لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] وقال تعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]؛ أي: قد انتهى حره.
قال أنس ﵁: أنا أعلم الناسِ بهذه الآية، لمَّا زُفَّت زينب إلى رسول اللَّه ﷺ كانت مع رسول اللَّه (١) في البيت، وصنع طعامًا فجاء القوم فكانوا في البيت، وجعل رسول اللَّه ﷺ يخرج والقوم مكانهم، ثم يرجع وهم قعود، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ (٢)؛ أي: مَنازلَه التي فيها نساؤه ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾؛ أي: إلا أن تُدْعَوا إلى طعام يريد أن يطعمَكُموه رسولُ اللَّه ﷺ لوليمةِ أو نحوها ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾؛ أي: فتدخلونه غيرَ منتظِرين إدراكه؛ قال تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]؛ أي: انتظرونا.
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾: أي: تفرَّقوا.
﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: عطف على قوله: ﴿نَاظِرِينَ﴾؛ أي: غيرَ مشتغلِين بعد الفراغ من الطعام بالحديث تستأنسون به.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾: أي: يَشُقُّ عليه بتضييقكم المنزلَ عليه وعلى أهله، ومَنْعِكم إياه عن أهله ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾؛ أي: يترك إعلامكم بذلك وأمرَكم بالانتشار.
﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾: أي: لا يترك بيانَ الحق.
وقال الحسن ﵀: حسبك من الثقلاء أن اللَّه لم يتجوَّز في أمرهم فقال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ (٣).
стр. 5987
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾: أي: سألتُم أزواج النبيِّ، ولم يسبق ذكرهنَّ صريحًا، لكنْ ثبت ذلك دلالةَ قوله تعالى: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ لأن فيها نساءه.
﴿مَتَاعًا﴾: أي: شيئًا من الأمتعة بالاستعارة ونحوها.
وقيل: أي: سألتم منهنَّ شيئًا تنتفعون به في الدِّين من رواية الحديث ونحوِه.
﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: أي: بينكم وبينهن سترًا.
وقيل: هذا في حق (١) كل النساء.
﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾: أي: أبعد من خواطر الشيطان وعوارض الفتن التي تدعو إليها الطباع من ميل النساء إلى الرجال والرجال إلى النساء.
قال عمر ﵁: وافقني ربي في ثلاثٍ؛ قلت: يا رسول اللَّه، لو اتَّخذتَ مِنْ مَقَامِ إبراهيم مُصلًّى، فأنزل اللَّه آية المقام، وقلتُ: يا رسول اللَّه، إنه ليَدخلُ عليك البَرُّ والفاجر فلو أمرتَ أمهات المؤمنين أن يحتجِبْن، فأنزل اللَّه آية الحجاب، وبلغني أن النبي ﷺ عاتب أزواجَه فأتيتُهنَّ فوعظتُهن حتى انتهيتُ إلى امرأة منهن، فقالت: يا عمر، أما في رسول اللَّه ما يَعِظ أزواجه حتى تعظَهنَّ؟! فخرجتُ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية (٢).
стр. 5988
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾: أي: بما مر، وقيل: بأيِّ أذًى كان.
﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾: أي: لا يجوز بعد وفاته، ولا يجوز بعد فراقه في حياته بطلاقٍ أو نحوه، كما قَالَ: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] وكان لا يجوز ذلك لأن نساءه أمهات المؤمنين.
و ﴿كَانَ﴾ زائدة عند أبي عبيدة وجماعة (١).
وقيل: أي: كان ذلك في حكم اللَّه الذي لا يتغيَّر ولا يتبدل.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: أي: عظيم الإثم، وقيل: أي: منكرًا في العقل والشرع.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾: أي من أذى الرسول ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في أنفسكم من ذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
قال ابن عباس ﵄: قال بعضهم: لئن مات رسول اللَّه ﷺ لأتزوَّجنَّ بعائشة، فأنزل اللَّه هذه الآية (٢).
стр. 5989
وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ﴾: لمَّا أمرهن بالاحتجاب استثنى مَن يجوز لهن أن لا يحتجبن منهم من آبائهن وأبنائهن وإخوانهن وأبناء إخوانهن لأنهن محارم لهن.
﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾: هن نساء المؤمنات.
﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: هن إماؤهن، ولا يدخل في ذلك عبيدُهن عند عامة العلماء، وهم كالأجانب.
ودخل في هذا الاستثناء سائرُ المحارم (١) المذكورين في الآية في سورة النور.
﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾: خطاب لنساء النبي ﷺ وأمرٌ لهن بالتقوى.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾: أي: شاهدًا عليه عالمًا به مُجازيًا على وَفْقه.
* * *
(٥٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: وهذا تعريف للمؤمنين منزلةَ النبي ﷺ ، والصلاة من اللَّه تعالى: الرحمة والمغفرة والرضوان، ومن الملائكة: الدعاء له.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: أي: قولوا: صلى اللَّه على محمد، أو: اللهمَّ صلِّ على محمد ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: أي: حيُّوه تحيةً؛ أي: قولوا اللهم سلِّم على محمد.
стр. 5990
وقيل: أي: انقادوا لأمره وحكمه انقيادًا؛ كما قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وعن كعب بن عُجرةَ قال: لما نزلت هذه الآية قمنا إليه فقلنا: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول اللَّه؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (١).
وعن الحسن ﵀ قال: لما نزلت هذه الآية قالت الصحابة: فما لَنا؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] (٢).
ثم بيَّن تشريفَه من وجه آخر -وهو وعيد مَن آذاه- فقال:
* * *
(٥٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: وذكرُ اللَّهِ للافتتاح به والتيمُّنِ كما في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ولأن عصيان الرسول عصيانُ اللَّه، فكان إيذاؤه كذلك إيذاءه.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أي: أبعدهم اللَّه عن رحمته وطردهم في الدارين؛ لأن إيذاءه كفر ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ في الآخرة مُذلًّا مخزيًا.
