم هاهنا مضمر: فذهب الهدهد بالكتاب فألقاه إليها ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾: أي: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وهو هذا الكتاب، خلت (١) بوزرائها فقالت لهم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: شريف فاضل.
وقيل: الكريم: الحقيق بأن يؤمَّل فيه كلُّ خير، ورأت آثار ذلك في هذا الكتاب فلذلك قالت ما قالت.
وقيل: سمَّته كريمًا لأنه كان مختومًا.
وقيل: كان مكتوبًا بالذهب.
وقيل: كان مِن ملكٍ تُطيعه الجنُّ والإنس والطير والوحش.
وقيل: سمَّته كريمًا لحُسْن ما فيه: من افتتاحه بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والدعاءِ فيه إلى الإسلام، ومن وَجازة الخطاب فيه مع إتيانه على المراد.
وقيل: لمَّا وصل إليها الكتاب على خلافِ العادة مع طائرٍ قد اخترق إليها البيوت والأبواب توهَّمَت أنه من السماء فسمَّته كريمًا لذلك.
* * *
стр. 5619
(٣٠ - ٣١) - ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾: قيل: كان هذا عنوانَ الكتاب ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ هذا مضمونه.
وقيل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ كان في أول السطر في الداخل، وإنما بدأ به لأن ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ كان لا يأمن أن تستخِفَّ به بلقيس، فقال: لو ستخَفَّت به بلقيس كان باسمي لا باسم اللَّه، وكان ذلك تعظيمًا لاسم اللَّه لا تقديمًا لاسمه.
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾؛ أي: لا تتكبَّروا عليَّ ولا تخالفوني ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ خاضعين للَّه منقادين له متديِّنين له (١) بالدِّين الحق.
ويحتمل: مستسلِمين منقادين لأمري.
قال وهب بن منبه في قوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: كانت غيبةُ الهدهد: أنه ذهب في طلب موضع الماء، فلقيه هدهدٌ من أرض سبأ فقال له: أيَّ شيء تَطلبُ؟ قال: أَطلب الماء لسليمان نبيِّ اللَّه فإني مسخَّر له، فسأله عن سليمان وجنوده، فأخبره الهدهد بخبر سليمان وما سخِّر له من الريح والشياطين والجن والإنس والطير، فأخبره عند ذلك هدهد سبأ عن ملكة سبأ وعن ملكها وجنودها، وكان الهدهد يومئذ مثلَ البطة العظيمة، فانطلق الهدهد حتى أتى أرض سبأ، فنظر إلى بلقيس وملكها ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ثم رجع إلى سليمان فقال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وساق ما ذكرنا على نظم الآيات (٢).
стр. 5620
وكان لملكة سبأ اسمان: مقة (١) بنت شراحيل، وبلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملكًا من ملوك اليمن إلى أربعين أبًا كلهم ملوك، وكانت هي امرأة لها نسب في الجن، وكان رغب شراحيل عن أن يتزوج في الإنس تعظُّمًا، وزعم أنه ليس له كفؤ لمكان آبائه الملوك، فخطب إلى الجن فزوَّجوه ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس، فكان الجن أخوالَها.
فلما انقرض آباؤها دعت الناس إلى بيعتها فاختلفوا في أمرها، فتركتهم فملَّكوا ملكًا فلعب بنسائهم، فلما أكثر من ذلك وعجزوا عنه أدركتها الغيرة والحمية (٢)، فارسلت إليه تخطبه لنفسها تختدعُه لتستمكن منه فتقتلَه، فأجابها ثم قال (٣): لم يمنعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأسُ منك، وكنت أبصر شرفك (٤) وموضعك، ولكن خشيتُ أن تردِّيني فتُسقِطي قَدْري، فأرسلَتْ إليه: ما عنك رغبةٌ، هانك لكفؤ كريم، فإذا أصبحتَ فاجمع رجال قومك واخطبني إليهم فإني فاعلةٌ ما يَسرُّك.
فلما أصبح فعَل ما أمرته، فقال له القوم: ما هي فاعلة ما تريد، فقال لهم: إنها ابتدأتني بزواجها (٥)، فجاؤوها فقالوا: فعلتِ ما ذكر الملك؟ قالت: نعم، طالت عليَّ الأَيْمة وانقرض أهل بيتي، وأحببتُ الولد والذرية ولم أجد أحدًا أشرفَ منه، فقالوا: قد رضينا، فتزوَّجها.
