(٤) - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا ابتداء القصة؛ أي: إن فرعون علا في زمانه في أرض مصر لأن ملكه لم يَعْدُ مصر؛ أي: ارتفع وغلب مَن تحتَ يده بكثرة أمواله وأتباعه.
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾: أي: فرقًا.
﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾: أي: يستذل، ومضمونه ويكرم طائفةً منهم (١).
﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾: أي: الصغارَ من الذكور.
﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: أي: يستبقي الصغائرَ من إناثهم، وقيل: أي: يسترقُّ.
وقيل: أي: يأمر بتفتيش حياء النساء -أي: فروجِهن-: هل بهن ولد.
وقد أوضحنا الكلمتين (٢) في سورة البقرة.
وقيل: (يُذبِّح وَيستحيي) تفسيرُ الاستضعاف، فليس بينهما حرفُ عطف.
وقيل: بل الاستضعاف: الاستعبادُ والاستسخارُ والاستعمالُ في الأعمال الشاقَّة القذرة (٣)، وهو في حقِّ كلِّ بني إسرائيل منه، و (يُذبِّح ويَستحيي) فعلان آخران منه بالصِّغار والصَّغائر (٤) منهم.
وقيل: ﴿طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ هم كلُّ بني إسرائيل، والطائفةُ الأخرى هم القِبْط، وكان الإكرام لهم.
стр. 5672
وقيل: بل الطائفتان من بني إسرائيل.
قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: في الأرض: بإظهار الكفر والمعاصي، واستعبادِ الأحرار، وقتل الأبناء والتسخير (١).
* * *
(٥) - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: كان فرعون يفعل بهم ذلك ونحن نريد أن نتفضَّل (٢) على بني إسرائيل الذين استُضعفوا (٣) في الأرض؛ أي: في بلاد مصر.
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾: أي: قادةً في الخير، ودعاةً إلى الدِّين يُقتدَى بهم.
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: ونُوْرِثهم أرض مصر، وقد قال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩].
* * *
(٦) - ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ونجعلهم مقتدِرين على الأرض وعلى أهلها حتى يستولوا عليها، وهي أرض الشام.
стр. 5673
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾: أي: يخافونه من بني إسرائيل من سلْبهم مُلكَهم واستيلائهم على بلادهم على ما قال كهنتُهم ومنجِّموهم أنه يصير كذلك، حتى دعاهم ذلك إلى قتل أبنائهم واستحياء نسائهم (١) على ما مر بيانه في سورة البقرة وسورة الأعراف.
* * *
(٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾: قيل: كان اسمها نوخابد (٢) بنت لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇.
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾: أي: ألهمناها وقذفنا في قلبها، وهو قول الحسن وقتادة ﵏، وليس هذا وحي رسالةٍ (٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويجوز أن يكون برسالةِ رسولٍ إليها أخبرها به ولا تكون هي رسولًا؛ كإرسال جبريل إلى مريم ولم تَصِرْ مريم بذلك رسولًا (٤).
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾: أي: اسقيه اللبن.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾: أن يُعلَمَ به فيقتلَ ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: فاطرحيه في
стр. 5674
النيل، وهو بحر مصر، وبيَّن كيفيةَ الإلقاء في سورة طه، وهو قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩] (١).
﴿وَلَا تَخَافِي﴾ عليه الضيعة والهلكة (٢) ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾: ولا تهتمِّي لفراقه.
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: فإني أردُّه إليك سالمًا وأبلِّغه مبلغًا يصلح للرسالة، فأجعلُه رسولًا إلى فرعون وقومه فيكون رئيسًا عليهم، وإن لم ينقادوا له أهلكتُهم.
وبيَّن الزيادة عليه في تلك السورة: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩].
* * *
(٨) - ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾: وهاهنا مضمَر: فأرضعَتْه وخافت عليه فألقَتْه في اليم ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: أخذوه وقد وجدوه من غيرِ طلبٍ، هو معنى الالتقاط، وكذلك أخذُ اللُّقَطة واللقيط.
﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾: قال الكوفيون: هي لام (كي)، وقال البصريون: هي لام الصيرورة، وقيل: لام العاقبة؛ أي: صاروا في العاقبة كذلك، وحقيقته كان في علم اللَّه ذلك، فالتقطوه فكان ﴿لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، ﴿عَدُوًّا﴾ لمخالفتهم في الدين ﴿وَحَزَنًا﴾ لِمَا يجري من المكاره بسببه عليهم أجمعين، وهو كما يقال:
стр. 5675
لدُوا للموت وابنُوا للخراب (١)
قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾: أي: آثمين بالكفر والمعاصي، فعوقبوا على ذلك بما جرى (٢) عليهم بسببه.
قال وهب: لمَّا حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها جميعَ الناس ولم يطَّلع على حملها أحد، وكان فرعون بعث القوابل يفتِّشن النساء، ولم تنتفخ بطن أم موسى ولم يتغيَّر لونها، وكنَّ لا يعترضن لها، فولدته ليلًا ولا رقيب عليها، فلم يطَّلع عليها أحد إلا ابنتُها مريم، وكاما أسنَّ من هارون، وهارونُ أكبر من موسى بثلاث سنين، وكاما مريم تحت كالب بن يوقنا، وأوحى اللَّه إليها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية. فكتمَتْه أمُّه ثلاثة أشهر ترضعه في حِجرها لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت على نفسها وعليه (٣) عملت له تابوتًا على عمل سفن البحر خمسةَ أشبار في خمسةِ أشبار، فأقبل التابوت يطفو على الماء، فألقى البحرُ التابوت في الساحل في جوف الليل، فلما أصبح فرعون وجلس في مجلسه على شاطئ النيل فبصر بالتابوت، فقال لمن حوله من خدمه: ائتوني بهذا التابوت، فأتوه به.
