(٤٤) - ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾: قال أبو عبيدة وقطرب: أي: القصر (١).
وقيل: هو عَرصةُ الدار، وهو قول الزجَّاج (٢).
وقيل: هو البنيان (٣) المرتفع.
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾: هي موضع الماء.
وقال وهب: وأمر سليمان الشياطين فصنعت له منزلًا من قارورةٍ بيضاء يترجرج كأنه (٤) الماء، وجعل فيها تماثيلَ سَمَك تسبح فيها، ومرِّدت حتى اشتدَّ بريقها (٥)، فجعلت تنظر الى مثالها (٦) فى الزجاجة كأنها المرآة المصقولة (٧)، وعليها حلةٌ من حريرٍ أبيض مُلحمةٌ من الذهب الأحمر، فجعلت تنظر إلى نفسها ولباسها وكلِّ شيء عليها في أرض (٨) تلك القارورة، ثم: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ وهو منزلُك، فظنت أنها مخاضةٌ من ماء حين نظرت إلى تماثيل السمك تسبح فيها، فلما كشفت
стр. 5637
عن ساقيها وهو قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ قيل لها: إنه ليس بماء، ولكنه: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾؛ أي: مملَّسٌ من قوارير، فأسلمت عند ذلك و ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بالشرك.
وقيل: ظنت أن سليمان مكر بها ليقتلها.
وقال محمد بن كعب القرظي: لما بصُرت بالصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابًا يقتلني به إلا الغرق (١)، فلما وقفت على الحقيقة قالت: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بما أسأت به الظن.
وقيل: أمرُ سليمان بتنكير العرش واتخاذِ الصرح كان لتنظر إلى ذلك فتعلمَ فضلَ ملكه على ملكها، وأن اللَّه هو الذي سخرهم له وهيَّأ ذلك كلَّه له، فإن ذلك لا يكون إلا آيةً لنبوته ورسالته، فتهتدي بذلك إلى الإسلام، ولذلك أسلمت.
وقيل: كان هذا معارضةً (٢) له إياها فيما فعلت من أمر الوصفاء والوصائف، وتنكيرِها إياهم، وكذا حال الجواهر، ففعل بها كذلك، فاهتدى هو إليها لنبوته ولم تهتدِ هي إليه، فاستبان لها حاله فأطاعته وأسلمت.
وقيل: الحكمةُ في كتمان حالِ (٣) هذه الملكة على سليمان مع قُرب ولايتها منه، ومع أن الدنيا كلَّها كانت مملكةً له؛ ليكون ذلك عند ظهور عذرِ الهدهد عن جنايته، وما ذَكر سليمان في حقه: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ كان تأديبًا وتهذيبًا لا
стр. 5638
عقوبةً وتعذيبًا، وذاك جائز كرياضة الدوابّ وضربها عند الحراب، وضرب الكلاب ونحوها للتعليم، وهو التفصِّي (١) عن اعتراضِ مَن قال: كيف استجاز (٢) ذلك فيما لا يخاطَب ولا يعاتَب ولا يعاقَب؟!
* * *
(٤٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾: وهذه قصةٌ أخرى في معنى ما مضى ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ليقول لهم: وحِّدوا اللَّه.
﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾: فصدَّقه بعضهم وكذَّبه بعضهم فصاروا فريقين.
وقال: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ على الجمع لأن الفريقين جمعان، معناه: يخاصم كلُّ فريقٍ الآخرَ في مخالفته ومحاجَّته في إثبات قول نفسه، وهو ما قال في سورة الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [الأعراف: ٧٥] الآيات.
* * *
(٤٦) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: وكان من عادة الأمم المكذِّبة استعجالُ العذاب كقولهم: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٧] ونحوِ ذلك.
وقيل: معناه: لمَ تفعلون ما تستحقُّون به أن تعاجَلوا بالعذاب من الكفر والمعاصي، ولم يُرد به السؤال.
стр. 5639
﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾: أي: هلا تتوبون إلى اللَّه من الكفر، فيكونَ ذلك سؤالَ المغفرة ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: راجين رحمة اللَّه.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾: أي: تشاءمنا بكم فلا نتَّبعكم لئلا تصيبَنا المكارهُ في أنفسنا وأولادنا وأهالينا وأموالنا، آيَسوه عن إيمانهم.
وقيل: قُحِطوا فقالوا: هذا بشؤمكم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: ما أصابكم من مكروهٍ أو محبوب فمن اللَّه لا مني.
وكان الكفار إذا أصابتهم شدة في زمن النبي ﷺ قالوا: هذه من شؤمه، وإذا أصابتهم نعمة قالوا: هذه باستحقاقنا، كما ذكر اللَّه ذلك عن قوم موسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وقال المشركون لنبينا ﵇ ما ذكر عنهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: ما ينزل بكم من العذاب في الآخرة إنما يصيبكم بتكذيبكم إياي في الدنيا.
وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: جزاء تطيُّركم عند اللَّه، هو يجزيكم به بعذاب الدنيا والآخرة.
قوله تعالى ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: أي: تُمتحنون مرةً بالشدة ومرةً بالرخاء.
وقيل: أي: بل الكفار يَفتنونكم بالدعوة إلى الثبات على الكفر والتطيُّر فيَّ (١).
стр. 5640
وقيل: معناه: بل أنتم قوم تعذَّبون بذلك في الآخرة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]؛ أي: يعذَّبون.
* * *
(٤٨) - ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: كانوا من أولاد الأشراف وكانوا فسَّاقًا (١).