* * *
стр. 5991
(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: وهم رجال أمته ونساؤهم ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾: فعلوا ما يستحقُّون به الإيذاء بالحد والتعزير والإسماع ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾؛ أي: كذبًا مفترًى (١) وهذا في الإيذاء بالقول ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهرًا مظهِرًا من نفسه أنه إثم.
جعل إيذاء المؤمنين والمؤمنات معصيةً، وإيذاءَ اللَّه والرسول كفرًا.
وقيل: إيذاء اللَّه هو تصوير التماثيل الحيوانية، فإنه مضاهاةُ اللَّه في الخلق.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾؛ أي: اليهود والنصارى والمشركون ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] وقال فنحاص بن عازورا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] و: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقالت المشركون: الملائكة بنات اللَّه، والأصنام شركاؤه (٢).
وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ يعني: حين شُجَّ في وجهه وكُسرت رَباعِيَتُه، وحين قيل: إنه ساحر، وكاهن، ومعلَّم، ومجنون.
وقيل: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾: يُلحدون في أسمائه ﴿وَرَسُولَهُ﴾: يبتدعون في شريعته.
وقال النبيُّ ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: شتَمني ابن آدم ولم يَنْبغِ له أن يَشتمني، وآذاني ولم يَنْبغِ له أن يؤذيَني، أمَّا شتمُه إياي فقوله: إني اتخذتُ ولدًا، وأنا اللَّه
стр. 5992
الأحدُ الصمد، وأما إيذاؤه فقوله: إن اللَّه لا يُعيدني بعد أن أبداني (١) " (٢).
وقال مقاتل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية نزلت في علي بن أبي طالب ﵁، وذلك أن ناسًا من المنافقين كانوا يؤذونه ويُسمعونه (٣).
وقال الضحاك والسدِّي: نزلت في الزناة الذين كانوا يَتْبعون النساء للزنية (٤) وهن كارهاتٌ فيتأذَّين منهم (٥).
ويدل على هذا ما بعده وهو قوله:
* * *
(٥٩) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
стр. 5993
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: أي: زوجات المؤمنين، وقيل: أي: الحرائر.
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: أي: يغطِّين رؤوسَهن ووجوهَهن (١) في بروزهن من البيوت في حوائجهن وإلى متبرَّزاتهن قبل اتخاذ الكُنُف في البيوت ليلًا ونهارًا بملاحفهنَّ وأردِيَتهنَّ، بخلاف الأمة التي تخرج مكشوفة الرأس.
وقال الخليل: الجلبابُ ثوب أوسعُ من الخمار دون الرداء تغطي به المرأة رأسها وصدرها (٢).
وقال قطرب: الجلباب: الملحفة.
وقال ابن سيرين عن أبي عبيدة: إدناء الجلباب: أن تَردَّ المرأة رداءها على رأسها، ثم تضعَه على حاجبها، ثم تُديرَه فتضعَه على طرفِ أذنها، ثم تديرَه من الجانب الآخر على خدِّها حتى تضعَه على طرف أنفها، وتكشف إحدى عينيها وتغطي الأخرى (٣).
قال ابن سيرين: حدثتني أختي أنها رأت امرأة من المهاجرات أو الأنصاريات قد تنقَّبت هكذا.
وقالت صفيةُ بنتُ شيبةَ: قالت أمُّ سلمة: لمَّا نزلت ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسيةٍ سودٍ كنَّ يلبسنَ بها (٤).
стр. 5994
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾: أي: يريهنَّ أنهنَّ حرائر ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾؛ أي: لا يؤذيَهنَّ أهل الريبة توهُّمًا منهم أنهن إماءٌ، فإنهم كانوا يَتْبعون الإماءَ وكان زيُّ الأمة والحرة في الأصل واحدًا وهو قميص وخمار، وربما آذى الرجل منهم الحرة بالرفث من الكلام، فأمر اللَّه بهذا ليزول ذلك عنهنَّ، وكنَّ عاجزاتٍ عن الزَّجر والإماءُ كنَّ يزجرن بالكلام.
وقيل: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بالعفاف فإنه غايةُ التستُّر (١) ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾: فلا يُتعرَّضَ لهن حين علم أنهن عفائف.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿غَفُورًا﴾ لِمَا سلف قبل هذا من تركِ إدناءِ الجلابيب ﴿رَحِيمًا﴾ لا يؤاخذُهم بما ارتكبوه على جهلٍ، ﴿رَحِيمًا﴾ بدلالتهم على ما يزول به الأذى عنهم.
* * *
(٦٠) - ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾: أي: لئن لم يكفَّ عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات هؤلاء ثلاثةُ الأصناف:
﴿الْمُنَافِقُونَ﴾ وهم الذين يُضمرون الكفر اعتقادًا ويظهرون الإيمان قولًا.
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: شكٌّ فلا يعتقدون أحد الدِّينين.
﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المسلمون الذين يحرِّكون القلوب بإيقاع الأخبار الكاذبة.
стр. 5995
وقيل: كان من المنافقين التضريب (١)، ومن ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الميلُ إلى الزنا، واتِّباعُ النساء والإماء بالليل، والتعرُّضُ لهن بكلام الرَّفث ﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾: المخبرون بأن فلانًا يتبع فلانةَ وفلانة تطاوع فلانًا، وهو إذاعة الفاحشة.
وقيل: كان من الطبقة الثالثة الإخبارُ بأحوال المشركين؛ أنهم اجتمعوا ولهم (٢) عَددٌ وعُدَّة ليَحْزُنوا بذلك المسلمين.
وقيل كان من المنافقين إيقاع الشكوك والشبه في قلوب الضَّعَفة من (٣) المسلمين.