وقال مقاتل: كانت أمُّه تَتْبع التابوت وترمقه ببصرها وتخاف عليه الغرقَ، وكان
стр. 5676
الماء يرفعه مرةً وَيخفضه أخرى (١)، وإن جواريَ فرعون خرجن يستقين من النهر فرأين تابوتًا يجري به (٢) الماء فأخذنه.
وقال كعب: كان فرعون وامرأتُه قاعدَيْن على شطِّ بِرْكته (٣) فإذا هما بالتابوت، فأمر بأخذه، ففتح رأسه فإذا هما بغلام كأحسن ما يكون وأتمِّه، فلما رأياه لم تتمالك آسية حبًّا له.
وقال وهب: لمَّا نظر إليه فرعون قال: عبرانيٌّ من الأعداء، وغاظه ذلك وقال: كيف أخطأ هذا الغلامُ الذبح، وكانت امرأته آسيةُ بنتُ مزاحم من بني إسرائيل، وهي من خيار النساء ومن بنات الأنبياء، وكانت أمًّا للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم، فقالت لفرعون: إن هذا الولد أكبر من ابن سنة، وإنما أمرت بذبح الولدان في هذه السنة، فدَعْه يكون قرةَ عينٍ لي ولك، فذلك قوله تعالى:
* * *
(٩) - ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾: أي: هو قرةُ عين لي ولك، رقَّ قلبها له، ولعلها رأت من فرعون ما وقع عندها أن قلبه صار كذلك فقالت ذلك؛ أي: نرجو أن يكون لنا كالولد تقرُّ به أعينُنا.
﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾: أي: لا تذبحوه كما تذبحون أبناء بني إسرائيل ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ كما ينفعُ الخادم ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾؛ أي: نتبنَّاه، ولم يكن لفرعون ابن.
стр. 5677
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ما ينالُهم من المكروه من جهة موسى.
وقيل: لا يشعرون بكرامته على اللَّه.
وقيل: وهم لا يشعرون أنه من بني إسرائيل، فقد قالت آسية: إنما جاء التابوت من غير مصر، فليس هو من بني إسرائيل.
وقيل: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: بنو إسرائيل لا يعلمون أن آل فرعون التقطوه.
وقيل: هو تمام (١) كلام آسية؛ أي: نتخذه ولدًا والناسُ لا يشعرون أنه ملتقَط، بل يظنون أنه مولودنا.
قال وهب: فومِقَه (٢) فرعون واستَحْياه، وألقى اللَّه عليه محبته ورأفته، وقال لآسية: عسى أن ينفعك، وأما أنا فلا أريد نَفْعه.
قال ابن عباس: لو أن فرعون قال في موسى كما قالت آسية لنفعه اللَّه به، ولكنه أبى ذلك للشقاء الذي كتبه اللَّه عليه (٣).
* * *
(١٠) - ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾: قيل: خاليًا عن الصبر؛ كما قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣].
стр. 5678
وقيل: فارغًا عن كلِّ شيء إلا همَّ موسى.
وقيل: فرغ قلبُها حين علمت أنه حيٌّ في يد آل فرعون لا يقتلونه.
قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: أي: ما كادت إلا تُبدي به؛ أي: قرُبتْ أن تُظهر ذلك، و (تُبدي به) بمعنى: تُبديه؛ كما قال: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]؛ أي: المودةَ، والباءُ صلةٌ زائدة.
وقيل: أي: لتُبدي (١) القولَ به؛ أي: عجزت عن الاحتمال وقاربت من الإظهار.
وقيل: لفراغ قلبها وزوالِ خوفها أرادت أن تُظهر.
وقيل: ﴿فَارِغًا﴾ بوعدِ اللَّه، وهو قوله (٢): ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، وكادت تبدي هذه البشارة.
وقيل: كادت تُبدي أنه ابنها حين أَخذ بثَدْيها.
﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾: أي: شدَدْنا قلبَها وثبَّتْناه بالصبر، وحفظناها عن الإظهار، وفيه دليلُ خلقِ اللَّهِ أفعالَ العباد.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: المصدِّقين بوعدنا.
* * *
(١١) - ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَقَالَتْ﴾: أي: أمُّ موسى ﴿لِأُخْتِهِ﴾؛ أي: لأخت موسى وهي مريم، وقيل: كلثم.
стр. 5679
﴿قُصِّيهِ﴾: أي: اتَّبعي أثره وامشي خلف التابوت على الشط.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾: أي: رأته ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾؛ أي: بُعْدٍ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: آلُ فرعون لا يعلمون أن أختَه تَقصُّه.
وقيل: رأوها ولم يعلموا أنها أختُه وأنها تتعرَّف أمره.
وقال وهب: لمَّا سمعت بأن آل فرعون التقطوا التابوت قالت لأخته: ﴿قُصِّيهِ﴾: تنكري واذهبي مع الناس فانظري ماذا يفعلون به، فخرجت تقصُّه ودخلت مع القوابل على آسية، فلما رأت وَجْدَهم بموسى وحبَّهم إياه ورقَّتَهم عليه، وقد دعَوا بالمراضع، وكان لا يقبل الرضاع ولا يسكت بكاهُ ولا ينام، حتى شقَّ ذلك على فرعون وأحزنه، وذلك بسبب ما أراد اللَّه تعالى بموسى وذلك قوله تعالى:
* * *
(١٢) - ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾: أي: منعناه من أن يَرضع، وليس هو تحريمَ نهي وتكليفٍ، و ﴿الْمَرَاضِعَ﴾ يصلح جمعَ مرضعةٍ ومُرضعٍ بضم الميم: وهي المرأة، ويحتمِل أن يكون جمعَ مَرْضَعٍ بفتح الميم وهو الثديُ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلِ أن تأتيَه أمُّه.
وقيل: قبل حضور أخته.
وقيل: أي: قبل وجوده بالقضاء (١) السابق.
