← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

قوله: ﴿بُرْهَانَانِ﴾؛ أي: حجَّتان ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ (١) على صدق نبوتك. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: أي: على إرسالك إلى فرعون وأشرافِ قومه. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ متقادمِين في (٢) الفسق، وهو الخروج عن طاعة اللَّه. * * * (٣٣ - ٣٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾: أي: القبطيَّ الذي مرَّ ذكره ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به، وهو خوف الطبع. ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾: أي: أَبْيَنُ كلامًا ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾؛ أي: اجعله رسولًا إليهم معي ﴿رِدْءًا﴾؛ أي: عونًا على تبليغ الرسالة. ﴿يُصَدِّقُنِي﴾: قرأ عاصم وحمزة برفع القاف على الصفة، وقرأ الباقون بالجزم على الجزاء (٣). ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾: فإذا كان معي أخي قمنا بمحاجَّتهم. * * * (٣٥) - ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾: أي: سنقوِّيك به، وهو مجاز.

стр. 5707

﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: أي: حجةً، وقيل: قوة وقدرة ومنعة. ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾: أي: فلا يصيبونكما بمكروهٍ. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: قيل: هو متصل بقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا. . . بِآيَاتِنَا﴾. وقيل: هو متأخر، وتقديره: (أنتما ومَن اتَّبعكُما الغالبون بآياتنا) وهي المعجزات. ويجوز أن تكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ مقرَّرةً في موضعها: فلا يَصلُون إليكما بسبب آياتنا، وكان له ثلاثة أوجهٍ، وقد مرت القصة مرات. * * * (٣٦ - ٣٧) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: أي: بمعجزاتنا ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحاتٍ ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾؛ أي: مختلَقٌ لا حقيقةَ له ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾: ما دعَونا إلى التوحيد. ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: أجملَ الكلامَ تلطُّفًا في الخطاب، ومعناه: ما جئتكم به حقٌّ وهدًى وليس بسحرٍ، وربي عالمٌ بذلك، وأنتم ظالمون، وحُسنُ العاقبة لي في الدنيا والآخرة ولمَن اتَّبعني لا لكم. * * * (٣٨) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.

стр. 5708

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾: فلا تسمعوا قول موسى ولا تجيبوه إلى التوحيد. قال ابن عباس ﵄: كان بين قوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وبين قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ أربعون سنة (١). وقال الحسن: لقد أملى اللَّه لفرعون بعد هاتين (٢) الكلمتين أربعين سنة. وقيل في قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾: أي: الكلمةِ الآخرةِ والكلمةِ الأولى وهما هاتان. قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ﴾: هو وزيرُه ﴿عَلَى الطِّينِ﴾؛ أي: فاطبخه فاجعله آجُرًّا. قال قتادة: هو أولُ مَن طبَخَ الآجرَّ وبنى به (٣). ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾: أي: اتخِذْ لي منه قصرًا عاليًا ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾؛ أي: واجعل لي مراقيَ أَرْقاها فأَرى إلهَ موسى، أو قال: فأصِلَ إلى إله موسى، ظنَّ اللعين أن موسى يقول: إن اللَّه في السماء؛ لإظهاره نزول الوحي عليه من السماء، فقال: أصعدُ فأنظرُ إليه. وقد ناقض اللعين في كلامه من وجوه؛ قال أولًا: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ثم أقر فقال: ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، ثم ذكر من نفسه الظنَّ فقال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: أظنُّ موسى يكذِبُ في دعواه أن له إلهًا، وأنه أرسله إلينا رسولًا يدعونا إلى توحيده وعبادته.

стр. 5709

(٣٩ - ٤٠) - ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾: أي: تعظَّم عن الاستسلام والإسلام ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أرضِ مصر ﴿بِغَيْرِ الْحَق﴾؛ أي: بالباطل ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا﴾؛ أي: إلى حسابنا وجزائنا ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة، وليس هذا بعذرٍ لهم، بل ذمٌّ (١) بالجهل وتركِ التأمُّل في الآيات حتى يعلموا. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾: أي: عاقبناهم ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمّ﴾؛ أي: فألقيناهم في البحر فأغرقناهم، على ما مرت قصتُه. ﴿فَانْظُرْ﴾: يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فليَحْذرْ قومك أن يجري عليهم مثلَ ذلك. * * * (٤١ - ٤٢) - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾: أي: قادةً في الشر والضلال ليقتديَ بهم فيها أمثالهم ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ وفيه دلالةُ خلقِ اللَّه تعالى أفعالَ العباد ودلالةُ الإرادة (٢). ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾: أي: لا يَمنع العذابَ عنهم مانعٌ.

стр. 5710

﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾: أي: ألزمناهم طردًا وتبعيدًا عن كلِّ خير، وقيل: هو ما يَلحقهم من لعنِ الناس إياهم بعدهم. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾: قال ابن كيسان: أي: من المهلَكين. وقال الخليل: قبَّحه اللَّه؛ أي: نحَّاه من كلِّ خير (١). وقيل: من المشوَّهين، والتشويه: تقبيحُ الخِلقة. * * * (٤٣ - ٤٤) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أي: التوراةَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾؛ أي: بعد أممٍ قد مضت أهلكناها بكفرها ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي: حججًا للناس وهم بنو إسرائيل، والتوراةُ جعلت بصائرَ لهم يبصرون بها الرشد. ﴿وَهُدًى﴾ إلى الحق ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن اتبعها وعمل بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: ليتَّعظوا بها. ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾؛ أي: بجانب الجبل الغربي، وقيل: أي: الوادي الغربي. وقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه، فإن الغربي هو الجانب، وهو كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩].