وقيل: هم قُدَار بن سالفٍ، ومِصْدعُ بن دهر (٢)، وأسلم، ورهمي ورُهيم، ورعمي ورعيم، وقبال وصداف (٣)، عقروا الناقة (٤) يوم الأربعاء فأهلكهم اللَّه يوم السبت.
* * *
(٤٩) - ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
стр. 5641
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾: قرأ حمزة والكسائي بتاء الخطاب على الجمع (١)؛ أي: قال بعضهم: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ على الأمر؛ أي: احلِفوا لتأتُنَّه ليلًا فتقتلوه، و ﴿ولتقولُن لوليِّه﴾؛ أي: لأوليائه وهو جنس يصلح للجمع، وهو كقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
وقرأ الباقون بالنون إخبارًا عن أنفسهم؛ أي: احلفوا فقولوا كذا. ويجوز أن يكون ﴿تَقَاسَمُوا﴾ فعلًا ماضيًا، ويكون تفسيرًا لقوله: ﴿قَالُوا﴾، ويكون بمعنى الحال؛ أي: متقاسمين.
﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾: وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ﴿مَهْلَكَ﴾ بفتح الميم واللام، ومعناه: الهلاك؛ أي: موضع الهلاك.
وفي رواية حفصٍ بفتح الميم وكسر اللام وهو كذلك.
وقرأ الباقون بضم الميم وفتح اللام، وهو الإهلاك وموضع الإهلاك (٢).
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: فيما قلنا.
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾: قصدوا قتلَ صالح وأهله في خفيةٍ ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾: جازيناهم جزاء مكرهم وأهلكناهم في خفيةٍ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم حين قصدوا ذلك أنه يعود قصدهم عليه (٣).
стр. 5642
﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي [وعاصم]: ﴿أنا﴾ بالفتح؛ أي: كان عاقبةُ مكرهم تدميرَهم، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف وتمامِ الأول (١).
﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾؛ أي: أهلكناهم؛ أي: التسعة ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: سائرَ قوم صالح.
واختلفت الآثار في كيفية هلاك هؤلاء:
قال ابن عباس ﵄: أرسل اللَّه ملائكة ليلًا فامتلأت بهم دار صالح، فأتى (٢) التسعةُ الدارَ شاهرينَ سيوفهم ليقتلوا صالحًا، فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث لا يَرَون الملائكة فقتلتْهم (٣).
وقيل: خرجوا نهارًا من المدينة يُظهرون أنهم يسافرون وعادوا ليلًا خفيةً ونقَبوا الجدران ليدخلوا داره فيقتلوه، فرمتهم الملائكة من السطح فقتلوهم.
وقال مقاتل: نزلوا في سفح من الجبل ينتظر بعضهم بعضًا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم (٤).
وقال السدِّي: خرجوا ليأتوا دار صالح فنزلوا خرقًا من الأرض ليكتمنوا فيه فانهار عليهم (٥).
стр. 5643
وقال قتادة: خرجوا مسرعين إلى صالح، فسلط اللَّه عليهم صخرةً (١) فقتلتهم (٢).
وفيهم يقول الشاعر:
كما بتسعةِ رَهْطٍ في مَساكنهِمْ... قد نكَّل اللَّه إذ أغواهُمُ رجلُ
يدعَى قدارٌ فلمَّا أن هُمُ عقروا... لربِّهم ناقةً والدِّينَ (٣) ما قبِلوا (٤)
أتاهمُ ربُّهم من حيث ما عمِلوا... يجزيهمُ (٥) فأراهمْ غبَّ ما عملوا
* * *
(٥٢ - ٥٣) - ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾: أي: خاليةً، وقيل: ساقطةً، وهي نصبٌ على القطع لأنه نعتٌ نكرةٌ لاسمٍ معرفةٍ.
﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾: أي: بظلمهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يتأمَّلون فيعرفون فيتَّعظون.
стр. 5644
قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: فميَّزنا بين المحسنين والمسيئين.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾: عطف على ﴿صَالِحًا﴾؛ أي: وأرسلنا لوطًا إلى قومه.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: أي: الفعلةَ القبيحةَ، وهي إتيان الذكران.
﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾؛ أي: ترون قبحها بقلوبكم وهو العلم.
وقيل: يبصر (١) بعضكم بعضًا على ذلك.
وقيل: ﴿تُبْصِرُونَ﴾ آياتي، وتعلمون صدقي، ولا تنتهون بنهيي.
قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾: استفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ، وكذلك الأول وهو قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: أي: ليس ذلك منكم لوجود الشهوة في الرجال وعدَمِها في النساء، بل لفرط جهالتكم تفعلون ذلك.
* * *
(٥٦ - ٥٧) - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: أي: لوطًا ومتَّبِعِيه ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
стр. 5645
وقيل: أرادوا به الاستهزاء؛ كما في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧].
وقيل: أي: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ عند أنفسهم وفي زعمهم.
وقيل: أي: يتنزَّهون عن مثلِ عملنا ويخالفوننا.
قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر بالتخفيف، والباقون بالتشديد (١)، وهما بمعنًى واحدٍ، قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣].
و ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾؛ أي: الباقين في الهلاك.
* * *
(٥٨ - ٥٩) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾: أي حجارةً من سجِّيلٍ من السماء (٢) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: ﴿قُلِ﴾ يا محمدُ: الشكرُ للَّه على إهلاك الأعداء وإنجاء الأولياء.
وقيل: أي: على بيان آيات (٣) الوحدانية وإبطالِ الكُفر والكَفرة.
﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾: أي: الأنبياءِ والمؤمنين.
