← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

العجَبُ، فإنَّما يُراد به أحدُ هذين اللَّذَيْن هما الحاصلُ، ففي قوله ﵊: "إنَّ اللَّهَ ليَعجبُ مِن الشابِّ ليست له صَبوةٌ" (١) هو غايةُ الرِّضا. وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بالضَّمِّ (٢) ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٢] هو غايةُ الكراهة، وعلى هذا نظائرُه. ثم الإثباتُ والنفيُ معًا في صفةٍ واحدةٍ لا يَرجع إلى ذاتِ اللَّهِ تعالى، فإنَّ ما أثْبت اللَّه تعالى له لم يَجز نفيُه عنه، وما نُفيَ عن اللَّه تعالى لم يَجز إثباته له، وإنَّما يَرجع ذلك إلى ما يقعُ عليه ذِكْر هذه الصفات (٣)، وهو كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] نفَى المغفرةَ في حقِّ مَن يُشرك، وأَثبتها في حقِّ مَن لا يشرك، وذلك يَرجع إلى ذنبِ المشرك وذنبِ (٤) غير المشرك لا إلى ذاتِ اللَّه تعالى، وكذا قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وكذا قولهم: "ما شاءَ اللَّهُ كان وما لم يَشأ لم يكن" (٥). ثم قوله: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ قيل في تفسيره: لا يَترك ضربَ المَثَل بالبعوضة. وقيل: أي: لا يَمتنِع عنه. وقال قتادةُ وجماعة: هو في مشركي مكَّة (٦)؛ بدليل أنَّه ذكر مثلُ هذا في سورة

стр. 597

المدَّثر وهي مكِّيّة، قال تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] وقال هاهنا (١): ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾. ثم تلك مِن أوائل الوحي وفي حقِّ مشركي مكَّة، فكذا هذا. وقيل: هو في حقِّ منافقي أهلِ المدينة مِن أهل الكتاب؛ بدليلِ أنَّه قال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وهذه (٢) صفةُ المنافقين مِن أهل الكتاب؛ فقد قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ولأنَّ سورةَ البقرة مدنيَّة. وقيل: يجوز أن يكون نزولُ الآية في الفريقين جميعًا؛ فقد سَبق ذكرُ الكفار والمنافقين في صدر السورة، وقال أيضًا في سورة المدَّثر: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهم أهل النفاق، وقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ وهم أهلُ الشرك. ثم إنَّ اللَّه تعالى بيَّن أنَّه لا يَترك ضربَ المثل بقول المنافقين والكفار (٣)، فلا تَتركْ أنتَ قولَ الحقِّ بقول الفجَّار، وذكر أنَّه يَستحيي مِن إحراق النور بالنار، فاستحِ أنتَ مِن مخالفة الملِك الجبَّار. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾؛ أي: يبيِّنَ، والضَّرْبُ في القرآن لمعانٍ: للإيلام مِن غير خَدْشٍ ولا جَرحٍ: قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. وللضَّرْب مِن غير إيلامٍ: قال تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [الأعراف: ١٦٠].

стр. 598

ولقليلِ الإيلام: قال تعالى: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. وللقَطْع: قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]. وللحَزِّ والإزهاق: قال تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]. وللكَسْر: قال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣]. ولتعذيبِ الملائكةِ الكفَّارَ عند الموت: قال تعالى: ﴿الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]. ومِن المجاز فيه: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل: ٢٠]: هو السَّير؛ وفيه ضَرْبُ الرِّجْل على الأرض. وقولُه: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]: هو الصرف، وتقديره: أَفنُهْمِلُكم فلا نعرِّفَكم ما عليكم ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، وأصله في الراكب إذا أَراد أنْ يَصرف مركبَه عن جهته يضربه (١) ليَعْدلَه، فوُضع الضَّرْبُ موضعَ الصَّرْف. وقولُه تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]؛ أي: أَنَمناهم ومَنَعناهم السماعَ؛ وهو مِن ضَرْبِ الحجابِ على الأُذن في التقدير. وقولُه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ أي: ولْيُرخينَ مقانِعَهنَّ فوقَ جيوبهنَّ عند صدورهنَّ للسَّتْر (٢). وقولُه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣]؛ أي: أُظهِر. وقولُه تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا﴾ [طه: ٧٧]؛ أي: حدًّا (٣).

стр. 599

وقولُه تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ (١) [البقرة: ٦١] أي: وُظِّفت (٢) عليهم الجزية. وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]؛ أي: لا تَصفو اللَّه الأشكال. وقولُه: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد: ١٧]؛ أي: يُمثِّل. وقولُه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ [الكهف: ٣٢]؛ أي: واذكُر. وقولُه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [إبراهيم: ٢٤]؛ أي: بيَّن، وهاهنا أيضًا معناه البيانُ بإجماعِ أهلِ التفسير. و ﴿مَثَلًا﴾ مرَّ تفسيره في قوله ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]. وقوله: ﴿مَا بَعُوضَةً﴾ في القرآن (٣) (ما) تجيء على عشرة أوجهٍ: للنفي: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩]. وللجحد: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]. وبمعنى (الذي): ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. وبمعنى (مَن): ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]. وللمصدر: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧]. وللاستفهام: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]. وللشَّرْط: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥].

стр. 600

وللوقت: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]. وللتعجُّب: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]. وللصِّلَة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. و ﴿بَعُوضَةً﴾: هي مِن صغار البَقِّ، والبَعضُ مِن الشيءِ: طائفةٌ منه، وتبعيضُ بعضُ الشيءِ: تجزئتُه، وكأنَّ البعوضةَ بعض البقَّة؛ لصِغَرها. وكلمة (ما) تصلُح صلةً زائدةً مؤكِّدة، وتصلُح اسمًا، وبيانُه في باب (١) بيانِ إعرابِ (بعوضة)، وهي منصوبةٌ في القراءة الظاهرة، وقال النحويون: ويَجوز فيها الرَّفع، وأمَّا النصبُ فلوجوه ثلاثة: أحدها: أنَّ (ما) زائدة مؤكِّدة، معناها: حقًّا، وتقديره: أنْ يَضرب بعوضةً مثلًا حقًّا، ولا إعراب لـ (ما)، والخافض والناصب يتخطَّاها إلى ما بعدها؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والثاني: أن يكون (ما) اسمًا نكرةً منصوبة، و (بعوضةً) صلةً وصفةً لها تابعةً للموصول في إعرابه، وتقديرُه: أنْ يضربَ مثلًا شيئًا، يعني (٢): أيَّ مثلٍ أراد بعوضةً فما فوقها. والثالث: أن يكون نصبًا على نَزْعِ الخافض، ومعناه: أنْ يَضرب مثلًا ما بين بعوضةٍ إلى ما فوقها، بنزع (٣) (بَيْنَ) مِن الأول و (إلى) مِن الثاني، فانتصَبا بنزعِ الخافض، وهو كقولهم: مُطِرنا ما زُبالةَ فالثَّعلبيَّةَ، يعني: ما بينَ زبالةَ إلى الثعلبيَّةِ (٤).