стр. 5621
فلما زُفَّت إليه خرجت في بشرٍ (١) كثير من خدم وحشم حتى مَلَؤوا منزله من كثرتهم، فلما خلا بها سقته الخمر حتى إذا أسكرَتْه قطعت رأسه، فلما انصرف حشمُها ومَن كان معها خرجت في غمارهم لا يُفطن لها ولا يَظن الناس إلا أنها قد تخلَّفت عند زوجها، فأصبح الملك قتيلًا وأصبح رأسه منصوبًا على باب دارها، فلما نظر إليه الناس عرفوا أن فعلتَها كانت حيلةً منها ومكيدة، فأعجبهم ذلك فمالوا إليها وقالوا: ما نعلم اليوم لك مِثلًا، إنك عمَدْتِ إلى ملك الأرض الذي كان يزني وأفسد نساءنا فقتلتيه بأهون أمركِ (٢)، وقد عجز عنه جميع مَن ترَينَ! فلا أحد أحقُّ بهذا الملك منك للَّذي سلف من آبائك، قالت: لولا ما خشيتُ عليَّ وعليكم من العار ما فعلتُ ذلك، ولا كان لي إلى ما في يديه حاجة.
فملَّكوها عليهم، فأمرتهم أن يصنعوا لها منزلًا فاخرًا لم يُصنع مثله لملك قط، فوصفت لهم عمله، فعمدوا إلى تلٍّ مشرِف (٣) من صفاءٍ صَلْد، فغرزوا على ظهره خمسَ مئة اسطوانة من رخام، نقروها حتى رسخت (٤) في الصفاء، طولُ كلِّ اسطوانة ثلاثون ذراعًا، وبين كلِّ اسطوانتين خمسة أذرع، ثم جعلوا من فوق الأسطوانة (٥) سطحًا من ألواح الرخام، وضموا بعضَه إلى بعضٍ حتى صارت كأنها لوحٌ واحد، ثم بنوا في السطح بيوتًا من رخام، وقبابًا من ذهب وفضةٍ مبوبةً بأبوابٍ مرصَّعة بالجوهر الملوَّن، ثم أحاطوا على السطح بحائطٍ باطنه من رخام وظاهره من نحاس، وله أربع
стр. 5622
زوايا على كل زاوية قبةٌ من ذهب على رأس قبتها ياقوتةٌ حمراء تلتهب، فإذا طلعت الشمس سطع ضوء الياقوتة على القبة فبرَقت، ثم جُعل للقصر حين فرُغ منه أربعُ مَرَاقٍ عن يمينٍ وشمالٍ وشرقيٍّ وغربيٍّ، في كل مرقاةٍ مئةُ درجة من فضة، في أعلاها بابٌ مفضَّضٌ، وفي أسفلها بابٌ من نحاس، ثم جوِّف الصفاء فجُعل جوفه خزائنُ، وجوِّف بعض الأسطوانات حتى أفضى إلى السطح، فكان طريقًا إلى الخزائن التي تحت الصفاء، ثم بُني تحت كلِّ أسطوانةٍ مجلسٌ من رخام للحراس والقوَّاد.
ولم يكن في الأرض مَلِك بعد سليمانَ وذي القرنين وفرعونِ وموسى أكثرَ منها جنودًا، كان لها اثنا عشر قائدًا، يقودُ كلُّ واحد منهم اثني عشر ألفَ مقاتل، وكان تحت يدها أربعُ مئةِ ملك من أشراف اليمن، أمَّرت كلَّ واحد منهم على كُورة معلومة، وشرطت عليه أربعةَ آلاف مقاتل متى ما احتاجت.
فلما فرغوا من عمل قصرها -وهو عرشها العظيم- أمرت بالمدينة والحيطان والأرباض (١) فبُني ذلك كلُّه حول قصرها حتى صارت في وسط ذلك، فأشرف قصرُها على ما حوله (٢) حتى كان يُرى من مسيرة يوم، وكانت تكلِّم الناس من وراء الحجاب لا يُرى وجهها، فإذا وقعت حربٌ حسَرت لهم عن ذراعها.