стр. 5646
وقيل: أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وعلى هذا أمَره بالحمد على إعطاء الرسالة، والسلامِ على الصحابة، ثم علمه محاجة المشركين فقال:
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: استفهامٌ للتقرير؛ أي: آللَّه القادر على الإهلاك والإنجاء وعلى كلِّ شيء خيرٌ، أم الأصنام التي تشركونها باللَّه وهي عاجزة جماد؛ أي: بل (١) اللَّه هو المستحق للعبادة دونها.
* * *
(٦٠) - ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: له وجهان:
أحدهما: ابتداء سؤال على معنى التقرير؛ كما في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ فإنهم إذا سئلوا عن هذا اعترفوا فلزمهم (٢) وجوب العبادة له دون غيره.
والثاني: بإضمار آخر الآية الأولى: أمَا تشركون خير أمَّن خلق السماوات والأرض.
﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾: صرف الكلام عن المغايبة وهو قوله: ﴿وَأَنْزَلَ﴾ إلى الإخبار عن نفسه، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، وهو من أقسام البلاغة.
﴿حَدَائِقَ﴾: بساتين ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾: أي: حُسن وزينة.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾: أي: ليس من صفتكم القدرةُ على إنباتها.
стр. 5647
وقيل: ما يمكنكم أن تنبتوها إلا بالماء، وأنزلنا الماء لقضاء حوائجكم.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا إله مع اللَّه، وهو المنفرد بالألوهية والربوبية وكمال القدرة.
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾: أي: الكفار يميلون عن الحق.
وقيل: أي: يَعدِلون باللَّه غيرَه؛ أي: ينسبون الأصنام به بالإشراك (١).
* * *
(٦١) - ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: مستقرًّا للخلق، وله وجهان كالأول.
﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾: أي: أوساطَها ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت لتسكينها عن الاضطراب ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذبِ والمِلْحِ ﴿حَاجِزًا﴾؛ أي مانعًا عن الاختلاط، وقد فسرناه في سورة الفرقان.
قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفعل كذلك، وهو بمعنى النفي.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الكناية عن قوم النبي ﷺ ، وأقلُّهم علموا وآمنوا، وأكثرهم لم يعلموا بترك التأمُّل في الدلائل فأصرُّوا على الكفر.
* * *
(٦٢) - ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
стр. 5648
قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾: له وجهان أيضًا كما مر.
﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾: أي: ساكنيها بعد ذهاب السَّلَف، وكانوا مُقِرِّين بذلك كلِّه، فكانوا إذا اضطُروا وأصابهم سوءٌ لا يفزعون في إزالة ذلك إلا إليه.
وقال القشيري: الإجابة بالقول وكشف السوء بالطَّول، الإجابة بالكلام والكشف بالإنعام، وما دام العبد يتوهَّم من نفسه شيئًا من الحول والقوة، أو شيئًا (١) [من الأسباب] يعتمد عليه أو يستند إليه، فليس بمضطرٍّ، إلى أن يرى نفسه كالغريق في البحر، والضالةِ في المتاهة، والميتِ في يد الغاسل، لا يرى لنفسه استحقاقًا للإجابة (٢).
قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: فسَّرناه ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: ما يتَّعظون بمواعظ اللَّه.
* * *
(٦٣) - ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾: أي: يرشدكم ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ للطرق إلى المقاصد، وله وجهان كما مر.
ومعناه: هو الذي يهديكم إليها بالنجوم والعلامات المجعولة لها والاستدلال بالدلائل.
قوله: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: بينَّا معناه والقراءةَ فيه في سورة الفرقان.
стр. 5649
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: وهذا ظاهر.
* * *
(٦٤) - ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: كانوا مقرِّين بأن اللَّه تعالى هو الذي يبدأ الخلق، فأما قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فهم وإن جحدوه فهم محجوجون بالنشأة الأولى، فلزمهم الأمران، و ﴿الْخَلْقَ﴾ بمعنى المخلوق، وهو واحدٌ، فلذلك قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي: المطر ﴿وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: من الأرض بالنبات.
قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: فسَّرناه ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: حُجَّتكم على ما تقولون من أن الأصنام شركاءُ للَّه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في هذه الدعوى، فإنا قد أقمنا البرهان على قدرة اللَّه وربوبيته وإلاهيته (١) ووحدانيته.
وقيل: قل لهم إن قالوا: إنه يفعل ذلك معه غيره: هاتوا حجتكم على ذلك، ولا يجدون فيلزمهم الانقياد للحق.
* * *
(٦٥ - ٦٦) - ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾: سأل هؤلاء المشركون رسول اللَّه ﷺ عن القيامة: متى هي؟ فكان يُوْعدهم بذلك، فقال اللَّه
стр. 5650
تعالى له: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: لا تعلم ملائكة السماء ولا الجنُّ والإنس في الأرض غيبًا، وهو مما استأثر اللَّه بعلمه، وهذا من الغيب.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: أي: ما تعلم أهل السماء والأرض ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ متى يحشرون.
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (١): قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿بل أَدْرَكَ عِلْمُهم في الآخرة﴾، والباقون: ﴿ادَّارَكَ﴾ (٢)، ومعناه: تدارَك، وأُدغمت التاء في الدال وسكِّنت فأُدخلت في أولها الألف ليُبتدأ بها (٣).
فمَن قرأ: ﴿أَدْرَكَ﴾ فمعناه عند بعضهم: بَلَغ علمهم في الآخرة؛ أي: خطر على قلوبهم أن البعث كائن ثم الْتبَس وقته.
قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾: أنه يكون أو لا يكون ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾: جاهلون لا يعلمون كونَها ولا يعتقدون ذلك.
وقيل: هذه الصفات الثلاث لفرقٍ ثلاث (٤): منهم فرقة علمت بها، وفرقة شكَّت، وفرقة أنكرت.
ومَن قرأ ﴿ادَّارَكَ﴾ فمعناه: تتابع واجتمع (٥)، ثم له وجوه:
стр. 5651
أحدها: تتابع زعمُهم الذي هو علمٌ عندهم في الآخرة أنها لا تكون، وهذا في ابتداء القول ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾: أنها تكون أو لا تكون، بعد التأمُّل (١) ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾: باقون على الجهالة غيرُ مُمْعِنين (٢) النظرَ حتى يعرفوا كونها.
وقيل: ﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾؛ أي: تتابع علمُ المؤمنين على كونها، ﴿بَلْ هُمْ﴾؛ أي: المنافقون ﴿فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ﴾؛ أي: المشركون ﴿مِنْهَا عَمُونَ﴾.
وقيل: ﴿ادَّارَكَ﴾ ماضٍ بمعنى المستقبل كسائرِ ما ذكر من أحوال القيامة: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠]، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٤٨]، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ [الكهف: ٤٧]، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]؛ أي: يدَّارك (٣) علمُهم في الآخرة، يعني: يتتابع (٤) يومئذ علمهم (٥) ويجتمع على التيقُّن بها وهم في شك وعمًى في الدنيا، وهو كقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨].
وبعضهم قالوا: ألف الاستفهام في أوله مقدَّرة، فتكون بمعنى النفي مع أن ظاهره إثبات، وألفاظ السلف على هذه الأقاويل دالة.
وقال السدي: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (٦)؛ أي: ما عَمِي عليهم من ذلك في الدنيا علِموه في الآخرة (٧).
стр. 5652
وقال مجاهد: يدرك علمهم في الآخرة إذا عاينوها (١).
وفي (٢) رواية: لم يدرك علمهم في الآخرة (٣).
وقال القتبي: ﴿عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾: ظنٌّ ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ يقولون تارةً: يكون، وتارةً: لا يكون (٤).
* * *
(٦٧ - ٧٠) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾: أي: من القبور أحياءً.
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: قبل هذا ﴿إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أكاذيبُ سطرها الأولون.
﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: في البلاد ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: المكذِّبين.
стр. 5653
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ يا محمد أن يهلكوا فإنهم مستحِقُّون لذلك ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾؛ أي: لا يَضيقنَّ عليك أمرُك ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: من مكرهم؛ أي: لا تظنَّ ظفرهم بك، فإن اللَّه ناصرُك ومهلكُهم.
* * *
(٧١ - ٧٣) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: أي: العذاب الموعود ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في إخباركم عنه، يخاطبون به النبيَّ ﷺ وأصحابَه.
﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾؛ أي: دنا منكم، فهو آتيكم من ورائكم، وهذا فعلٌ يُعدَّى باللام وغيرِ اللام، وما رَدِفَ الشيءَ فقد قَرُبَ منه.
﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ من العذاب في الدنيا: الأسرِ والقتل، وقيل: القحط.
وقيل: عذاب القبر وباقيه (١) في الآخرة من عذاب النار.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: على الكفار بتأخير العذاب عنهم، وقيل: ببعث الرسول.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾: لا يؤدون شكر نعمه بالإيمان.
* * *
(٧٤ - ٧٦) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
стр. 5654
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: أي: تُسرُّ (١) وتكتُم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يظهرون بالقول والفعل، فليس تأخيرُ العذاب لخفاءِ ما يُضمرونه ويُظهرونه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾: أي: خصلةٍ غائبةٍ عن رؤيتكم أو علمكم ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: مُثْبتةٌ في اللوح المحفوظ.
وقيل: معلومةٌ عند اللَّه محفوظة.
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: اختلفوا فصاروا أحزابًا، فأُنزل القرآن ببيان ذلك (٢).
واختلفوا أيضًا في النَّسخ، وفي صفة عيسى، وفي تعيين المبشَّرِ به في الكتاب أنه نبيُّ آخِرِ الزمان، وأشياءَ كثيرةٍ.
وإنما قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ لأنَّه بقي اختلافٌ كثير لم يبيِّنه اللَّه تعالى، وإنما بيَّن كثيرًا من ذلك، وهذا تحريكٌ للمشركين على اتِّباع القرآن، فإنه لمَّا كان فيه بيانٌ لأهل الكتاب، وأنتم ترجعون إليهم في كثير من أموركم، فلمَ تركتم أنتم هذا الكتاب وهو منزلٌ على نبيَكم بيانًا لكم؟
* * *
(٧٧ - ٧٩) - ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
﴿وَإِنَّهُ﴾: أي: القرآن ﴿لَهُدًى﴾؛ أي: إرشاد ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بما اتَّبعوه.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ فيما اختلفوا فيه ﴿بِحُكْمِهِ﴾ الحقِّ في الآخرة،
стр. 5655
بمجازاةِ كلِّ أحدٍ على وَفق عمله، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ (١) فلا يُعارَض حكمُه ﴿الْعَلِيمُ﴾ فلا يخفى عليه المطيعُ من العاصي.
وقيل: يقضي بينهم في الدنيا بحكمه فيما حرَّفوه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يردُّ بأسه عمَّن خالف حكمَه ﴿الْعَلِيمُ﴾ فلا يخفَى عليه الصواب.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يا محمد فإنه ناصرُك على مَن خالفك ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾؛ أي: الظاهرِ لمن نظَر إليه بعينِ قلبه.