стр. 5711

قوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾: أي: كلَّمناه وقرَّبناه نجيًّا، وأتممنا تعريفه وأمره به. ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: أي: من الحاضرين ذلك. * * * (٤٥) - ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: أي: لم تكن هناك ولا حضرْتَ ما جرى من الأمر فيكونَ إخبارك قومَك به عن مشاهدةٍ، ولكنَّا أنشأنا قرونًا ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ وفتَرتِ النبوة، وكادت الأخبار تخفى والشرائعُ تَدْرُس، ولحقَ كثيرًا منها التحريف. ثم هاهنا مضمر: فأرسلناك مجدِّدًا (١) لها، مبيِّنًا ما وقع التحريف فيه (٢)، رحمةً وهدًى وتبصيرًا لعلهم يتذكَّرون، كما فعلنا ذلك بموسى. ومنهم مَن قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِين﴾ عليه؛ لأن الحضور مستفادٌ بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾. ومنهم مَن حقَّق الأول وقال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (٣) عبارةٌ عن الوجود ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِين﴾ عبارةٌ عن الشهود، فلم يتكرر. ثم إخبارُه عن ذلك ولم يَشهده دليلٌ على صحة دعواه الرسالةَ كما عُرف. قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾: أي: ولم تكن أيضًا مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ

стр. 5712

مَدْيَنَ﴾؛ أي: لم تكن أنت الرسول إلى أهلها ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ في كل زمانٍ رسولًا، فأرسلنا فيهم شعيبًا، وأرسلناك في آخر الزمان لتكون خاتم الأنبياء. وقال الفراء: معناه: وما كنت ثاويًا في أهل مدين [و] مع موسى مقيمًا تراه وتسمعه، وها أنت تتلو عليهم آياتنا (١)، فهو منقطع عن الأول إثباتًا للحال لا نفيًا في الماضي. * * * (٤٦) - ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾: أي: وما كنتَ أيضًا بجانب الطور إذ نادينا (٢) موسى إذ جاء لميقاتنا مع السبعين، فكلَّمناه وأعطيناه الألواح. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: ولكن عرَّفناك ذلك (٣) رحمة منا إظهارًا لنبوتك. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: وهم العرب ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: يتَّعظون (٤). وقد روي في قوله: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ أنه قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآيات.

стр. 5713

وقال أبو زرعة: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ قال: نودوا أن يا أمة محمد أعطيتُكم قبل أن تسألوني، واستجبتُ لكم قبل أن تدعوني (١). وقال مقاتل بن حيان: أي: نادينا أمتك وهم في أصلاب آبائهم (٢). وقال وهب: قال موسى: يا رب، أرني محمدًا، قال: إنك لن تصل إليه، وإن شئتَ ناديتُ أمتَه فأسمعتُك صوتَهم (٣). وقيل في قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: معناه: إن قومك يا محمد حدَثوا في الدنيا بعد موسى وسائر الأنبياء بدهر طويل، فلم يَعرفوا إرسال الرسل إليهم فأنكروا. وقيل: كانت الفترة بين عيسى ومحمد ﵉ خمسَ مئةٍ وخمسين سنةً. * * * (٤٧) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 5714

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: لولا أنَّا لو (١) عاجلناهم بالعقوبة بما ارتكبوه من المعاصي لقالوا: هلَّا أرسلت إلينا رسولًا فكنا نؤمنُ به ونتَّبع القرآن الذي أنزلته ونصدِّقُ به، لما أرسلنا إليهم رسولًا، هذا الجواب محذوفٌ لدلالة ظاهر الكلام عليه. * * * (٤٨) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: النبيُّ المرسل، وهو محمد ﷺ ، والكتاب المنزل وهو القرآن، تحكَّموا على اللَّه ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ﴾؛ أي: محمد ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من الآيات كفَلْق البحر ونحوه. وقيل: هلَّا أنزل عليه القرآن جملةً واحدةً كالتوراة. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: أي: أوليس هؤلاء المشركون كافرين بما أوتي موسى من قبلِ محمد. وقيل: من قبلِ هذا القول. ﴿قالوا ساحران تظاهَرَا﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿سِحْرَانِ﴾ بغير ألفٍ؛ أي: التوراةُ والقرآن سحران تعاوَنا على خديعة الناس وصَرْفهم عن دين آبائهم (٢).

стр. 5715

وقرأ الباقون: ﴿ساحران تظاهرا﴾ (١)؛ أي: موسى ومحمدٌ خادعان (٢) الناس تعاوَنا على ذلك؛ أي: فما معنى قولهم: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ وهم بموسى كافرون ككفرهم بمحمد. ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾: أي: بكلٍّ من السِّحرين؛ أو: الساحرين. وقيل: هذا إشارةٌ إلى مَن كفر بموسى من القوم الذين بُعث إليهم، والمعنى: أن نزول التوراة على موسى جملةً واحدةً لم يمنع كثيرًا من أولئك من الكفر به، حتى قالوا: موسى وهارون ساحران تظاهرا -أو: كلامهما سحران تظاهرا- فكفرُ مشركي العرب كذلك. * * * (٤٩ - ٥٠) - ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: فإذ كذَّبتم يا معشر العرب بهذين الكتابين ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ فيكونَ ذلك عذرًا لكم في الكفر بهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنهما سحران لا هدايةَ فيهما، ويَلزمني بذلك أيضًا اتِّباعُ ذلك الأهدى وتركُ ما أنزله اللَّه عليَّ وعلى موسى، وهذا دليلٌ على أن أولى القراءتين: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٣).