قال وهب: فلما جاء الهدهد إلى سليمان بخبرهم كَتب إليها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من سليمان بن داود نبي اللَّه إلى بلقيس، أما بعد: فإن كنتِ من الإنس فقد عُبدت لي، وإن كنتِ من الجن فقد سخِّرتِ لي، فأَقْبِلي إليَّ أنت وقومُك و ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
стр. 5623
فأخذ الهدهد هذا الكتاب برجله فانطلق يهوي به حتى اقتحم عليها من كوة البيت، فوضع الكتاب في يمينها وهي قاعدة على عرشها، فمُلئت من ذلك عجبًا، ثم ارتفع الهدهد فوقع (١) فوق الحائط، فلما وجدت في الكتاب اسم سليمان خرجت إلى الهدهد فقالت: مَن أرسلك إليَّ؟ فأنطقه اللَّه قال: أرسلني إليك ملكُ الجن والإنس والطير والريح والشياطين، قالت: ما أُراك كذبتَ، لولا أنه كما تقول ما طعتَ له بالرسالة، ثم جمعت قومًا من قوَّادها وأهلِ مشورتها وأسفرت عن وجهها والهدهدُ مكانَه، فقالت لهم: ما كنتُ أحسب أن فوق ملككم ملكًا حتى جاءني رسول ملك الجن والإنس والشياطين والطير والريح، قالوا لها: فأين هو الرسول الذي جاءك قالت: هو هذا، وأشارت إلى الهدهد فأقبلوا عليه يكلمونه فلم يُجبهم، وقرأت عليهم كتاب سليمان، وسألتهم عن الرأي، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾.
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾: أي: أشيروا عليَّ فيما حدث لي من هذا الأمر: ماذا أصنع؟
﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾: أي: منفِّذةً عزمًا ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أنتم؛ أي: تحضرون فأشاورَكم وأمضيَه على اتِّفاق منكم، استعطفَتْهم وراعَتْهم فاحترموها، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٣٣ - ٣٤) - ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
стр. 5624
﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: قادرون على القتال إن احتيج إليه؛ لوفور عَدَدِنا وعُدَدِنا ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ في الانقياد لصاحب الكتاب أو محاربته ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ به من الأمرين، فلا نكلِّفك ما لا تريدين ولا نخالفك فيما تأمرين.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾: أي: استولَوا على مدينةٍ بالقهر (١) ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ وسعَوا فيها بالفساد والتخريب ليزول تحرُّز (٢) أهلها بها ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ بسلبِ نعمهم وأموالهم وأعوانهم ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: سليمانُ وقومه بكم إن دخلوا مدينتكم، فكان أولُ الآية على عموم الملوك وآخرُ الآية على خصوص هؤلاء.
وقيل: هذا قول اللَّه ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: كذلك تفعل الملوك كما قالت هي.
* * *
(٣٥) - ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾: أي: من رأيي أن لا أعجل بالقتال الذي قد يكون علينا، ولكنْ أتعرفُ الحال، فأُرسل هديةً فأنظرُ ما يكون منهم، وبماذا يرجعون من عندهم رسلي؟ فإن رجعوا بردِّ الهدية فالقوم طالِبو دِينٍ لا يكفُّهم عنا إلا الاتِّباع، ولا طاقةَ لنا بقتالهم.
وقال الفراء: ذكروا أنها أرسلت واحدًا، ولذلك قال بعده: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ (٣).
стр. 5625
وإنما قالت: ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ تعظيمًا للرسول، أو هذا من متعارَفِ اللسان؛ يقول الملك: أرسلْ إلى فلان رسلًا، وهو يريد الواحد، ويَجمع للتعظيم، أو لأنه يكون معه أتباع، ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ وقال: ﴿ارْجِعْ﴾ خطابًا لرأسهم وإخبارًا عن كبيرهم.
قال وهب: قالت لهم: لا آمَنُ إنْ هو ظفر بكم أن يُذلَّكم ويتعبَّدَكم ويبيحَ جنوده قراكم وحريمَكم، وسأختبره أيعمل للَّه أم للدنيا؟ قالوا: بماذا؟ قالت: أعرضُ عليه الدنيا، فإنْ قَبِلها فهو لها وإن حقَرها فهو للَّه ولا سبيل إليه، فإنْ قَبِل الدنيا قاتلناه عن ملكنا، فكتبت إلى سليمان: إني قد سمعتُ كتابك، وأنا ناظرةٌ في أمرك ومعجِّلة إليك رسلي ليَعلموا عِلمك.