стр. 5680
﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾: أي: هل لكم حاجةٌ إلى أن أُرشِدَكم إلى أهل بيتٍ يكفُلون بموسى يضمنون (١) إمساكَه ويضمُّونه إلى أنفسهم للتربية والإرضاع.
﴿لَكُمْ﴾: أي من أجلكم وبسببكم ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾؛ أي: للصبيِّ ناصحون لا يمنعونه ما ينفعُه في تربيته وغذائه لا يخونونكم فيه.
وقال وهب: قالت لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾؛ أي: ينصحون الملك في كفالته ويحرصون على مسرَّته؟ قالت لها آسية: نعم، قالت: إن حنَّةَ امرأةَ عمران قد ولدت غلامًا وأمر الملكُ بذبحه، وهي غزيرة اللبن طيبةُ النفس بأنْ تُرضع لكم هذا الغلامَ لحزنها على ابنها، فدلَّتهم على أم موسى، فبعث إليها فرعون، فلما دخلت عليه ناولها الابنَ فسكن بكاؤه، فلما وضعته في حِجرها ووجد ريحها الْتَقف ثديَها فرضع حتى رَوِي ونام، فمكث موسى عند أمه بعدما كفَلَتْه حتى فطمَتْه ثم ردَّته إليه.
* * *
(١٣) - ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾: فالمحبُّ لا تَقَرُّ عينه إلا بلقاء المحبوب ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ بفراقه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ عِلْمَ عِيَانٍ، فقد كانت علمَتْ ذلك علمَ خبر، وهو ما قال لها: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: الكفار يتوهَّمون خُلفَ الوعد.
стр. 5681
وقال وهب: وكان من لُطف اللَّه أن عطَّف اللَّه فرعون على موسى، فنشأ (١) موسى في حجر فرعون وآسية يربِّيانه بأيديهما (٢) وقد اتَّخذاه ولدًا فأكرماه ونعَّماه، فبينا هو يلعب بين يدي فرعون يومًا وبيده قضيبٌ خفيف صغير يلعب به، إذ رفع القضيب فضرب رأس فرعون، فغضب فرعون وتطيَّر من ضربه، وقال لامرأته: ألَا تَرَيْن إلى هذا الغلام كيف تناولني بالقضيب، وقد كنتُ قلتُ لكم: إنه من الأعداء، فأراد قتله، فقالت امرأة فرعون: أيها الملك، لا تغضب ولا يشقَّنَّ عليك هذا، فإنه صبيٌّ صغير لا يَعقل شيئًا، وليس (٣) ينبغي لملكٍ أن يغضب من مثل هذا، فجربه إن شئت فاجعل في هذا الطست جمرةً وذهبًا فانظر إلى أيهما يقبض، فأمر فرعون بجمرةٍ وذهبٍ فوضعهما في طستٍ بين يدي موسى، فلما مد موسى يده ليقبض على الذهب قبض الملك الموكَّل به على يده فردها إلى الجمرة، فقبض عليها موسى فألقاها في فيه ثم قذفها حين وجد حرارتها، فقالت آسية لفرعون لعنه اللَّه: ألم أقل لك إنه لا يعقل شيئًا؟ فكف عنه فرعون وصدَّقها وترك قتله، فيقال: إن العقدة التي كانت في لسانه أثر تلك الجمرة (٤)، وهي التي قال موسى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧].
* * *
стр. 5682
(١٤) - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: أي: شدةَ بدنه وقوَّته ﴿وَاسْتَوَى﴾؛ أي: تناهى شبابه وتم خلقه.
وقيل: الأشُدُّ: جمع شَدٍّ بالفتح، كالبَحْر والأَبْحُر.
وقيل: شُدٍّ بالضم؛ كالنُّعْم والأَنْعُم.
وقيل: جمعُ شدَّة بالخفض (١) كالنِّعمة والأَنْعُم.
وقيل: لا واحدَ له من لفظه استعمالًا.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾؛ أي: بلغ مبلغ الرجال (٢).
وقيل: هو اثنتا عشرةَ سنةً، وقيل: ثماني عشرةَ سنةً.
وقال قتادة: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: ثلاثًا وثلاثين سنة ﴿وَاسْتَوَى﴾؛ أي: بلغ أربعين سنة (٣).
وقيل: بلوغُ الأشُدِّ من ثماني عشرةَ إلى الثلاثين، ثم منها إلى الأربعين الاستواءُ.
وقالوا: خرج موسى من مصر إلى مدين وهو ابن اثنتي عشرةَ سنة، وكان عند شعيبٍ ثماني وعشرين سنة، وخرج بأهله إلى مصر وهو ابنُ أربعين سنة حين أوحى اللَّه إليه وقد رأى النار من جانب الطور.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: قال محمد بن إسحاق: فقهًا في دينه وعلمًا بشرائع دينه،
стр. 5683
فكانت له من بني إسرائيل شيعةٌ (١) يستمعون منه ويقتدون به ويطيعونه، فلما عرف ذلك رأى أن مفارقة فرعون وقومِه حقٌّ عليه في دينه، فتكلَّم وعابهم على ذلك حتى ذكر ذلك (٢) منه، فأخافوه وخاف حتى كان لا يدخل مدينة فرعون إلا خائفًا مستخفيًا (٣).
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: وكذلك نجزي من الأنبياء كلَّ مَن أحسنَ عمله لنا وصبر على طاعتنا؛ كما فعل موسى من مفارقتهم وعَيبِ آلهتهم، لما (٤) فعل ذلك فآتيناه ما آتيناه جزاء له على إحسانه.
* * *
(١٥) - ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾: أي: ودخل موسى مدينة فرعون ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال أكثر المفسرين: نصفُ النهار، ووقتُ القائلة وخلوِّ الطريق.
وقيل: بين المغرب والعشاء.
وقيل: كان يومَ عيد لهم وقد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم.
قوله: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾: يعني: يتشاجران ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛ أي:
стр. 5684
أحدهما من شيعة موسى؛ أي: مشايعيهِ، وهم بنو إسرائيل ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾؛ أي: والآخر من أعدائه، وهم قوم فرعون.