وقيل: الثلاثة صنفٌ واحد وهم المنافقون، وهذه صفاتهم، والواو لتغايُرِ الصفات لا لتغايُر الذوات؛ كما مر في قوله: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢٢] (٤)، وأنشد الفراء:
فإن رُشيدًا وابنَ مروان لم يكنْ... ليَفعلَ حتى يُصْدِرَ الأمرَ مَصدَرا (٥)
وقوله تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾: أي: لنسلِّطنَّك عليهم ولنأمرنَّك بقتالهم، يعني: إن لم يكفُّوا عن إيذاء المؤمنين، وخرجوا إلى المكاشفة والتصريح بما هم عليه في معاملة المؤمنين من التضريب وإيقاع الشُّبه والسعي في إشاعة الفاحشة فيهم وإيهان (٦) أمورهم.
стр. 5996
﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: في المدينة إلا زمانًا قليلًا، بل يُضطرُّون إلى الجلاء عنها إلى أرض أخرى.
وقيل: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: أذلَّاء مقهورين مقموعين، فإن القِلة توضعُ مكان الذِّلة، ويكون نعتًا لهم على هذا القول (١).
* * *
(٦١) - ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾.
وعلى هذا قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يكون نعتًا لهم أيضًا على الحال كالأول؛ أي: مشتومين مُبْعدين عنكم وعن مجالسكم ومساجدكم.
وإذا حُمل الأول على قلة الزمان فقوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يكون نصبًا (٢) على الذم، كما في قوله ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾.
﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾: أي: وُجدوا ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾: هذا حكمُهم إذا ظهر (٣) حالهم.
وقد حقَّق معنى قوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ -أي: مشتومين مطرودين- لمَّا نزلت سورة براءة، حتى قال النبي ﷺ : "قم يا فلان فاخرج من المسجد فإنك منافق، وقم يا فلان. . " (٤)، على ما ذكرنا في تلك السورة (٥).
стр. 5997
(٦٢) - ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: سنَّ اللَّه هذا سنةً في المنافقين الذين كانوا في سائر الأمم؛ أنهم كانوا إذا كاشفوا (١) سلَّطتُ عليهم أنبيائي فأَجْلَوهم وأسَروهم وقتلوهم.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: أي: لطريقة اللَّه التي أجراها لهم تغييرًا، بل هي تجري مجرًى واحدًا في الأمم كلها.
* * *
(٦٣) - ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾: لما قال في وعيد المؤذِين: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قالوا: متى الآخرة؟ وكان ذلك كالإنكار منهم كما قال: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١]، فأجاب الكفارَ عن هذا السؤال بقوله:
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: هو الذي يعلمُها لا أنا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾: أي: وما يُعْلِمُك لعل ما يُنتظر منها قريبٌ، وليس قوله: ﴿قَرِيبًا﴾ صفةً للساعة فلم يؤنِّثها، لكنه صفةٌ للزمان؛ أي: زمانًا قريبًا؛ أي (٢): في زمان قريب.
* * *
стр. 5998
(٦٤ - ٦٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: أبعدهم عن رحمته في هذا اليوم ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾؛ أي: هيأ لهم نارًا موقودةً ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾؛ أي: في هذه النار ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: مَن يلي دفعَها عنهم ويمنعُهم من العذاب بها.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾: أي: تُصرَّف حالًا بعد حال، ولونًا بعد لون، بما يمسُّهم من لفحها واشتعالها فيها، فتسودُّ تارةً (١) وتخضرُّ أخرى.
ويجوز أن يكون في معنى قوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨].
ويجوز أن يكون هذا في معنى ما قال النبيُّ ﷺ : "فينظر عن يمينه (٢) فلا يرى إلا النار، وينظر إلى يساره فلا يرى إلا النار، وينظر فوقه فلا يرى إلا النار، وينظر تحته فلا يرى إلا النار" (٣).
﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾: الألف في آخره إشباعُ الفتحة لتتساوى الفواصل، وهذا إخبارٌ أنهم إنما وقعوا في ذلك لكفرهم باللَّه ورسوله.
* * *
(٦٧ - ٦٨) - ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.
стр. 5999
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾: وهذا إشباعٌ أيضًا للفتحة بالألف.
والسادة: جمع السيد، وهو الذي يملك تدبير السواد الأعظم، والكبراء: الرؤساء العظماء، ويجوز أن يكون الكبراء علماءَهم كما قال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١]، ويكون في معنى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: أي: عذابَ الضلال والإضلال.
﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾: قرأ عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان (١): ﴿كَبِيرًا﴾ بالباء من الكِبَر وهو العِظَم، وقرأ الباقون بالثاء من الكثرة (٢)، وهما قريبان لأن ما كثُر عظم.
واختار أبو حاتم الكثير لأنهم يُلعنون مرةً بعد مرةٍ، وتلعنُهم الملائكة فيَشْتمونهم على ضلالتهم وإضلالهم ﴿لعنًا كثيرًا﴾؛ أي: متتابعًا متصلًا.
* * *
(٦٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾: أي: لا تؤذوا النبيَّ
стр. 6000
- ﷺ ولا المؤمنين، ولا تكونوا في ذلك كالذين آذوا موسى فقالوا فيه ما لم يكن فيه.
﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾: أي: أظهر براءته.
معناه -واللَّه أعلم-: أيها المؤمنون لا تؤذوا نبيَّكم محمدًا ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى فقالوا فيه ما ليس فيه.
﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾: أي: ذا جاهٍ ومنزلة.
قيل: كان رُمي بقتلِ هارون، فأحيى اللَّه هارون فأخبرهم أنه لم يقتله ثم مات.