وأهدت إليه ألفَ فرس عربيٍّ سابق ليس فيها إلا ما أَحرز الحلبة، وهي كلُّها على شِيَةٍ واحدة ليس منها إلا أدهمُ أزرقُ أغرُّ محجَّل، مع كلِّ فرس عبدٌ يسوقه، في رأس كلِّ فرسٍ حَكَمةٌ من ذهب، عِذارها مفصَّصٌ بالجوهر، ومِقْوَدها سلسلةٌ من حَلَق الذهب والفضة، حَلْقةٌ من ذهب وحَلْقةٌ من فضة، وعليه سَرجٌ من جَزْعٍ ملبَّسٌ أرجوانًا أحمرَ مرصًّعًا باللؤلؤ، نصفُها ذكور ونصفُها إناث.
وأهدت له خمسَ مئة وصيفٍ وخمس مئة وصيفة عربية (١)، في يمين كلِّ وصيفة سوارٌ من ذهب فيه ياقوتة، وفي عنقِ كلِّ وصيفةٍ طوقٌ من ذهب فيه ياقوتة، وفي أذنها قرطان في كلِّ قرط درةٌ، وعلى كل وصيفٍ منطقةٌ منظومة باللؤلؤ، وعهدت إلى رسلها إذا هم عرضوا على سليمان هديتَها أن يحملوا الوصفاء على ذكور الخيل والجواري على إناثها.
وقال زيد بن أسلم: وجَّهت مع هذا كلِّه لَبِنًا من ذهب، فأُخبر سليمان بذلك،
стр. 5626
فقال للشياطين: مهدوا لهم الأرض ذهبًا إلا موضع لبنة في الطريق، فلما قربوا من بلد (١) سليمان ظنوا أن الأرض مفروشةٌ بلَبِنِ ذهب، فرأوا في الطريق موضعَ لبنةٍ خاليًا، فقال رئيسهم: حملنا إلى هذا الرجل لَبِنًا من ذهب فإذا أرضه ذهبٌ كلُّها إلا موضعَ لبنة، فسبيلُنا أن نلقيَ (٢) هذه اللبنة في هذا الموضع وإلا نسبنا (٣) إلى السرقة (٤).
وقال ابن عباس ﵄: إنها وجهت غلمانًا وجواري، وجعلت الغلمان على زيِّ الجواري في اللباس والشعر، والجواريَ على زيِّ الغلمان في اللباس والشعر (٥)، وقالت للغلمان: إذا كلَّمكم فألينوا الكلام، وقالت للجواري: إذا كلَّمكن فأغلِظن الكلام، وبعثت بحُقَّة فيها جواهرُ فأمَّرت عليهم رجلًا يقال له: المنذر بن عمرو.
وقال أبو القاسم بن حبيب: رأيتُ في بعض التفاسير: كانت في الحقة ثلاثةُ جواهر، أحدها مثقوب والثاني غير مثقوب والثالث ثُقب نصفه ولم ينفذ، وقالت: إن كان نبيًّا ميَّز بين الوصفاء والوصائف، ويخبركم بما في الحُقة، وإن كان غيرَ نبي الْتَبَس أمركم عليه، فميَّز بين الوصفاء والوصائف بالوضوء، وذلك أنه أمرهم أن يتوضؤوا، فجعل الغلمانُ يَحدرون الماء على اليد والرجل حَدْرًا، وجعلت الجواري يصبُبْن من اليد اليسرى على اليد اليمنى ومن اليمنى على اليسرى، فميَّز ذلك بينهم، وأخبرهم أن
стр. 5627
الجواهر ثلاثةٌ: أحدها مثقوب، والثاني (١) صحيح، والثالث مثقوبُ النصف.
* * *
(٣٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾: أي: جاء الرسولُ، وقيل: جاء ما أَهدت.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾: استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: أتبعثون إليَّ ما لا تقدرون (٢) به الزيادة في مالي ونعمي.
﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾: أي: فالذي أعطاني اللَّه من الملك والنبوة وسخَّر لي الطير والوحش والجن والإنس ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾؛ أي: أفضلُ وأكثر مما أعطاكم، فلا أفرح به ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾.
قيل: بل أنتم بهذا المال أهدَيْتُموه إليَّ تفرحون إعظامًا منكم له.
وقيل: معناه: بل أنتم بما يُهْدَى إليكم تفرحون؛ لأنكم أهلُ تفاخُرٍ وتكاثُرٍ بالدنيا.
* * *
(٣٧) - ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾: أيها الرسول بهذه الهدية فلا حاجة لي فيها، ولا أمتنعُ عن دعوتكم إلى الإسلام، فإنْ لم تفعلوا ولم تأتوني طائعين ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾؛ أي: لا طاقة لهم بها؛ أي: ولا يمكنُهم دفعُها ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾؛ أي:
стр. 5628
من قريتهم، وقد سبق ذكر القرية: ﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ ﴿أَذِلَّةً﴾؛ أي: قد سلبتُهم العز بالاستيلاء على أموالهم وعيالهم، وقهر أنصارهم.
وقيل: مغلولةً أيديهم إلى أعناقهم.
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: مُهَانون.
* * *
(٣٨) - ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾: قال وهب: يعني: ملأَ الجن ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: قبل أن يرجع إليهم رسلُهم فينذروهم فيأتوني مسلمين، فإذا أسلموا فليس عليهم سبيل، ولا يحلُّ لي حينئذ أن أُجْليَهم (١) من بلادهم.
قال ابن عباس ﵄: قال سليمان هذا حين جاء الهدهد، فامتَحن ذلك، وجاء آصف بالعرش ثم كتب إليه الكتاب، ولولا ذلك لم يَكتب إليها بقول الهدهد من غير ثبوت (٢).
وقال وهب بن منبِّهٍ: قال ذلك عند مجيء الرسل بالهدية (٣).
وقيل: قال ذلك حين لم يبق بينها وبين سليمان إلا قَدْرُ فرسَخٍ.
وقيل: إنما طلب ذلك ليختبِر عقلها إذا أتته ورأته: أتُثْبِتُه أم تُنْكرُه؟ وهذا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٤).
стр. 5629
وقيل: فعل ذلك ليثبتَ عندها أنه رسولٌ وملكُه سماويٌّ، فتُضطرَّ هي وقومُها إلى الإسلام (١).
* * *
(٣٩) - ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾: قيل: داهيةٌ.
وقيل -وهو قول الفراء-: هو القوي النافذ (٢).
وقال القتبي: هو الشديد الوثيق (٣).
وقيل: هو المارد.
قيل: كان اسمه صخرًا. وقيل: كان عَمْرًا.
قوله تعالى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾: أي: مجلسِ قضائك، سماه مقامًا لأنه يقوم فيه بالقضاء بين الناس؛ كالمقامات التي تكون للخطباء والرؤساء.
وقيل: أي: من مجلسك، وسماه مقامًا لأن عاقبته القيامُ عنه.
﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾: أي: قادر (٤) ﴿أَمِينٌ﴾ على ما فيه من ذهب وجوهر، لا أخون في ذلك.
* * *
стр. 5630
(٤٠) - ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.
﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾: هو آصفُ بن بَرَخيا، وقيل: آصف بن يوسف، وقيل: ضبَّة والدُ بني ضبة من العرب، وقد ادَّعى ذلك بعض بني ضبَّة، وكان آصفُ وزير سليمان.
وقوله: ﴿عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: من الكتب المنزلة.
وقيل: كان يعلم اسمَ اللَّه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وكان مستجابَ الدعوة.
وفي "تفسير الصنعاني": ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ جبريل ﵇.
قال: لما رجع رسلُ بلقيس إليها، وعلمت أنها لا قبَل لها بجنود سليمان، أقبلت إليه، فأعلمه جبريل بذلك، وأحب سليمان أن يوتَى إليه بعرشها، وقال عفريت من الجن ما قال، قال جبريل: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ بأسرع من ذلك، وصفةُ جبريل بأن عنده علم من الكتاب هو علم إنزال الكتب على الأنبياء.
وقيل: هو علم الكتاب الذي هو أمُّ الكتاب.
قوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾: قيل: قبل أن يرجع إليك طرفك ببصرك، كأنك تفتح بصرك لتنظر إلى شيء، فتنظر إليه ثم تردُّ بصرك عن النظر.
وقال أبو عبد اللَّه الأزديُّ -وهو في معنى هذا-: أي: إذا مدَدْتَ طرفك ناظرًا إلى أن تردَّ جفنك ردَدْتَه بين هذين.
стр. 5631
وقال قتادة والكلبي والفراء: يريد: قبل أن يأتيك الشيء من مدِّ بصرك (١)، ومجازه: من قبل أن يرجع إليك مَن تنظر إليه منتهَى بصرِك.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾: قيل: فدعا اللَّهَ آصف، فرفع سليمان طَرْفه ثم ردَّه فإذا هو عنده.
وقال مجاهد: دعا اللَّه فأُخرج له من نفق في الأرض (٢) حتى وضع بين يديه.
وقال ابن عباس ﵄: قال: يا حيُّ يا قيوم.
وقال عبد اللَّه بن سلَام: قال: اللهم إني أسألك بأنك أنت اللَّه الذي لا إله إلا أنت، الحيُّ القيوم الطاهرُ المطهَّر، نورُ السماوات والأرض، عالمُ الغيب والشهادة الكبيرُ المتعال.
وروي عن جابر أنه قال في الدعاء: يا اللَّهُ يا اللَّهُ يا اللَّه.
стр. 5632
وقال عمرو بن عديٍّ: دعا فقال: يا ذا الجلال والإكرام والفضلِ العظيم والعزِّ الذي لا يُرام.
وقيل: قال: أَهيا شَرَاهيا (١).
وكان ذلك من كرامة آصف، وكرامةُ الأولياء حقٌّ عند أهل السنَّة والجماعة، وهو في الحقيقة معجزة لذلك الرسول الذي هذا من أمته.
وقال وهب: كان آصف من الجنِّ، وجمعَ عفاريتَ من الجن حتى اقتلعوا منزلها الأعلى الذي فوق الأسطوانات بمساكنه وجميع ما فيه، وهي فيه على فرُشها لم تقدر أن تتحوَّل عنها (٢) حتى وُضعت بين يدي سليمان (٣)، وكان حليُّها وثيابها وطيبُها مخزونًا معها في منزلها، فأتي بذلك كله، فلما رآه مستقرًا عنده ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾؛ أي: إن ما فعله ربي من إلقاء الرعب في قلبها حتى أقبلت إليَّ مع قومها في تلك الرواية، ومن إحضار عرشها في هذه المدة من مسيرة شهرين على هذه الرواية ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾؛ أي: من إفضاله عليَّ من غير استحقاقٍ
стр. 5633
مني ليمتحنني ﴿أَأَشْكُرُ﴾؛ أي: إنعامَه (١) ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ لم يفعل ذلك بي لأستعين به على معاصيه ولا لأفاخر به.
وقيل: خطر بباله أنه ظهر هذا لآصف، ثم رد الخاطر وقال: إنه من فضل اللَّه عليَّ حيث جعل في أمتي مَن له هذه المنزلةُ، وهو كشكر الأب بما يظهر لابنه من كرامةٍ ينفرد بها ولا يكون ذلك للأب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾: لأن المزيد يحصل له به، وحقُّ النعمة يقضي (٢) به.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ النعمة ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره ﴿كَرِيمٌ﴾ لا يعجِّل بعقوبةِ مَن كفر نعمه (٣).
* * *
(٤١) - ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾: أي: غيِّروا، والتنكير: التغيير، والتنكُّر: التغيُّر.
قوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾: أتعرفُ ذلك وتعقله أم لا تعقله ولا تعرفه؟
وقيل: ﴿أَتَهْتَدِي﴾ إلى الإسلام بهذه الآية وهو حملُها إليَّ في هذه المدة اليسيرة، أم لا تهتدي إليه؟ والتغيير يكون بالزيادة والنقصان أو العكس.
стр. 5634
قال وهب: قال للجن: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ فنكِّس، وبنت الشياطين فوقه قبابًا أخرى هي أعجب من تلك القباب وهو مقلوب قد جُعل أسفلُه أعلاه، وإنما أراد سليمان أن يعلِّمها صغر ملكها عند ملكه.