стр. 601

وأمَّا الرفعُ فبإضمارِ (هو)، تقديره: أنْ يَضربَ مثلًا الذي هو بعوضةٌ، والإضمارُ جائزٌ، قال الشاعر: فكفَى بنا شرفًا على مَن غيرنا... حبُّ النبيِّ محمَّدٍ إيَّانا (١) ينشَد (غير) بالرَّفع والخفض. وقال الربيع بنُ أنس: ضَربُ المَثَلِ بالبعوضة عبرةٌ لأهل الدُّنيا؛ فإنَّ البعوضةَ تَحيا ما (٢) جاعت، وتموتُ ما (٣) شَبعت، فكذا صاحبُ الدُّنيا إذا استغنى طغى وأحاط به الرَّدى (٤). وقال الإمام أبو منصور ﵀: والأعجوبةُ في الدِّلالة على وحدانيَّة اللَّه تعالى وربوبيَّته في خَلْقِ الصغيرِ مِن الجُثَّةِ والجسمِ أكثر مِن الكبار منها والعِظام؛

стр. 602

لأنَّ الخلائقَ لو اجتَمعوا على تصوير صورةٍ مِن نحو البعوض والذُّباب وتركيبِ ما يحتاج إليه مِن الفم والأنف والعين والرِّجل واليد والمَدخل والمَخرج، ما قدَروا عليه، ولعلَّهم يقدرون على تصوير العظام مِن الأجسام الكبار منها (١). وقال غيرُه: إنَّ اللَّهَ تعالى قوَّى قلوبَ ضعفاء الناس بذِكْر ضعفاءِ الأجناس، وعَرَّف الخلقَ قدرتَه في خَلْق الضعفاء على هيئاتِ الأقوياء؛ فإنَّ البعوضَ على صِغَره بهيئة (٢) الفِيْل على كِبَره، وفي البعوض زيادةُ جناحَيْن، فلا يُستبعَد مِن كرمه أنْ يعطيَ على قليلِ العمل ما يُعطي على كثيرِ العمل مِن الخلقة، كما أَعطى صغيرَ الجثَّة ما أَعطى كبير الجثَّة مِن الخلقة، ومن العجيب أنَّ هذا الصغيرَ يؤذي هذا الكبيرَ فلا يَمتنعُ منه، ومن لُطف اللَّهِ تعالى أنَّه خَلَق الأسدَ بغاية القوَّة، والبعوضَ والذُّبابَ بغاية الضَّعف، ثم أَعطى البعوضَ والذُّبابَ جراءةً أَظهرها في طيرانهما في وجوهِ الناس وتماديهما في ذلك، مع مبالغةِ الناس في ذبِّهما بالمِذَبَّة، وركَّب الجُبْنَ في الأسد وأَظهر ذلك بتباعُده عن مساكن الناس وطُرقِهم، ولو تَجاسر الأسدُ تجاسُرَ الذُّبابِ والبعوضِ، لهلك الناسُ، فمنَّ اللَّهُ تعالى وجعلَ في المتجاسر (٣) الضعفَ، وفي القويِّ الجبنَ، وهو العزيزُ الحكيم. وقال القشيريُّ رحمه اللَّه تعالى: الخَلْقُ في التحقيق بالإضافة إلى قُدرة الخالق (٤) أقلُّ مِن ذرَّةٍ مِن الهباء في الهواء، وسيَّان في قدرته البعوضة والعرش (٥)،

стр. 603

فلا خَلْقُ العرش عليه أعسرُ، ولا خَلْق البعوضة عليه أيسر، فإنَّه سبحانه متقدِّس عن لحوقِ العُسر واليُسر (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ الفوقُ: العُلو، يقال: فاقَهُ: غَلَبه وعَلَاه (٢) وصار فوقَه، وانتصابه لِمَا مرَّ في قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً﴾ (٣). وأمَّا تفسيره: فقد قال قتادة وابنُ جريج: معناه: فما فوقها في الكِبَر (٤). وقال أبو عبيدة: معناه: فما دونها في الصِّغَر (٥). والكلمة مِن الأضداد، كالوَراء يكون للخَلْف والأَمام؛ قال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، والصَّريم يكون للنهار والليل، والقرءُ يكون للحيض والطُّهر. وقال أهلُ التحقيق: أي: فما فوقها في الصِّغَر؛ لأنَّ الغرضَ المطلوبَ هاهنا هو الصِّغَرُ، والكلمة مِن قولهم: فاقَ فلانٌ كذا؛ أي: جاوَزه، والمجاوزةُ نوعان؛ بالصِّغَر وبالكِبَر، فإنْ ذُكر شيءٌ على وجه التصغير، فما ذُكر بعده بهذه الكلمة عُرف أنَّه أُريد به مجاوزتُه إيَّاه في الصِّغَر، وإنْ ذُكر على وجه التكبير، عُرف أنَّه أُريد مجاوزتُه إيَّاه في الكِبَر، وهو متعارَف؛ تقول: فلانٌ صغيرُ القَدْر قليلُ الخير، فيقال: هو فوق ذلك.

стр. 604

قالوا: والجمع بين المعنيين بوصفٍ واحدٍ أَولى مِن الحمل على الضِّدَّين؛ لأنَّ الكلامَ للإفهام، وفي دلالة اللفظِ الواحدِ على الضِّدَّين حملٌ على الإبهام، وحملوا على ذلك جميعَ ما ورد من الألفاظ الواقعة على الضِّدَّين في الكلام، وقالوا: الوراء: ما وراءك خَلْفًا كان أو أمامًا، والصَّريم الوقتُ المنصرمُ ليلًا كان أو نهارًا، والقرء: الوقتُ المعتاد طهرًا كان أو حيضًا، والفوق: المجاوز عن الشيء صغيرًا كان أو كبيرًا (١). وإذا حمل على المجاوزة في الصِّغَر؛ فمعناه: أنَّ اللَّهَ تعالى لا يَمتنع عن بيان الحقِّ بضَرْب المَثَل بالبعوضِ الذي هو نهايةٌ في الصِّغَر عندكم، وبما هو دونَه في الصغَر ممَّا هو في علمِ اللَّه تعالى وقدرته وإنْ لم يَرَهُ أحدُكم بمشاهدته. وإذا حمل على المجاوزة في الكِبَر؛ فقد قيل: أي: بالفيل الكبير، فإنَّهما يتماثلان صورةً؛ لكن هذا يطير وذاك (٢) يسير، وهذا يألَفُ وذاك يَنفِرُ، وهذا يُؤذيك ويستولي عليك، وذاك تقهَرُه أنتَ وتستولي عليه. ومِن العجيب (٣) عَجْزُك عن هذا الضعيف الصغير، وقدرتُك على ذلك الكبير. ومِن الأعاجيب: أنَّ هذا الضعيفَ إذا طار في وجهك ضاقَ به قلبُك، وتنغَّص به (٤) عيشُك، وفسد عليك بستانُك وكَرْمُك. وأعجبُ منه: جرأتُك مع ضعفك على ما يورثُك العارَ ويوردك النارَ، فإذا كان

стр. 605

جَزَعك هذا مِن البعوض في الدُّنيا، فكيف حالُك إذا تسلَّطَتْ (١) عليك الحيَّاتُ والعقاربُ في لظى؟! وقيل: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾؛ أي: العنكبوت والذُّباب، فقد كان ذكرهما قَبْل ذلك على ما ذكرنا، وللعنكبوت خَطَرٌ عظيمٌ وأمرٌ جسيمٌ، فقد دَفع اللَّهُ تعالى به قصدَ الكفار عن النبيِّ المختار وصاحبِه في الغارِ، على ما عُرف في الأخبارِ (٢). وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (أمَّا) كلمةُ تفصيلٍ ولا بدَّ لها مِن جوابٍ، وجوابها بالفاء، وهي أداةٌ رافعة للأسماء إلَّا إذا كان بعدها أمرٌ أو نهيٌ فتنصب، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] وتَجيء مكرَّرة، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٢٦] وكذا في كلِّ موضع. والحقُّ نقيضُ الباطل، والحقُّ: الواجبُ، والاستحقاقُ: الاستيجابُ. والحقُّ: الصِّدْقُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس: ٥٥]. والحقُّ: الكائنُ في قوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨]. والحقُّ: أَخْذُ الحقوق في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. والحقُّ: الغايةُ في قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، و ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١].