وقيل: لا تكونوا في أذى محمدٍ واتهامكم إياه بالغدر بكعب بن الأشرف كالذين أذوا موسى باتهامهم إياه في قتل أخيه هارون، فإن اللَّه يبرئه بإظهار ما أحدث كما برأ موسى بإراءته إياهم هارون صحيحًا.
وقيل: (بَرَّأَهُ اللَّهُ) معناه: أن موسى ﵇ كان لا يدخل عيون بني إسرائيل معهم، فقالوا: لا يمنع نبيَّنا موسى ﵇ أن يدخل معنا في هذه العيون إلا أنه آدَرُ أو بَرِصٌ، فأراد اللَّه تعالى أن يبرِّئ نبيَّه عن مقالتهم، فوضع موسى ثيابه على صخرة يومًا ودخل العين، فأوحى اللَّه تعالى إلى الصخرة: أن امضي بثيابه حتى توسَّطي بها محلةَ بني إسرائيل، فمضت واتَّبعها موسى ﵇ حيث مشت، قال لها: ردِّي عليَّ ثيابي، قالت: أنا مأمورة يا رسول اللَّه، حتى توسَّطت بثيابه محلَّتهم، فرأوا أحسن الناس خلقًا وطولًا ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ ورجعوا عن مقالتهم (١).
وقيل: رموه بالبَرَص، وقيل: بالأُدْرةِ، وكان البرص عندهم فظيعًا.
روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "كان موسى رجلًا حَييًّا ستِّيرًا لا يكاد يرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه مَن آذاه من بني إسرائيل،
стр. 6001
فقالوا: ما يتستَّر هذا التستُّر إلا من عيبٍ بجلده؛ إما برصٌ وإما أدرةٌ وإما آفةٌ، وإن اللَّه أراد أن يبرِّئه مما قالوا، وإن موسى ﵇ خلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجرُ ثوبي حجرُ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانًا أحسن الرجال خلقًا، وبرَّأه (١) اللَّه مما كانوا يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه ولبسه وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فواللَّه إن بالحجر لنُدَبًا من أثرِ ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية" (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا وَحشٌ من القول وتأويلٌ بعيد (٣)، والأشبهُ أن يقال: إن كلَّ قوم نسبوا رسولهم إلى الجنون مرةً وإلى السحر مرةً والكذبِ أخرى ونحوِ ذلك، على علم منهم أنه رسول اللَّه، وكانوا يتأذَّون به جدًّا، ولذلك قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] فكذا في حق رسولنا ﷺ (٤).
وقيل: كان موسى إذا تقدَّم القومَ في المسير قالوا: يتكبَّر علينا، فإذا توسَّطهم قالوا: يخاف على نفسه فيتحصَّن بنا، وإذا تأخر عنهم قالوا: يسوقنا كما يسوق الراعي الغنم، وإذا مشى على جانب منهم قالوا: يأنف من صحبتنا، فكانوا يؤذونه بكل حال.
стр. 6002
(٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أمر رسوله بتقواه في أول السورة وأمر أمته بها في آخرها.
وقيل: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في إيذاء اللَّه ورسوله والمؤمنين.
﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: صوابًا، فاذكروا المؤمنين والمؤمنات بالجميل.
وقيل: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الشرك، وقيل: في المعاصي.
﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قال ابن عباس ﵄ قولوا: لا إله إلا اللَّه (١).
وقال ابن حبيب: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ يسدُّ عنكم باب النيران، ويفتح لكم أبواب الجنان.
وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ يعني: في شأن زيد وزينب، قولوا في رسول اللَّه ﷺ ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾؛ أي: جميلًا، ولا تنسبوه إلى ما لا يحمل (٢).
وقيل: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: هو الصلاة على النبي ﷺ .
وقيل: القول السديد: البريء من الكذب والتمويه واللغو.
* * *
(٧١) - ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
стр. 6003
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾: قيل (١): أي: يوفِّقْكم لصالح الأعمال.
وقيل: أي: يثيبكم (٢) عليها ثوابًا جزيلًا لا فساد فيه ولا ضرر ولا أذى.
وقيل: أي: يرفع التقصير والزلل والخطأ عن طاعتكم.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: أي: يمحُها ويكفِّرْها.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾: أي: نجا من كلِّ ما يخاف، ووصل إلى كلِّ ما يرجو.
* * *
(٧٢) - ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾: ضمَّن هذه السورة ما ضمَّنها من الأمر والنهي، ثم ختم السورة بتعريفِ أمر الفرائض والأمانات ليكونوا على علم فيَستفرِغوا مجهودهم في القيام بها ويخافوا تضييعها.
واختلف في تأويل الأمانة:
قال ابن عباس ﵄: الأمانة: الطاعة للَّه (٣).
وقال سعيد بن المسيب: الأمانة: الفرائض (٤).
стр. 6004
وقال مجاهد: الأمانة: الدِّين والفرائض والحدود (١).
وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أولُ ما خلق اللَّه تعالى من الإنسان فرجُه وقال: هذه أمانة استودعتُكَها، فالفرج أمانةٌ، والأذن أمانةٌ، والعين أمانةٌ، واليد أمانةٌ، والرِّجل أمانةٌ، ولا إيمان لمن لا أمانةَ له (٢).
وقال زيد بن أسلم: الأمانة ثلاثة أشياء: الصلاة، والصوم، والاغتسال من الجنابة (٣).
وقيل: هي العقد الذي يجب الوفاء به، قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
والروايات الظاهرات فيه منها ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵃ أنه قال: قال اللَّه تعالى للسماوات والأرض (٤) والجبال: إن أحسنتُنَّ جُوزِيتُنَّ وإن أسأتُنَّ عوقِبْتُنَّ (٥).
والأمانة: هي الأعمال التي أُمر بها المسلمون أن يعملوها ولا يتركوها، وعلى كلِّ مسلم أن لا يغشَّ مسلمًا ولا معاهدًا.