ونظمُ هذه الآيات يضعف قول وهب: حملوا عرشها وهي عليه؛ لأن التنكير والمجيء والنظر إليه يخالف كونها عليه.
* * *
(٤٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾: لما رأته محمولًا على الريح مقلوبًا وهو في الهواء لا يقع على الأرض، وقد صُنع فيه ما هو أعجب وأفخر ما كان فيه، أنكرته، فعند ذلك ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾.
قالوا: إن الشياطين خافت أن يتزوجها فيولَدَ له منها ولدٌ وهي جنية (١)، فتطيع الجنُّ ولده منها، فيدوم له الملك ويبقَوا مسخَّرين لآل (٢) سليمان أبدًا، فقالوا له: إنها ضعيفة العقل حمقاء، وإن رِجْلها كرِجْل حمار، فأمر بتنكير عرشها ليَمتحن عقلها فقال: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ ففعلوا وقالوا لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لم تعرف ولم تنكر ذلك لمَّا بَعُدَ عندها أن يكون هو هو (٣)؛ لأنَّها خلَّفته في منزلها، ثم وكَّلت به مَن وكَّلت، فلم تقل: هو، ولما رأت فيه من التغيير ولم تقطع أيضًا على أنه ليس هو لِمَا رأت فيه من المشابهة فقالت قولًا بين النفي والإثبات تحرُّزًا عن الكذب بالقطع على أحدهما من غير ثبت.
стр. 5635
وأمر بإدخالها الصرح لتكشف عن ساقها لِمَا تتوهم أنه لجَّة فيظهرَ حالُها، ففعلت وانكشف عن أحسن ساق وقدم، فزال تلبيس الشياطين.
وقوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾: قيل: أي: قالت: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ باللَّه (١) ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾: من قبلِ صحبة سليمان (٢) ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: أسلمنا قبل أن نجيء.
وقيل: هذا قول سليمان على وجه الشكر آتيناه العلم به من قبل هذه المرأة ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: منقادين للَّه.
* * *
(٤٣) - ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
﴿وَصَدَّهَا﴾: أي: ومنع المرأة ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في موضع الرفع أي: عبادتها الشمس من دون اللَّه عبادة اللَّه وهو مفعول ثاني.
وقيل: صدها عن العلم والاهتداء.
قوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾: أي: فإنها كانت كذلك.
قيل: هذه الآية قول سليمان.
وقيل: هو قول اللَّه تعالى.
وقيل: ﴿وَصَدَّهَا﴾؛ أي: ومنعها سليمان.
وقيل: ومنعها اللَّه ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: من عبادة غير اللَّه، وهو في موضع المفعول.
* * *
стр. 5636
(٤٤) - ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾: قال أبو عبيدة وقطرب: أي: القصر (١).
وقيل: هو عَرصةُ الدار، وهو قول الزجَّاج (٢).
وقيل: هو البنيان (٣) المرتفع.
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾: هي موضع الماء.
وقال وهب: وأمر سليمان الشياطين فصنعت له منزلًا من قارورةٍ بيضاء يترجرج كأنه (٤) الماء، وجعل فيها تماثيلَ سَمَك تسبح فيها، ومرِّدت حتى اشتدَّ بريقها (٥)، فجعلت تنظر الى مثالها (٦) فى الزجاجة كأنها المرآة المصقولة (٧)، وعليها حلةٌ من حريرٍ أبيض مُلحمةٌ من الذهب الأحمر، فجعلت تنظر إلى نفسها ولباسها وكلِّ شيء عليها في أرض (٨) تلك القارورة، ثم: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ وهو منزلُك، فظنت أنها مخاضةٌ من ماء حين نظرت إلى تماثيل السمك تسبح فيها، فلما كشفت
стр. 5637
عن ساقيها وهو قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ قيل لها: إنه ليس بماء، ولكنه: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾؛ أي: مملَّسٌ من قوارير، فأسلمت عند ذلك و ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بالشرك.
وقيل: ظنت أن سليمان مكر بها ليقتلها.
وقال محمد بن كعب القرظي: لما بصُرت بالصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابًا يقتلني به إلا الغرق (١)، فلما وقفت على الحقيقة قالت: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بما أسأت به الظن.