стр. 606

والحقُّ: العدلُ في قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]. والحقُّ: العذابُ في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]. والحقُّ: الحاجةُ في قوله تعالى: ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود: ٧٩]. وأمَّا التفسيرُ: فمعناه: فأمَّا الذين اعتقدوا بقلوبهم دينَ الحقِّ وأقرُّوا بألسنتِهم بذلك، فيعلمون أنَّ هذا المثَلَ حقٌّ مِن اللَّه تعالى (١)، فيتفكَّرون في هذا المثَلِ الحقِّ، ويوقنون أنَّ اللَّهَ هو خالقُ الكبير والصغير، كلُّ ذلك في قدرته سواءٌ، كما أنَّ الخلقَ عاجزون عن خَلْق الكبير والصغير، كلُّ ذلك في عجزهم سواء. وقال الإمام القشيريُّ: فأمَّا (٢) مَن فُتحت أبصارُ سرائره، فلا يَنظر إلى الأغيار (٣) والآثار إلَّا نَظَر الاعتبار، ولا يَزداد إلَّا نفاذ الاستبصار، وأمَّا الذين سُكِّرت أبصارُهم بحُكم الغفلة والإغفال، فلا يَزيدهم ضربُ الأمثال إلَّا زيادةَ الجهل والإشكال (٤). وقوله تعالى: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: فمَن عرفَ الحقَّ، فمِن حقِّه القيامُ بحقِّه، وقبولُ حقِّه، وأداءُ حقِّه، بل حقُّ عارفِ الحقِّ: كونُه بالحقِّ وللحقِّ، وكونُه به: ألَّا يُلاحظَ (٥) غيرَه، وكونُه له: ألَّا يُساكن غيرَه، وكيف تصحُّ النِّسبة (٦) لمن تفرَّقت له الصحبةُ، وتقسَّمت الخلائقُ والعلائقُ قلبَه.

стр. 607

وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ هذا استفهامٌ بمعنى الإنكار، ومعناه: وأمَّا الذين أشركوا والذين هادوا فيقولون: أيُّ شيءٍ أراد اللَّهُ تعالى بالضَّرْب بالبعوض مثلًا؟ وأيُّ فائدةٍ في هذا؟ وهذا سَفَهٌ منهم. وقال الزجَّاج في ﴿مَاذَا﴾: يجوز أن يكون (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا، ويكونَ موضعُهما نصبًا، ومعناه: أيُّ شيءٍ أراد اللَّهُ بهذا مثلًا؟ ويجوز أن يكون (ذا) بمعنى (الذي) فيكونَ المعنى: ما الذي أراد اللَّهُ بهذا مثلًا؟ وأيُّ شيءٍ الذي أراد اللَّهُ بهذا مثلًا؟ ويكون (ما) رفعًا بالابتداء، و (ذا) خبرَ الابتداء (١). والإرادةُ: المشيئةُ، والرَّود: الطَّلَب، والمراودةُ: المطالبةُ، والارتيادُ: الطَّلب بتكلُّف (٢). والإرادةُ صفةُ اللَّهِ تعالى أزليَّةٌ قائمةٌ بذاته، وَصَفَ بها نفسَه فقال: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، وقال اللَّه تعالى: ﴿يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فالكثيرُ خلافُ القليل، وعددٌ كاثرٌ؛ أي: كثيرٌ، قال الشاعر: وإنَّما العِدَّةُ للكاثرِ (٣) والمكاثرةُ: المغالبةُ بالكثرة، والمَكثور: المغلوبُ به.

стр. 608

وأمَّا تفسيرُه: فقد قيل: هذا إخبارٌ عن اليهود أو المشركين أو المنافقين، أنَّهم قالوا: يُضِلُّ اللَّهُ بالمَثَل كثيرًا مِن الناس، ويَهدي اللَّهُ بالمَثَل كثيرًا مِن الناس. وقيل: هو إخبارٌ مِن اللَّه تعالى، وكذا قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: هذا جواب لقولهم (١): ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، قال: أراد أنْ يُضِلَّ به كثيرًا، ويهدي به كثيرًا؛ أضلَّ به مَن عَلم منه أنَّه يختار الضلالةَ، وهدى به مَن عَلم منه أنَّه يَختار الهدى؛ أراد مِن كلٍّ ما عَلم منه أنَّه يختاره (٢). قال: والآيةُ تَنقض على المعتزلة قولَهم، فإنَّهم يقولون: أراد أنْ يهدي به كل الناس، ولكنْ ضلَّ بعضُهم واهتدى بعضُهم (٣). وقيل: يُضلُّ به مَن استخفَّ بالمَثَل ولم يَعُدَّه حكمةً وهم الكافرون، ويهدي به مَن عَرف وجهَ حكمته (٤) وعَلم فائدته وهم المؤمنون. والإضلالُ: خَلْقُ فعلِ الضلال، وهو في حقِّ مَن اختار الضلالة، وكابَرَ بعد ما عرفَ الدلالة، والهدايةُ: خلقُ فعلِ الاهتداء (٥) في حقِّ مَن اختار صفةَ الاهتداء. والمعتزلةُ حملوا ذلك على تسميتهم ضالِّين وتسميتِهم مهتدين، واللغةُ لا تحتمِل ذلك، والدلائلُ السمعيَّةُ والعقليَّةُ تردُّ ذلك، وباللَّه العصمة.

стр. 609

وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: الفِسْقُ والفُسوق: الخروجُ عن الطاعة، وفَسَقَت الرُّطَبة؛ أي: خرجت مِن (١) قِشرها، والفُويسقةُ: الفأرةُ؛ لخروجها مِن جُحرها. ثم هذا كشفُ الكلام (٢) الأوَّل، فإنَّه قال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾، ثم بيَّن مَن يُضلُّه به فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: وما يَخذلُ اللَّهُ بسبب ذكر هذا المَثَل إلَّا الخارجين عن طاعته. وانتصابُه بوقوع فعلِ الإضلال عليه. وبالجملة: إنَّ الهدايةَ والإضلالَ مِن اللَّه حقيقةً، والاهتداءَ والضلالَ مِن العبد حقيقةً، والجبريَّة لا يَرَون فعلَ العبد، والمعتزلةُ لا يَرَون فعلَ اللَّه، وقد رَدَدنا قولَ الفريقين قَبْلَ هذا. ثم الهدايةُ في حقِّ مَن اختاره؛ قال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧] والإضلالُ في حَقِّ مَن اختاره؛ قال تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. والإضلالُ إذا أُضيف إلى اللَّه تعالى فهو خلقُ الضلالِ (٣)؛ كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] وقد يكون للإبطال كقوله تعالى: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وإذا أُضيف إلى الشيطان فهو التزيين والوسوسة، قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، وما أُضيف إلى فرعونَ ونحوِه فهو الدعوة، قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ

стр. 610

قَوْمَهُ﴾ [طه: ٧٩] وإذا أُضيف إلى الأصنام فهو التسبيبُ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]. وقيل: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الذين لا يَنظرون في أعاجيب هذا المَثَل. والحاصل: أنَّ السوءَ للمسيئين والحسنى للمحسنين؛ قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]، ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]، و ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨]، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ١٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]. * * * (٢٧) - ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ هذا نعتُ الفاسقين، ونقضُ البناءِ والحبلِ والعهدِ والعقدِ والقَرحة: إزالةُ نَظْمها وضمِّها (١)، والنُّقضُ

стр. 611

بالضَّمِّ: المنقوض، والانتقاضُ قَبولُ النَّقض، ونَقيضُ الشيءِ ضدُّه، ونَقيضة القصيدة: جوابُها. و ﴿يَنْقُضُونَ﴾ صيغةُ الاستقبال، ومعناه هاهنا الماضي أو الحال؛ أي: إنَّ اللَّهَ يَخذل بذكر المَثَل مَن فَسَق ونَقَض العهدَ، أو: الذي هو فاسقٌ وناقضٌ للعهد للحال. فأمَّا العهدُ في اللغة فهو: الميثاق، وهو لأشياءَ أُخَر أيضًا، وفي القرآن لأشياء: للتوحيد: في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠]. ولوَعْد الجنَّة: في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة: ٨٠]. وللفرائض: في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠]؛ أي: أدُّوا إليَّ (١) فرائضي. ولجزاء الطَّاعات: في قوله: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وللوَعْد: في قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]. وللأَمْر: في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠]. وللنَّذْر: في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥]. وللميثاق: في قوله تعالى: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧]. ولليمين: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥]. وللإمامة: في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وللثبات: في قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. وللزمان: في قوله تعالى: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٦].