وقال الضحاك: قال اللَّه تعالى لآدم: يا آدم (٦) عَرَضْتُ الأمانةَ على السَّماواتِ
стр. 6005
والأرضِ والجبالِ فلم تُطِقْها، فهل أنت قابلُها بما فيها؟ قال: يا رب! وما فيها؟ قال: إن أحسنتَ جُوزيتَ وإن أسأتَ عذِّبتَ، قال: قد حملتُها بما فيها، فلم يلبث في الجنة بعد ما حملها إلا قَدْرَ ما بين الصلاة الأولى والعصر حتى خرج منها (١).
وقال الحسن ومقاتل بن حيان رحمهما اللَّه: إن اللَّه تعالى حين خلق خلقه جمع الإنس والجن والسماوات والأرض، فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة وقال لهن: تحمَّلن هذه الأمانةَ ولكنَّ عليَّ الفضلُ والكرامة والثواب في الجنة، قلن: لا نستطيع ذلك، فعرض على الأرضين فقلن كذلك، ثم عرض على الجبال فقلن كذلك، ثم عرض على آدم وقال: ولك عندي الكرامة والفضل إن أحسنتَ وأطعتَ ورعيتَ الأمانة، وإن عصيتَ ولم تَرْعَ الأمانة فإني أعذِّبك، قال: رضيتُ، فحملها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٢).
قال ابن عباس ﵄: ظلومًا بحقِّها جهولًا بأخذها (٣).
وقال الضحاك ﴿جَهُولًا﴾ غرًّا بأمر اللَّه تعالى (٤).
وقال الكلبي: ﴿ظَلُومًا﴾ حين خالف أمر ربه ﴿جَهُولًا﴾ لا يدري ما العقابُ في تركها.
وقال الحسين بن الفضل: ﴿كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ عند الملائكة لا عند اللَّه.
стр. 6006
وقيل: ﴿ظَلُومًا﴾ نفسَه بمطاوعته حواءَ ﴿جَهُولًا﴾ بتفريق اللَّه بينه وبينها.
وقال الحسين بن الفضل: كانت الأمانة على السماوات والأرض والجبال عَرْضًا، وكانت على آدم فرضًا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعضهم: أي: خلقنا السماوات والأرض والجبال خلقةً لا تحتمِل حملَ ما ذكر من الأمانة ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ إباءَ خِلْقةٍ ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: خلقناه خِلقةً تحتمِل ذلك.
وقال بعضهم: هو على حقيقة العرض، إلا أنه على التخيير بين أن تَقبل وتفيَ بذلك فيكونَ لها الثواب، ولا تفيَ فيكونَ لها العقاب في الآخرة، وبين ألا تقبل فتكون كسائر الموات تَفْنَى بفناء الدنيا لا ثواب لها في الآخرة ولا عقاب، ولا يجوز أن يعرضَ عليهن ما ذُكر عرضَ لزوم وهن يأبَيْنَ ذلك، وقد وصفهن اللَّه بالطاعة له والخضوع في آيات، منها قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ فكان له الثواب إن قام بها وعليه العقاب إن لم يقم بها.
قال (١): وقال بعضهم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى﴾ أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال فلم يحملوها، إلا الإنسان منهم فإنه حملها، وكان عرضُ الأمانة على هذه الأماكن وفيها الملائكة يعبدون اللَّه تعالى.
ومعنى عرضها عليهم: تعريفه إياهم أن في أداء الأمانة ثوابًا وفي تضييعها عقابًا، فقالوا: إن كان هذا عرض تخيير فقد تركنا الثواب مخافة العقاب نطيعك ولا نعصيك طرفة عين وكان هذا إباء امتناع للخوف لا إباء رد ولذلك قرنه بالإشفاق وهو الخوف.
стр. 6007
قال: وقال بعضهم: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾؛ أي: يحتملنَ وزرها بالخيانة فيها، يعني: أطعنا اللَّه وحفظنا الأمانة وما خانوها، وهو كقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ [النحل: ٢٥]، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] (١)، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: خانها ولم يحفظها الإنسان وهو الكافر على هذا القول ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ هو صفة الكافر أيضًا.
وأما مَن حمل الأولَ على أنهن لم يقبلنها وقبلها الإنسان فالإنسانُ اسم جنس لآدم وأولاده (٢) هم قبلوا، وقوله بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ هو صفة بعضهم وهو الكافر، فإن الإنسان اسم جنس فيقع على الجميع؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ وهذا للجمع، حتى صح الاستثناء منه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فكذلك هاهنا يرجع قوله: ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ إلى الكافر، ولا يجوز أن يُجعل هذا صفةً لآدم ﵇ فإنه لا يجوز أن يسمَّى ظالمًا جاهلًا فكيف يسمى ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ وهو أبلغ، فأما في حق الكافر فيصح هذا لأن اللَّه تعالى سماهم ظالمين بقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وجاهلين بقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، فيجوز وصفهم بالظلوم والجهول لأنهم ثابتون على الظلم والجهل دائمون عليهما.
* * *
(٧٣) - ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
стр. 6008
وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ وهذا دليل على (١) هذا القول؛ لأنَّه ذكر الصنفين جميعًا فدل أن الاسم كان لهما (٢).
ومعنى هذه الآية: أن اللَّه ألزم الأمانةَ الإنسَ فلم (٣) يقبلها المنافقون والمنافقات والكفار فيعذبهم اللَّه، وقبلها المؤمنون ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤) ويغفر لهم ما سلف منهم.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: يغفر ذنوب التائبين، ويرحم عباده المؤمنين.
وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد للَّه رب العالمين.
* * *
стр. 6009
سورة سبإ
стр. 6010
سورة سبإ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعَل خَلْقَ السماوات والأرض آيةً لكلِّ عبد منيب، الرحمنِ الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر من عدوٍّ أو حبيب، الرحيم الذي هو السميع القريب.