* * *
(٨٠ - ٨١) - ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: أي: ليس (٢) في طاقتك إدخالُ الإيمان في قلبِ من لا يتدبر القرآن (٣).
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾؛ أي: الذين تصامُّوا (٤) عن سماع الحق وولَّوا عنه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: وقرأ حمزة: ﴿تَهْدي العُمْيَ﴾ خطابًا له بالفعل (٥)، و ﴿والعُمْيَ﴾ نصب لأنه مفعول.
стр. 5656
﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾: أي: ما تُسمع ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: يصدِّق بها ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: منقادون للحق، فالميت هو الكافر، والأصم والأعمى: هو المعرِض عن رؤية الحق وسماعِه.
وليس في وسع النبي ﵇ هدايةُ الكافر، وهو إثبات فعل الاهتداء له، واللَّه تعالى هو معطي الاهتداءِ وموصلُ العبدِ إلى سماع الحق ورؤيته، وإنما يعطيه مَن عَلِم منه اختيارَ الحق، فأما مَن علم منه اختيارَه الباطل فإنه يخذله ويدَعه وما يختاره.
* * *
(٨٢) - ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: وجب العقابُ عليهم ونزولُ العذابِ الموعودِ بهم، ومعناه: قرُب قيامُ الساعة، وظهرت الأيام التي لا يُقبل معها الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾: علَمًا من أعلام الساعة ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾؛ أي: تخبرهم وتقول: ﴿إن الناس﴾ على قراءة الكسر، ومَن فتَح فعلى وقوع الفعل عليه (١).
﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾: أي: الكفار الذين حقَّ عليهم القول كانوا بآياتنا لا يصدِّقون ويشكُّون، فقد أتى ما أزال الشكوك عنهم، وأَشرفوا على العقاب الذي كانوا يُوعدون.
وقال مقاتل: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرض مكة، وهي دابة لها زغبٌ وريشٌ وجَناح (٢).
стр. 5657
وقال قتادة: تخرج من وادٍ من أودية تِهَامة (١).
وقال علي: تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون إليها (٢) فلا يخرج إلا ثلثُها (٣).
وقال مقاتل بن حيان: لا يخرج إلا رأسها، ورأسُها يبلغ عنان السماء (٤).
وقال الحسن: لا يتمُّ خروجها إلا بعد ثلاثة أيام والناس ينظرون، وهي تسير سيرَ الشمس.
وقال السدِّي: ثم تعود إلى ما كانت عليه قبل خروجها.
قال عبد اللَّه بن عمرٍو: لو شئتُ لتنعَّلْتُ بنعلي هذه ثم قصتُ فأَرَيْتُكم الموضعَ الذي تخرج منه الدابة، وهو يومئذ بمكة (٥).
وقيل: تخرج من بين الصفا والمروة.
وقال وهب: تخرج ومعها عصا موسى وخاتمُ سليمان، فتمسح وجه المؤمن
стр. 5658
بعصا موسى فيَبْيضُّ، وتختم بين عيني الكافر بخاتم سليمان فيَسْودُّ وجهه، فلا يبقى إلا مسودُّ الوجه ومبيضُّه (١).
وقال ابن عباس ﵄: تنكُت في وجه المؤمن فيبيضُّ وجهه، وفي وجه الكافر فيسودُّ وجهه (٢).
ولا يكون حينئذ إلا كافر ومؤمن، فيقول المؤمن: يا كافر اقْضِنى حقِّى، ويقول الكافر للمؤمن: يا مؤمن اقض حقِّي (٣).
وقال النبيُّ ﷺ : "لها ثلاث خرجات، تخرج أولًا من أقصى اليمن، فيفشو ذكرُها في أهل البوادي ولا يدخل ذكرُها مكة، ثم تكمُن دهرًا طويلًا (٤) فبينا الناس في أعظم المساجد حرمةً وأكرمها عند اللَّه -يعني: المسجدِ الحرام- فما يَهولُهم إلا
стр. 5659
خروجها من بين الركن الأسود حذاءَ دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فيتفرَّق الناس، فقوم يهربون وقوم يبقون للنظارة. . . " (١).
وقال أبو الجوزاء: سألتُ عبد اللَّه بن عباس ﵄: تكلِّمهم أو تَكْلِمهم؟ فقال: كل ذلك تفعل تكلِّم المؤمن وتَكْلِم الكافر (٢).
وقال كعب: صورتُها صورة الحمار.
وقال وهب (٣): وجهُها وجهُ رجلٍ، وسائرُ خَلْقِها كخَلْقِ الطير، فتُخبر مَن رآها أن أهل مكة كانوا بمحمدٍ والقرآنِ لا يوقنون (٤).
стр. 5660
(٨٣) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾: ثم ذكر قيام الساعة بعد ذكر هذه الأعلام فقال: واذكر يوم نجمعُ من كلِّ أمة من أمم الأنبياء زمرةً ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ المنزلةِ على أنبيائنا (١)، وبالآيات الدالة على وحدانيتنا في الآفاق ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يُحبس أولُهم على آخرهم ليجتمعوا، ثم يساقون إلى موضع الحساب، وهي تقاربُ قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩].
* * *
(٨٤) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾: أي: اجتمعوا وتلاحَقوا ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾؛ أي: قال اللَّه موبخًا: أكذَّبتم بآياتي المنزلةِ على رسلي ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ الألف المذكورة في الأول مقدَّرةٌ في الثاني، منقولةٌ عن الأول معنًى: أكذَّبتم بآياتي ألم (٢) تحيطوا بها علمًا أنها من عندي، وهو كقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، الألف مقدَّرة في الثاني منقولةٌ عن الأول معنًى.
﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: في تكذيب آياتي.
وقيل: معناه: لمَ عملتُم ما عملتُم من الكفر والمعاصي.
стр. 5661
(٨٥ - ٨٦) - ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: حقَّ وعيدُ العذاب عليهم ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أشركوا ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ ولا يؤذَن لهم في التكلُّم بالعذر.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: وهذه الآية ظاهرة بيِّنة (١) لا يتهيَّأ لهم جحدُها والاختلافُ فيها والتكذيبُ بها، فكيف كذبوا بآياتي وهي بهذه الحالة؟
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لمن كان همُّه الإيمان.
وقيل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أي: ألم يعلموا العلمَ والفهمَ (٢) الذي يقوم مقام العِيَان ﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ قِوامًا لمعاشهم في الدنيا ليعلموا أن ذلك لم نجعله (٣) عبثًا بل محنة وابتلاء، ولا بد عند ذلك من ثوابٍ وعقاب، فإذا لم يكن في هذه الدار فلا بدَّ من دارٍ أخرى، وفي ذلك صحة البعث.
* * *
(٨٧) - ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: قيل: النفخةُ الأولى ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ فزعًا يموتون منه؛ كما قال: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨].
стр. 5662
وفي تفسير ابن حبيب: يُنفخ ثلاث نفخات: الأولى نفخةُ الفزع، ثم بعده بأربعين يومًا نفخةُ الصَّعق، ثم نفخة البعث.
وقال: ﴿فَفَزِعَ﴾ بعد قوله: ﴿يُنْفَخُ﴾، والأول مستقبل وهذا ماضي لأن تقديره: فإذا نفخ في الصور.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: هم الشهداء لأنهم أحياءٌ عند ربهم يرزقون.
وقيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.
وقيل: هو إدريس النبيُّ ﵇.
وقيل: هم الحور العين في الجنة، وخزَنتُها وخزنةُ أهل النار في النار.
وقيل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: هو يومُ القيامة، وهي النفخة الثانية، وقوله: ﴿فَفَزِعَ﴾ هو من هيبتهم من أهوالها، كما قال: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ الآية [الحج: ٢] ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هم المؤمنون المطيعون؛ كما قال في آخر هذه السورة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.
وقيل: هم الشهداء.
وفي "تأويلات" الإمام أبي منصور عن النبي ﷺ : "ما أعطي آدميٌّ بعد النبوة أفضلَ من الشهادة، لا يسمع الشهداء الفزعَ يوم القيامة إلا كرجلٍ قال لصاحبه: أتسمع؟ قال: أسمع كتأذين الصلاة" (١).
وقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾: قرأ حمزة وعاصمٌ في رواية حفصٍ مقصورًا على أنه فعل، والباقون ممدودًا على أنه نعتُ الفاعل (٢)، وإنما جمع لأنه أراد به الجمع.
стр. 5663
وقال في ﴿كهيعص﴾: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ [مريم: ٩٥] على الانفراد؛ لأنَّه أراد به: وكلُّ واحدٍ منهم، فإن الكلمة عامةٌ عمومَ الانفراد.
﴿دَاخِرِينَ﴾: أي: صاغرين منقادين، والفعلُ من بابِ صنع.
* * *
(٨٨) - ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾: أي: واقفةً (١) في مرأى العين لكبرها (٢) ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾: تسيرُ سيرها، فقد (٣) قال تعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] وقال تعالى: ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧].
وكلُّ كبير متكاثفٍ إذا تحرَّك لم تتبيَّن حركتُه، قال الشاعر يصف جيشًا:
بأرعَنَ مِثْلِ الطَّودِ تَحْسَبُ أنهم... وقوفٌ لحاجٍ والرِّكاب تُهَمْلِجُ (٤)
وقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي﴾: أي: هذا من صنع اللَّه، وهو ما حدَث بالجبال ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: أي: أحكم.
стр. 5664
يقول: هو اللَّه الذي (١) خلق الأشياء فأَحْكم خَلْقها على ما ينبغي، ويبقيها إلى الوقت الذي شاء ثم يفنيها ويزيلها عن هيأتها، فيفعل في كلِّ حين بكلِّ شيء ما يشاء.
﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾: أي: عالم بما يفعله مَن في السموات ومَن في الأرض.
* * *
(٨٩) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: أي: مَن جاء يوم القيامة بالحسنة، أكثر المفسرين على (٢) أن الحسنة هنا: كلمة الإخلاص، والسيئةَ ضدُّها وهو الشرك؛ لأنَّه قال في حقها: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.
﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾: قال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير: فله منها خير (٣)؛ أي: لا يريد به التفضيل، فلا شيء أفضلُ من الإيمان، لكن المراد به: له منها (٤) نفعٌ وخير؛ أي: ثوابٌ وكرامة، بخلافِ قوله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [القصص: ٨٤]، هناك معناه: فله أفضل منها؛ أي: التضعيفُ بالعشر والزيادة؛ كما قال: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقيل: الحسنة عامة الحسنات، ورأسها كلمةُ الإخلاص؛ أي: مَن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة فله من ثواب اللَّه أفضل من عمله، فإن الثواب فعلُ اللَّه، والإيمانَ والعملَ الصالح فعلُ العبد، وهو سبحانه يُثيب العبد بأفضل من عمله تفضُّلًا منه.
стр. 5665
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾ بالتنوين ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بفتح الميم، وقرأ الباقون بغيرِ التنوين وخفضِ الميم على الإضافة (١).