стр. 612

وأمَّا تفسيرُه: فقد قال ابنُ عباس ﵄: هو أَخْذُ ميثاقِ ذرِّيّة آدمَ؛ حين أخرجَ الذرِّيّة كأمثالِ الذَّر وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] (١). ونقضُ هذا العهد: هو الجحودُ بعد الإقرار، والنفورُ بعد الاستقرار، ومِن حيث المعاملةُ فيه رؤيةُ الأغيار، مع التفريد والتوحيد في الإقرار. وقيل: العهد هو حَلفُ (٢) مشركي العرب حين ضلَّلهم اليهود والنصارى وسفَّهوهم بعبادة الأصنام المنحوتة والأنصاب الموضوعة، كما أخبر اللَّهُ تعالى عنهم بقوله عزَّ وعلا: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي: اليهودِ والنصارى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾؛ أي: محمدٌ ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] فنَقْضهم ميثاقَهم هو النُّفورُ والكفورُ، وإبطالُ القَسَم المذكور. وقيل: هو ميثاقُ اللَّه تعالى على أهل الكتاب؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: بالقول ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]؛ أي: بالفعل، ونقضُهم ما قال: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾؛ أي: كتموا صفَةَ محمد ﵊ وفَسقوا ونَقضوا العهدَ ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: عَرَض الدُّنيا ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] كتموا الحقَّ لأجل العَرَض اليسير مِن الكِرباس والشعير، وأَوقعوا أنفسَهم بذلك في السَّعير.

стр. 613

وقيل: هذا الميثاقُ هو المذكورُ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] ونقضُه ما ذكر (١): ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤]. وقيل: هو المذكور في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية [البقرة: ٨٣] ونقضُه فيما قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٣]. وقيل: هو المذكورُ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٨٤] ونقضُه فيما ذكر: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. وقيل: هو ما أَودع اللَّهُ فيهم مِن الآلات التي يقعُ بها التَّمييز بين الحقِّ والباطل؛ نحو العقل والسمع والبصر، ونقضُ ميثاقِ الفطرة -وهو إعطاءُ آلاتِ التمييز والقدرةِ-: تعطيلُها وتركُ استعمالها في لوازمها. وقيل: العهدُ الأول هو ميثاقُ الذرِّيّة، ثم جدَّد اللَّهُ تعالى ميثاقَ كلِّ أمةٍ بإرسال رسولِهم بكتابٍ وشريعةٍ، ونقضُهم هو خلافُهم ما قَبِلوه. وقيل: هو ما أخذَ على العلماء بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩] ونقضُهم (٢): خلافهم ذلك. وقيل: كلُّ مَن أَسلم فقد قَبِلَ عهدَ اللَّه في توحيده وعبادته، والائتمارِ بأمره، والانزِجارِ بزَجْره، والثقةِ بوعده، والرِّضا بحُكمه، ونقضُه: الإعراضُ والاعتراضُ، واختيارُ الأعراض (٣)، وطلبُ الأعواض.

стр. 614

وقيل: مِن العهد نَذْرُ العبد إذا نزل به محذورٌ أنْ يلازِم التوبةَ ويُجانِبَ الشرورَ، ونقضُه: العودُ إلى مألوفِ الفساد، ومراجعةُ التعاطي المعتاد. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾؛ أي: توثيقِه، والوثيقُ: المحكَم، وقد وَثُقَ وَثاقةً مِن حدِّ: شَرُف، والتوثيقُ (١) والإيثاقُ: الإحكامُ. والميثاقُ: العهدُ المُحكَم، والوِثاقُ -بفتح الواو وكسرها-: ما يُحكَم به الشيءُ، والمرادُ مِن الميثاق في هذه الآية هو المصدرُ المذكورُ على وزن المِفْعال دون نفسِ العهد؛ فقد ذكره في قوله: ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ والهاء التي في آخِره يجوز أنْ تعودَ إلى العهد؛ أي: بعد توثيق ذلك العهد، ويجوز أنْ تعودَ إلى اللَّه؛ فقد ذُكر قَبْله، ومعناه: بعد توثيقِ اللَّه تعالى ذلك العهد. وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ هذه مِن صفات الفاسقين الذين سَبق ذِكْرهم؛ أي: هم المضيِّعون حقَّ اللَّه تعالى وحقَّ خلقه؛ فتضييعُ حقِّ اللَّه بنقضِ عهده، وتضييعُ حقِّ خَلْقه (٢) بقطيعة أرحامهم. والقَطْع في اللغة: الإبانةُ، والقطيعةُ: الهجرانُ، وقَطاعُ الطيور: خروجُها مِن بلاد البرد إلى بلاد الحرِّ، وقُطوعُ النهرِ والوادي: عبورُهمَا. والأمرُ بالشيءِ: الدُّعاءُ إلى تحصيله، والائتمارُ: الامتثالُ بالأمر. والوَصْلُ: نقيضُ الفَصْل، والوَصْلُ ضدُّ الهجران، والوُصْلةُ: ما يقع به الوَصل.

стр. 615

وأمَّا التفسير: فقد قيل: هو الإيمانُ ببعض الأنبياء والكفرُ ببعضٍ، وقد أُمروا بالإيمان بكل الأنبياء بقوله: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢] وأَخبر عن المؤمنين أنَّهم قالوا: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقيل: هو قطيعةُ الرَّحِم، وقد أُمروا بوصلها بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. وقيل: هو تكذيبُ محمدٍ ﷺ وخلافُه ومعاداتُه، مع أنَّه مِن أولاد إسماعيلَ ﵇، وأهلُ الكتابِ مِن أولاد إسحاقَ ﵇، وبينهم قرابةُ بنوَّة العَمِّ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]؛ أي: الودَّ بسبب القَرابة التي بيني وبينكم مِن هذا الوجه. وقيل: هو مبايَنتهم ومشاقَّتهم كلَّ العرب، والعرب مِن أولاد إسماعيل وهم أولاد إسحاق، وبينهم هذه القَرابة، وهم بهذه المجانبة والمحاربة قاطعونَ للأرحام، وقد أُمروا بوصلها. وقوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ هذا مِن صفاتِ هؤلاء الفاسقين أيضًا، وقد مرَّ معنى الكلمة في قوله تعالى: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١]. وأمَّا (١) تفسيره هنا: فقد قيل: هو الكفرُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقيل: هو العملُ بالمعاصي، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠].