стр. 5716

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾: أي: فإن لم يُجيبوك إلى الإيمان بالكتابين مع عجزهم عن الإتيان بأهدى منهما. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾: وليس بهم طلبُ الحق وتعرُّفُه واتِّباعُه. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: لا أضلُّ منه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: وهم هؤلاء. * * * (٥١) - ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: ولقد تابَعْنا، والتوصيل: تكثيرُ الوَصْل وتكريره؛ أي: أَتْبعنا لهم الوعد والوعيد والإخبارَ عن الأمم الماضين (١) بعضَه بعضًا ليتذكَّروا؛ أي: فعلنا ذلك لينفعَهم لا ليزداد شيءٌ في ملكنا. وقوله: ﴿لَهُمُ﴾؛ أي: لمشركي العرب. وقال نِفْطويه: ﴿وَصَّلْنَا﴾؛ أي: أنزلناه شيئًا بعد شيء ليكون لهم أَدْعَى، وهذا (٢) جواب قولهم: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من التوراة جملةً. وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَصَّلْنَا﴾: بيَّنَّا (٣). وقال قطرب: أتممنا.

стр. 5717

وقال الفرَّاء: أنزلناه يَتْبعُ بعضُه بعضًا (١). وقال ابن زيد: ﴿الْقَوْلَ﴾؛ أي (٢): الخبر عن أمر الدنيا والآخرة (٣). * * * (٥٢) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي: التوراة من بني إسرائيل ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل القرآن، وقيل: قبل محمد. ﴿هُمْ بِهِ﴾: أي: بالقرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدِّقون، وهم عبد اللَّه بن سلام وأصحابه ومَن آمَن من أهل الكتاب. وقيل: هم أربعون نفرًا؛ اثنان وثلاثون منهم جاؤوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة فآمنوا، وثمانيةُ نفرٍ من الشام: بَحيرا وأبرهةُ والأشرفُ وتمَّامٌ وإدريسُ وأيمنُ ونافعٌ وتميمٌ (٤). وهؤلاء حجةٌ على مَن خالفهم ممن كانوا يرجعون إليهم ويعتمدون على قولهم، وفي تكذيبهم إياهم بيانُ أنهم معاندون. * * * (٥٣ - ٥٤) - ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.

стр. 5718

﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: أي: القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: صدَّقناه. ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾: أي: مِن قبلِ مجيء محمدٍ ﷺ ونزولِ القرآن عليه ﴿مُسْلِمِينَ﴾: دائنينَ بدينِ الإسلام منقادِينَ له عالمين بصحته؛ لِمَا كان مِن ذكره في كتابنا (١). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾: أي: هؤلاء الذين كانوا (٢) آمَنوا بالكتاب الأول والرسولِ الأول ثم آمنوا بك وبكتابك يُعطون ثوابهم مرتين ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾؛ أي: ثبتوا على الحق فلم يبدِّلوه. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: أي: يدفعون ما ينالُهم ممن يخالفُهم في الدِّين -من مكروهٍ وشتمٍ وسخرية- بالحسنة؛ أي: الاحتمالِ والصبرِ والقولِ الجميل. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: في وجوه الطاعات ولا يبخلون؛ ثقةً بوعدِ الخُلفِ والثواب، لا كالمشركين. * * * (٥٥) - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾: أي: الباطل من المشركين. ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾: فلم يُصغوا إليه ولم يجيبوا عنه. ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا﴾: رضينا بما نحن عليه من الدِّين. ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: التي رضيتُم بها.

стр. 5719

﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: أمانٌ منَّا لكم أن نقابل لغوَكم بمثله. ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: لا نرضى بمجاورة الجاهلين ومُعاشَرتهم والتخلُّقِ بأخلاقهم. * * * (٥٦) - ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: أي: لا يجري (١) اهتداءُ الناس على محبتك. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: يخلُق فعل الاهتداء فيمَن يشاء. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: أي: سبق علمُه بمن يختار الهداية فيهديه، والآيةُ عامةُ الصيغة. وقيل: إنها نزلت في حقِّ أبي طالب على الخصوص، قال ابن عباس ﵁: كان النبي ﷺ حريصًا على إسلامه لتكفُّله إياه في صباه وذبِّه عنه في كبره، حتى قال أبو طالب لقريش حين همُّوا بقتله (٢): كذبتُم وبيتِ اللَّه لا تقتلونه... ولمَّا نطاعنْ حوله ونقاتلِ ونسلمُه حتى نصرَّعَ حوله... ونَذْهَل عن أبنائنا والحلائلِ (٣)

стр. 5720

وكان يقول لقريش: صدِّقوا ابنَ أخي وآمِنوا به تَرْشُدوا وتُفلِحوا، وكان النبي ﷺ يقول له: "أتأمرهم بالنصيحة وتتركها لنفسك؟! "، وحضره عند موته فقال أبو طالب: ما تريد يا ابن أخي؟ قال: "أريد أن تشهد بشهادة الحق أشفع لك بها عند اللَّه"، وكان عنده أبو جهل وجماعةٌ من كفار قريش فقالوا له: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ أترغب عن ملة آبائك؟ فما زالوا به حتى كان آخرَ ما قال أبو طالب: يا ابن أخي، إني أعلم أنك صادق، ولكني أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا ذلك لأقرَرْتُ عينَك به، ولكن أموت على ملة أشياخي عبد المطلب وهاشم وعبد مناف، وقضى، وقام ﵇ من عنده باكيًا ونزلت هذه الآية (١). وقال ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾؛ أي: لا تقدر على أن (٢) تنوِّر قلبَ مَن أحببتَ، ولكن اللَّه يفعل ذلك. وقيل له: إنك شفيعُ الجناية لا شريكُ الهداية. * * *

