← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

ولقد شَفَى نفسِي وأَبْرَأ سُقْمها... قولُ الفوارسِ وَيْكَ عنتر أَقْدِمِ (١) وهذا الحذف للتخفيف لكثرة الاستعمال. وقيل: (وي) كلمة يُتعجب بها وبعدها (كأن) التي هي للتشبيه. وهي هاهنا بمعنى الظن والحسبان. قال تعالى (٢): ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: صاروا يقول بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لا لكرامةِ مَن يَبسط عليه، ولا لهوان من يقدر عليه؛ أي: يضيق. ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: فصرَف عنا ما كنَّا نتمناه بالأمس ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ كما خسف به. ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾: ألم تروا أنه لا يفلح مَن كفر باللَّه. وقوله: ﴿بِالْأَمْسِ﴾ معناه: الوقت المتقدِّم، لا الوقتُ (٣) بعينه. وقال مقاتل: قال بعض بني إسرائيل: إنما أهلك موسى قارونَ طمعًا في ماله وداره، فخسف اللَّه بماله وبداره بعد ثلاثة أيام، فهو يتلجلج (٤) في الأرض كلَّ يوم قامةَ رجل، حتى إذا بلغ قعر الأرض السفلى نفخ إسرافيل في الصور (٥). * * *

стр. 5742

(٨٣ - ٨٤) - ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: تعظُّمًا على الناس ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ في الأرض كما على فرعون وأفسد في الأرض وكذا قارون. ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة الجميلة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: قال ابن عباس ﵄: بالتوحيد (١). ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾: أي: فله منها خيرٌ؛ أي: ثواب (٢). وقيل: مَن جاء بالإيمان والطاعة فله عند اللَّه من الثواب ما هو أكبرُ وأفضل من عمله؛ لأن ثواب اللَّه يَفضُل عملَ العامل. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: أي: بالشرك والمعاصي. ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يُجزى المسيء إلا جزاءَ عمله السيِّئ لا يزاد عليه، وإنما أعيد ذكر الفاعل في قوله: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ تنبيهًا على المعنى الموجب للتمييز بين الفريقين. * * * (٨٥) - ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

стр. 5743

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: ثم ختم السورة ببشارة نبيِّه ﵇ بردِّه إلى مكة ظاهرًا قاهرًا لأعدائه المشركين هؤلاء، الذين حاجَّهم في هذه السورة، ووصلها بمواعظ تتصل بمعناها فقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾. قال محمد بن كعب: أي: فرض عليك تبليغه. وقال ابن عباس ﵄: أي: أنزله عليك (١) شيئًا بعد شيء، وأَوجب عليك العملَ بما فيه من شرائع الهدى ومحاسنِ الأخلاق. وقال عطاء: أعطاك (٢). ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: أي: لراجعُك إلى وطنك بمكةَ مفتوحًا عليك عاليَ اليد على أهله، وكان كما ذَكر فدلَّ على صدق دعواه النبوَّة. وقال مقاتل: خرج النبيُّ ﷺ من مكة ومعه أبو بكر ﵁ متوجهًا إلى المدينة، فعدل عن الطريق مخافةَ الطلب، فلما أمِن عاد إلى الطريق فنزل الجحفة، واشتاق إلى مولده ومولد آبائه فأتاه جبريل ﵇ فقال له: أتشتاق إلى مولدك ومولد آبائك ومسقط رأسك؟ قال: "نعم"، قال: فإن اللَّه تعالى أنزل عليك ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني: إلى مكة ظاهرًا من غير خوفٍ (٣). وقال الحسن: يعني: القيامة (٤)؛ لأنَّها مرجع الخلق.

стр. 5744

وقال الزهري: يعني: الجنة (١)، قالوا: لأنه كان ﵇ فيها في صُلب آدم، وأيضًا ليلةَ المعراج، ويجوز أن يسمى معادًا من غير أن كان فيها مرةً؛ كما قال في الكفار: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨]. وقال أبو سعيد الخدري ﵁: يعني: الموت (٢)، وإليه يعود الخلق، قال تعالى: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾: يصلح في ﴿مَنْ﴾ النصبُ بكونه مفعولًا، والرفعُ بكونه مبتدأ على الاستفهام. وقوله تعالى ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: فيفتح على المهتدي ويقهر الضالَّ، فيُدخل المهتديَ الجنة والضالَّ النارَ، فيثيب المهتدي ويعاقب الضالَّ، فيَسعد المهتدي ويشقى الضالُّ، على اختلافهم في تفسير المعاد. * * * (٨٦) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾: أي: يوحَى إليك القرآن (٣). ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: لكن اللَّه رحمك وأنعم عليك به. ﴿تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: عونًا للكافرين.

стр. 5745

(٨٧ - ٨٨) - ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: هو على الجمع؛ أي: لا يمنعَنَّك هؤلاء عن اتِّباع القرآن (١). ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾: أي: الآيات. ﴿وَادْعُ﴾ هؤلاء وغيرهم ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا يحملنَّك شوقك إلى وطنك على مداهنة هؤلاء وموافَقتهم في شيءٍ ليمكنك (٢) المقام فيها، فإني مُعيدُك إليها عاليًا (٣) عليهم. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: أي: إلا هو، يقال: أكرم اللَّه وجهك؛ أي: أكرمك اللَّه. وقيل: معناه: كلُّ عمل باطلٌ إلا ما أريد به وجهُه؛ أي: رضاه. ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: هذا ظاهر. والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 5746

سورة العنكبوت

стр. 5747

سورة العنكبوت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي هو غنيٌّ عن العالمين، الرحمنِ الذي وعَد الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة ونعم أجرُ العاملين، الرحيمِ الذي يهدي المجاهدين فيه سبُله وإنَّ اللَّه لَمَع المحسنين. وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشرُ حسنات بعدد كلِّ المؤمنين والمنافقين" (١). وهذه السورة مكية إلا قولَه في قصة سعد: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، وقولَه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فإنهما نزلتا بالمدينة. وهي تسع وستون (٢) آيةً، وتسعُ مئة وستّ وسبعون كلمة (٣)، وأربعة آلاف ومئتان وتسعةٌ (٤) وثلاثون حرفًا.