стр. 616

وقيل: هو أَخذُ أموال الناس وتناولُ أملاكهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤]. وقيل: هو حملُ الغير على الفساد ودعاؤه إليه (١)، كما قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١]. وقيل: هو صدُّ الناس عن دينِ اللَّه واتِّباعِ رسولِ اللَّه ﷺ . وقيل: هو كلُّ ما يُخالف الحقَّ والرَّشادَ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: هؤلاء المذكورونَ هم المنافقون (٢) الهالكونَ المغبونونَ، فإنَّ المصدرَ منه الخُسْرُ والخَسَار والخُسْران، وكلُّها لثلاثة معانٍ: النُّقصان والهلاك والغَبْن، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] أي: لا تُنقصوا، وقال: ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]؛ أي: الهالكين، وقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٥٣]؛ أي: غَبَنوا. وقال الإمام القشيريُّ رحمه اللَّه تعالى: مِن نقضِ العهدِ أنْ يَحيد سرُّك لحظةً عن شهوده، ومن قَطْعِ ما أُمرت بوصلِه أنْ يتخلَّل أوقاتَك نَفَسٌ يَحُطُّك عن القيام بحقِّه، ومن إفسادك في الأرضِ ساعةٌ تجري عليك ولم تَدُم فيها على مشاهدته: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] (٣). * * *

стр. 617

(٢٨) - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ (كيف) يُستعمل لمعانٍ: للاستفهام المحض: وهو سؤالٌ عن الحال؛ تقول لصاحبك: كيفَ أنتَ؟ وللشَّرْط: تقول لصاحبك: كيف تعامِلْني أُعامِلْك -بجزمهما- وهو على الشرط والجزاء. وللإياسة: تقول لمن أراد أن يَحمل شيئًا وعندك أنَّه يَعجِز عنه: كيف تَحملُه مع ضعفك؟! وللعَرْض: تقول لصاحبك: كيف أنت وكسوةٌ فاخرة؟ أي: هل تريدها. وللإنكار: كيف تَجفو صديقَك وقد وفَاك (١)؟ وللنفي: بمنزلة (ما) و (لا)، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧]؛ أي: ما يكونُ ولا يكونُ، بدليلِ أنَّه استثنى منه فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾. ولتأكيدِ مما قَبْله وتحقيقِ مما بعده: قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]؛ أي: إنَّ اللَّهَ لا يَظلم مثقالَ ذرَّة، فكيف في الآخرة. وبمعنى (لِمَ): كما في قوله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]؛ أي: لمَ لا تقاتلون (٢)؟!

стр. 618

وللتعجُّب: كما في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] أي: تعجَّبْ يا محمد؛ فإنَّه موضع التعجُّب لك (١). وللتعجيب: وهو حملُ الناس على التعجُّب، كما في هذه الآية ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾. واختلف أهلُ التفسير فيه: فقال بعضُهم: أي: لِمَ تكفرونَ باللَّه وهو خَلَقكم. وقيل: أي: كيف استَجَزْتم مِن أنفسِكم الكفرَ باللَّه وهو خالقُكم. وقيل: أي: عجبٌ كيف تكفرونَ باللَّه (٢) خالقِكم. وقيل: هو إنكارٌ. وقيل: هو توبيخٌ. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ ذكرنا الموتَ في تفسير قوله: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩] والإحياءُ: إثباتُ الحياة. وانتظامُ هذا بما قَبْله: أنَّه قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٢٦] ثم وبَّخهم فقال: كيف تستجيزون مِن أنفسِكم أنْ تكفروا باللَّه وهو الذي أَوجَدكم بعد عَدَمكم، قد ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾؛ أي: نُطَفًا أجزاؤها متساويةٌ ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾؛ أي: جعلكم أحياءً، فجعل بعضَ أجزاء النطفة عَظْمًا، وبعضَها لحمًا، وبعضَها عَصَبًا، وبعضَها عُروقًا (٣)، وبعضَها مُخًّا، وبعضها جِلْدًا، وبعضَها شَعَرًا، وجعلك تنطقُ بلحمٍ، وتُبصِر بشحمٍ،

стр. 619

وتسمعُ بعظمٍ، وتعرف بدمٍ، وأَبطشك وأَمشاك، وأَيَّدك وقوَّاك، وجَعلك تستولي على طيورِ الهواء وحيتانِ الماء ووحوشِ الصحراء، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فيجعلكم رُفاتًا كما كنتم في الأصل أمواتًا. ويجوز أن يكون الخطابُ للمسلمين وعتابِهم على وجهٍ آخَرَ: كيف تكفرونَ نِعَمَ اللَّهِ تعالى عليكم، وتسترونَ أياديَه إليكم، وقد (١) كنتم أمواتًا بالكفر فأحياكم بالإيمان، وكنتم أمواتًا بالجهل فأَحياكم بالعلم، وكنتم أمواتًا بالرغبة فأحياكم بالرهبة، وكنتم أمواتًا بالشَّكِّ فأَحياكم باليقين، وكنتم أمواتًا بالاختلاف فأَحياكم بالائتلاف. وقال بعضُ البغداديين: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ بحياةِ أنفسكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بإماتتها. وقال ابنُ عطاء: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ بالظواهر ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالسرائر (٢). وقال فارس (٣): ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ بشواهدكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بمشاهده (٤). وقال الواسطيُّ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ بكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ به. ثم تفسيرُ ظاهرِ الآية على نَظْمها: كنتم نُطَفًا لا حياةَ فيها ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾؛

стр. 620

أي: صوَّركم أحياءً قادرِين عالمين، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند (١) انقضاءِ آجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في القبر للسؤالِ والجواب، وتمهيدِ الثواب والعقاب، ثم يَبعثكم يوم القيامة للجزاء على الأعمال؛ فريقًا للسلاسل والأغلال، وفريقًا للأرائك والظِّلال. وأمَّا على طريقة (٢) الحقيقة؛ فعلى ثلاثِ مراتبَ أشار إليها الإمامُ القشيريُّ ﵀: أولاها: وكنتم أمواتًا بجهلكم عنه، ثم أَحياكم بمعرفتِكم به، ثم يميتُكم عن شواهدكم، ثم يُحييكم به، ثم إليه ترجعون بحفظِ أحكام الشرائعِ ومراعاةِ الحقائق. والثانية: وكنتم أمواتًا ببقاء نفوسِكم، فأَحياكم بفناء نفوسِكم، ثم يميتكم عن شهود ذلك؛ لئلا تلاحظوه فيفسد عليكم (٣)، ثم يحييكم بأخذِكم عنه، ثم إليه ترجعون بتقلُّبكم في قبضته (٤). والثالثة: هذا تقليبُ أحوالهم مدَّةَ حياتهم في دنياهم، كانوا أمواتًا بذواتهم في الأصل فأَحياهم بما أَقام فيهم، ثم أَماتهم عن رؤية البَقاء فأَفناهم، ثم أَثبتهم وأبقاهم، ثم جعل إليه في كلِّ الأحوال مرجعَهم ومنتهاهم، فهم أبدًا بين نفيٍ وإثباتٍ، وإماتةٍ وإحياءٍ، وبقاءٍ وفناءٍ، وصحوٍ ومحوٍ، فمِن المحالِ كفرُ العبد وكفرانُه مع هذه الأحوال (٥).