стр. 5721

(٥٧) - ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾: أي (١): وقال المشركون: يا محمد، إنْ نتَّبع الهدى فنكونَ معك؛ أي: نتَّبع الهدى الذي معك -وهو القرآن- يجتمع العرب على محاربتنا ليُخرجونا من أرضنا. والتخطُّف: الاستلاب بسرعة. وهو تعلُّلٌ فاسد منهم تعلَّقوا به عند عجزهم عن معارضة حقِّه وردِّه. ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾: أولم نجعل مكانهم في حرمٍ آمنٍ؛ أي: مأمونٍ فيه، و (آمِنٌ) في معنى: ذي أمنٍ لا يُسْبَون فيه ولا يُغار عليهم، ولا يُتعرَّض لهم بمكروهٍ، ثم هذا الحرمُ في موضعٍ لا ضرعَ فيه ولا زرع. ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: يُجمع (٢) ويُجلبُ إليه ثمراتُ كلِّ بلدة. وقيل: أي يُحمل إليه من كلِّ شيء أرفعُه وأنفعُه؛ كما يقال: ثمرةُ الكلام. ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾: أي: عطيةً مِن عندنا؛ أي: تفضُّلًا منا؛ أي: فمَن فعَل ذلك بكم في حالِ كفركم فهو قادرٌ على أن يحفظكم (٣) حالَ إسلامكم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾: لا يتأمَّلون فيعلمون هذا. وقيل: نزلت في شأن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد منافٍ، قال لرسول اللَّه

стр. 5722

- ﷺ : إنَّا لنعلمُ إنك لصادق، ولكن العرب فيهم كثرةٌ ونحن في جنبهم أَكَلةُ رأسٍ، فإن آمنَّا بك آذَوْنا وأخرجونا، فنزلت الآية (١). * * * (٥٨) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: من أهل بلدةٍ ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾؛ أي: طغَتْ في معيشتها وأَغفلت شكرَها. ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: فتلك منازلهم في البلاد باقيةُ الآثار، يشهدونها في الأسفار؛ كبلاد ثمودَ وقومِ شعيبٍ وغيرهم، قد خَرِبت من (٢) بعدهم ولم يسكنها أحدٌ لخرابها ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منها لم يخرب. وقال ابن عباس ﵄: لم يسكنها إلا المسافر ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة (٣).

стр. 5723

وقيل: لم يسكنها إلا الخُطَّاف والهَوَامُّ (١). ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾: أي: صار أمر تلك البلاد وأهلها إلينا وزال عنها سلطانهم؛ أي: إني قادر على أن أفعل بكم كذلك ولا ينفعكم تحرُّزكم من أن يتخطَّفوكم. * * * (٥٩) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾: أي: لم يكن اللَّه ليُهلِكَ البلادَ التي حول مكة ﴿يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ وهي مكةُ؛ لأنَّها أم القرى؛ لأنَّها أصل البلاد فإنها أولُ ما خلق منها. وقيل: لأن الأرض دُحيت من تحتها. ﴿رَسُولًا﴾: وهو محمد ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾؛ أي: القرآنَ؛ أي: وما كنتُ لأُهلك العرب مع كفرهم حتى أُلزم الحجة عليهم بالرسول والكتاب. وقيل: هي عامة؛ أي: لم يكن اللَّه ليهلك القرى فيما مضى حتى يبعث في سرَّة تلك البلاد -أي: معظمها- نبيًّا فيَعلمَ به مَن سواهم. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾: أي: وما أهلكناهم بالانتقام إلا وأهلها مستحِقُّون العذابَ بظلمهم، وهو إصرارُهم على كفرهم بعد الإعذار إليهم. * * *

стр. 5724

(٦٠) - ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: وما أُعطيتُم في الدنيا من شيءٍ من الأموال ونحوها فتراءَيتم به على الضَّعَفة وتركتُم به الإيمان ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾: أي: فهو شيء يُنتفع به في الحياة القريبة التي تنقضي قريبًا وينقضي المتاع بانقضاء الحياة الدنيا، وهو زينةٌ من زِيَن (١) الدنيا. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: ما أعدَّه للمؤمنين ﴿خَيْرٌ﴾ من متاع الدنيا ﴿وَأَبْقَى﴾. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفليست لكم عقول تعلمون بها الأَوْلى بالاختيار. * * * (٦١) - ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾: أي: هل مَن وعدناه على الإيمان والطاعة وعدًا حسنًا وهو الجنةُ وما فيها من الثواب ﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾؛ أي رائيهِ، فوَثِق بوعدنا (٢) واجتهد في طاعتنا فصيَّرناه إليها ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فاغترَّ به واشتغل به عن طاعتنا، واستعان بما أعطيناه على مخالفتنا ثم انقطع ذلك. ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: للعرض والحساب والعقاب؛ أي: ليسا (٣) سواءً، وما ينبغي لمن عقلَ أن يشتغل بمتاع الدنيا ويفارقَ الهدى (٤).

стр. 5725

قال ابن عباس ﵄: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾؛ أي: مدركُه ومصيبُه، هو النبي ﵇ (١). وقال السدي: بلغني عن ابن عباس أنه قال: هو عمار بن ياسر (٢). وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في عليٍّ وحمزة ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ يعني: أبا جهل (٣). ويقال: الوليد بن المغيرة (٤). * * * (٦٢ - ٦٣) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾: أي: يخاطبُهم، وهو عطفٌ على قوله: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُون﴾: أي: أين الذين كنتم تدَّعون أنهم شركائي فينصروكم ويشفعوا لكم ويجازوكم على عبادتكم إياهم. قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْل﴾: أي: وجب عليهم العذاب الذي أَوعَد (٥) اللَّه