стр. 5748

(١ - ٢) - ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الم﴾: مر ذكر الأقاويل فيه في أول سورة البقرة، ومنها: أن معناه: أنا اللَّه أعلم، وهو وصف اللَّه تعالى بكمال العلم. وختم تلك السورة بذكر نفاذ الحكم، وذلك وجهُ النظم. وانتظام السورتين: أنهما جميعًا في بيان وحدانية اللَّه تعالى ودلائلها، ومدحِ المؤمنين ومواعيدهم، وذمِّ الكافرين (١) ووعيدهم. وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: أي: أظنَّ الناس -وهم الذين شكَوا أذى المشركين- أن نقتصِر منهم على أن يقولوا آمنا باللَّه ورسوله ويُتركون أن لا (٢) يختَبروا بالأمر بهجر ديارهم وجهادِ عدوهم والصبرِ على إيذائهم؟ ويدخل في ذلك المصائب والأمراضُ والشدائد، وهو استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: لا يكون ذلك (٣)، ولا بد أن يُفتَنوا بأنواع المحن في الدِّين، فيُخلصوا على الامتحان، ويَظهر بذلك صدقُ مَن صدَق فيه وكَذِبُ مَن كَذَب. وقال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٦٥] اغتمَّ رسول اللَّه ﷺ وقال: "إنْ بَعَث عليهم عذابًا من فوقهم كما بعث على قوم لوط لم يبق منهم أحد، وإن خَسَف بهم كما خَسَف بقارون لم يبق منهم أحد، وإن لَبَسهم (٤) شيعًا وأذاق بعضَهم بأسَ بعضٍ فكيف

стр. 5749

يكون حالهم (١)؟ " فأتاه جبريل ﵇ فقال له: إن اللَّه تعالى يقول: قد أرسلنا قبلك رسلًا إلى قومهم فصدَّقهم مصدِّقون وكذَّبهم مكذِّبون، فسمَّينا المصدِّقين منهم مؤمنين وسمَّينا المكذِّبين منهم كفارًا، ثم لم يمنعْنا بعد (٢) قبض الأنبياء أن نبتليَهم ليَتبيَّن الصادقُ منهم من الكاذب، وأنزل اللَّه هذه الآية (٣). وقال الشعبي: نزلت في أناسٍ مؤمنين من أهل مكة كتب إليهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ من المدينة: لا ينفعُكم إيمانكم إلا أنْ تهاجروا، فخرجوا مهاجرين فتبعهم المشركون فردُّوهم، فأنزل اللَّه هذه الآية، فوجَّهوا إليهم الآية، فقالوا: نخرج ثانيًا، فإن خرجوا على إثرنا قاتلناهم، فخرجوا فتبعهم المشركون، فمنهم مَن قُتل ومنهم مَن نجا، وفيهم نزل: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ الآية [النحل: ١١٠] (٤). وقال مقاتل: نزلت في مِهْجَعِ بن عبد اللَّه مولى عمر بن الخطاب أولِ قتيلٍ في الإسلام، جزع عليه أبواه فنزلت (٥).

стр. 5750

وقال ابن جريج: نزلت في عمار بن ياسر حين عذَّبه الكفار (١). * * * (٣) - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: يعني: من الأمم، لم نكتفِ منهم بقولهم: ﴿آمَنَّا﴾ بل ابتليناهم، فكذا هؤلاء. وقوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾: فليفتننَّهم اللَّه ليَظهر صدقُ الصادق وكذبُ الكاذب بالفعل وترك الفعل. وقيل: ليَعلمن اللَّه ذلك موجودًا عند وجوده كما علمه قبل وجوده أنه يوجد، وقد أوضحنا ذلك في سورة البقرة وآل عمران. ثم هذا الصدق وهذا الكذب يجوز أن يكونا في القول بأنْ كانوا وَعدوا من أنفسهم الصبرَ، فصبر بعضهم فصار صادقًا في وعده، ولم يصبر بعضهم فصار كاذبًا فيه. ويجوز أن يكون في معنى تحقيقِ الإيمان والوفاءِ بشروطه؛ كما يقال: صدق فلان القتالَ، وكما قال: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]؛ أي: خلاف. * * * (٤) - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: أي: المعاصي، بجزعهم عند الفتنة وإضمارهم النفاق والشك وغير ذلك.

стр. 5751

﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أي: يُعْجزونا فيَفوتونا فلا نقدرَ على مجازاتهم، فلذلك لا يصبرون ولا يجاهدون ولا يهاجرون؟ ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: بهذا الحسبان (١). وقيل: الأول في المؤمنين وهذا في الكافرين؛ أي: ﴿حَسِبَ﴾ الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ أن نكتفيَ منهم بالإيمان بدون الامتحان، ﴿أَمْ حَسِبَ﴾ الكفار أن يعجزونا فتركوا لأجل ذلك الإيمان؛ أي: فالحسبانان باطلان. وقيل: نزلت الآية في بني عبد شمس: شيبةَ وعتبةَ والوليدِ بن عتبة، وحنظلة بن أبي سفيان وعبيدة بن سعيد بن العاص وعقبة بن أبي معيط والعاص بن وائل، هؤلاء الذين بارزوا عليًّا وحمزة وعبيدةَ بنَ الحارث ﵃ (٢). * * * (٥) - ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾: أي: يؤمِّل أن يَلْقَى اللَّه فيُثيبَه على عمله. وقيل: أي: يخاف أن يلقَى اللَّه (٣) فيحاسبَه على عمله. والرجاء يحتملُهما. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾: لا محالة، وهو قريبٌ، وهو اسم للموت وللقيامة أيضًا، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم؛ أي: فلْيجتهِدْ في صالح الأعمال