قال مجاهد: هذا سِبْطيٌّ وهذا قِبْطيٌّ (١).
وقال ابن إسحاق: هذا مسلم وهذا كافر (٢).
قيل: كان القِبْطيُّ قد تسخَّر الإسرائيليَّ.
وقيل: كانا كافرين، ولكن أحدُهما إسرائيليٌّ وكان من شيعة موسى بذلك لا بالدِّين، قاله قتادة (٣).
وقيل: ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾: يختصمان في الدِّين، أحدهما إسرائيليٌّ وكان من شيعة موسى يَدِين بدين التوحيد (٤) والنبوة، والثاني لا يدين بهما.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾: أي: سأله الإسرائيليُّ أن يُغيثه (٥) بالخلاص من يد القبطيِّ.
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾: أي: وكزه موسى في صدره بجُمْعِ كفِّه وهو غيرُ عامدٍ لقتله ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: أي: فقتله وفرغ منه.
﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾: أي: قال موسى: إنما أغواني (٦) بهذا الفعل الشيطانُ وهيَّج غضبي حتى ضربتُ هذا.
стр. 5685
﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾: أي: إن هذا الشيطان عدوٌّ ﴿مُضِلٌّ﴾: قاصدٌ إلى الإضلال والإفساد ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهر، ثم استغفر منه فقال:
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بفعل صار قتلًا ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ زلَّتي، فاستجاب له ربه ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ زلته ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالمغفرة ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾: معينًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ المذنبين (١)، وإذا لم يكن مُعينًا للمذنب لا يذنب بنفسه.
وقيل: أي: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ من القوة، وكان له قوة أربعين رجلًا، قال: لا أصرف هذه القوة إلى عون المجرمين.
وقيل: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ من كلِّ النعم، وقلتَ: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] فشكري لك أن لا أُعِين المجرمين.
وقيل: أراد به: أني لا أُعِين بعد هذا إسرائيليًّا أيضًا، وكانوا يومئذ كفارًا، ومعنى ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛ أي: نسبًا لا دينًا، وهو قول قتادة كما مر.
وقوله (٢): ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ قيل: هو باء سببٍ، وقيل: هو باء قسم.
стр. 5686
وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ قيل: هو وعدٌ من نفسه (١)، وقيل: هو دعاءٌ وسؤال من ربه (٢).
﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: للمشركين، وقيل: هو عام في كل الظالمين.
* * *
(١٨) - ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾: على نفسه من أن يُعلم بما جرى على يديه.
стр. 5687
﴿يَتَرَقَّبُ﴾: أي: ينتظر (١) ويتوقَّع مكروهًا يقع به.
وقيل: ينظر هل عَلِم به أحد.
﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾: أي: ذلك الإسرائيلي ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾؛ أي: يستغيثه على قبطيٍّ آخر يشاجره (٢).
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾: أي: ضالٌّ عن الرشد ظاهرُ الغيِّ، تُبِين عن نفسك، فقد قاتلت بالأمس رجلًا منهم فتفعل اليوم كذلك، وأوقَعْتَني أنت فيما أوقَعْتَني، وهذا لا يفعله رشيد في تدبيره؛ لأنك بذلك (٣) تستدعي البلاء إلى نفسك وإلى مَن يريد نصرتك.
* * *
(١٩) - ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾: أي: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ﴾ موسى ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ بالقبطيِّ الذي هو عدوٌّ لموسى وللإسرائيلي، فوثب (٤) عليه ليمنعه من أخذ الإسرائيلي وتسخيره.
﴿قَالَ يَامُوسَى﴾: أي: قال الإسرائيلي: ﴿يَامُوسَى﴾ (٥)، وتوهَّم أنه إنما أراد أخذه
стр. 5688
لا أخذَ القبطي؛ إذ قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، ورأى ندمه على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، ثم [لمَّا] (١) رآه قصد نحوه ونحو صاحبه ظنَّ أنه إنما يقصده.
قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾: أي: القبطيَّ ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ما تريد إلا أن تكون قتَّالًا، وقيل: متجبِّرًا.
﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ في الأرض.
وقيل: أي (٢): مَن أصلح بين متشاجرَين فإنما يدفع أحدهما عن الآخر، لا أن يقتل أحدهما.
وكان أمر قتل القبطي بالأمس قد شاع لكن خفيَ قاتلُه، فلما سمع القبطي في اليوم الثاني ذلك من السِّبطي لموسى ﵇ [علم] (٣) أن موسى هو قاتل القبطي بالأمس، فذهب فأخبر فرعون وطلبوه ليقتلوه، وهذا عن ابن عباس ﵄ وجماعة (٤).
وقال الحسن: قوله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ قولُ القبطي (٥).
* * *
стр. 5689
(٢٠) - ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين﴾.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾: قال محمد بن إسحاق: هو حزقيل بن سورا (١) ابن عم فرعون، وهو مؤمن (٢) آل فرعون.
﴿يَسْعَى﴾: أي: يسرع ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾: أي: أشرافَ القوم ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾؛ أي: يتشاورون ويرتؤون (٣) فيك ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ بالقبطي الذي قتلتَه ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
* * *
(٢١) - ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾: أي خائفًا (٤) على نفسه منهم، وقال ابن عباس ﵄: أي: خائفًا أن يضلَّ (٥) الطريق (٦).
стр. 5690
﴿يَتَرَقَّبُ﴾: أي: ينتظرُ هل يلحقُه طلب فيؤخَذَ؟
ثم التجأ إلى اللَّه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: احفَظْني فلا يَلحقَني الطلب، فإنهم ظالمون بقتلي.