стр. 621

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾؛ أي: في الدُّنيا (١) عند انقضاءِ آجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ قيل (٢): أي: يومَ القيامة للحسابِ والجزاءِ على أعمالكم. وقال السديُّ: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في القبور ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة (٣)؛ فإنَّ (ثم) للتعقيب على سبيل التراخي، فدلَّ على أنَّه لم يُرِدْ به حياةَ البعث؛ فإنَّ الحياةَ يومئذٍ يُقارنها الرجوعُ إلى اللَّه تعالى بالحساب والجزاء، ويتَّصل (٤) به مِن غير تراخٍ. ودلَّت الآيةُ على إثبات عذابِ القبر وراحةِ القبر، وفي القرآن آيات تدلُّ على ذلك. حُكي عن إبراهيم بنِ جعفرٍ أنَّه قال: خَتمتُ القرآنَ سبعَ مئةِ (٥) مرَّةٍ مع تفكُّرٍ وتدبُّرٍ حتى استنبطتُ ثلاثَ آيات في إثبات ذلك: أحدها: قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] يعني: إلى الموت، ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾ [الأعراف: ٢٥]؛ أي: في القبر؛ لأنَّه في الأرض، والحياةُ بعد الموت إنَّما تكون في القبر، ﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ بعد هذه الحياة في القبر، ﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]؛ أي: مِن القبر بالبعث. والثانية: قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ وهذا خطاب الأحياء فيَنصرف ذلك إلى

стр. 622

إحيائهم بعد موتهم، لأنَّ إحياءَ الحيِّ لا يُتصوَّر، ثم قال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾؛ أي: بعد هذه الحياة، ثم ﴿يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الجاثية: ٢٦]؛ أي: يَبعثكم للجزاء. والثالثة: هذه الآية ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾؛ أي: في أرحام أمَّهاتكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالوِلاد ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في الدُّنيا ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في القبر ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعث يوم القيامة. ومنها: قوله: ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥] والفاء للتعقيب بغير تراخٍ. ومنها: قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ أي: الجحيم. ومنها: قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١]؛ أي: مرَّةً في الدُّنيا بهَتْك السَّتر، ومرَّةً في القبر ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] يعني: في القبر. ومنها: قوله تعالى في حقِّ الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]. ومنها: قوله تعالى: ﴿قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦]. ومنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، روى أبو سعيد الخدريُّ رضي اللَّه تعالى عنه عن النبيِّ ﷺ أنَّه فسَّره بعذاب القبر (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: (ثم) يجيء على سبعةِ أوجه:

стр. 623

أحدها: للترتيب مع التراخي؛ كما في هذه الآية. والثاني: بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦]؛ أي: واللَّه. والثالث: بمعنى (مع)؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]. والرابع: للترتيب في الذِّكر لا في الوجود؛ كما في قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]. وقولِ الشاعر: إنَّ مَن سادَ ثم سادَ أبُوه... ثم قد سادَ بعد ذلكَ جَدُّه (١) والخامس: للتقديم؛ كما في قوله ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ [الصافات: ٦٦] إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨]. والسادس: للابتداء، كما في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر: ٣٢]. والسابع: للتعجُّب (٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. وقوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ قراءةُ عامَّة القُرَّاء بضمِّ التاء، وقرأ يعقوب: "تَرجِعون" بفتح التاء (٣)؛ وهو إخبارٌ عن رجوعهم، والأوَّل إخبارٌ أنَّ اللَّهَ يَفعل بهم ذلك

стр. 624

فيُرجعهم إلى نفسه، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٦٢] وقال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٤٨]. * * * (٢٩) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: ﴿هُوَ﴾ الهاءُ وحدها هي الأصل، والواو إشباعٌ للضمة، وهي كلمةُ إشارةٍ ودلالةٍ على ما سبق (١) ذِكْرُه أو تقدَّم عهدُه، وهي هاهنا دلالةٌ راجعةٌ إلى ما ذكر في الآية التي قَبلها: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾، وانتظامُ هذا بالأوَّل مِن وجهين: أحدهما: أنَّ هذا خطابٌ للكفرة (٢)، ووجهُه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وهو الذي خَلَقكم، وهو الذي خَلَق لكم ما في الأرض جميعًا، فانظروا في تخليقه إيَّاكم إلى قدرته، وانظروا في تخليق ما في الأرض لأجْلكم إلى منَّته، فلا تَستَجِيزوا جحودَ ربوبيته، والتقصيرَ في خدمته، والإعراضَ عن عبادته. والثاني: أنَّه خطابٌ للمؤمنين (٣)، ووجهُ نَظْمها: أنَّه وبَّخ الكافرين ثم لاطَفَ المؤمنين فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فأنتم الأصول في نِعَم الدُّنيا، وأنتم المختصُّون بنِعَم العُقبى، لكم ما في الدُّنيا بطريق الأصالة، وللكفار بطريق التبعيَّة، ولكم نِعَم الآخرة دون الكفار بطريق الخصوصية، قال تعالى: ﴿قُلْ

стр. 625

مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: بالأصالة ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]؛ أي: بدون الكفَّار؛ فلا يَنالون شربةً ممَّا في الجنَّة، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]. وأمَّا التفسير: فقد قيل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾؛ أي: قدَّر أن يكون وقتًا بعد وقتٍ، فإنَّه واقعٌ على كلِّ ما كان في الدُّنيا وما يكون، وقد ذُكر بصيغة الماضي فكان واقعًا على التقدير دون الإيجاد، ثم إنَّ أهلَ الإباحة مِن المتصوِّفة الجَهَلةِ (١) حملوا اللامَ في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ على الإطلاق، والإباحةَ على الإطلاق، وقالوا: لا حَجْر ولا حَظْر، ولا نهيَ ولا أَمْرَ، وإذا تحقَّقت المعرفةُ وتأكَّدت المحبَّةُ، سقطت الخدمةُ وزالت الحرمةُ، فالحبيبُ لا يُكلِّف حبيبَه ما يُتعبه، ولا يَمنعه ما يُريده ويُطلبه، وهذا منهم كفرٌ صُراح (٢)، وخروجٌ مِن الإيمان بإفصاح، فقد نهى اللَّهُ تعالى وأَمَر، وأباح وحظر، ووعد وأَوعد، وبشَّر وهدَّد، والنصوصُ ظاهرةٌ، والدلائلُ متظاهرةٌ، فمَن حَمل هذه الآيةَ على الإباحة المطلَقة، فقد انسلخ مِن الدِّين بالكليَّة، فالمحملُ الصحيحُ ما قاله ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: خلق لمنافعكم ومصالحكم. وشرحُه: أنَّ جميعَ ما في الدنيا (٣) لدَفْع حوائجكم وقِوام (٤) معايشكم، فلا بقاءَ عادةً للبشر إلَّا بالطعام والشراب، ودفعِ الحرِّ والبرد بالأَكْنان والأثواب، وقد

стр. 626

هيَّا ذلك كلَّه فيها لكم، وفيها أيضًا زوائدُ على الضروريَّات؛ مِن تناول الطيبات، والتجمُّل بأنواع الزِّينات، والتقلُّب في وجوه اللَّذات، والاستِرواح بأنواع الراحات، فالسماءُ سقفُكم، والشمسُ سراجُكم، والقمر نورُكم، والنجوم هُداكم، والرِّيح رَوحكم، والغيث غياثُكم، والثلج ثَلَجكم، والسحاب ظلُّكم، والأرض بساطُكم، والبحار والأنهار سِقاؤكم، والحبوب والثمار أرزاقُكم، والأورادُ والرَّياحين طِيْبكم، والرياضُ والحدائق متنزَّهاتُكم، والأدويةُ علاجُكم، والثيابُ النفيسة ملابسُكم، والجواهرُ حُليُّكم، واللحومُ الطيِّبة مآكلُكم، والأنعامُ والسُّفن مراكبُكم، ثم إنَّكم تملكون ما كان مِن جنس الصور؛ كالحطب (١) والحشيش وثمار الجبال والبراري، التي هي غيرُ مملوكةٍ بالاستيلاء نفسه، وما في أيدي الملَّاك بالعقود المشروعة الصحيحة، وإباحتِهم وإهدائهم وهبتهم (٢)، وتنتفعون بالأعيان المملوكة للأغيار بالإعارة والإجارة والإباحة فيما شُرعَ فيه ذلك، وتنتفعون بالكلِّ بالنظر إليها، وشَمِّ رياحها، والاستظلالِ بظلالها (٣)، والسلوكِ في طُرقها، واستلذاذِ الأسماع بطِيب (٤) أصواتها، فيما ليس فيه ارتكابُ محرَّم واجتلابُ مأثم، والوصولِ إلى ملاذِّ الأنكحة بمِلْك النكاح وملكِ اليمين. وأمَّا الحيوانات الضارَّة المؤذية والأعيان النجسة الخبيثة، ففيها تذكيرُ عقوبات الجحيم، ومعرفةُ النِّعَم في (٥) أضدادها، وهو نفعٌ عظيمٌ، وأعظمُ ذلك كلِّه نَفْعُ (٦)