стр. 5752

ولْيجتنِبْ سيِّئَ الأفعال، وهو حثٌّ على الصبر على أذى المشركين، والجهادِ مع أعداء اللَّه لإعلاء الدِّين. * * * (٦ - ٧) - ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: أي: جاهد عدوَّ اللَّه، وجاهَد نفسَه، وجاهد الشيطان، فنفعُ ذلك يرجع إليه، لا حاجة إليه للَّه (١) تعالى، وهو غنيٌّ عن العالمين كلِّهم وهو غنيٌّ عن الخلائق كلهم (٢). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: إن المؤمنين إذا عملوا الصالحات من الصبر على نفسه (٣)، ومجاهدةِ العدو، وتحمُّل الأذى، وغيرِ ذلك، ليَمحونَّ اللَّه معاصيَه التي سلفت، وليَجْزينَّه على أحسن أعماله، ثم يُلحِقُ سائرَه به. وقيل: أَي: مَن أمن من الكفار، وعمل صالحًا في الإسلام، يَغفر اللَّه له ما كان من سيئاته في كفره، ويجزيه في الإسلام على الصالح من عمله. * * * (٨) - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 5753

وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾: ثم ذكر بعض ما يُفتَن به الإنسان في إيمانه، وهو أن يأمره أبواه بالشرك والمعصية فلا يحتمِل قلبُه معصيتَهما مع وجوب بِرِّهما شرعًا وعقلًا، وأخبر أنه لا طاعة لهما في ذلك فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾؛ أي: أمرناه أن يفعل بهما حُسنًا. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾: أي (١): قلنا له بما أوحينا إلى رسولنا وأنزلنا عليه أن يأمره به: وإن استفرَغا مجهودهما لك ﴿لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أنه لي شريك ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك. ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: في القيامة ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أخبرُكم بأعمالكم وأجازيكم عليها، الولدَ المؤمنَ المطيعَ على إيمانه وطاعته، والوالدين الكافرين العاصيين على كفرهما ومعاصيهما. نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص وأمِّه حَمنةَ بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس، وكانت مشركةً وأسلم ابنها سعدٌ، فحلفت أن (٢) لا تأكلَ ولا تشرب ولا يظلَّها ظلٌّ حتى يرجع سعد عن دينه، فأبى عليها، فلَمْ تزل كذلك حتى غُشي عليها، فأتاها بنوها فسقَوها (٣) حتى أفاقت، وأنزل اللَّه هذه الآية يأمر سعدًا بالإحسان إليها وألَّا يطيعها في الشرك (٤).

стр. 5754

(٩ - ١٠) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قيل: أي: والذين آمنوا بعد كفرهم وأصلحوا بعد إفسادهم ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾: لنتقبَّلنَّ ذلك منهم، ولنجعلنَّهم من جملة المؤمنين المصلحين. وقيل: أي: ولندخلن المؤمنين المطيعين الجنة مع عبادي الصالحين. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: وهذه صفة المنافق الذي يُفتن في دينه، يقول بلسانه: آمنت باللَّه وصدقتُ بوعده ووعيده. ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾: أي: ناله مكروه بسبب دِين اللَّه. ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾: أي: جعل إيذاء الناس في خوفه وتركِ الدِّين لأجله كعذاب اللَّه الذي هو باقٍ لا ينقطع؛ أي: يترك الإسلام إذا خاف إيذاء الكفار إياه كما يترك المسلم المعصية إذا خاف كذلك عذاب اللَّه. وسمى الأذى فتنةً لأنه محنةٌ يشتدُّ احتمالها، وهذا تقبيحٌ من اللَّه تعالى فعلَ هذا المنافق، وذمٌّ له بسوء اختياره (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: للمسلمين ظفَرٌ وغنيمة. ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾: أي: في الدِّين، فأشرِكونا فيما أصبتُم. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾: أي: بما في قلوب الخلق

стр. 5755

من الإيمان والكفر والإخلاص والنفاق، فكيف يتوهَّم هذا المنافق أنه يَخْفَى على المسلمين (١) ولا يُخبرهم اللَّه به وهو عالمٌ به؟ وهذا تهديدٌ لهم. * * * (١١) - ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾: أي: وليمتحننَّ اللَّه الفريقين، وليُظهرنَّ إخلاصَ المخلِصين ونفاقَ المنافقين، وليُميِّزنَّ بين الفريقين ليَعْرفهم المؤمنون فيجازوهم على حسب استحقاقهم. وقال عكرمة: كان ناسٌ بمكة قد شهدوا أنْ لا إلهَ إلا اللَّه، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم معهم فقُتلوا، [فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفَروا لهم] فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩] وكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة [أنْ لا عذر لهم]، فخرج ناسٌ من المسلمين حتى إذا كانوا ببعض الطريق طلبهم المشركون فأدركوهم، فمنهم مَن أعطى الفتنة طائعًا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية، فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة، فقال رجل من بني صخر لأهله: أخرِجوني إلى الرَّوحاء، وكان مريضًا، فأخرجوه حتى إذا كان ببعضِ الطريق مات، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٠] ونزل في أولئك الذين كانوا (٢) لم يعطوا الفتنة: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ الآية [النحل: ١١٠] (٣).