وقال الإمام أبو منصور: دل هذا على صحة قول أبي حنيفة ﵀: أن القتل بالمثقَّل لا يوجِب القِصاص، فإن موسى جعلهم ظالمين بطلب القصاص بقتله بالوكزة، والوكزة من موسى -وله قوة أربعين رجلًا- كانت مفضيةً إلى القتل ولم تكن موجبة للقصاص، حتى عدَّه موسى ﵇ ظلمًا (١).
وفي "تفسير مالك بن سليمان الهروي" (٢): أن الرجلين المقتتِلَين (٣) كان أحدهما السامريَّ واسمُه ميحا (٤)، والآخرُ طباخَ فرعون واسمه فليتون (٥)، فسخَّر السامريَّ بحمل الحطب إلى المطبخ، وكذلك قال وهب في "المبتدأ"؛ قال: فخرج (٦) موسى من مصر لا يدري إلى أي وجه يسلك ﴿خَائِفًا﴾ ليس معه زاد ولا حمولة ولا صاحبٌ (٧) متوجِّهًا تلقاء مدين، وهو قوله تعالى:
* * *
стр. 5691
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: أي: أرجو أن يرشدني إلى وسط الطريق، فسار موسى من مصر إلى مدينَ ثماني (١) ليالٍ وقد تفطَّرت قدماه دمًا وقَرِحَ شِدْقاه من أكل ورق الشجر.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾: قيل: كان قصدُه مدين وهو لا يعرف جهتها، فتوجَّه وجهًا على رجاء أن يصل إليها.
وقيل: لم يقصد مدين، لكن أخذ طريقًا يرجو أن تؤديه إلى مأمنٍ.
ولما وصل إلى ماء مدين وهو بئرٌ لهم ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾: أي: جماعةً يسقون مواشيَهم.
﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾: أي: أسفلَ من الجماعة ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ قال السدي: أي: تَحْبِسان غنمَهما (٢).
وقال قتادة: أي: تطردان الناس عن شائهما (٣).
وقد ذاد يَذُود ذَوْدًا وذِيَادًا؛ أي: حبَس إبلَه أو غنمه أو نحوَ ذلك عن الشيء يمنعها منه (٤). قال الشاعر:
стр. 5692
عجبت من نفسي ومن إشفاقها... ومن ذيادي الطيرَ عن أرزاقها
في سنةٍ قد كشفت عن ساقها... حمراءَ تُبدي اللحمَ عن عُراقها (١)
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾: أي: ما شأنكما واقفتين لا تسقيان كسائر الناس؟
﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾: أي: نحن لا نسقي غنمنا ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ قال ابن عباس ﵄: لا قوةَ لنا على الاستقاء، وانما ننتظر فضولَ الماء في الحوض (٢). وكذا قال ابن إسحاق وقتادة (٣).
وقيل: كان تأخُّرهما لمنع الناس.
وقيل: لحيائهما من (٤) مزاحمة الناس، ولتجنُّبهما عن مخالطة الناس.
وقرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ بفتح الياء وضم الدال؛ أي: يرجع، وهو لازم.
وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الدال من الإصدار (٥)، وهو متعدٍّ.
стр. 5693
والرِّعاء: جمع راعٍ؛ كالقيام جمع قائم.
والرعاء: هم الذين يرعَون المواشي، والرعاة: هم الذين يرعَون الناس وهم الولاة.
ومعنى الأول: حتى ينصرف الراعون فيَصْدُروا عن وُرودٍ.
ومعنى الثاني: حتى يردُّوا ماشيتَهم إصدارًا عن إيرادٍ.
وقوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾: لا يستطيع حضور الماء فيسقيَ غنمه بنفسه، وليس له عون غيرَنا.
* * *
(٢٤) - ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾: أي: فسقى موسى غنمهما لأجلهما قبل صدور الرعاء ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾؛ أي: توجه إلى ظلِّ شجرة.
وقيل: كانت سَمُرةً (١).
وقيل: كان ظلَّ حائط.
ودلَّ على أن البئر كانت في الشمس، ودلَّ أنه لا بأس بالجلوس تحت الظل.
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾: أي: يا رب إني إلى ما (٢) تُنزل إليَّ من رزقٍ محتاج.
стр. 5694
قال ابن عباس ﵄: سأل ما يسدُّ به جَوعتَه (١)، فقد كان جائعًا ثمانية أيام.
و (اللام) بمعنى (إلى) كما قال: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: إليها، ويقال: هداه اللَّه لكذا، أو إلى كذا.
وقيل: معناه: مع ما ﴿أَنْزَلْتَ إِلَيَّ﴾؛ أي: أعطيتني من الخير؛ أي: من كل خير ﴿فَقِيرٌ﴾ إلى خيرٍ آخر وهو الطعام.
وقيل: سأل خبزَ الشعير، شكر أولًا لِمَا سَلَف وسأل في المؤتنَف.
والشيخ الكبير هو شعيبُ بن ثويبِ بنِ مدين بنِ إبراهيم ﵇ (٢)، وسميت تلك البلدة (٣) ﴿مَدْيَنَ﴾ باسم جده مدين بن إبراهيم، وكان لإبراهيم أربعة بنين: إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، وإليهما نسبت البلدتان مدين ومدائن.
هذا قول ابن عباس ومقاتل والضحاك ومجاهد والسدِّي: أنه شعيب (٤).
стр. 5695
وقال وهب بن منبه وسعيد بن جبير: هو يثرون (١) ابن أخي شعيب، [وكان شعيب قد] مات قبل (٢) ذلك بعد ما كُفَّ بصرُه فدفن بين المقام وزمزم (٣).
وقال محمد بن إسحاق: المرأتان أكبرهما صَفُوراء والأخرى ليا (٤).
وقيل: الكبرى صَفْراء والصغرى (٥) صُفَيراء.
وقال وهب: الكبرى صَفُوراء والصغرى حنوفا (٦).
стр. 5696
وقوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾: قال شريحٌ: رفع لهما حجرًا لا يَقدر على رفعه إلا عشرة رجال (١).
وقيل: أربعون رجلًا.