стр. 5726

به: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾؛ أي: هؤلاء الذين أغويناهم؛ أي: دعوناهم إلى الشرك واتَّبعونا. ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾: إنما دعوناهم إلى ما كنا عليه نحن من الكفر. ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾: من أن يكونوا لنا أولياءَ أو نحن نكون لهم أولياء أو من أن ننصرهم. ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾: ما كانوا يعبدوننا. * * * (٦٤) - ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾: أي: قيل للأتباع: ادعوا شركاءكم؛ أي: استنصِروهم ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾: أي لم يجيبوهم بالنصرة. ثم لهذه الجملة وجهان: أحدهما: أن الذين حقَّ عليهم القول هم الشركاء المعبودون وهم الشياطين، فإذا قيل للمشركين: أين شركائي بزعمكم، قال الشياطين: ربنا أَغْوَينا هؤلاء المشركين كما غَوَينا، لم نأمرهم بعبادتنا لكنْ زينَّا لهم الشرك فأشركوا ولم نأمرهم بعبادتنا، فلا نصرة لهم عندنا ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ قصدوا اتِّباع أهوائهم لا عبادتَنا. وقيل: ما كانوا يعبدوننا بإكراهنا إياهم عليها لكن بالوسوسة؛ كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]. والثاني: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾؛ أي: الدعاةُ إلى الشرك، و ﴿شُرَكَائِيَ﴾ غيرُهم وهي الأصنام، فيقال لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾؛ أي: الأصنام، فتقول الشياطين عند هذا خوفًا على أنفسهم أنْ يُزاد في عذابهم بإغوائهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ إنا ما أمرناهم بعبادتنا وما عبدونا، ومثل هذا ما

стр. 5727

يقول مَن يكون منه سببٌ في جنايةِ غيره، فيقول: أما أنا فلمْ أَجْنِ هذه الجنايةَ ولا أمرتُ بها، إنما كان (١) مني كذا، إشفاقًا أن ينزل به جزاءُ تلك الجناية. وقوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾: قيل: هاهنا مضمر: فوَدُّوا لو كانوا مهتدين إلى الإسلام في الدنيا. وقيل: الإضمار في آخره: لو أنهم كانوا يهتدون لخرجوا من (٢) العذاب الذي رَأَوا. وقيل: بل المضمر في آخره: لو كانوا يهتدون لَمَا رأوا ذلك العذاب. * * * (٦٥ - ٦٦) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾: عطف أيضًا على الأول ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين أُرسلوا إليكم. ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾: أي: خفي عليهم الجواب فلم يدروا بماذا يجيبون؛ إذ لم يكن عندهم جواب يعتذرون (٣) به. ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: أي: فلا يسأل بعضهم بعضًا عن [الحجة التي يحتجُّ بها؛ إذ يعلم أنه لا يجد ذلك عند أحد. وقيل: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: لا يسأل بعضُهم بعضًا عن حاله لأنه مشغول بأمر نفسه.

стр. 5728

وقال مجاهد: أي: لا يتساءلون بالأنساب (١)؛ أي: لا يمكنُه أن يقول لآخر: انصرني لقرابتك مني (٢). * * * (٦٧ - ٦٨) - ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾: أي: مِن شِركه ﴿وَآمَنَ﴾ بربِّه وبما جاء مِن عنده ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ في دينه ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ و (عسى) من اللَّه إيجابٌ لأنه إطماع، وإطماعُ الكريم إيجابٌ، وهذا ترغيب للكفار في الإسلام، وبشارةٌ للمسلمين على الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾: أما قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ فهو على العموم، ودل على خلق الأعيان والأفعال كلِّها، وكان حجةً لنا على المعتزلة. وقوله تعالى: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ منهم مَن وقف هاهنا، ووجهه: ويختار ما يشاء، ثم قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ﴾؛ أي: ليس الاختيار إليهم، وهو ردٌّ على الذين قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وعلى الذين اتخذوا الأصنام شركاء وشفعاء، فيقول: ليس لهم أن يختاروا شيئًا من ذلك للعبادة والشفاعة (٣). وقيل: هو بمعنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ

стр. 5729

لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ أي: الأمر ملزِمٌ ولا اختيارَ للمأمور أن يفعله أو لا يفعله. ومنهم مَن وقف عند قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ثم يقول: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ويكون ﴿مَا﴾؛ اسمًا؛ أي: ويختار للعباد (١) ما هو مختارٌ في نفسه حسنٌ مَرْضي. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: تَنزَّه اللَّه تعالى وتقدَّس عن إشراك المشركين. * * * (٦٩ - ٧٠) - ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: أي: تُسِرُّ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بالقول والفعل، وهو وعد ووعيد. ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾: أي: هو المحمود وحده في الدارين، إليه (٢) مرجعُ شكرِ كلِّ شاكرٍ، ومدحِ كلِّ مادحٍ؛ لأن إحسان المحسنين بتوفيقه، فهو المنعِمُ على الحقيقة دون خلقه. ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾: وحده لا شريك له، ولا يشرك في حكمه أحدًا. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: في الآخرة فيجازي كلًّا على وَفْق عمله. * * *

стр. 5730

(٧١ - ٧٢) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ (١): دائمًا لا نهار بعده ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: هل إلهٌ غير اللَّه ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾: بنهار مضيء، فإذ كنتم مقرِّين أنه لا يقدر على ذلك غيرُه فلمَ تشركون به ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾: أصمٌّ أنتم، فإن فعلَكم هذا فعلُ مَن لا يسمع. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أي: دائمًا. ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا﴾: من تحب أشغالكم بالنهار. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: أعُمْيٌ أنتم لا تبصرون الليلَ والنهار وما فيهما فتعتبِروا بذلك. * * * (٧٣ - ٧٤) - ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾: أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: في النهار. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ولتشكروا له على هذه النعمة. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾: عاد الكلام إلى التخويف بيوم القيامة.