стр. 627

الاستدلالِ بها على وحدانيَّة اللَّه تعالى قال اللَّه تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] فالبناءُ دليلٌ على الباني، والخطُّ دليلٌ على الكاتب، والصياغةُ على الصائغ، والمصنوعُ على الصانع. وأمَّا أهلُ الحقيقة فقد قالوا فيه أقاويل: قال بعضهم: معناه: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ لتتقوَّوا به على طاعته، لا لتَصرِفوه في وجوه معصيته. وقيل: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ ذلك لتَعدُّوا نعمة اللَّه (١) عليكم، فتَقْتَضُوا الشكرَ مِن أنفسكم، طلبًا للمزيد على ما لديكم. وقال ابنُ عطاء: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ ليكون الكونُ كلُّه لك، وتكون أنتَ بكلِّيَّتك للَّه تعالى، فلا تشتغلَ بما لَكَ عمَّن أنتَ له (٢). وقال الإمام القشيريُّ: سخَّر لكم جميعَ المخلوقات على معنى حصولِ الانتفاع بكلِّ شيءٍ منها، فعلى الأرض تستقرُّون، وتحت السماء تَستكنون، وبكلِّ مخلوقٍ بوجهٍ آخَر تنتفعون، بل ما مِن عينٍ ولا أَثر فكَّرتم فيه إلَّا وكمالُ قدرته وظهورُ ربوبيته به تَعرفون (٣). واختلف أهلُ الأصول في الأفعال والأعيان، قبل ورود (٤) السمع أنَّها على الحَظْر أو على الإباحة أو الوقف، وكلُّ ذلك في حقِّ مَن يصحُّ تكليفه مِن البشر دون

стр. 628

غيرهم، وفي الأفعال الاختيارية دون ما يقع بالطبيعةِ والجواهر إذ لا (١) يدخل ذلك في التكليف. أمَّا الأفعال: فعند الأشعريَّة لا حظرَ ولا إباحةَ ولا وجوبَ قبل ورود الشرع، فالحظر بالنهي، والوجوب بالأمر، والإباحة بالإطلاق، وقد انعدم ذلك كلُّه، ومَن نسب إلى الأشعرية التوقُّف في ذلك كلِّه فهو خطأٌ؛ لأنَّ القولَ بالتوقُّف قولٌ بوجوب اعتقاد التوقُّف، وهم لا يَرَون الوجوبَ بدون السمع. وقال جماعةٌ مِن فقهاء أهلِ الحديث ومتكلِّميهم وبعضُ المعتزلة والإماميَّة: إنَّها على الحظر؛ لأنَّه تناولٌ في مِلك الغير والتصرُّف فيه مِن غير إذنِ صاحب الحقِّ. وقالت المعتزلةُ مِن المتكلِّمين، والفقهاءُ العراقيون -أبو الحسن الكَرْخيُّ وأبو بكرٍ الرازيُّ وغيرهما-: هي على (٢) الإباحة؛ لهذه الآية، ولقولِه: ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ﴾ [إبراهيم: ٣٢]، وهذا لأنَّ الأشياءَ لمَّا خُلقت للمكلَّفين، كان مطلقًا لهم الانتفاعُ بها إلَّا أنْ يَرِدَ دليلُ السمع (٣) بالحظر، ولأنَّها خُلقت منتفَعًا بها ولا يَنتفع بها الخالق، فلو لم يَنتفع بها الخلقُ، لم يكن في إيجادها فائدةٌ وحكمةٌ. وقال أهلُ الحقِّ -وهم أهلُ السُّنَّة والجماعة-: ما عُرف أنَّ له عاقبةً حميدةً ثبت حُسْنه، وما عُرف أنْ ليس له عاقبةٌ حميدةٌ ثبت قُبحه، فيثبت الوجوبُ والحظر، وما لا وقوفَ للعقل عليه فلا معنى للقول فيه بالحظر والإباحة أو الوجوب (٤)، بل يُمكن أنْ يكون له عاقبةٌ حميدةٌ، ويمكن خلافُه، فلا وجه للقول بشيءٍ تحَكُّمًا بلا دليل.

стр. 629

وليس هذا بتوقُّفٍ منَّا كما قالت الأشعريَّةُ، بل عندهم لا حكمَ لها أصلًا، وعندنا هي ممكنةٌ أن يكون كذا وكذا، ويظهر بورود السمع. وأمَّا الأعيانُ: فما يُتصوَّر فيه الأكلُ والشربُ، وهي تنقسم ثلاثةَ أقسام، فمنها ما هو غذاءٌ، ومنها ما هو دواءٌ، ومنها ما هو سُمٌّ قاتلٌ، ولا يُعرف ذلك بالحسِّ والعقلِ، فلا بُدَّ مِن ورود السمع به، ولا (١) يجوز الإقدام بنفسه على تجريبه (٢)؛ لِمَا فيه مِن خوف الهلاك، وبيانُ هذه الأصول في كتب الكلام، وهذا القَدْر كافٍ هاهنا، وباللَّه العصمةُ. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (استوى) في اللغة لثلاثة أشياء: استوى الرجل؛ أي: انتهى شبابُه. واستوى بعد ما اعوجَّ؛ أي: استقام. وفعلتَ كذا ثم استويتَ إليَّ تَشتمني (٣)؛ أي: أقبلتَ. وفي القرآن ورد لأشياء: لبلوغ الإنسان غايته: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]. وللتَّساوي: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]. وللجلوس: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]. وللرُّكوب: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣]. وللقيام: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وللاستقرار: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤].

стр. 630

وقد ورد هذا للاستيلاء في قولِ الشاعر: قد استوى بِشْرٌ على العِراقِ... مِن غيرِ سيفٍ ودمٍ مهراقِ (١) وعلى هذا حَمَل بعضُ أهلِ العلم قولَه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: معناه: استولي؛ أي: هو مالكُ المُلْك ومَلِكُ الملوك في الأزل والأبد، لا بحدوثِ مُلْكٍ وتجدُّدِ (٢) ولايةٍ، وهو كسائر ما يُذكر في (٣) صفاتِ اللَّه تعالى أنَّه فَعل كذا ويَفعل كذا، ليس ذلك لانقضاء (٤) ما كان في الماضي، ولا لحدوث (٥) ما يكون في المستقبل، بل هو وصفٌ أزليٌّ أبديٌّ، وصيغة الماضي والحال والمستقبل لظهور المخلوق المفعول (٦) في زمانٍ مخصوصٍ. ويُذكر (استوى) أيضًا للصُّعود وللإقبال، وقد ورد عن بعضِ أهلِ التفسير في هذه الآية ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ أي: صعد، وعن بعضِهم؛ أي: أقبل. والمُشبِّهة يُجرون هذه المتشابهات على ظواهرها، ويُجوِّزون على اللَّه تعالى ذلك، واللَّهُ تعالى منزَّه عنه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٧).