وقال مجاهد: مئة رجل، وكان الدلو لا ينزعها إلا أربعون رجلًا، فرفع الحجر بنفسه، ونزع الدلو بنفسه، وكان له قوة أربعين رجلًا (٢).
وقال محمد ابن إسحاق: زاحم (٣) القوم حتى نحَّاهم عن رأس البئر ثم سقى لهما (٤).
وقال القشيري: لمَّا أحس موسى من نفسه قوةَ مئة رجل خاف العُجب على نفسه، فقال: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فرأى فقرَه وفاقته؛ أي: وإن تعاطيتُ ما تعاطيتُ بما بي من القوة فإني فقير إليك وإلى رحمتك؛ أي: لم أعمل إلا بقوَّتك (٥).
ولمَّا سقى موسى غنمهما قبل سقي الناس أسرعتا الرجوع إلى أبيهما، فقال: ما لكما أسرعتُما الرجوع؟! فحكيا له ذلك، فأمر إحداهما أن تدعوه ليجزيه أجر ما سقى لهما.
* * *
стр. 5697
(٢٥) - ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: مستترة بكمِّ درعها (١).
وقيل: جاءت الكبرى ساترةً وجهها.
وقال سعيد بن المسيب: كانت حَيِيَّةً لم تكن خرَّاجة ولَّاجة (٢).
وقيل: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي﴾ هاهنا وقف، ثم قال: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ﴾ فكان الحياء في (٣) الكلام.
﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾: أي: ليعطيَك ثوابَ ما عملتَ لنا، وفيه دليل على أن المكافأة على الصنيعة لازمةٌ، ويُستحب للمصطَنِع أن لا يطلبَ مكافأة وأن لا يقبل؛ ليبقى (٤) له الفضل، ولو قبِل عند الحاجة فلا بأس به؛ لأن موسى قبل ذلك لحاجته.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: ليس لفرعون سلطان بأرضنا (٥)، وهو إجابةٌ لدعوته: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 5698
قال وهبٌ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ أهلَ (١) شاءٍ ونَعَمٍ ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ غنمَهما عن الماء، فرقَّ لهما موسى حين نظر إليهما ورآهما ضعيفتين لا تصلان إلى الماء لكثرةِ مَن عليه من الناس، فـ ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر على أن يليَ سقيَ ماشيته بنفسه لضعفه وكِبَر سنِّه -ويقال: إنه كان ضريرَ البصر- فنحن ننتظر الرعاء، فإذا فرغوا من سقي مواشيهم تقدَّمنا فسقينا مواشيَنا ثم انصرفنا إلى أبينا، فلمَّا سمع موسى مقالتهما رقَّ لهما فأخذ دلوهما ثم تقدَّم فزاحم القوم (٢) حتى أفرجوا له فرجة ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ ماشيتَهما، وكان رجلًا قويًّا كأقوى الرجال، فلما فرغ من سقيهما ﴿تَوَلَّى إِلَى﴾ ظل شجرة ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وأمنيتُه يومَه (٣) شبعةٌ من طعام، وكان على رأس البئر صخرةٌ لا يزيلها أقلُّ من ثلاثين رجلًا، فرفعها وحده.
فانصرفتا إلى أبيهما في ساعةٍ لم تكونا تنصرفان إليه فيها، فسألهما فأخبرتاه الخبر، وكيف سقى لهما موسى، وكيف زاحم الرجال على الماء، فقال شعيب لصفوراء ابنته وهي إحداهما: انطلقي فأتي بهذا الرجل، فجاءته ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ فوجدته قاعدًا في الظل، فقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ فقام موسى معها وقال لها: امشي أمامي وأنا خلفك إلى أهلك، فجاءت الريحُ فوصفته (٤) ثيابها وموسى منكِّس لا ينظر إليها،. . . . . .
стр. 5699
فخشي (١) أن تحين (٢) منه نظرة، فقال لها: امشي خلفي فإنَّا لا ننظر في ظهور النساء وهذا يومُ ريح، فنعتت له الطريق ومشت خلفه، فلما دخل على شعيب سأله عن حاله فأخبره موسى بخبره، فقال له: ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وأخبرت أباها بذلك (٣).
* * *
(٢٦) - ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾: أي: لرعي أغنامنا وسقيها والقيام بمصالحها.
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: أي: خيرَ مَن استأجرته، وهذا قويٌّ أمين.
روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: يا بنية، ما أمانتُه وما قوته؟ قالت: أما قوتُه فرفَع الحجر ولا يطيقه إلا جماعة، وأما أمانته فإنه قال لي: امشي خلفي وصِفي لي الطريق فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصفَ (٤) لي جسدك، قال (٥): فزاده فيه رغبة (٦).
* * *
стр. 5700
(٢٧) - ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾: يعني: على أن تأجُرني نفسَك فتكونَ أجيري ثماني سنين (١) ترعى غنمي، والحجة: السنة؛ لأن في كل سنةٍ حَجةً، فسمَّوها بها لتضمُّنها إياها تعظيمًا لها.
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾: أي: فإن زدت على الثمانية فأتممت السنين عشرًا فذلك تطوُّع من عندك لا يَلزمك ذلك لي بعقد الإجارة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾: أي: أحملَ عليك ما يشتد عليك.
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: ممن يَفي بالشرط فلا يتعدَّى ولا يطالب بما وراء الشرط، ومَن فعَل ذلك فهو صالح.
* * *
(٢٨) - ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾: أي: هذا شرطٌ بيننا على كلِّ واحد منا الوفاءُ به لصاحبه.
﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾: أي: أيَّ المدتين وَفَيْتُك العملَ فيها ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيّ﴾؛ أي: فليس لك أن تُلزمني أكثر منه متعدِّيًا عليَّ.
стр. 5701
وقيل: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾: أي: ما ذكرتَ من الأجلين فهو أمرٌ بيني وبينك أفعلُ منه ما أحببتَ لا شرطَ عليَّ فيه.
﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: أي: على ما نعقد عليه حفيظ.
وقال وهب: رعى موسى لشعيب ثمانيَ حجج، فأدخل عليه ابنته وفوَّض إليه أمره، ثم رعى موسى أيضًا (١) بعد ذلك سنتين وأتمَّها عشرًا فقضى أوفى الأجلين وأتمهما.
وعن وهب: أنه لما قضى الأجل أنكحه أكبرَهما (٢).
وعن النبيِّ ﷺ أنه سئل: أيَّ الأجلين قضى موسى، وأيَّ الابنتين تزوج؟ قال: "تزوج صغراهما (٣) وقضى أوفاهما" (٤).
وقيل: خيَّره شعيبٌ فيهما، فقال: أختار التي مدحَتْني، فكيف بمن مدَح اللَّه تعالى بكلِّ حال؟
وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أفرسُ الناس ثلاثة: ابنةُ شعيب في قولها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ الآية، والذي تفرَّس في
стр. 5702
يوسف ﵇: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ وأبو بكر حين تفرَّس في عمر ﵁ فاستخلفه (١).
وروي: أن شعيبًا قال لموسى صلوات اللَّه عليهما حين جنَّ الليل: ادخل ذلك البيتَ فأَخْرِج عصًا من تلك العصيِّ، فدخل فأخرَج عصًا كان آدمُ أخرجها من الجنة، فلما نظر شعيب إليها ضرَبها في العصي فقال (٢): أَخْرِج غيرها، فأخرجها بعدما ألقاها في العصي، حتى فعل ذلك سبعَ مرات، فعلم شعيب أن لموسى شأنًا، فلما أصبح قال له: سُقْ هذه الأغنامَ إلى مفرق الطريق، ثم خذ عن يمينك وليس بها عشب كثير، ولا تأخذ عن يسارك وفيها عشب كثير لكن فيها تنين يقتل المواشي، فساق موسى المواشي إلى مفرق الطريق، فأخذن نحو اليسار ولم يقدر على ضبطهن وانسرحنَ في الكلأ، فنام موسى فخرج التنِّين، فقامت العصا فصارت شعبتاها حديدًا وحاربت التنين حتى قتلته وعادت إلى موسى، فلما انتبه موسى رأى العصا مخضوبةً بالدم والتنينَ مقتولًا، فارتاح لذلك وعاد إلى شعيب، فمسَّ الأغنام فإذا هي أمثلُ حالًا، فسأله عن العصا (٣) فأخبره بها، ففرح بذلك شعيب وأراد أن يجزي موسى عليها، فقال له: كلُّ ما ولدت الأغنام في هذه السنة من أولاد سود فهو لك، فكانت الأولاد في تلك السنة كلُّها سودًا، فحازها كلَّها، وفي السنة الثانية شرَط ذلك في البِيض
стр. 5703
فولدت كلُّها بيضًا فحازها، وفي السنة الثالثة قال: كلُّ ولدٍ وُلد (١) له لونان سوادٌ وبياض فهو لك، فكان الكلُّ كذلك فحازها كلَّها، وعلم شعيب أن له عند اللَّه منزلة.
* * *
(٢٩) - ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾: قيل: عشر سنين ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾: وخرج بإذن شعيب مع امرأته وأولاده وعبيده يريد مصر وأخاه وأختَه وقرابتَه وهم بها.
﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾: أي: أَبصر نارًا ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾؛ أي: الْبَتوا مكانكم ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ في الدلالة على الطريق ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾؛ أي: قطعةٍ غليظة من الحطب فيها النار، وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وضمها وكسرها، والفتح قراءة عاصم، والضم قراءة حمزة، والكسر قراءة الباقين (٢).
وقال قتادة: الجذوة: الشعلة من النار (٣).
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾: أي: تستدفئون، وكانت ليلةً شاتيةً ذاتَ بردٍ ومطر.
стр. 5704
(٣٠ - ٣١) - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾: أي: جانبه الأيمنِ، نعتٌ للشاطئ، وهو عن يمين المتوجِّه إليه.
﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾: أي: في القطعة المفرَدة من ذلك الوادي، و ﴿الْمُبَارَكَةِ﴾ صفتُها على ما مر في قوله تعالى: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّار﴾ [النمل: ٨]، والوادي هو الوادي المقدسُ طُوى.
﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾: أي: ونودي: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَآهَا﴾: أي: فألقاها -وهذا مضمر- فلما رآها ﴿تَهْتَزُّ﴾؛ أي: تتحرك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ أي: حية خفيفة في سعيها، وهي تعبانٌ عظيمةٌ في جثَّتها ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾؛ أي: لم يرجع.
﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾: أي: قيل له: يا موسى لا تخَفْ مِن الذي تهرب منه ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ مما تخاف.
* * *
(٣٢) - ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾: أي: أدخلها ﴿فِي جَيْبِكَ﴾؛ أي: في جيب قميصك ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾: متلألئةً لها شعاعٌ ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أي: آفةٍ من البرص ونحوه.
стр. 5705
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾: أي: يدك، واليدان للآدمي كالجناحين للطير.
وقيل: كان بسَطَها اتقاءً عن الحية، فقيل له: ضُمَّها ولا تفتحها (١).
وقال الضحاك والفرَّاء: ﴿جَنَاحَكَ﴾؛ أي: عصاك (٢).
وقيل: أي: اضمُمْ يدك إلى صدرك تسكينًا للقلب.
وقيل: أي: تعظيمًا للرب، فإنه من الخشوع والتواضع.
قوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: ﴿من الرَّهَب﴾ بفتح الراء والهاء، وقرأ ابنُ عامرٍ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ وحمزةُ والكسائيُّ بضم الراء وجزمِ الهاء، وروى حفصٌ عن عاصم بفتح الراء وجزمِ الهاء (٣)، وهي لغاتٌ في الرَّهب (٤).