وهذا الوعدُ في حقِّ المؤمن المطيع على الإطلاق، وفي حقِّ المؤمن العاصي: هو الأمن من الفزع الأكبر، وهو نداء القطيعة والإخبارُ بالتخليد في النار.
* * *
(٩٠ - ٩١) - ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: أي: بالشرك ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨].
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: تقول لهم الملائكة يومئذ هذا.
وقيل: هو خطاب اللَّه لهم في الدنيا؛ أي: هل تُجزون يومئذ إلا على وَفق عملكم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾: أي: قل يا محمد: إنما أمرني اللَّه ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾؛ أي: مالكَ هذه البلدة، وهي مكةُ التي بها تفخَر العرب على سائر الناس، وبها يسمَّون أهلَ اللَّه وسكانَ بيته، فأنتم أولى بموافقته على ذلك.
وقوله: ﴿الَّذِي﴾: صفة الرب ﴿حَرَّمَهَا﴾: جعل لها حرمةً ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾: هو مالك كلِّ شيء غيرِ البلدة، فإنه مالك الدنيا والآخرة وربُّ العالمين.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المنقادين له والمتديِّنين بدينه الحقِّ.
стр. 5666
(٩٢ - ٩٣) - ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾: لأعرفَ الحلالَ والحرام، وسائرَ الأحكام، وما يقتضيه الإسلام، وأعرِّفَكم ذلك.
﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾: إلى الحق ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: فله نفعُه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الحق ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾: ما عندي إلا النذارةُ (١)، وليس لي إكراهُه على الحق وإجباره.
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: على هدايتنا ونصبِ الدلالات على الحقِّ في حقِّ الكل ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ في المستقبل مع ما أراكم (٢) منها في الماضي.
وقيل: هي الآيات التي هي أشراط الساعة.
وقيل: أي: سيُريكم أعلامَه الدالةَ على سخطه عليكم ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ وتعلمون صدقي فيما كنت أَعِدُكم منها.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٣): قرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء المغايبة، والباقون بتاء المخاطبة (٤)، وهي لأهل مكة.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
* * *
стр. 5667
سورة القصص
стр. 5668
سورة القصص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي منَّ على الذين استُضعفوا في الأرض فجعلهم أئمَّة، الرحمنِ الذي جعل للعرب حرمًا آمنًا يُجبى إليه ثمراتُ كلِّ شيء تفضُّلًا (١) منه ونعمَة، الرحيمِ الذي ابتَعث محمدًا ﷺ بالرسالة وما كان يرجو أن يُلقى إليه الكتاب إلا رحمة.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ (طسم القصص) كان له من الأجر عشرُ حسنات بعدَدِ مَن صدق بموسى وكذَّب به، ولا يبقى ملَك في السماوات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقًا بأن كلَّ شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون" (٢).
وسورة القصص مكية إلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] الآيات فإنها جُحْفيَّة ليست بمكيةٍ ولا مدنية (٣).
стр. 5669
وهي ثمانٍ وثمانون آيةً، وألفٌ وأربعُ مئة وثلاثون كلمة (١)، وخمسة آلاف وثماني مئة حرف.
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه بيَّن في آخر تلك السورة استحقاقَه الحمدَ بالقدرة والعلم، وأثنى على نفسه في أول هذه السورة بالطَّول والسَّناء (٢) والملك.
وانتظامُ السورتين: أنهما جميعًا في الاحتجاج على المشركين، والوعظِ لهم، وبيانِ وحدانية اللَّه تعالى (٣)، وحُسن العاقبة للمؤمنين، ووقوعِ الهلاك بالكافرين وإيضاحِ ذلك بقصص الماضين.
ثم هذه السورةُ فيها قصصُ موسى وفرعون وقارون.
ومعنى وصله قصةَ قارون بقصة موسى: أنه مع قُرب قرابته بموسى لمَّا بغَى
стр. 5670
عليه انتقم اللَّه منه، فكذا العربُ مع قرب قرابتهم من رسول اللَّه ﷺ إذا (١) كذَّبوه وآذَوه استحَقُّوا ذلك.
وقيل: مدارُ هذه السورة على الحثِّ والإصلاح في الأرض وتركِ العلوِّ والفساد فيها، فإنه قال في أولها: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقال في آخرها: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾.
* * *
(١ - ٣) - ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿طسم﴾ فسَّرناه ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ كذلك.
﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾: أي: يقرأ عليك جبريل بأمرنا ووحينا ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾؛ أي: من خبرهما، و ﴿مِن﴾ للتبعيض، فإن المذكور هاهنا بعضُ خبرهما.
﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بالصدق.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: من أجلهم؛ ليَعْلموه وينتفِعوا به.
وقيل: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لقوم همَّتُهم الإيمانُ والتصديق بما يتَّضح بيانه ليتدبَّروه فيعلموه.
وعلى الأول بشارةٌ وتعرفةٌ (٢) للَّذين قد آمنوا إذا تأمَّلوا في هذه القصة، وعلى الثاني تنبيه للَّذين همتُهم ذلك في المستقبل لتتَّضح لهم الحجة.
стр. 5671
(٤) - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا ابتداء القصة؛ أي: إن فرعون علا في زمانه في أرض مصر لأن ملكه لم يَعْدُ مصر؛ أي: ارتفع وغلب مَن تحتَ يده بكثرة أمواله وأتباعه.
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾: أي: فرقًا.
﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾: أي: يستذل، ومضمونه ويكرم طائفةً منهم (١).
﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾: أي: الصغارَ من الذكور.
﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: أي: يستبقي الصغائرَ من إناثهم، وقيل: أي: يسترقُّ.
وقيل: أي: يأمر بتفتيش حياء النساء -أي: فروجِهن-: هل بهن ولد.
وقد أوضحنا الكلمتين (٢) في سورة البقرة.
وقيل: (يُذبِّح وَيستحيي) تفسيرُ الاستضعاف، فليس بينهما حرفُ عطف.
وقيل: بل الاستضعاف: الاستعبادُ والاستسخارُ والاستعمالُ في الأعمال الشاقَّة القذرة (٣)، وهو في حقِّ كلِّ بني إسرائيل منه، و (يُذبِّح ويَستحيي) فعلان آخران منه بالصِّغار والصَّغائر (٤) منهم.
وقيل: ﴿طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ هم كلُّ بني إسرائيل، والطائفةُ الأخرى هم القِبْط، وكان الإكرام لهم.
стр. 5672
وقيل: بل الطائفتان من بني إسرائيل.
قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: في الأرض: بإظهار الكفر والمعاصي، واستعبادِ الأحرار، وقتل الأبناء والتسخير (١).
* * *
(٥) - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: كان فرعون يفعل بهم ذلك ونحن نريد أن نتفضَّل (٢) على بني إسرائيل الذين استُضعفوا (٣) في الأرض؛ أي: في بلاد مصر.
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾: أي: قادةً في الخير، ودعاةً إلى الدِّين يُقتدَى بهم.
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: ونُوْرِثهم أرض مصر، وقد قال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩].
* * *
(٦) - ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ونجعلهم مقتدِرين على الأرض وعلى أهلها حتى يستولوا عليها، وهي أرض الشام.
стр. 5673
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾: أي: يخافونه من بني إسرائيل من سلْبهم مُلكَهم واستيلائهم على بلادهم على ما قال كهنتُهم ومنجِّموهم أنه يصير كذلك، حتى دعاهم ذلك إلى قتل أبنائهم واستحياء نسائهم (١) على ما مر بيانه في سورة البقرة وسورة الأعراف.
* * *
(٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾: قيل: كان اسمها نوخابد (٢) بنت لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇.
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾: أي: ألهمناها وقذفنا في قلبها، وهو قول الحسن وقتادة ﵏، وليس هذا وحي رسالةٍ (٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويجوز أن يكون برسالةِ رسولٍ إليها أخبرها به ولا تكون هي رسولًا؛ كإرسال جبريل إلى مريم ولم تَصِرْ مريم بذلك رسولًا (٤).
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾: أي: اسقيه اللبن.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾: أن يُعلَمَ به فيقتلَ ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: فاطرحيه في
стр. 5674
النيل، وهو بحر مصر، وبيَّن كيفيةَ الإلقاء في سورة طه، وهو قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩] (١).
﴿وَلَا تَخَافِي﴾ عليه الضيعة والهلكة (٢) ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾: ولا تهتمِّي لفراقه.
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: فإني أردُّه إليك سالمًا وأبلِّغه مبلغًا يصلح للرسالة، فأجعلُه رسولًا إلى فرعون وقومه فيكون رئيسًا عليهم، وإن لم ينقادوا له أهلكتُهم.
وبيَّن الزيادة عليه في تلك السورة: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩].
* * *
(٨) - ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾: وهاهنا مضمَر: فأرضعَتْه وخافت عليه فألقَتْه في اليم ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: أخذوه وقد وجدوه من غيرِ طلبٍ، هو معنى الالتقاط، وكذلك أخذُ اللُّقَطة واللقيط.
﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾: قال الكوفيون: هي لام (كي)، وقال البصريون: هي لام الصيرورة، وقيل: لام العاقبة؛ أي: صاروا في العاقبة كذلك، وحقيقته كان في علم اللَّه ذلك، فالتقطوه فكان ﴿لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، ﴿عَدُوًّا﴾ لمخالفتهم في الدين ﴿وَحَزَنًا﴾ لِمَا يجري من المكاره بسببه عليهم أجمعين، وهو كما يقال:
стр. 5675
لدُوا للموت وابنُوا للخراب (١)
قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾: أي: آثمين بالكفر والمعاصي، فعوقبوا على ذلك بما جرى (٢) عليهم بسببه.
قال وهب: لمَّا حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها جميعَ الناس ولم يطَّلع على حملها أحد، وكان فرعون بعث القوابل يفتِّشن النساء، ولم تنتفخ بطن أم موسى ولم يتغيَّر لونها، وكنَّ لا يعترضن لها، فولدته ليلًا ولا رقيب عليها، فلم يطَّلع عليها أحد إلا ابنتُها مريم، وكاما أسنَّ من هارون، وهارونُ أكبر من موسى بثلاث سنين، وكاما مريم تحت كالب بن يوقنا، وأوحى اللَّه إليها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية. فكتمَتْه أمُّه ثلاثة أشهر ترضعه في حِجرها لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت على نفسها وعليه (٣) عملت له تابوتًا على عمل سفن البحر خمسةَ أشبار في خمسةِ أشبار، فأقبل التابوت يطفو على الماء، فألقى البحرُ التابوت في الساحل في جوف الليل، فلما أصبح فرعون وجلس في مجلسه على شاطئ النيل فبصر بالتابوت، فقال لمن حوله من خدمه: ائتوني بهذا التابوت، فأتوه به.
وقال مقاتل: كانت أمُّه تَتْبع التابوت وترمقه ببصرها وتخاف عليه الغرقَ، وكان