وروى أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة سبأ لم يبق نبي مرسل إلا كان له رفيقًا مصافحًا" (١).
وسورة سبأ مكيةٌ، وهي خمسون آيةً وخمس آيات، وقيل: وأربع آيات.
وكلماتُها ثماني مئة وثلاثٌ وثمانون، وحروفُها ثلاثةُ آلاف وخمسُ مئة وخمسةَ عشر.
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أن تلك السورة في مدح اللَّه وهذه في حمد اللَّه.
وانتظام السورتين: أن تلك مدنية في بيان المعاملة، وهذه مكية في بيان العقيدة، وبهما تعبَّد اللَّه عباده، واشتملت السورتان على مدح الموافقين وثوابهم وذمِّ المخالفين وعقابهم.
стр. 6011
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: يجوز فيه ثلاثة أوجه:
الأمر بالحمد على إضمار قل أو قولوا.
وحمد اللَّه في نفسه تعليمًا لعباده.
والإخبار أن استحقاق الحمد للَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾: أي: هو المحمود في الآخرة، وهو المستحِقُّ للحمد فيها كما هو مستحِقُّه في الدنيا؛ إذ هو المالك في الآخرة قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لا ملك إلا له ولا مالك إلا هو، وهو المنعِم على المطيعين بالجنة وما فيها من النعيم المقيم والأجر العظيم، وهم يحمدونه فيها، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
وقيل: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: في إنشاء الآخرة؛ لأن خلق الدنيا صار حكمةً لخلق الآخرة، ولولاها لكان خلق الدنيا للفناء وهو عبث.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾: المحكِم لأفعاله، المصيبُ في أفعاله وأقواله ﴿الْخَبِيرُ﴾: العالم بالأشياء على حقائقها.
* * *
(٢) - ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾: ما يدخل فيها في جوفها من جمادٍ ونامٍ وحيوان.
стр. 6012
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: ما يكون على ظهرها من هذا، فيعلم أعيانها ومقاديرها وأحوالها ومدةَ بقائها ووقت فنائها.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من مطر وملَكٍ وغيرِ ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾: أي: يصعد إليها من الملائكة الحفظة وما يكتبون.
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾: لا يعاجل مَن عصاه بالعقوبة، ويغفر لهم بالتوبة، وهو المستحِقُّ للحمد بذلك.
* * *
(٣) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾: أي: وقال المنكِرون للبعث، الواصفون اللَّهَ تعالى بضدِّ ما مر ذكرُه من القدرة والحكمة والعلم: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ وإنكارهم لذلك: إما أن يكون لأنه ليس في قدرة اللَّه تعالى عندهم وقد بيَّن قدرته بخلق السماوات والأرض، أو لأنه ليس بحكمةٍ، وإقامةُ القيامة لمجازاةِ المطيع والعاصي حكمةٌ، أو لأنه لا يعلم بأعمال العباد ليجازَيهم على وَفق عملهم، وقد بيَّن أنه حكيمٌ عليمٌ، فبطل قولهم بما تقدم من عدم إتيانِ الساعة (١).
ثم زاد في البيان فقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ نفَى قولهم وأقسم على كونها، وأكد باللام والنون.
стр. 6013
وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الميم نعتًا لـ ﴿ربي﴾ والباقون بالرفع على معنى: هو عَالِمُ الغَيْبِ (١).
﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾: أي: لا يَبعد ولا يغيب، وقرأ الكسائي: ﴿لَا يَعْزِبُ﴾ بكسر الزاي والباقون بضمها (٢)، وهما لغتان.
﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾: أي: علمُ مقدارِ نملةٍ صغيرة.
وقيل: ما يتراءى من شعاع الشمس إذا وقعت في كوَّة.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾: أي: من مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴿وَلَا أَكْبَرُ﴾ من ذلك ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قيل: هو اللوح المحفوظ وما يرجع منه إلى أعمال العباد، فهو في كتاب الحفظة (٣).
* * *
(٤ - ٥) - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: يتصل بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ. . . لِيَجْزِيَ﴾ (٤).
стр. 6014
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أي: حسن خطير في الجنة.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ (١): أي: في إبطال آياتنا بالافتراء عليها مسابقينَ مقدِّرين أنهم يفوتوننا ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ بخلافِ جزاء الأوَّلينَ.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿معجِّزين﴾ بالتشديد (٢)؛ أي: مثبِّطين الناسَ عن تأمُّلها.
والرجز: العذاب المؤذي المؤلم.
وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوبُ: ﴿أَلِيمٌ﴾ رفعًا نعتًا لقوله: ﴿عَذَابٌ﴾ والباقون بالخفض بهما لقوله: ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ (٣).
قال مقاتل: قال أبو سفيان بن حرب وحلَف باللات والعزَّى: إن البعث غيرِ كائن، فأمر اللَّه رسوله أن يحلف ردًّا عليه بقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٤).
* * *
(٦ - ٧) - ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾: أي: ﴿وَيَرَى﴾ بقلبه وهو العلمُ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
стр. 6015
وهم أصحاب رسول اللَّه، وقيل: مؤمنو أهل الكتاب ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهو القرآن ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ مفعول ثان بقوله: ﴿وَيَرَى﴾؛ أي: هؤلاء يرون القرآن حقًّا ويعلمونه صدقًا، وأنه يهدي إلى طريق الحق وهو طريق اللَّه تعالى ودينُ اللَّه ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي لا يغالب ﴿الْحَمِيدِ﴾ المستحِقِّ للحمد.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أي: وقال هؤلاء المنكرون للساعة لإخوانهم الموافقين لهم على الإنكار: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون النبيَّ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: يخبركم أنكم بعد أن تَبْلوا في قبوركم وتتقطَّعَ أجسادكم فيها أو تأكلكم السباع، والمَزْق: الخرق، والتمزيق: التكثير والتكرير منه، ﴿إِنَّكُمْ﴾ تعودون خلقًا جديدًا أحياءً كما كنتم قبل البِلَى والتقطُّع، وهذه لفظةُ تعجيب بصيغة الاستفهام؛ كقولك: هل رأيت مثل هذا؟!