стр. 5756

ثم في أول الآية: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ على التوحيد، وكذلك: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ﴾ ثم قال: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ على الجمع؛ لأن (مَن) اسمُ جنس، فجاز توحيدُه لِلَفظه وجمعُه لمعناه. وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه، وذلك أنه أسلم وهاجر إلى المدينة قبل هجرة رسول اللَّه، فحلفت أمُّه أن لا تقومَ من الشمس ولا تغسل رأسها (١) حتى يعود عياش كافرًا، وهي [أسماء] بنت مخرمة بن أبي جندل بن نهشل المخزومي، فخرج أخواه أبو جهل والحارث ابنا هشام على إثره إلى المدينة، فلم يزالا يفتلان منه في الغارب والسَّنام (٢) حتى ردَّاه، فأوثقاه، وضربه كلُّ واحد منهما مئة جلدة، وقالا له: أنت تزعم (٣) أن في دينك برَّ الوالدين وأن ربك بمكة والمدينة واحد، فرجعاه وآلَ أمرُه إلى أنْ كفَر (٤).

стр. 5757

قال ابن عباس ﵄: ثم أسلم بعد ذلك بدهرٍ وحسُن إسلامه (١). * * * (١٢) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾: صيغةُ أمرٍ، ومعناه جزاءُ الأمر، جُعل جوابُ الأمر على صيغة الأمر للتقابل. وهذا أيضًا مما يُفتَنُ به المؤمن عن دينه من الخديعةِ التي يَنْفُق مثلُها على الضَّعَفة، يقول: قال مشركو مكة للمؤمنين: اتبعوا ديننا ونحن نتحمَّل عنكم آثامكم في الآخرة إن كان اتِّباعكم إيانا إثمًا وكانت القيامة حقًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: لا يحمل هؤلاء القائلون من آثام هؤلاء المقول لهم شيئًا؛ لأنَّه لا تَزِر وازرةٌ وِزْر أخرى. ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في قولهم: إنَّا نحمل خطاياكم. * * * (١٣) - ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾: أي: أوزار أنفسهم بضلالهتم. ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾: أي: وأوزار الضالين بإضلالهم. ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: هؤلاء الخادعون ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي:

стр. 5758

يكذبون بهذا الوعد، وهو حملُ الخطايا عنهم، فكان هذا الخداع منهم داخلًا في أوزارهم التي يحملونها ويعاقَبون عليها. وقيل: عما كانوا يفترون من الشرك باللَّه والكذبِ على كتاب اللَّه ورسوله. وقيل: نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب وأمية بن خلف الجمحيِّ قالا لعمر بن الخطاب وخباب بن الأرت: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ الآية (١). وقال محمد بن الحنفية: كان أبو جهل وصناديدُ قريش يتلقَّون العرب ويصدون الناسَ عن اتِّباع رسول اللَّه ﷺ ، ويقولون لهم: لا تُقِرُّوا لمحمدٍ (٢) ولا تدخلوا في دينه وعلينا أوزاركم (٣). وقال النبي ﷺ : "ما من عبدٍ يدعو إلى خير إلا أعطاه اللَّه مثلَ أجرِ مَن أجابه لا يَنقُص ذلك من أجورهم شيئًا، وما من عبد يدعو إلى شرٍّ فيُتَّبع عليه إلا جَعل اللَّه عليه مثلَ أوزار الذين اتَّبعوه لا يَنقص ذلك من أوزارهم شيئًا"، ذلك بأن (٤) اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (٥). * * *

стр. 5759

(١٤) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: ثم ذكر بعض قصص الأنبياء ﵈ وتحمُّلهم أذى القوم وجهادَهم إياهم في الدعوة إلى الحق بدءًا بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾. ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾: أي: فمكث في قومه يدعوهم إلى اللَّه تسعَ مئة وخمسين سنة. قال الواقدي: كان عمرُه هذا. وهذا غلط؛ هذه مدةُ مُقامه فيهم من وقتِ الوحي إلى وقت هلاكهم بالطوفان. وقال ابن عباس ﵄: بُعث نوح لأربعين سنة، وكذا كان بعثُ كلِّ نبيٍّ إلا عيسى ﵇، وعاش بعد الطوفان ستين سنة (١)، فذلك ألفٌ وخمسون. وقال وهب: كان عمر نوح ﵇ ألفًا (٢) وأربعَ مئةِ سنة. وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾: أي: الماء الكثير ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾؛ أي: مشركون. * * * (١٥) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

стр. 5760

وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾: أي: أنجينا نوحًا ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾؛ أي: والذين حملهم نوحٌ في السفينة. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾: أي: السفينةَ ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: علامةً لهم دالةً على صدق قول الأنبياء ونجاةِ مَن آمن بهم وهلاكِ مَن كذبهم. وقال قتادة: أبقاها اللَّه تعالى آيةً فهي على الجوديِّ (١). وقيل: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: العقوبةَ بالطوفان عبرةً للعالمين يَعتبرون بها. * * * (١٦ - ١٧) - ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾: عطفٌ على قوله ﴿نُوحًا﴾. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: أنفعُ لكم وأصلحُ إن كنتم من أهل العلم بالأمور والتفكُّر في بَوَاديها وعواقبها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾: أي: أصنامًا من خشب وحجر. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾: أي وتفتعلون كذبًا؛ أي: وتسمُّونها آلهة كذبًا. وقيل: (تخلقون): تنحتون ما تكذبون فيه بتسميته إلهًا. وقال ابن عباس ﵄: وتصنعون كذبًا (٢).