وقيل: أمرُ سليمان بتنكير العرش واتخاذِ الصرح كان لتنظر إلى ذلك فتعلمَ فضلَ ملكه على ملكها، وأن اللَّه هو الذي سخرهم له وهيَّأ ذلك كلَّه له، فإن ذلك لا يكون إلا آيةً لنبوته ورسالته، فتهتدي بذلك إلى الإسلام، ولذلك أسلمت.
وقيل: كان هذا معارضةً (٢) له إياها فيما فعلت من أمر الوصفاء والوصائف، وتنكيرِها إياهم، وكذا حال الجواهر، ففعل بها كذلك، فاهتدى هو إليها لنبوته ولم تهتدِ هي إليه، فاستبان لها حاله فأطاعته وأسلمت.
وقيل: الحكمةُ في كتمان حالِ (٣) هذه الملكة على سليمان مع قُرب ولايتها منه، ومع أن الدنيا كلَّها كانت مملكةً له؛ ليكون ذلك عند ظهور عذرِ الهدهد عن جنايته، وما ذَكر سليمان في حقه: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ كان تأديبًا وتهذيبًا لا
стр. 5638
عقوبةً وتعذيبًا، وذاك جائز كرياضة الدوابّ وضربها عند الحراب، وضرب الكلاب ونحوها للتعليم، وهو التفصِّي (١) عن اعتراضِ مَن قال: كيف استجاز (٢) ذلك فيما لا يخاطَب ولا يعاتَب ولا يعاقَب؟!
* * *
(٤٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾: وهذه قصةٌ أخرى في معنى ما مضى ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ليقول لهم: وحِّدوا اللَّه.
﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾: فصدَّقه بعضهم وكذَّبه بعضهم فصاروا فريقين.
وقال: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ على الجمع لأن الفريقين جمعان، معناه: يخاصم كلُّ فريقٍ الآخرَ في مخالفته ومحاجَّته في إثبات قول نفسه، وهو ما قال في سورة الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [الأعراف: ٧٥] الآيات.
* * *
(٤٦) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: وكان من عادة الأمم المكذِّبة استعجالُ العذاب كقولهم: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٧] ونحوِ ذلك.
وقيل: معناه: لمَ تفعلون ما تستحقُّون به أن تعاجَلوا بالعذاب من الكفر والمعاصي، ولم يُرد به السؤال.
стр. 5639
﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾: أي: هلا تتوبون إلى اللَّه من الكفر، فيكونَ ذلك سؤالَ المغفرة ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: راجين رحمة اللَّه.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾: أي: تشاءمنا بكم فلا نتَّبعكم لئلا تصيبَنا المكارهُ في أنفسنا وأولادنا وأهالينا وأموالنا، آيَسوه عن إيمانهم.
وقيل: قُحِطوا فقالوا: هذا بشؤمكم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: ما أصابكم من مكروهٍ أو محبوب فمن اللَّه لا مني.
وكان الكفار إذا أصابتهم شدة في زمن النبي ﷺ قالوا: هذه من شؤمه، وإذا أصابتهم نعمة قالوا: هذه باستحقاقنا، كما ذكر اللَّه ذلك عن قوم موسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وقال المشركون لنبينا ﵇ ما ذكر عنهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: ما ينزل بكم من العذاب في الآخرة إنما يصيبكم بتكذيبكم إياي في الدنيا.
وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: جزاء تطيُّركم عند اللَّه، هو يجزيكم به بعذاب الدنيا والآخرة.
قوله تعالى ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: أي: تُمتحنون مرةً بالشدة ومرةً بالرخاء.
وقيل: أي: بل الكفار يَفتنونكم بالدعوة إلى الثبات على الكفر والتطيُّر فيَّ (١).
стр. 5640
وقيل: معناه: بل أنتم قوم تعذَّبون بذلك في الآخرة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]؛ أي: يعذَّبون.
* * *
(٤٨) - ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: كانوا من أولاد الأشراف وكانوا فسَّاقًا (١).
وقيل: هم قُدَار بن سالفٍ، ومِصْدعُ بن دهر (٢)، وأسلم، ورهمي ورُهيم، ورعمي ورعيم، وقبال وصداف (٣)، عقروا الناقة (٤) يوم الأربعاء فأهلكهم اللَّه يوم السبت.
* * *
(٤٩) - ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.