* * *
(٨) - ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾.
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: ألف استفهام دخلت على الألف المجتلَبة فأسقطَتْها للاستغناء عنها ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؛ أي: جنون، وهذا قولهم أيضًا، يقولون: لا ندري أنَّ ما يخبر به ويضيفه اللَّه تعالى أهو على جهة الافتراء على اللَّه تعالى فهو أمر فظيع، أم به جنون فهو يتكلم بما لا يدري؟!
فأجابهم اللَّه تعالى فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾: أي ليس هو مفتريًا على اللَّه تعالى ولا به جنون، ولكن المنكرون للبعث ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ في الآخرة إذا صاروا إليها ﴿وَ﴾ في ﴿الضلالِ البعيد﴾ عن الحق في الدنيا.
стр. 6016
وقيل: ﴿فِي الْعَذَابِ﴾؛ أي: في العناء والأذى؛ لِمَا يجتهدون فيه من إضلالِ الناس وصدِّهم عن الحق مع بطلان سعيهم؛ قال عَبيدُ بن الأبرص:
والمرءُ ما عاش في تكذيبٍ... طول الحياة له تعذيبُ (١)
وحكى أبو معاذ عن بعضهم: ﴿فِي الْعَذَابِ﴾؛ أي: الشقاءِ الطويل.
* * *
(٩) - ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: كيف هو محيط بهم، ومن كل جهة رَموا بأبصارهم إليهما رأوهما، وهم محصورون بينهما، فيستدلوا بذلك على أنهم في سلطان اللَّه تعالى تجري عليهم أحكامه.
﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاء﴾: لا يمتنعون عن شيء من ذلك، فيحذروا الافتراء على رسولي، ويتركوا الإشراك بي والتعجيزَ لي عن إعادتهم بعد موتهم، ويستدلوا بقدرتي على خلقهما على قدرتي على بعثهم بعد موتهم، وهو كقوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، إلى قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: أي: راجعٍ إلى اللَّه مقبلٍ عليه متدبرٍ في آياته، فهو المنتفع (٢) بها.
* * *
стр. 6017
(١٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾: ثم بيَّن قصةَ أبٍ وابنٍ كانا منيبين إلى اللَّه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤]، وبه وقع الانتظام بين هذه الآية والتي قبلها (١)، وفي إثبات رسالتهما إثباتُ رسالة محمد ﵇، وصدقُ ما أخبر به من البعث وغيره.
ومعنى الآية (٢): ولقد أعطينا داود النبيَّ منا أمرًا فضَّلناه به على غيره من أهل عصره، وهو ما قال: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾؛ أي: قلنا: يا جبال رجِّعي معه ما يأتي به من ذكرِ اللَّه وتسبيحه.
وقيل: أي: سبِّحي معه، وكانت تسبِّح معه.
وقيل: التأويب سيرُ النهار كلِّه، وكانت الجبال تسير معه بالنهار حيث سار هو عند بعضهم.
﴿وَالطَّيْرَ﴾: قال قتادة: وكانت الطير تسبِّح معه إذا سبَّح.
وقرأ نافع وعاصم في رواية: (وَالطَّيْرُ) بالرفع (٣) عطفًا على قوله: ﴿يَا جِبَالُ﴾، وهو كقول الشاعر:
يا طلحةُ الكاملُ وابنُ الكاملِ (٤)
стр. 6018
بالرفع للظاهر، وإن كان لا ينادَى وحده بالرفع.
ووجه آخر: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أنت (وَالطَّيْرُ) رفعًا (١) عطفًا على (أنت).
ووجه آخر: والطَّيرُ كذلك، أو: والطَّيرُ مثلُك.
وقرأ الباقون بالنصب لوجوهٍ:
أحدها: أن الثانيَ معرفةٌ والأولَ نكرةٌ، واستعمالُ العرب فيهما كذلك، قال الشاعر:
ألَا يا زيدُ والضحاكَ سِيرَا... فقد جاوَزْتُما خَمَرَ الطريقِ (٢)
والخَمَر: ما واراك من شجر وغيره.
وكذلك يفعلون في المضاف والمفرد؛ قال ذو الرُّمَّة (٣):
ألا يا اسلمي يا هندُ هندَ بني بدرِ... وإن كان حيَّانا عِدًى آخرَ الدهر
وقال آخر:
يا زيدُ زيدَ اليَعْملاتِ الذُّبَّلِ... تطاوَلَ الليلُ عليها فانزلِ (٤)
стр. 6019
والثاني: ما قال الكسائي: تقديره: وسخرنا الطير.
والثالث: ما قال الفراء: وآتيناه الطير (١)، وحقيقتُه: أن المنادى منصوبٌ لأنه مفعولٌ بالنداء، والمفردُ المعرفةُ مضمومٌ بناءً لا إعرابًا ولذلك لا ينوَّن، فأما المنادى المضافُ والمفردُ النكرةُ فمنصوبان لِمَا قلنا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: أي: جعلناه ليِّنًا في يده.
قال قتادة: كان الحديد في يده مثلَ الشمع يصرِّفه كيف يشاء من غير نارٍ ولا مطرقةٍ، وكان يتَّخذ منه الدروعَ، وهو أولُ مَن عمِلها وكانت قبله صفائحَ (٢).
* * *
(١١) - ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾: أي: أمرناه أن اعمل سابغات؛ أي: دروعًا تامةً تعمُّ الإنسان ما دون رأسه بالتغطية حتى تقرب من الأرض.