стр. 5731

﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: فسرناه، ومعنى التكرار -واللَّه أعلم-: أنه يأمرهم بدعائهم أوَّلًا، فيدعون فلا يستجيبون، فيظهر حُبوط عملهم وخيبة أملهم، ثم يخاطبهم به فيسكتون، وهو توبيخ لهم وزيادة في خزيهم. * * * (٧٥) - ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: أي: وأخرجنا من كل أمة شاهدًا عليهم بما أجابوا به رسلهم؛ كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وقال: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩]. ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: أي: هلمُّوا أيها المشركون (١) حجَّتَكم على كفركم. ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾: أي: أن الحق هو ما كان اللَّه أرسل به أنبياءه إليهم، وأن الصدق هو ما كان أخبرهم به. وقيل: ﴿أَنَّ الْحَقَّ﴾؛ أي: الإلهية للَّه وحده. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ باطلًا (٢) ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ بشركهم (٣) الذي كانوا يفترون به على اللَّه. * * * (٧٦ - ٧٧) - ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ

стр. 5732

مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: هو قارون بن ضافر (١) بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وكان ابنَ عم موسى، فإنه موسى بنُ عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وانتظام هذه القصة بما قبلها ما مر في أول هذه السورة. ووجه آخر: أن هذا يتصل بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾. ووجهٌ آخرُ: أن أغلب مَن كان يخالف أنبياءَهم (٢) الأغنياءُ الذين بَطِروا بغناهم، وكذلك في عصرِ كلِّ نبيٍّ ومنهم قارون في زمن موسى. ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾: أي: طلب الفضل عليهم وأن يكون فوقهم. وقيل: بغى عليهم بكُفره، وقيل: بكِبْره. وقيل: كان عاملًا لفرعون فبغى على الناس بأخذ أموالهم حتى صار أغناهم. وقيل: استخف بالفقراء وازدرى بالناس ومنع الحقوق المالية.

стр. 5733

وقيل: زاد في ثيابه (١) قَدْرًا من الطول. ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾: أي: أعطيناه من كنوز الأموال. ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾: قيل: هو جمع مَفتح بفتح الميم، وهو بيت المال أو الصندوقُ الذي فيه المال، وهو موضع الفتح. وقيل: هو جمع المِفتح بكسر الميم؛ أي: المفتاح الذي يُفتح به بيت المال أو الصندوق. ﴿لَتَنُوءُ﴾: يقال: ناء ينوء نَوْءًا؛ أي: حمل على ثقلٍ ونهض به على مشقَّةٍ، وهو لازمٌ، وصار هنا متعدِّيًا بالباء الذي في قوله: ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾، والعصبة: جماعة، وهي من عشرة إلى أربعين. وقال الفراء: العصبةُ هاهنا: أربعون رجلًا (٢). فمَن جعل المفاتح جمعَ مَفتح -بالفتح- فمعناه: وأعطيناه من الأموال ما كانت خزائنُه وصناديقه التي فيها أموالُه ما بلغ مقداره أن العصبة وهي الجماعة الأقوياء إذا حملوها عجزوا عن حملها فأمالتهم لثقلها؛ كالرجل الذي يحمل الشيء فيعجز عن حمله فيميل تحته، وكان قارون وقومُ موسى غيرَ متمكِّنين في بلد، بمنزلةِ السيارة ينتقلون من بلد إلى بلد، فكانت أموالهم في صناديق ونحوها تُحمل من مكان إلى مكان. ومَن جعلها من المِفتح الذي هو المفتاح. قال: كانت أقفال خزائنه ومفاتيحُها التي يُفتح بها بيوتُ أمواله وصناديقِه في الكثرة بحيث يعجز عن حملها الجماعةُ الكثيرة.

стр. 5734

وقال مجاهد: كانت مفاتيحُه من جلود الإبل، كلُّ مفتاحٍ على قَدْرِ إصبعٍ، وكلُّ مفتاح يفتح به خزانة (١). وعن خيثمة قال: كان يحمِلُ مفاتيحَ خزائنِ قارون ستُّون بغلًا محجَّلًا (٢). ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾: قال مجاهد: أي: لا تَبْطَر (٣)، وهو سوءُ احتمالِ الغنى والطغيانُ بالدنيا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾: أي: اكتسِبْ بها ثوابَ الآخرة دون التجمُّل والتكثُّر بالدنيا والتكبُّر على أهلها. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: أي: خذ مع هذا من دنياك ما لا بدَّ لك منه في معاشك، فإنك غيرُ مَلُوم على ذلك. وقيل: خذ بنصيبك (٤) في الدنيا من العمل الصالح الذي يوصلك إلى ثواب الآخرة، فهو نصيب المؤمن من الدنيا. ﴿وَأَحْسِنْ﴾ بمالك (٥) إلى عباد اللَّه ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ فيما وسَّع عليك وبسَطه لك. ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾: هذا ظاهر.

стр. 5735

(٧٨) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾: قال: إنما أُعطيتُ هذا المالَ لفضلي على غيري بعلمي، وكان علمُه حفظَ التوراة، وكان من السبعين الذين اختارهم موسى للميقات، وكان أحدَ العلماء المذكورين يومئذ. وقيل: أي: آتاني اللَّه على علمٍ منه بفضلي ورضًا منه عني ورؤيتِه استحقاقي ذلك، وقوله: ﴿عِنْدِي﴾؛ أي: عندي هو كذلك و ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ هو علمُ اللَّه هذا القول. وقيل: أي: أوتيتُه على علم عندي، وهو علم الكيمياء، وبه اكتسبتُه ليس هو من إنعام اللَّه عليَّ بل هو كسبي، وكفر بهذا. وعن (١) سعيد بن المسيب: كان موسى يعلم الكيمياء، فعلَّم يوشعَ بنَ نون ثُلث ذلك العلم، وعلَّم كالب بن يوقنَّا ثلثه، وعلَّم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه (٢). وكان يأخذ الرصاص فيجعله فضةً، ويأخذ (٣) النحاس فيجعله ذهبًا (٤). ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ الماضيةِ ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾؛ أي: بالأنصار والأعوان والآلات المحصنة ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال مثلَ نمرود،