стр. 5761

قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾: أي: لا يقدرون أن يرزقوكم، وجَمع بالواو والنون فعلَ الأوثان لأنه وصَفَها بصفاتِ العقلاء (١). وقوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾: أي: فاطلبوا الرزق من عند اللَّه، ثم بيَّن طريق الطلب فقال: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾؛ أي: في الحال ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: لِمَا مضى من إنعامه. وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: فيجازيكم بما عملتُم: من الشكر والكفران، والعبادة والطغيان، وهو وعد ووعيد. * * * (١٨) - ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: قيل: من هاهنا إلى قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ كلامٌ معترِض، وهو خطاب من اللَّه تعالى لمشركي العرب. ومعناه على الوصل: لمَّا قال إبراهيم ﵇ هذا كذَّبوه، وكذلك قومُ نوح ﵇ كذَّبوا نوحًا، وإن تكذبوا يا معشر العرب فقد كذَّب أممٌ من قبلكم أنبياءهم، فما ضرَّ ذلك الأنبياء بل ضرَّ المكذِّبين، فأهلكهم اللَّه تعالى وأنجى الأنبياء والمؤمنين، وليس على الرسول إلا البلاغ (٢) الظاهر. * * *

стр. 5762

(١٩ - ٢٠) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾: استفهام بمعنى الإثبات؛ أي: قد رأوا ذلك وعلِموه، وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس هذا مما يقع عليه (١) رؤيتهم، لكنه إخبارٌ ودليلُ ثبوته إبداؤه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: غيرُ متعذِّر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وأكد هذا بما بعده. وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾: على كثرتهم وتفاوُتِ هممهم، واختلافِ طبائعهم وألوانهم وألسنتهم وصناعاتهم، فتستدلوا بذلك على أنه لم يخلقهم لذلك (٢) عبثًا بل ليمتحنهم، فلا بد من دارٍ للجزاء والحساب. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿النشاءة﴾ بالمد، والباقون بالقصر (٣)، وهو كالرأفة والرآفة؛ أي: كابتداءِ إيجادهم في الدنيا مختلفي الأحوال والأعمال، فكذلك يعيدهم في الآخرة مختلفين في الجزاء اختلافهم في الأفعال. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: من الإبداء (٤) والإعادة وكلِّ شيء.

стр. 5763

(٢١ - ٢٢) - ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾: في النشأة الآخرة ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾؛ أي: وإلى جزائه تردُّون وتُرجَعون. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي: بفائتين ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ قال الفراء: أي: ولا مَن في السماء (١)، فأضمر كلمة (مَن) وهو جائز؛ قال حسان ﵁: فمَن يهجو رسولَ اللَّه منكم... وينصرُه ويخذلُه سواءُ (٢) أي: ومَن ينصره ومَن يخذله. وقيل: هو خطاب لأهل السماء والأرض جميعًا: ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾ يا أهل الأرض والسماء ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: فائتين ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. وقيل: ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾ يا أهل الأرض تعجزون اللَّه هربًا في الأرض، ولا في السماء لو صعدتم إلى السماء، ولا ينفعُكم (٣) الهرب إليها، ويكون في معنى قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أموركم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يمنعكم من عذاب ينزل بكم، فإلى اللَّه فافزعوا وإياه فاعبدوا.

стр. 5764

(٢٣ - ٢٤) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾: أي: بالقرآن والبعث والحساب ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾؛ أي: فأولئك القانطون من رحمتي ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهو تفسير قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وإذا كان اليأس من الرحمة لهؤلاء كانت الرحمة للمؤمنين المخالفين لهؤلاء. ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم وجوابِ قومه له: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ أي: إلا قولُهم، بالرفع اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾، ونصبِ ﴿جَوَابَ﴾ خبرًا لـ ﴿كَانَ﴾، [وقرئ بالرَّفع] (١) وعلى هذا يكون ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ نصبًا خبرًا لـ ﴿كَانَ﴾، ونظيره: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠]، ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، على قراءتين على الوجهين. ﴿اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾: لمَّا ألزمهم الحجةَ أعرضوا عنها وعارضوه بقصد الإهلاك، فقال بعضهم لبعض: اقتلوه بالسيف ونحوه أو حرِّقوه بالنار. ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾: أي: من أذاها ومكروهها بعد إلقائهم إياه فيها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لَعلاماتٍ للمؤمنين على أن العاقبةَ المحمودة لأهل الإيمان.

стр. 5765

(٢٥) - ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: لتَوَادُّوا بينكم على عبادتها وتَحابُّوا وتَواصَلوا عليها. وقوله تعالى: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾: فيه أربع قراءات: قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي: ﴿مودةُ بينِكم﴾ بالرفع والإضافة. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: ﴿مودةً بينَكم﴾ منونًا منصوبًا. وقرأ عاصم في رواية الأعشى عن أبي بكر: (مودَّةٌ) مرفوعٌ منوَّن (بينكم) نصبًا. وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ نصبًا غيرَ منوَّنٍ مضافًا (١). فمَن ترك التنوين (٢) فقد أضاف ولذلك خفَض ﴿بَيْنِكُمْ﴾، ومَن نوَّن فقد ترك الإضافة فنصب ﴿بينَكم﴾ هو على الظرف، ومَن رفع ﴿مودة﴾ فلها وجهان: أحدهما: أن يكون: (إنَّ ما) مفصولًا، وتقديره: إن الذين اتخذتُموهم أوثانًا مودةُ بينكم، على خبر (إنَّ). والثاني: أن يكون ﴿إِنَّمَا﴾ موصولًا، ويكونُ حرفًا واحدًا، ويتمُّ الكلام عند قوله: ﴿أَوْثَانًا﴾، ثم قوله: ﴿مودةُ بينكم﴾ يضمَر قبلها: هي؛ أي: هي مودةُ بينكم.