стр. 631

وأهلُ الحقِّ يُؤوِّلون ذلك كلَّه على موافقة الأصول: فأمَّا تأويلُ هذه الآية على قولِ مَن فسَّره بالصعود: أن قوله: ﴿اسْتَوَى﴾؛ أي: صَعِد الدخانُ، فقد قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فكان في الأرض دخانٌ فصعد ذلك، فخَلَقه اللَّهُ تعالى سماءً، كما قال في آية أخرى: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]. وتأويلُها على قول مَن فسَّر ذلك بالإقبال: أنَّه استعارةٌ لطيفةٌ، فإنَّ مَن رتَّب فعلين وهو مِن المخلوقين، يقال: إنَّه فعل كذا ثم أقبل على كذا؛ أي: أكمل الأول ثم (١) حقَّق إرادة الثاني، فقرَّر اللَّهُ تعالى هذا في أفهام الخَلْق: أنَّه أَكملَ خلق الأرض، ثم رتَّب عليه خلقَ السماء، ولا يُفهم مِن هذا ما يُفهم مِن ترتيب فعل البشر: أنَّ الأولَ يَنقضي ثم الثاني يأتي، بل معناه ما قلنا: أنَّ فعلَ اللَّه تعالى أزلي أبديٌّ، لكن ترتَّبَ ذكرُ الأشياء لترتُّب ظهور الآثار في الأعيان. هذان تأويلان خارجان على تفسير السَّلَف بالصعود والإقبال. وتأويل آخَرُ: أنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا إلى السماء؛ أي: خلق ذلك كلَّه، ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ أي: انتَظم ذلك كلّه. وثَمَّ تأويلٌ آخَرُ: أنَّ الاستواءَ في الآية مذكورٌ مِن اللَّه تعالى، والمرادُ منه الاستواءُ مِن السماء، وهو (٢) على القلب، كما في قوله تعالى: ﴿نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] أي: كيف يكلِّمنا هو؟ وفي قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، أي: أنا عدوٌّ لهم، وإنَّهم عدوٌّ لي.

стр. 632

ودلَّت الآيةُ على خَلْق الأرض قبل السماء، وفيه أقاويل ثلاثة: قيل: خلَقهما معًا؛ بدليل قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وقال قتادةُ والسديُّ: خلق السماء أوَّلًا ثم الأرض، بدليل قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، وهذا أعجبُ في القُدرة، وهو إظهارُ السَّقف قبل الأساس. فأمَّا قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ فـ (ثمَّ) لترتيبِ الإخبار عنه لا لترتيبِ الوجود، كما في قوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) [آل عمران: ٥٩]. وقال ابن عباس ومجاهدٌ رضي اللَّه تعالى عنهم: خلق الأرض أوَّلًا ثم السماء، بدليل هذه الآية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٢)، فأمَّا قولُه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، فمعناه: مع ذلك، كما في قوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: مع الإيمان، ولأنَّه قال: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، ولم يقل: خَلَقها ودحاها؛ أي: بَسَطها. وبه نقول: إنَّه خلق الأرض ثم السماوات، ثم بَسَط الأرضين، وهو أقربُ إلى الحكمة: تمهيدُ الأساس، ثم رفعُ البناء، ثم بسطُ الأساس. وقال ابنُ عباس ﵄: أوَّل ما خلق اللَّهُ جوهرةً طولُها وعرضُها مسيرةُ ألفِ سنة في مسيرة عشرة آلاف سنة، فنَظر إليها بالهيبة فذابت واضطربت، ثم ثارَ منها دخانٌ فارتفع، واجتمع زَبَدٌ فقام فوق الماء، فجعل الزَّبَدَ أرضًا والدخانَ سماء.

стр. 633

قالوا: فالسماء مِن دخانٍ خُلقت، وبريحٍ ارتفعت، وبإشارةٍ تفرَّقت، وبلا عمادٍ قامت، وبنفخةٍ انكسرت (١). وقوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: ذِكرُ هذه الكناية على الجمعِ دليلٌ أنَّ المرادَ بالسماء السماواتُ، وهي جمعٌ، والواحدة: سماة، ومعنى (سوَّاهنَّ): قوَّمَهنَّ؛ أي: جعلهنَّ مستوياتٍ محكَماتٍ، وقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] معناه: خلَقْته، وفي قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨]؛ أي: نجعلكم وإيَّاه سواءٍ. قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ (سواهنَّ)، وقد قال سلمانُ ﵁: هي سبعٌ؛ اسمُ الأولى: رقيعاء؛ وهي مِن زمرُّدة خضراءَ، واسمُ الثانية: أرفلون؛ وهي مِن فضَّة بيضاء، والثالثةُ: قيدوم؛ وهي مِن ياقوتة حمراء، والرابعة: ماعون؛ وهي مِن دُرَّة بيضاء، والخامسة: دبقاء (٢)؛ وهي مِن ذهبة حمراء، والسادسة: دفناء؛ وهي مِن ياقوتة صفراء، والسابعة: عريباء؛ وهي مِن نورٍ يتلألأ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (كُلّ) كلمةُ إحاطةٍ واشتمالٍ؛ أي: وهو عالمُ كلِّ (٤): شيءٍ، والباء تدخل صلةً في العلم تأكيدًا، ويصحُّ لدونها وضعًا (٥)، ومعناه: أنَّه عالمٌ بخلق الأرضينَ والسماوات، وغيرِهما مِن الذوات والصفات. * * *

стр. 634

(٣٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ انتظامُ هذه القصَّة بما قَبلها مِن وجوه: أحدها: أنَّه أَخبر عن خلق السماوات والأرض، ثم أَخبر أنَّه خلق بعدهما البشر، وأبوهم آدم، وأخبر الملائكة قبل خلقه أنَّه يَخلقه ويَستخلفه. والثاني: أنَّه قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ثم خلقكم فهيَّأ أسبابَكم ثم أخرجكم، وفيه تفريغُ قلوبكم وتفريجُ كروبكم (١). والثالث: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وقد خلقكم وخلقَ الأشياءَ كلَّها لكم، وأَنعم على أبيكم بما ذكر في (٢) تمام القصة، وذكرُ النِّعمِ على السالفين استبداءُ الشُّكر على الخالفين، كما عدَّ نِعَمَ بني إسرائيل على أولادهم فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] إلى آخر القصة، ولذلك (٣) ذكر تلك القِصص بعد هذه القصَّة لتقارُبها. وبَدَأ القصةَ بقوله عزَّ وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ والواو للاستئناف، وأصله للعطف، وهذا عطفُ جملةٍ على جملةٍ، و (إذ) كلمة ظرفٍ للزَّمان الماضي، وقد يَجيء لغيره، وقد قالوا: إنَّه يَجيء على خمسة أوجه: للماضي (٤): كما في قوله ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥].

стр. 635

وللحال في الماضي: كما قال ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤]. وللحال: كما قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]. وللمستقبل المحض: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦]. وللزيادة والتأكيد: كما في أوائل القصص: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٤] ونحوِه عند بعضهم، وهو قولُ أبي عبيدة (١)، وخالفه سائرُ أهل اللغة وقالوا: هو للتوقيت؛ وله وجهان: أحدهما: واذْكُر يا محمَّد حين قال اللَّه تعالى للملائكة هذا. والثاني: خلَقكم حين أتمَّ خلقَ السماوات والأرض، وحين قال للملائكة كذا. و ﴿رَبُّكَ﴾ خطابٌ للنبيِّ محمد ﵇. وقوله تعالى: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ هو جمع: المَلَك، وهو يُجمَع على: الأَمْلاك والمَلائِك والمَلائِكة، وأصل المَلَك: المَأْلَك، مِن الأَلوك وهو الرِّسالة، قال لبيد: وغلامٍ أَرسلتْهُ أُمُّه... بِأَلوكٍ فبذَلْنا ما سَأَلْ (٢) والملائكةُ: رسلُ اللَّهِ تعالى؛ قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]. والمَأْلَك قُلِبَ فقيل: مَلْأك، وجُمع على الملائكة، وهي المَفاعِلَة كالمَهالِبَة، والمُستعمَل في الواحد: مَلَك، بحذف الهمزة تخفيفًا.
следующие страницы →