стр. 5736

ولو كان إعطاء ذلك للفضل والعلم والاستحقاق لم يُعطهم ذلك، ولأن ذلك لم يدفع عنهم بأس اللَّه فكذا قارون. ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أي: واللَّه عالم بهم لا يَحتاج إلى السؤال عنهم، فيهلكُهم في الدنيا ويعاقبُهم بالنار في الآخرة. وقيل: لا يُسألون عن ذنوبهم يوم القيامة بل يدخلون النار بغير حساب. وقيل: الملائكة لا تسألهم عن ذنوبهم بل تعرفهم بسيماهم؛ كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ [الرحمن: ٣٩]، ثم قال: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾. وقيل: معناه: ولا يُسأل عن ذنوب الماضين المجرمون من هذه الأمة. * * * (٧٩) - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾: التي يتعظَّم بها؛ من اللباس والمركب والخدم ونحوهم. قال ابن عباس ﵄: خرج على بغلةٍ شهباء عليها سرجٌ من ذهبٍ وقطيفةُ أرجوانٍ (١). وقال وهب: خرج في أربعة آلاف غلام على بغال شهب ثيابُهم الأرجوان. وقال كعب: خرج في ثلاث مئة غلام عن يمينه وثلاث مئة جارية عن يساره عليهم ألوان الثياب.

стр. 5737

وقال الحسن: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ يعني: الحمرة والصفرة (١). ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: أي: يريدون زينةَ الحياة الدنيا الفانيةِ، ولا يرغبون في الحياة الباقية في الجنان العالية. وقال قتادة: يعني ناسًا من أهل التوحيد قالوا غبطة وتمنِّيًا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ (٢) من الأموال لنُنفقها في طاعة اللَّه. ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: أي: جليلٍ يقدر معه على ما يريد من الدنيا. * * * (٨٠) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: باللَّه وصفاته وأسمائه (٣) وأحكامه: ﴿وَيْلَكُمْ﴾؛ أي: قالوا للأوَّلينَ الذين تمنَّوا ذلك ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ وأبقى؛ لأنَّه أفضل من أعراض الدنيا ﴿لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾؛ أي: لا يُلقَّى هذه الكلمة ولا يوفَّقُ للعمل بها إلا الصابرون عن الدنيا، الحابسون أنفسهم على طاعة اللَّه تعالى؛ أي: لا يلقِّيها اللَّه إلا هؤلاء. وقال مجاهد: لا يُلقَّى الجنةَ وثوابها؛ أي: لا يؤتاها إلا الصابرون على طاعة اللَّه. * * *

стр. 5738

(٨١) - ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾: أي: غيَّبناه في الأرض يغوص فيها ويَسُوخ وفعلنا بداره كذلك. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾: أي: جماعةٍ ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: يمنعون عنه عذابَ اللَّه. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ هو بنفسه وقوته. وقيل: بداره وبأهل داره. وقيل: بعين داره؛ لأنَّه كان زيَّنها بصفائح الذهب. وقيل: بما فيها من الكنوز والأموال، ولمَّا خسف بقارون قال منافقون من بني إسرائيل: دعا موسى على قارون فخُسف به (١) ليرث موسى خزائنه، فدعا موسى على خزائنه (٢) فخسف اللَّه بداره وبصامت ماله بعد ثالثة (٣). وقال ابن عباس ﵄: لما أتى موسى قومَه بالزكاة جمعهم قارون وقال: هذا جاءكم بالصلاة (٤) وبأشياء تحتملونها (٥)، أفتحتملون أن تعطوه (٦)

стр. 5739

أموالكم؟! فقالوا: ما نحتمل أن نعطيه أموالنا، فما ترى؟ قال: أرى أن أرسل إلى بغيِّ بني إسرائيل فنرسلَها إليه ونأمرَها أن ترميه بأنه أرادها على نفسها، ففعلوا فرمت موسى على رؤوس الناس أنه أرادها على نفسها، فدعا اللَّه عليهم فأمر اللَّه الأرض أن تطيعه (١). وقال السدي: كانت امرأة من بني إسرائيل تسمى سيرا (٢) أرسل إليها قارون فقال لها: إنك تَزْنينَ بالدرهم والدينار والثوب، فهل لك أن أعطيك (٣) ألف دينار على أني إذا أرسلتُ إليك تخبرين أن موسى زنى بك؟ قالت: نعم، فوزن لها قارون ألفَ دينار، فلما أصبحوا واجتمع بنو إسرائيل قال قارون: يا موسى كيف أنزل اللَّه في الزنا؟ قال: الرجم، قال: انظر ما قِبَلك، ودعا سيرا، فلما جاءت قال: يا سيرا أخبري بني إسرائيل ما صنع بك موسى، قالت: دعاني قارون فأعطاني ألف دينار فهذا خاتمه عليها على أن أفتري على نبيِّ اللَّه موسى، فأعوذ باللَّه من ذلك، فغضب موسى فدعا اللَّه عليه (٤). وفي حديث وهب قال: نافق قارون حسدًا لموسى كما نافق السامريُّ، فدعا

стр. 5740

مومسةً وبين يديه طستٌ من ذهب مملوءٌ دنانير وقال لها: هل لك في هذا كله؟ قالت: كيف؟ قال: تقومين غدًا وأنا مع موسى على السرير فتقولين للناس: إن موسى دعاني البارحة ليفسق بي، حتى تذهبي بمائه وجاهه، ولك هذا كله، فكانت الليلة مجمِعةً على ذلك، فلما أصبحت أدركتها رحمة اللَّه، فقامت وبنو إسرائيل حضور فقالت: يا موسى! احذر هذا فإنه دعاني أمسِ. .، وذكرت القصةَ، فقام قارون متشورًا، وأتى جبريلُ موسى وقال: إن اللَّه جعل الأرض مطيعة لك، فقال موسى: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم فقالوا: يا موسى يا موسى، فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى حُجَزهم، ثم كذلك إلى أعناقهم، ثم غيَّبتهم فيها، فأوحى اللَّه إلى موسى: سألك عبادي وتضرَّعوا إليك فلم تُجبهم، أمَا وعزتي وجلالي لو أنهم دعوني لأجبتهم (١). * * * (٨٢) - ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾: أي: وصار الذين يتمنون أن يكون لهم من الأموال مالَهُ ﴿يَقُولُونَ﴾ متندمين على ما كان منهم: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾: قيل: (ويكأن) كلمة واحدة معناها: أما ترى أما تعلم (٢). وقيل: هما كلمتان: (ويك) بمعنى: ويلك بحذف اللام، قال عنترة:

стр. 5741

ولقد شَفَى نفسِي وأَبْرَأ سُقْمها... قولُ الفوارسِ وَيْكَ عنتر أَقْدِمِ (١) وهذا الحذف للتخفيف لكثرة الاستعمال. وقيل: (وي) كلمة يُتعجب بها وبعدها (كأن) التي هي للتشبيه. وهي هاهنا بمعنى الظن والحسبان. قال تعالى (٢): ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: صاروا يقول بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لا لكرامةِ مَن يَبسط عليه، ولا لهوان من يقدر عليه؛ أي: يضيق. ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: فصرَف عنا ما كنَّا نتمناه بالأمس ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ كما خسف به. ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾: ألم تروا أنه لا يفلح مَن كفر باللَّه. وقوله: ﴿بِالْأَمْسِ﴾ معناه: الوقت المتقدِّم، لا الوقتُ (٣) بعينه. وقال مقاتل: قال بعض بني إسرائيل: إنما أهلك موسى قارونَ طمعًا في ماله وداره، فخسف اللَّه بماله وبداره بعد ثلاثة أيام، فهو يتلجلج (٤) في الأرض كلَّ يوم قامةَ رجل، حتى إذا بلغ قعر الأرض السفلى نفخ إسرافيل في الصور (٥). * * *

стр. 5742

(٨٣ - ٨٤) - ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: تعظُّمًا على الناس ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ في الأرض كما على فرعون وأفسد في الأرض وكذا قارون. ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة الجميلة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: قال ابن عباس ﵄: بالتوحيد (١). ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾: أي: فله منها خيرٌ؛ أي: ثواب (٢). وقيل: مَن جاء بالإيمان والطاعة فله عند اللَّه من الثواب ما هو أكبرُ وأفضل من عمله؛ لأن ثواب اللَّه يَفضُل عملَ العامل. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: أي: بالشرك والمعاصي. ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يُجزى المسيء إلا جزاءَ عمله السيِّئ لا يزاد عليه، وإنما أعيد ذكر الفاعل في قوله: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ تنبيهًا على المعنى الموجب للتمييز بين الفريقين. * * * (٨٥) - ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

стр. 5743

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: ثم ختم السورة ببشارة نبيِّه ﵇ بردِّه إلى مكة ظاهرًا قاهرًا لأعدائه المشركين هؤلاء، الذين حاجَّهم في هذه السورة، ووصلها بمواعظ تتصل بمعناها فقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾. قال محمد بن كعب: أي: فرض عليك تبليغه. وقال ابن عباس ﵄: أي: أنزله عليك (١) شيئًا بعد شيء، وأَوجب عليك العملَ بما فيه من شرائع الهدى ومحاسنِ الأخلاق. وقال عطاء: أعطاك (٢). ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: أي: لراجعُك إلى وطنك بمكةَ مفتوحًا عليك عاليَ اليد على أهله، وكان كما ذَكر فدلَّ على صدق دعواه النبوَّة. وقال مقاتل: خرج النبيُّ ﷺ من مكة ومعه أبو بكر ﵁ متوجهًا إلى المدينة، فعدل عن الطريق مخافةَ الطلب، فلما أمِن عاد إلى الطريق فنزل الجحفة، واشتاق إلى مولده ومولد آبائه فأتاه جبريل ﵇ فقال له: أتشتاق إلى مولدك ومولد آبائك ومسقط رأسك؟ قال: "نعم"، قال: فإن اللَّه تعالى أنزل عليك ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني: إلى مكة ظاهرًا من غير خوفٍ (٣). وقال الحسن: يعني: القيامة (٤)؛ لأنَّها مرجع الخلق.

стр. 5744

وقال الزهري: يعني: الجنة (١)، قالوا: لأنه كان ﵇ فيها في صُلب آدم، وأيضًا ليلةَ المعراج، ويجوز أن يسمى معادًا من غير أن كان فيها مرةً؛ كما قال في الكفار: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨]. وقال أبو سعيد الخدري ﵁: يعني: الموت (٢)، وإليه يعود الخلق، قال تعالى: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾: يصلح في ﴿مَنْ﴾ النصبُ بكونه مفعولًا، والرفعُ بكونه مبتدأ على الاستفهام. وقوله تعالى ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: فيفتح على المهتدي ويقهر الضالَّ، فيُدخل المهتديَ الجنة والضالَّ النارَ، فيثيب المهتدي ويعاقب الضالَّ، فيَسعد المهتدي ويشقى الضالُّ، على اختلافهم في تفسير المعاد. * * * (٨٦) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾: أي: يوحَى إليك القرآن (٣). ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: لكن اللَّه رحمك وأنعم عليك به. ﴿تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: عونًا للكافرين.

стр. 5745

(٨٧ - ٨٨) - ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: هو على الجمع؛ أي: لا يمنعَنَّك هؤلاء عن اتِّباع القرآن (١). ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾: أي: الآيات. ﴿وَادْعُ﴾ هؤلاء وغيرهم ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا يحملنَّك شوقك إلى وطنك على مداهنة هؤلاء وموافَقتهم في شيءٍ ليمكنك (٢) المقام فيها، فإني مُعيدُك إليها عاليًا (٣) عليهم. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: أي: إلا هو، يقال: أكرم اللَّه وجهك؛ أي: أكرمك اللَّه. وقيل: معناه: كلُّ عمل باطلٌ إلا ما أريد به وجهُه؛ أي: رضاه. ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: هذا ظاهر. والحمد للَّه رب العالمين * * *
следующие страницы →