стр. 5766

ومَن نصَب ﴿مودة﴾ فلوقوع الاتخاذ عليها وعلى الأوثان؛ لأنَّه فعلٌ يطلب اثنين (١)، يقول: اتخذْتُموها لتتوادُّوا (٢) عليها وهي في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾: أي: يتبرأُ ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ كما قال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾: يومئذ (٣) ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ حينئذ. * * * (٢٦) - ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾: أي: صدَّقه لوطٌ بعد هذا التنبيه وإقامةِ الحجج من بين القوم الكثير. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾: قيل: هو قول لوط. وقيل: هو قول إبراهيم. وفي رواية (٤): أنهما هاجرا معًا من أرض السواد إلى الشام. ومعناه: إني تاركٌ وطني وبلدي ومفارقٌ مَن خالفني مَن أهلي متقرِّبًا (٥) بذلك إلى ربي. وقيل: لمَّا صدَّقه لوط من بين قومه لم يتهيَّأ له المقام بينهم، فقال: إني مهاجر إلى حيث أمرني ربي من المواضع التي أمرنا فيها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾: أي: المنيع الذي مَن لجأ إليه مَنَعه من أعدائه.

стр. 5767

﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يمتحن أولياءه بأعدائه، ثم يجعل العاقبةَ المحمودة لأوليائه. وقال محمد بن إسحاق: خرج إبراهيم ولوط ﵉ مهاجرَين -وقد تزوَّج إبراهيمُ سارةَ بنتَ عمه- فرارًا بدينهم والتماسًا للتمكُّن من عبادة ربهم، حتى نزلوا حرَّان، فمكثوا بها مدة ثم خرجوا إلى مصر ثم إلى الشام، فنزل إبراهيم فلسطين من قرى الشام، ونزل لوطٌ المؤتفكةَ على مسيرة يومٍ وليلة، فبعثه اللَّه نبيًّا إليهم (١). * * * (٢٧) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾: أي: في أعقابه ونسله؛ لأن موسى وداود ﵉ وغيرَهما من أنبياء (٢) بني إسرائيل كلُّهم من ذرية يعقوب، ومحمدٌ ﷺ من ولد إسماعيل، وهو ابن إبراهيم، ولهم النبوةُ والكتابُ، ووحَّد الكتاب لأنه مصدرٌ كالنبوة فصلح للجمع. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ﴾: أي: ثوابَ قيامه بأداء الرسالة، وصبرِه على أذى القوم، ومهاجَرته إلى ربه فارًّا بدينه ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ من كثرةِ الأولاد وكونِ الأنبياء فيهم، وإلزامِ الناس اتِّباعَ ملَّته، وإبقاءِ ذكره على ألسنة الآخرين (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: قال الحسن: أي: لَمِن أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] قيل: في جنَّتنا (٤).

стр. 5768

(٢٨) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾: عطفٌ على قوله: ﴿وَنُوحًا﴾، وبيَّن صبرَه على أذى قومه: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: أي: الفعلةَ القبيحةَ المتناهيةَ القُبح، وهي إتيان الذكور. ﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: قرأ ابن كثير، ونافعٌ غيرَ قالون، وسهلٌ، ويعقوبُ غيرَ زيد، بغيرِ استفهام في الأول وبالاستفهام في الثاني بغير مدٍّ، ﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿آئنكم﴾: قرأ أبو جعفر وقالون وزيد بالمد في الثانية، وقرأ أبو عمرو بالاستفهام مع المد في الموضعين، ﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: قرأ شامي -وهو ابن عامر- وحفصٌ عن عاصم بغير استفهام في الأول وبالاستفهام في الثاني، وهشام عن ابن عامر يدخل بين الهمزتين مدةً، وقرأ الباقون بالاستفهام في الحرفين (١)، وهو استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار. ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: لم يفعلها أحد من الناس قبلكم. * * * (٢٩) - ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

стр. 5769

﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾: أي: تُواقعونهم، وهو تفسير تلك الفاحشة. ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾: قيل: أي: تقطعون طرق الناس وتأخذون أموالهم، وكانوا يفعلون كذلك. وقيل: كانوا يفعلون (١) الفاحشة بمن مرَّ بهم من الغرباء، فكانوا لذلك لا يمرُّون بهم فينقطع الطريق لذلك. وقيل: كانوا يَخْذفون المارَّة بالحصى، فكان الناس يمتنعون من المرور بهم. وقال الفرَّاء: وتقطعون سبيل الولد لتعطيلكم النساء (٢). وقوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾: قال السدي: كانوا يَخْذِفون بالحصى مَن مرَّ بهم (٣). وقال مجاهد: كانوا يأتون الذُّكران مجاهرةً (٤). وقال ابن عباس ﵄ هو الضُّراط (٥). وقيل: هو كلُّ فعلٍ قبيح يجاهِر به (٦) أهلُ المجون والذين لا حياءَ لهم.

стр. 5770

وعن ابن عباس ﵄ أنه قال (١): هو الخذفُ بالحصى، والرميُ بالبندق، وفرقعةُ الأصابع، ومضغُ العِلك، وحلُّ الأزرار والإزار (٢)، وفحشُ المزاح (٣). وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: وهو غايةُ وقاحتهم وعنادهم. * * * (٣٠ - ٣١) - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾: سأل اللَّه أن يمنع أذاهم عنه، وأن يُنزل العذاب عليهم، فاستجاب اللَّه ذلك له بما ذكر بعده. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾: أي: الملائكة المرسلون جبريلُ وجماعة من الملائكة ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇ ﴿بِالْبُشْرَى﴾ بإسحاق، ويعقوبَ بعده منه؛ أي: من إسحاق (٤). ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾: وهي قرية قوم لوط؛ أي: نهلكُهم، فقد أمرَنا اللَّه بذلك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾: أي: هم متقادمو الكفر والمعاصي. * * *

стр. 5771

(٣٢) - ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾: أي: قال إبراهيم أتهلكونهم وفيها لوط. ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾: أي: ليس يخفَى علينا ذلك أن فيها لوطًا ومؤمنين معه، أعلمنا اللَّه تعالى بذلك، فلَنا العلم به حقيقةٌ وغيرُنا من البشر مَن علمهم كذلك فإنما ينبني على الظاهر دون الحقيقة فنحن أعلم منه. ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: لنأمرنَّ لوطًا أن يخرج مع مَن معه من المؤمنين من القرية بأمر اللَّه إيانا بذلك، فيخرج فينجو بذلك مما يحلُّ بقومه (١). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: أي: الباقين في الهلاك. وقال أبو عبيدة: يعني: من الذين طالت أعمارهم فبقيت بعد موت الأتراب ثم أهلكت (٢). * * * (٣٣) - ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾: أي: لمَّا جاء هؤلاء الملائكة لوطًا ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: ساءه مجيئهم؛ أي: أحزنه. ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾: قال في "ديوان الأدب": الذَّرْع قَدْرُ الرجل الذي يبلغُه (٣).

стр. 5772

وقوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾؛ أي: ضاق قلبُه ولم يحتمل ذلك وُسْعُه، وذلك لأنه لم يعلم أنهم ملائكةٌ فظنَّ أنهم غرباءُ ضافُوه، وخاف عليهم من قومه ما كان (١) يكون منهم بالغرباء من الفاحشة. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾: أي: لا تخَفْ علينا من وصولهم إلينا، ولا تحزنْ ولا تهتمَّ من ظهور حالٍ يحزنُك بسببنا من الفضيحة، وأَظهَروا أنهم ملائكة أُرسلوا لإنجائه وإهلاك قومه -كما ذكر في سورة أخرى-: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾: أي: إنا ننجِّيك وننجِّي أهلك، ونصَبه بهذا التقدير ولم يخفض عطفًا على الكاف المخفوضة بالإضافة؛ لأن المكنيَّ المخفوض لا يَحسُنُ العطف عليه إلا بإعادة الخافض، على ما مر في قوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] (٢). ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: أي: الباقين في الهلاك. * * * (٣٤ - ٣٥) - ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي: عذابًا، وهو إمطار الحجارة. ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي: بفسقهم المتقادِم.

стр. 5773

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: قال قتادة: هي الحجارةُ التي أُمطرت عليهم (١)، ما من أحدٍ مرَّ منهم (٢) من المدينة إلى الشام إلا رآها في قرية سدوم. وقيل: هو عفو آثارهم مع ظهور هلاكهم، يقول: ولقد ألقينا في قرية قومِ لوط علامةً واضحة على قدرتنا وعلى انتقامنا من أعدائنا لأوليائنا ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الآيات فيتدبرونها. وقال الحسن: إن ملكًا موكَّلًا بالأرض، فإذا أراد اللَّه أن يخسف بأرض ناداه جبريل باسمه، فيقول: لبيك، فيقول جبريل: أَرْخِ أرض كذا وكذا، فإذا هو لا يمسكها بشيء فيُخسَف بها، فلما أراد اللَّه أن يخسف بقوم لوط ناداه جبريل: أن ارفعها إليَّ، فرفعها إليه حتى جعلها على جناحي جبريل، حتى سمع أهل السماء صياحَ الدجاج ونباح الكلاب ثم قلبها، ثم نادى ملَكَ المطر: عليَّ بالسحاب، فجاء بالسحاب فيها الحجارةُ، فأمطرها على مَن كان خارجًا من القرية وعلى مَن كان في القرية، ثم قال: كذلك قال رسولُ اللَّه ﵇ (٣). * * * (٣٦) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.

стр. 5774

وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾: عطف على قوله: ﴿نُوحًا﴾. ﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: وحِّدوا اللَّه وأطيعوه. ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: قال الحسن: أي: صدِّقوا به، ومعناه: أنهم كانوا لا يصدِّقون به فلا يرجون كونَه، فكأنه قال: وارجوا كونَه. وقيل: معناه: فاعملوا الصالحات راجين ثوابه في الآخرة. وقيل: أي: خافوا عذاب اللَّه يوم القيامة على المعاصي فلا تعصُوه، والرجاء يقع على الأمل والخوف جميعًا على ما مر (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: أي: ولا تبالغوا في الإفساد في الأرض بالكفر والمعاصي؛ من نقص الكيل والوزن (٢) وغير ذلك. * * * (٣٧) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: أي: الزلزلة التي أصابتهم يوم الظلَّة، رجَفَتْ (٣) بهم الأرض مع أخذِ الحر فهلكوا. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾: أي: بلدهم ﴿جَاثِمِينَ﴾: ميتين لاصقينَ بالأرض. وقال أبو عبيدة وقتادة: ساقطين بعضهم على بعض (٤). وقيل: جاثمين على الركب.

стр. 5775

(٨) - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾: قيل: عطف على الهاء والميم في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾. وقيل: أضمر قوله: وأهلكنا. وقيل: أي: واذكر عادًا وثمودَ. وقال الكسائي: يرجع هذا إلى أول السورة: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وفتَنَّا عادًا وثمود. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾: كيف خرَّبها اللَّه تعالى وأخلاها عن أهلها؛ كما قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧]. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: الكفرَ والمعاصيَ بالوسوسة. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾: أي: صرَفهم بالدعوة عن الطريق المستقيم، وهو الدِّين الحق. ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: قال قتادة: أي: صاروا ذوي بصائرَ في دينهم عند أنفسهم لعُجْبهم بضلالتهم (١). وقال مجاهد: وكانوا ذوي بصائر يمكنهم تمييز الحق من الباطل، ولكنهم أغفلوا ولم يستعملوا بصائرهم (٢).

стр. 5776

(٣٩) - ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾: عطف على قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾. وقيل: فصدَّهم وصدَّ قارونَ وكذا. قوله تعالى (١): ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالترؤس على أهلها واستعبادِ ضعفائها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾: أي: فائتين أَخْذَنا. * * * (٤٠) - ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾: أي: فأخَذْنا كلًّا مِن هؤلاء بكفره ومعصيته. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾: حجارةً كقوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾: كقوم صالح. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: كقارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾: بالطوفان كقوم نوحٍ، وبالبحر كفرعون وقومه.

стр. 5777

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: أي: ليعاقبَهم من غيرِ ذنبٍ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالمعاصي المنزلةِ بهم الهلاك. * * * (٤١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾: أي: مَثَلُ مَن أشركَ باللَّه الأوثانَ وتولَّاها في ضَعْف احتيالهم وسوءِ اختيارهم كمثَل العنكبوت حيث ابتنَتْ لنفسها (١) بيتًا، وإن ذلك البيت لا يكنُّ من حرٍّ ولا بردٍ، ولا يَقي ما تقي البيوتُ، فكذلك أوثانُ هؤلاء لا تنفعُهم ولا تغني عنهم في الدارين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أي: واعتمادُهم على الأوثان أضعفُ شيء لو كانوا يرجعون إلى علمٍ. والعنكبوت مؤنَّثةٌ في الآية، وقد ذكرها بعض الشعراء فقال: على هَطَّالهم منهم بيوتٌ... كأنَّ العنكبوتَ هو ابْتَناها (٢) * * * (٤٢ - ٤٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: قرأ أبو عمرو

стр. 5778

وعاصم في رواية (١) بياء المغايبة، والباقون بتاء الخطاب (٢)؛ أي: إن اللَّه يعلم ما يعبدون من دونه من صنمٍ أو ملَكٍ أو جنٍّ أو شيطان. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع الذي لا شريك له ﴿الْحَكِيمُ﴾: في ترك المعاجلة بالعقوبة. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾: أي: هذا المثلُ وسائر الأمثال نبيِّنها للناس ونذكِّر (٣). ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: أي: وما يفهمها ويعرف حقائقها إلا أولو العلم الذين يضعون الأشياء مواضعها، فأما مَن ألِفَ الجهل وترَك التدبُّر فما يَنتفِع بها انتفاعَ مَن يَعقِل. فإن قيل: لِمَ لمْ يقل وما يعلمها إلا العاقلون، والعقل يسبق العلم؟ قلنا: لأن العقل آلةٌ يُستدرك بها معاني الأشياء بالتأمُّل فيها، ولا يمكن التأمُّل فيها والوصول إليها بطريقها إلا بالعلم، ودلَّت الآية على فضل العلم على العقل، ولا عالم منَّا إلا وهو عاقل وأما العاقل فقد يكون غير عالم. * * * (٤٤ - ٤٥) - ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾. وقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أي: لم يخلقها باطلًا ولا جُزافًا، بل بحكمةٍ بالغةٍ وهو الامتحان، ثم ذلك يقتضي دارًا أخرى للحساب والجزاء على الأعمال.

стр. 5779

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾: أي: لدلالةً على قدرة اللَّه تعالى وربوبيَّته وحكمته. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: والدلالةُ للكل، لكن انتفَع بها المؤمنون فأُضيفت إليهم. وقيل: ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: لحجةً للمؤمنين على الكافرين في التوحيد والإسلام. وقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: تقرُّبًا إلى اللَّه تعالى بقراءةِ كلامه، ولتَقفَ على ما أمر اللَّه تعالى به ونهى عنه فيه (١)، وعلى ما يعامَلُ به الكفار. وقيل: أي: اتلُ على الكفار وأنذرهم به وادعُهم إليه. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: أي: إذا فرغْتَ من إنذارهم به. وقيل: دُمْ على تلاوة الكتاب وإقامةِ الصلوات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: أي: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ﴾ تشتمِل على قراءة القرآن، وفيه الوعظُ والوعيد والوعد، وذلك مانعٌ (٢) ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾؛ أي: الفعلةِ القبيحة ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: ما يُنكره العقل والشرع. والنهيُ يكون بالقول، ولكن هذا مجازٌ عن المنع، ولأن الصلاة تشغلُ المصلي عن ذلك كلِّه، فإن المصليَ يناجي ربه فإذا أراد أن يعطيَ الصلاة حقَّها وجب عليه أن يُقبلَ عليه بقلبه ويُشعرَ قلبه الخشيةَ للَّه والمراقبةَ له، وذلك يمنعه عن المعاصي بعدها. قال أبو هريرة ﵁: قيل للنبي ﷺ : إن فلانًا يصلي الليلَ كلَّه فإذا أصبح سرق، قال: "سينهاه ما تقول" (٣).

стр. 5780

وقال أبو عون (١): ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى﴾ قال: إذا كنتَ في صلاةٍ فأنت في معروفٍ وطاعةٍ وقد حجزَتْك عن الفحشاء والمنكر (٢). قال ابن عباس ﵄: إقامةُ الصلاة: إتمام وضوئها وقيامها وركوعها وسجودها وقراءتها، ومراعاةُ السُّنن فيها (٣)، فمَن كان هكذا مواظبًا على هذا يرجو ثوابَها نهتْه ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: الزنا والقبيح من الأعمال ﴿و﴾ عن ﴿المنكرِ﴾: البغي والظلم. وقال ابن مسعود ﵁: قال النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يُطِع الصلاة، ومَن انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد أطاع الصلاة" (٤). قال أبو هريرة ﵁: أيما (٥) صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر لم تزده من اللَّه إلا بعدًا (٦).
следующие страницы →