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: أي: في النَّظم والوصل والنَّسج؛ أي: اجعل المسامير على قَدْر الحَلَق لا تغلِّظها فتَخرق ولا تدقِّقها فتَقْلقَ (٣).
стр. 6020
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾: أي: أنت وأهلك عملًا يوافق أمر اللَّه ويكون طاعةً له، وهو في معنى ما ذكر بعده: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾.
﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: أراه وأعلمه وأَقدِر على المجازاة به، وهذا ترغيب وترهيب.
وقال الإمام القشيري: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ هو ما ذُكر بعده من مساعدةِ الجبال والطير إياه تنفيسًا له على حزنه وبكائه.
وقيل: هو توفيق الرجوع له إلى اللَّه تعالى بالاعتذار.
وقيل: هو شهود موضع ضرورته وأنه لا يُصلح أمرَه غيرُه.
وقيل: هو طِيبُ صوته عند قراءته الزبور.
وقيل: هو حلاوة صوته في المناجاة.
وقيل: هو حسن خلقه مع الذين اتَّبعوه.
وقيل هو توفيقه للحكم بين (١) أمته بالعدل.
* * *
(١٢) - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكرٍ (٢) بالرفع
стр. 6021
على الابتداء، والباقون بالنصب على تقدير: وسَخَّرْنا له الرِّيحَ (١).
وقيل: هو على ظاهر قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. . . وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ والتسخير تذليل (٢) وتليين، وذلك قوله: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾، وكذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: أي: كانت تغدو به مسيرة شهر وتَروح به مسيرة شهر آخر.
قال الحسن: كان لِغدو فيَقيل بإصطَخْر ويروح فيَبيت بكابُلَ (٣).
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: أي: أذَبْنا له عينَ النحاس فأجريناها له حتى سالتْ بإسالتنا كما ألنَّا لداود الحديد دلالةً على نبوَّته.
وقال ابن عباس وقتادة وأهل اللغة: ﴿الْقِطْرِ﴾ النحاس (٤).
وقال قطرب: الصُّفر.
وقال مجاهد: سالت من صنعاء ثلاث ليالٍ بأيامها (٥)، وكذلك قال عكرمة (٦).
стр. 6022
وقيل: كان النحاس يجري له في الشهر ثلاثة أيام، وكلُّ ما هو في أيدي الناس فإنما هو مما كان يجري في أيامه.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: بحضرته وبمرأَى عينه باستعماله.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: أي: بأمر اللَّه.
﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: قال السدي: كان مع سليمان ملَك بيده سوط من نارٍ، فمَن استعصى عليه من الجنِّ ضربه بذلك السوطِ من حيث لا يراه الجن (١).
وقيل: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة؛ لأنَّهم مكلَّفون كبني آدم.
* * *
(١٣) - ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾: قال ابن كيسان: أي: المجالسِ الشريفةِ والمنازل الرفيعة.
وقال الأخفش: المحاريب: صدور المجالس.
وقال أبو عبيدة: المحاريب: أشرف موضع في البناء (٢).
стр. 6023
﴿وَتَمَاثِيلَ﴾: قال ابن عباس ﵄: كانوا يصنعون تماثيل الأنبياء والصالحين ليُقتدَى بهم (١).
وقال أبو العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرَّمًا، وإنما حرم على هذه الأمة (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: أي: صِحافٍ كبيرةٍ كالحياضِ، والواحدة: جابيَة، ومعناه: جامعةٌ للماء، وحذفت الياء من (الجوابي) تخفيفًا.
стр. 6024
﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: أي: ثابتات غيرِ زائلاتٍ عن أمكنتها.
قال ابن عباس ﵄: كان يقعد على كلِّ جفنةٍ ألفُ رجل (١).
وقيل: كان يسعُ في كلِّ قِدْرٍ (٢) ألفُ شاة ونحوها، وكانت تُتَّخذ من الجبال لا تحرَّك عن موضعها.
قال وهب ﵀: كانت أعمال الجن هذه بأرض اليمن.
﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾: أي: وقلنا لهم: اعْمَلُوا للَّه على الخلوص شكرَ النعمة عليكم.
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: مَن يشكر على الأحوال كلها.
وقال السدي: أي: قليل مَن يشكر على الشكر.
وقال بسام بن عبد اللَّه (٣): قليل مَن يرى عجزَه عن الشكر (٤).
وقيل: وقليل مَن يشكر لي بلسانه فيحمدني، وبقلبه فيرى نعمة اللَّه عليه، وببدنه فيُتعبه في طاعة ربه.
стр. 6025
وقال الإمام القشيري ﵀: الشكور مَن زاد شكرُه على شكر أمثاله، فالشاكر مَن يشكر على الرخاء والشكور مَن يشكر على البلاء، والشاكر مَن يشكر على العطاء والشكور مَن يشكر على المنع.
و [يقال في ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾]: قليلٌ من عبادي من يأخذ النعمة مني فلا يحملُها على الأسباب فيشكرَ للوسائط ولا يشكرَ لي، والأكثرون يأخذون النعمة من اللَّه ثم يتقلدون المنة (١) من غير اللَّه، فيشكرون لغير اللَّه تعالى (٢).
* * *
(١٤) - ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾: أي: ما دلَّ الجن، وقيل: ما دل آلَ داود. وقد سبق ذكر الكلِّ.
ودابة الأرض: هي الأَرَضة التي تكون في الخشب فتأكلُه.
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾: أي: عصاه، من قولك: نسأتُ البعير وغيرَه: إذا زجَرْتَه ليزداد في سيره.
ويقال: نسأ؛ أي: ساق.
﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾: أي: سقط ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾؛ أي: علمت، وقيل: أي: ظهر حال الجن للإنس.