وقيل: هو متَّصل بقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.
وقيل: الرهب: الكُمُّ بلغة بني حنيفة، حكاه مقاتلُ بن سليمان (٥).
﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالتشديد، وذلك للتأكيد، والباقون بالتخفيف (٦).
стр. 5706
قوله: ﴿بُرْهَانَانِ﴾؛ أي: حجَّتان ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ (١) على صدق نبوتك.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: أي: على إرسالك إلى فرعون وأشرافِ قومه.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ متقادمِين في (٢) الفسق، وهو الخروج عن طاعة اللَّه.
* * *
(٣٣ - ٣٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾: أي: القبطيَّ الذي مرَّ ذكره ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به، وهو خوف الطبع.
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾: أي: أَبْيَنُ كلامًا ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾؛ أي: اجعله رسولًا إليهم معي ﴿رِدْءًا﴾؛ أي: عونًا على تبليغ الرسالة.
﴿يُصَدِّقُنِي﴾: قرأ عاصم وحمزة برفع القاف على الصفة، وقرأ الباقون بالجزم على الجزاء (٣).
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾: فإذا كان معي أخي قمنا بمحاجَّتهم.
* * *
(٣٥) - ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾: أي: سنقوِّيك به، وهو مجاز.
стр. 5707
﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: أي: حجةً، وقيل: قوة وقدرة ومنعة.
﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾: أي: فلا يصيبونكما بمكروهٍ.
﴿بِآيَاتِنَا﴾: قيل: هو متصل بقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا. . . بِآيَاتِنَا﴾.
وقيل: هو متأخر، وتقديره: (أنتما ومَن اتَّبعكُما الغالبون بآياتنا) وهي المعجزات.
ويجوز أن تكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ مقرَّرةً في موضعها: فلا يَصلُون إليكما بسبب آياتنا، وكان له ثلاثة أوجهٍ، وقد مرت القصة مرات.
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: أي: بمعجزاتنا ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحاتٍ ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾؛ أي: مختلَقٌ لا حقيقةَ له ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾: ما دعَونا إلى التوحيد.
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: أجملَ الكلامَ تلطُّفًا في الخطاب، ومعناه: ما جئتكم به حقٌّ وهدًى وليس بسحرٍ، وربي عالمٌ بذلك، وأنتم ظالمون، وحُسنُ العاقبة لي في الدنيا والآخرة ولمَن اتَّبعني لا لكم.
* * *
(٣٨) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
стр. 5708
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾: فلا تسمعوا قول موسى ولا تجيبوه إلى التوحيد.
قال ابن عباس ﵄: كان بين قوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وبين قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ أربعون سنة (١).
وقال الحسن: لقد أملى اللَّه لفرعون بعد هاتين (٢) الكلمتين أربعين سنة.
وقيل في قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾: أي: الكلمةِ الآخرةِ والكلمةِ الأولى وهما هاتان.
قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ﴾: هو وزيرُه ﴿عَلَى الطِّينِ﴾؛ أي: فاطبخه فاجعله آجُرًّا.
قال قتادة: هو أولُ مَن طبَخَ الآجرَّ وبنى به (٣).
﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾: أي: اتخِذْ لي منه قصرًا عاليًا ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾؛ أي: واجعل لي مراقيَ أَرْقاها فأَرى إلهَ موسى، أو قال: فأصِلَ إلى إله موسى، ظنَّ اللعين أن موسى يقول: إن اللَّه في السماء؛ لإظهاره نزول الوحي عليه من السماء، فقال: أصعدُ فأنظرُ إليه.
وقد ناقض اللعين في كلامه من وجوه؛ قال أولًا: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ثم أقر فقال: ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، ثم ذكر من نفسه الظنَّ فقال:
﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: أظنُّ موسى يكذِبُ في دعواه أن له إلهًا، وأنه أرسله إلينا رسولًا يدعونا إلى توحيده وعبادته.
стр. 5709
(٣٩ - ٤٠) - ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾: أي: تعظَّم عن الاستسلام والإسلام ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أرضِ مصر ﴿بِغَيْرِ الْحَق﴾؛ أي: بالباطل ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا﴾؛ أي: إلى حسابنا وجزائنا ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة، وليس هذا بعذرٍ لهم، بل ذمٌّ (١) بالجهل وتركِ التأمُّل في الآيات حتى يعلموا.
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾: أي: عاقبناهم ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمّ﴾؛ أي: فألقيناهم في البحر فأغرقناهم، على ما مرت قصتُه.
﴿فَانْظُرْ﴾: يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فليَحْذرْ قومك أن يجري عليهم مثلَ ذلك.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾: أي: قادةً في الشر والضلال ليقتديَ بهم فيها أمثالهم ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ وفيه دلالةُ خلقِ اللَّه تعالى أفعالَ العباد ودلالةُ الإرادة (٢).
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾: أي: لا يَمنع العذابَ عنهم مانعٌ.
стр. 5710
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾: أي: ألزمناهم طردًا وتبعيدًا عن كلِّ خير، وقيل: هو ما يَلحقهم من لعنِ الناس إياهم بعدهم.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾: قال ابن كيسان: أي: من المهلَكين.
وقال الخليل: قبَّحه اللَّه؛ أي: نحَّاه من كلِّ خير (١).
وقيل: من المشوَّهين، والتشويه: تقبيحُ الخِلقة.
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أي: التوراةَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾؛ أي: بعد أممٍ قد مضت أهلكناها بكفرها ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي: حججًا للناس وهم بنو إسرائيل، والتوراةُ جعلت بصائرَ لهم يبصرون بها الرشد.
﴿وَهُدًى﴾ إلى الحق ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن اتبعها وعمل بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: ليتَّعظوا بها.
﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾؛ أي: بجانب الجبل الغربي، وقيل: أي: الوادي الغربي.
وقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه، فإن الغربي هو الجانب، وهو كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩].