على الابتداء، والباقون بالنصب على تقدير: وسَخَّرْنا له الرِّيحَ (١).
وقيل: هو على ظاهر قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. . . وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ والتسخير تذليل (٢) وتليين، وذلك قوله: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾، وكذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: أي: كانت تغدو به مسيرة شهر وتَروح به مسيرة شهر آخر.
قال الحسن: كان لِغدو فيَقيل بإصطَخْر ويروح فيَبيت بكابُلَ (٣).
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: أي: أذَبْنا له عينَ النحاس فأجريناها له حتى سالتْ بإسالتنا كما ألنَّا لداود الحديد دلالةً على نبوَّته.
وقال ابن عباس وقتادة وأهل اللغة: ﴿الْقِطْرِ﴾ النحاس (٤).
وقال قطرب: الصُّفر.
وقال مجاهد: سالت من صنعاء ثلاث ليالٍ بأيامها (٥)، وكذلك قال عكرمة (٦).
стр. 6022
وقيل: كان النحاس يجري له في الشهر ثلاثة أيام، وكلُّ ما هو في أيدي الناس فإنما هو مما كان يجري في أيامه.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: بحضرته وبمرأَى عينه باستعماله.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: أي: بأمر اللَّه.
﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: قال السدي: كان مع سليمان ملَك بيده سوط من نارٍ، فمَن استعصى عليه من الجنِّ ضربه بذلك السوطِ من حيث لا يراه الجن (١).
وقيل: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة؛ لأنَّهم مكلَّفون كبني آدم.
* * *
(١٣) - ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾: قال ابن كيسان: أي: المجالسِ الشريفةِ والمنازل الرفيعة.
وقال الأخفش: المحاريب: صدور المجالس.
وقال أبو عبيدة: المحاريب: أشرف موضع في البناء (٢).
стр. 6023
﴿وَتَمَاثِيلَ﴾: قال ابن عباس ﵄: كانوا يصنعون تماثيل الأنبياء والصالحين ليُقتدَى بهم (١).
وقال أبو العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرَّمًا، وإنما حرم على هذه الأمة (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: أي: صِحافٍ كبيرةٍ كالحياضِ، والواحدة: جابيَة، ومعناه: جامعةٌ للماء، وحذفت الياء من (الجوابي) تخفيفًا.
стр. 6024
﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: أي: ثابتات غيرِ زائلاتٍ عن أمكنتها.
قال ابن عباس ﵄: كان يقعد على كلِّ جفنةٍ ألفُ رجل (١).
وقيل: كان يسعُ في كلِّ قِدْرٍ (٢) ألفُ شاة ونحوها، وكانت تُتَّخذ من الجبال لا تحرَّك عن موضعها.
قال وهب ﵀: كانت أعمال الجن هذه بأرض اليمن.
﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾: أي: وقلنا لهم: اعْمَلُوا للَّه على الخلوص شكرَ النعمة عليكم.
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: مَن يشكر على الأحوال كلها.
وقال السدي: أي: قليل مَن يشكر على الشكر.
وقال بسام بن عبد اللَّه (٣): قليل مَن يرى عجزَه عن الشكر (٤).
وقيل: وقليل مَن يشكر لي بلسانه فيحمدني، وبقلبه فيرى نعمة اللَّه عليه، وببدنه فيُتعبه في طاعة ربه.
стр. 6025
وقال الإمام القشيري ﵀: الشكور مَن زاد شكرُه على شكر أمثاله، فالشاكر مَن يشكر على الرخاء والشكور مَن يشكر على البلاء، والشاكر مَن يشكر على العطاء والشكور مَن يشكر على المنع.
و [يقال في ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾]: قليلٌ من عبادي من يأخذ النعمة مني فلا يحملُها على الأسباب فيشكرَ للوسائط ولا يشكرَ لي، والأكثرون يأخذون النعمة من اللَّه ثم يتقلدون المنة (١) من غير اللَّه، فيشكرون لغير اللَّه تعالى (٢).
* * *
(١٤) - ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾: أي: ما دلَّ الجن، وقيل: ما دل آلَ داود. وقد سبق ذكر الكلِّ.
ودابة الأرض: هي الأَرَضة التي تكون في الخشب فتأكلُه.
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾: أي: عصاه، من قولك: نسأتُ البعير وغيرَه: إذا زجَرْتَه ليزداد في سيره.
ويقال: نسأ؛ أي: ساق.
﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾: أي: سقط ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾؛ أي: علمت، وقيل: أي: ظهر حال الجن للإنس.
стр. 6026
﴿أَنْ لَوْ كَانُوا﴾: أي: الجن ﴿يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾: ما غاب عن حواسِّهم ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: في استسخار سليمان في هذه الأعمال.
قال مقاتل ﵀: كان داود ﵇ أسَّس بناءَ مسجد بيت المقدس موضعَ فسطاط موسى، [فمات قبل أن يُبنى، فبناه سليمان بالصخر والقار]، وكانت بقيت لهم سنَةٌ حتى يَفرغوا من بنائه، وخاف سليمانُ الموت فقال لأهله: لا تخبروا الشياطين والجنَّ بموتي حتى يفرغوا من بناء المسجد، ودعا ربه فقال: اللهم أَعْمِ على الشياطين والجن موتي حتى تعلم الناسُ أن الجن والشياطين لا يعلمون الغيب (١).
وقال ابن عباس ﵄: كانت الشياطين والجنُّ تدَّعي علمَ الغيب وما يكون في غد، فابتُلوا بموت سليمان (٢).
وقال الواقدي: كان ملَك الموت صديقًا لسليمان، فسأله سليمان عن آيةِ موته، فقال: إن آية موتك أن تخرج من الأرض شجرةٌ يقال لها: الخرُّوبة، فإذا وجدتَها فقد حضر أجلُك (٣)، فبينما سليمان في منزله ذات يوم طلعت شجرةٌ، فقال لها سليمان: ما اسمك؟ قالت: الخرُّوبة، فولج سليمان مسجدَه واتَّكأ على عصاه وقبضه اللَّه تعالى، فكان كذلك سنةً جرداءَ (٤).
стр. 6027
وقال مجاهد: لما رأى الشجرة تحنَّط وتكفَّن وصعد كرسيَّه واتكأ على عصاه (١).
وقال الضحاك: مكث كذلك سنةً والشياطين والجنُّ يَدْأَبون في العمل، ويدخل كلَّ يوم رئيسهم عليه فيخرج ويقول لأصحابه: جِدُّوا فإنه قائم يصلي، فيجتهدون في العمل، إلى أن فرغوا، فلما فرغوا أتت الأرَضة فأكلت من عصاه ما وَلِي الأرض فانكسرت العصا فخر سليمان، فحينئذ أيقنوا بموته.
وقيل: كان قائمًا في محرابه، فجاء ملك الموت ليقبض روحه فقال: أمهلني حتى أوصيَ إلى (٢) أهلي، فقال: لا زمان، فقال: اتركني حتى أجلسَ، قال كذلك، قال: فكيف تقبضني؟ قال: اتَّكِئْ على مِنسأتك، فاتكأ عليها فقبضه، فبقي كذلك حولًا، ثم أكلت الأرضة أسفل عصاه فانكسرت، فخر سليمان فظهر ذلك لهم.
* * *
(١٥) - ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾: قرأ أبو عمرو وابن كثير في رواية البزِّي (٣) بالفتح
стр. 6028
غيرَ منوَّن (١) لأنها اسم قبيلة أو أرض، والباقون بالخفض منوَّنًا (٢) لأنه اسم أبٍ (٣).
﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾: قرأ الكسائي وخلف بكسر الكاف موحَّدًا، وقرأ حمزة وحفصر بفتحها موحَّدًا، وقرأ الباقون: ﴿مساكنهم﴾ على الجمع (٤).
فقوله: ﴿مسكنهم﴾؛ أي: أرضهم وبلدهم، و ﴿مساكنهم﴾؛ أي: منازلهم.
ذكر قصةَ سبأ لمشركي العرب -وكانت معروفةً لهم- يحذِّرهم أن ينزل بهم بشركهم وكفرهم ما نزل بأولئك على كثرتهم وقوتهم من جهةِ أضعفِ خلق اللَّه.
ووجه الانتظام: أن الأولى في مدح الشكور والثانيةَ في بيان جزاء الكفور.
يقول: لقد كان لأولادِ سبأٍ في ديارهم، وهو سبأُ بن يَشجُبَ بن يَعْرُبَ بن قحطان، وأولاد سبأٍ سبعة: حِمْيَرٌ وكَهْلانُ وعمرٌو والأشعرُ وأنمارٌ ومرٌّ وعاملةُ، هم بنو سبأ، وكثُر نسلُهم حتى إن خزاعةَ والأوسَ والخزرجَ وغسانَ من جملةِ مَن تمزَّقوا في البلاد لمَّا جرى على بلاد سبأ ما جرى (٥).
﴿آيَةٌ﴾: أي: علامةٌ تدل على أن لهم إلهًا خلقهم وأنعم عليهم؛ لأن ما أعطاهم من أنواع الشجر وألوان الثمر خارجٌ عن وسع البشر.
﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾: هي ترجمةُ قوله ﴿آيَةٌ﴾.
قال ابن عباس ﵄: كانت سبأُ على ثلاثِ فراسخَ من صنعاء،
стр. 6029
وكانت أخصبَ البلاد وأطيبَها وأكثرَها ثمرًا، حتى كانت المرأة تضع على رأسها مِكْتَلًا فتطوف فيما (١) بين الأشجار وقد امتلأ المكتلُ من ألوان الثمار من غير أن تمسَّ بيدها شيئًا (٢).
وكانت مياههم تخرج من جبلٍ، فبنوا فيه سدًّا بالصخر والقار، وجعلوا له ثلاثةَ أبواب: أعلى وأوسطُ وأسفلُ، وكانوا يسرِّحون المياه إلى أشجارهم وكرومهم منها، وكان عن يمين الوادي وسماره بساتينُ وكرومٌ وأنهار، وكان بين اليمين واليسار مسنَّاةٌ، وهي موضعٌ رفيعٌ فيما بين النهرين، فأرسل اللَّه إليهم ثلاثة عشر من الرسل ﵈، فكذَّبوهم وكفروا بهم وبطروا النعمة، وقالوا للرسل: ما للَّه علينا من نعمة.
وقال الضحاك: كان ذلك في الفترة بين عيسى ونبيِّنا صلوات اللَّه عليهما (٣)، وكانت الفترة ستَّ مئة سنة، ويقال: خمسَ مئة وخمسين سنة (٤).
وقال أنس بن مالك ﵁: سئل رسول اللَّه ﷺ عن سبأ فقال: "كان سبأٌ رجلًا وُلد له عشرةٌ من الأولاد، تيامَنَ منهم أربعة وتشاءم ستة، فأما الذين تيامنوا
стр. 6030
فقُضاعةُ والأَزْدُ وخزاعةُ وعاملة، وأما الذين تشاءموا فكلبٌ ولخمٌ وجُذامٌ وغسانُ وطَسْمٌ ووَبَار" (١).
وعن ابن عباس: "والأوس والخزرج" بدل: "طَسْم ووَبَار" (٢).
وقوله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ﴾؛ أي: بساتينُ من جانبٍ وبساتين (٣) من جانب.
﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ قيل: عن يمين السائر بينهما وعن شماله.
وقيل: عن يمين الوادي وعن يساره.
وقيل: عن يمين مساكنهم وعن يسارها.
وقيل: كانت بين جبلين.
قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾: أي: قلنا لهم ذلك، وهو أمرُ إباحةٍ ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾: وهو أمر إيجاب.
وقيل: كان هذا على ألسنة رسلهم.
وقيل: هو إخبارٌ عن إباحةٍ وإلزام (٤) من غير كلام؛ كما في قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ
стр. 6031
بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤]، وفي قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ الآية [فصلت: ١١].
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: أي: لكم بلدةٌ طيِّبةُ الماء والهواء والتربة (١) مستلَذَّةٌ مُخْرِجة للنبات والثمرات، وربٌّ غفورٌ لعباده إذا تابوا وأنابوا إليه وشكروا له، فآمِنوا به (٢) واشكروا له وأطيعوه يغفر لكم.
* * *
(١٦) - ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾: أي: فتولَّوا عن الواجب عليهم من الشكر وكفروا.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾: السيل: الماءُ الجاري الكثير الذي لا يضبط دفعُه لعِظَمه.
و ﴿الْعَرِمِ﴾ قيل: هو السِّكْر (٣).
وقيل: هو المطر الشديد.
وقيل: هو اسم وادٍ.
وقيل: هو الجُرَذُ الذي هو نقب السِّكْر.
وقيل: كانت أسنانها من الحديد.
стр. 6032
قيل: أرسل اللَّه عليه سيلًا فقلعه وهدمه وخرَّبه.
وقيل: كان الماء يُحبس هناك مما يأتي (١) من أمطار السنة، وكان واديهم ينصبُّ إليه الماء من سائر الأودية، وكانوا يحبسون الماء في السد ويُجْرُون إليها بقَدْر الحاجة، فبعث اللَّه جُرذًا فخرقت السدَّ، فسال الماء المجتمِع فلم يُمْكِن ردُّه، وكبس الجنات حمأةً وترابًا وطينًا حتى علت الأشجار.
وقيل غيرُ ذلك.
وقيل: سال الماء متباعدًا عنهم وغاض (٢) في الأرض، فجفت جنانُهم لفوات الماء.
وقوله ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾: تثنيةُ (ذات) لأنه نعت ﴿جَنَّتَينِ﴾، والأكُل: الثمر وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب (٣): ﴿أُكُلِ خَمْطٍ﴾ مضافًا، وقرأ الباقون منونًا (٤)، و ﴿خَمْطٍ﴾ بدلًا عنه وترجمةً له.
وقيل: الخمط: كلُّ نبتٍ مرٍّ لا يمكن أكلُه؛ قاله الزجاج (٥).
وقال أبو عبيدةَ: هو كلُّ شجرٍ ذي شوكٍ (٦).
стр. 6033
وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: هو الأراك (١).
وقيل: البرير (٢).
وقال الحسن: الأثل: الخشب (٣). وقيل: السَّمُر (٤). وقيل: الطَّرْفاء (٥).
﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾: قيل: السِّدر: شجر النَّبق (٦).
وقال محمد ابن إسحاق: صارت عامةُ أشجارهم الدَّوم وهو المُقْلُ (٧).
ثم قوله: ﴿مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ هو نعتُ السِّدر، والسِّدر كان في الجِنان الأُوَل ويُرْغَب فيه، وبقي شيء منه في الجنان المبدَلة يتذاكرون به ما كان ويتحسَّرون عليه.
وقيل: هو نعت الأُكُل؛ أي: بدِّلت لهم جنانٌ لا خُضرةَ لها ولا نَضرة إلا شيءٌ
стр. 6034
قليلٌ لا يُعْبأ به ولا يُكتفى به من الخمط والأثل والسِّدر جميعًا، فكان نعتًا للأكُل وهو من هذه الأشياء الثلاثة.
* * *
(١٧) - ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾: أي: ما فعلنا بهم من إهلاك جناتهم ومساكنهم جزاءُ كفرهم في الدنيا.
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (١): قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصم في رواية حفص: ﴿نُجَازِي﴾ بالنون ﴿الْكَفُورَ﴾ نصبًا إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسه بخطابِ الملوك جمعًا، وهو متعدِّ ناصبٌ للمفعول، وقرأ الباقون: ﴿يُجازَى﴾ بالياء والضم على ما لم يسمَّ فاعله و ﴿والكفورُ﴾ رفعًا لأنه اسمٌ لِمَا لم يسمَّ فاعله (٢).
وهو استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا تكون إزالة النعم إلا جزاءَ الكفور، وهذا في الدنيا والآخرة على اعتبارهما، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الآية [القلم: ٣٣].
* * *
(١٨) - ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾:
стр. 6035
قال مجاهد وقتادة: القرى التي باركنا فيها الشام (١).
وقال الإمام ابن عباس ﵄: بيت المقدس (٢).
وقال قتادة: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾؛ أي: متواصلةً (٣)، وهي أن تَظهر الثانية من الأولى لقربها منها.
﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾: قيل: أي: للمَقيل والمبيت، بين كلِّ قريتين ثلاثةُ فراسخَ، وقيل: أربعة فراسخ، وقيل: سوَّينا مسيرةَ ما بين كلِّ قريتين فكانت لا تتفاوت.
﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: أي: قال لهم رسولهم ذلك، أو معناه: كانوا يسيرون كذلك؛ كما مر في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ [سبأ: ١٥].
﴿آمِنِينَ﴾: أي: من الجوع والعطش وتعرُّض الناس.
* * *
(١٩) - ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (٤): قرأ عاصم وحمزة والكسائي ونافعٌ: ﴿رَبَّنَا﴾ بالنصب ﴿بَاعِدْ﴾ بالألف مكسورةَ العين مجزومةَ الدال على الدعاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمر وهشام عن ابن عامر: ﴿بَعِّدْ﴾ بغير ألفٍ مجزومًا أيضًا (٥)، وهما لغتان كقوله: ﴿لا تُصاعِرْ﴾ و ﴿لا تُصَعِّرْ﴾.
стр. 6036
أي: بَطِروا وأساؤوا السيرةَ، وجهلوا قَدْر النعمة والعافية (١)، وسألوا اللَّه تعالى أن يبعِّد أسفارهم.
روي أنهم قالوا: ليت أن أسفارنا تباعَدَت، فكنَّا نركب البحار ونحملُ معنا الأزواد ونقطع المفاوِز متنزِّهين، ولزيادة الأموال بالتجارة متكسِّبين، وهذا كجهل قوم موسى في قولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، وسؤالِهم ما سألوا.
وإلى هاهنا على قول بعضهم بيانُ أولِ أحوالهم: أنه كان لهم جنتان، وكانت منازلهم إلى الشام في الأسفار متقاربةً متيسِّرةً، فملُّو ذلك وسألوا تباعُدَ الأسفار، فبدَّلهم اللَّه بجنتَيهم جنَّتين، وأيبس بلادهم وغوَّر مياههم وأهلك أموالَهم، وفرَّقهم في البلاد، وبعَّد أسفارهم، وذلك قوله:
﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بخَسوها حظوظَها من النعمة والعافية والدَّعَة ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يتحدَّث الناس بعدهم بما جرى عليهم فيتمثَّلون به، فيقولون: تفرَّقوا أيدي سَبَا، و: أيادي سَبَا (٢)، قال الشاعر:
من صادرٍ وواردٍ أيدي سَبَا (٣)
стр. 6037
وقال كثيِّر عزَّةَ:
أيادي سبا يا عَزُّ ما كنتُ بعدكم... فلم يَحْلُ للعينين بعدَكِ منظرُ (١)
وقوله تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: أي: فرَّقناهم في البلاد كلَّ مفرَّقٍ.
قال الشعبي: أمَّا غسانُ فلحقوا بالشام، وأمَّا الأنمار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعةُ فلحقوا بتِهامةَ، وأما الأَزْد فلحقوا بعُمَان (٢).
وقيل: كان أولُ حالهم ما ذكر في الآية الأولى، وزال ذلك بسيلِ العَرِم وبدَّل اللَّه تعالى جنتيهم بما بدَّل، فقالوا لنبيهم أو لأنبيائهم: سلُوا اللَّه تعالى حتى يُهيئَ لنا أسبابَنا فنشكرَ له ولا نكفرَه، فجعل اللَّه بينهم وبين الشام قرًى ظاهرةً سهُل عليهم الامتيار، وقرُبت عليهم الأسفار، فلم يشكروا وسألوا تبعيدَ الأسفار (٣).
وقرأ سهل ويعقوب (٤): ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ برفع قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ على الابتداء و ﴿باعَدَ﴾ على الفعل الماضي (٥)؛ أي: شكَوا اللَّه، وسمَّوا هذه أسفارًا بعيدة، وعادوا إلى الكفران، فعوقبوا بالتمزيق (٦) في البلدان، وجُعلوا أحاديث.
стр. 6038
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: أي: لكلِّ مؤمنٍ مستكملِ خصالِ الإيمان، فإن الشكر والصبر حاصِلُها (١)؛ أي: هو المنتفِع بهذه الآيات بالتأمُّل فيها وإن كانت الآيات للكلِّ على العموم.
* * *
(٢٠) - ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾: قرأ عاصم وحمزةُ والكسائي وخلف: ﴿صَدَّقَ﴾ مشدَّدًا (٢)؛ أي: حقَّق على هؤلاء العصاة الذين أنكروا البعث وأعرضوا عن شكر اللَّه تعالى وكفروا به إبليسُ ما ظنَّه فيهم حيث قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢]، ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]، وأشباه ذلك.
ولم يقل ذلك عن ثقةٍ بأنه سيكون كذلك، فإنه لم يُخبر به، ولا كان عالمًا بالغيب، لكن استدلالًا بإستزلاله آدمَ وحواء، وقال: تنفُذُ في أولادهما حيلتي كما نفذت فيهما، وحقَّق ذلك الظنَّ بجهده في الإغواء (٣) والتزيين.
﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إن جُعل ﴿مِنَ﴾ للتمييز فمعناه: فاتَّبعوه في الكفر إلا المؤمنين، وإنْ جعل من للتبعيض فمعناه: فاتبعوه في المعاصي إلا فريقًا من جملة المؤمنين لم يتابعوه في معصيته، وهم المخلصون المطيعون.
وقرأ الباقون: ﴿صَدَق﴾ مهه بالتخفيف؛ أي: صدَق إبليس في ظنه وخرج كما ظن.
стр. 6039
(٢١) - ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: ولايةِ جبرٍ على فعل.
وقيل: أي: حجةٍ على ما يدعوهم إليه.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكنْ؛ أي: ولكنَّا ابتلينا المكلَّفين بوساوسه ليُعلم المؤمن المخلص من الشاكِّ في البعث، وهو استثناء منقطع.
وقيل: هو على حقيقة الاستثناء، وهذا سلطان التخلية؛ أي: وما كان له عليهم من سلطان بالتخلية منَّا إلا لنعلم المؤمنَ من الكافر؛ أي: إلا لتصحَّ (١) المحنة؛ لأنَّها تصحُّ إذا كان للممتحَن داعٍ يدعوه إلى الباطل وجاذبٌ يجذبه إلى الحق، فيجاهدُ بعقله هواه، فيظهرُ حينئذ طاعةُ المطيع ومعصيةُ العاصي.
ثم قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؛ أي: إلا لنُظهِرَ المعلوم بوجوده، أو لنعلمه موجودًا حالَ وجوده كما علِمناه قبل وجوده أنه يوجد، أو لنعامل معاملةَ مَن يختبِر للظهور، أو ليعلم أولياؤنا ذلك، وقد كشفنا ذلك كله في نظائره فيما مر.
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: عالمٌ به يحفظه على صاحبه ليجازيَه جزاء عمله (٢).
وقيل: أي: رقيب.
* * *
стр. 6040
(٢٢) - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: قل يا محمد للمشركين: ادعوا هؤلاء الذين اتَّخذتُموهم من دون اللَّه أولياءَ ليُظهروا شيئًا من آثار القدرة كما أظهرتُ، وهذا توبيخٌ لهم وتقريع.
و ﴿زَعَمْتُمْ﴾ بمعنى: ظنَنْتُم هاهنا؛ كما قال الشاعر:
زعَمَتْني شيخًا ولستُ بشيخٍ... إنما الشيخُ مَن يَدِبُّ دَبيبا (١)
﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: الأصنام ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾: أي: نصيبٍ، وقيل: أي: شركةٍ مع اللَّه تعالى.
﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ﴾: وما للَّه من الأصنام ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾؛ أي: مُعينٍ على خلقِ شيء.
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾: أي: عند اللَّه ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وهو لا يأذنُ في الشفاعة إلا للمؤمنين، ويكون ﴿لَهُ﴾ على هذا التأويل للمشفوع له.
ويجوز أن يكون للشافع؛ أي: لا يَشفع إلا مَن أذن اللَّه له به، واللَّه لا يأذن بالشفاعة للأصنام.
стр. 6041
وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وخلف والأعمش والبرجمي (١): ﴿أُذِنَ له﴾ بالضم على ما لم يسمَّ فاعله، والباقون على الفعل الظاهر مضافًا إلى اللَّه تعالى (٢).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: أي: أُزيل الفزع عنها، وقد فَزِعَ؛ أي: خاف، وأفزعه غيرُه؛ أي: أخافه، وفزَّعه؛ أي: أزال خوفه؛ كقولك: قَذِيَتْ عينه؛ أي: وقع فيها القَذَى، وأقذاها غيرُه؛ أي: أوقَعَ فيها القَذَى، وقذَّاها: أزال عنها القذى، وقريب منه: مَرِض بنفسه، وأَمْرَضه غيرُه: جعله مريضًا، ومرَّضه: إذا قام عليه وداواه وعالجه.
وهذا وصف الملائكة، وتقديره: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ أي: إلا للَّذين أذن اللَّه لهم من الأنبياء والملائكة -و (مَن) للجنس فصلح للجمع- ففزِعوا حين وردَ عليهم كلام اللَّه تعالى بالإذن لهم بالشفاعة، وهم الملائكة، وهذا الفزع من هيبة ما يَقترن به من الأمر الهائل، أو لِمَا يخافون من وقوع التقصير منهم في شفاعة الذين يَشفَعون لهم بأنْ كان على الإجمال دون التعيين فتَشتبِهُ أحوال المشفوع لهم.
حتى إذا كُشف عنها الفزع ﴿قَالُوا﴾ للملائكة الذين فوقهم، وهم المبلِّغون ذلك إليهم:
﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾: أي: أَمر به، وهو كلام الخاضع المتذلِّل.
﴿قَالُوْا﴾: أي: أولئك الملائكة: ﴿الْحَقَّ﴾؛ أي: قال اللَّهُ الحقَّ؛ أي: أَمَر أمرًا حقًّا.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: أي: المتقدِّس بالجلال، المتفرِّد بالكمال، فلا يأمر إلا بالحق.
стр. 6042
يعني: هم مع منزلتهم هذه يفزعون ويُشفقون من (١) شفاعة مَن لهم يشفعون، وهم بأمر اللَّه يعملون، فكيف يشفعون للكفار؟
وقيل: هذه الشفاعة قولهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧].
قيل (٢): هو في الآخرة.
وقيل: هو في نزول الوحي المطلق، وتقديره: ولا تنفع الشفاعة في الآخرة عند اللَّه إلا لمن أذن له في الشفاعة من الملائكة الذين يفزعون لِمَا يَرِدُ عليهم من كلام اللَّه تعالى ووحيه بأقضيته، حتى إذا أزال اللَّه عنهم الفزع ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾؛ أي: الشفاعة لهؤلاء لا للأصنام والشياطين والجن.
وقيل: قولهم ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ هذا الإجمال في وحي لم يؤذن للأكابر بيانُه للأصاغر، فأما إذا كان أمرًا يحقُّ إظهاره فسَّروه لهم، والروايات فيه كثيرة.
روى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى إذا قضى الأمر من السماء ضَربت الملائكة بأجنحتها كضرب السلسلة على الصَّفوان، فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: فيسمعها مسترِقُو السَّمْع وهم كذلك، وربما أدرك الشهابُ الأولَ قبل أن يرمي إلى صاحبه، وربما لم يدركه حتى رمى بها إلى صاحبه، فيرمي بها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى تُلقى على فم ساحر أو كاذب فيكذب معها فيصدق، فيقال: ألم يخبرنا يوم كذا بكذا فوجدناه حقًّا، وهي الكلمة التي سُمعت في السماء" (٣).
стр. 6043
وقال مسروق: سألنا عبد اللَّه بن مسعود ﵁، ولولا عبدُ اللَّه ما وجدنا أحدًا يخبرنا به قال: إذا تكلم [اللَّه] بالوحي سمع أهل السماوات صلصلةً كصلصلة السلسلة على الصفوان، فيرون أنه من أمر اللَّه تعالى فيفزعون، فإذا سكن ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١).
وفي رواية عنه: "فيصعقون، ولا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇ فيفزِّع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربنا؟ فيقول: الحقَّ، فينادون: الحق الحق" (٢).
وفي حديث شعبة: فيرون أنه الساعة (٣).
وقال ابن عباس ﵄: لم يسمع الملائكة الوحيَ في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد ﷺ وهو قريبٌ من ستِّ مئة سنةٍ، فلما بعث اللَّه جبريل إلى النبي ﷺ سمعتِ الملائكة الوحي فسقطوا مغشيًّا عليهم فظنُّوا أن القيامة قد قامت (٤).
وقال السدي: سألت الملائكةُ جبريل: إلى مَن بُعث؟ قال: إلى محمد، قالوا: اللَّه أكبر! قد قامت القيامة؛ لأنهم كانوا يقولون: إن محمدًا من أشراط الساعة، فلما علموا آية (٥) الساعة سأل بعضهم بعضًا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الحق.
стр. 6044
وعن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام قال لرسول اللَّه ﷺ : كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال: "كلُّ ذلك يأتيني الملك أحيانًا في صورة الرجل، فيقول لي فأعي ما يقول لي، ويأتيني أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، فيَفْصِم عني وقد وَعَيْتُ ما قال، وهو أشدُّ عليَّ" (١).
* * *
(٢٤) - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾: مَن يخلق لكم الأرزاقَ الكائنة في ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الأمطار وما يَصلح بالشمس والقمر والنجوم، وما في الأرض من الماء والنبات، ولا يقدرون أن يضيفوا شيئًا من ذلك إلى آلهتهم، فيسكتون لانقطاع الحجة.
﴿قُلْ﴾ أنت: ﴿اللَّهُ﴾ يفعل (٢) ذلك ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: فإنا لعلى هدًى بالإيمان باللَّه تعالى والإخلاصِ له، وأنتم في ضلالٍ مبين بإشراككم به غيرَه.
والجمع بين الكلامين تعريضٌ بتضليلهم وتخلُّصٌ (٣) إلى المقصود بكلام هو في غاية الحسن والإنصاف؛ كالرجل يريد تكذيبَ صاحبه فيقول: أحدنا كاذبٌ، فيكون هذا ألطفَ من أنْ يقول: أنت كاذب، وأوامرُ اللَّه تعالى في دعاء الكفار إلى الإسلام مبنيةٌ على الأرفق والأقرب إلى ما يُرجَى به ميلهم إلى الإسلام، ألا تراه
стр. 6045
قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، ونحو هذا الكلام قول حسان ﵁:
أتهجوهُ ولستَ له بندٍّ... فشرُّكما لخيرِكما الفداءُ (١)
وقيل: هو من التقسيم الذي هو من أقسام البلاغة، هما مبتدآن لهما خبران، فيتصل كلُّ خبر بمبتدئه، وتقديره: وإنَّا لعلى هدى وإياكم لفي ضلال مُبين، وهو كقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]؛ أي: الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبتغوا من فضله، وهو كقول أمرئ القيس:
كأنَّ قلوب الطير رطبًا ويابسًا... لدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي (٢)
أي: الرَّطب كالعُنَّاب واليابسُ كالحشف البالي.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: أي: إنما أدعوكم لنَفْعِكم ودفعِ الضرِّ عنكم، لا لنفعنا ودفع الضر عن أنفسنا، فإنكم لا تؤاخَذون بإجرامنا ونحن لا نؤاخَذ بإجرامكم.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾: أي: في القيامة ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: يقضي فيجزي كلَّ فريق على وَفْقِ عمله إنْ خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾: أي: القاضي العدلُ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأعمال العباد وبوجوه القضاء.
стр. 6046
(٢٧) - ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾: أي: قل يا محمد للمشركين: ﴿أَرُونِيَ﴾؛ أي: عرِّفوني ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: باللَّه ﴿شُرَكَاءَ﴾؛ أي: في العبادة، هل لها شركٌ في السماوات والأرض؛ أي: شركةٌ (١) مع اللَّه في الخلق فتستحقَّ العبادة.
وقيل: ﴿شُرَكَاءَ﴾؛ أي: في الخَلْق، فيَستقيمَ وصفُها بكونها شريكًا للَّه (٢) أو معبودًا معه؛ أي: وهذا لا يكون.
فإذا عجزوا عن ذلك فقل أنت: ﴿كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: أي: لا معبودَ إلا اللَّه، وهو اللَّه المعبود المستحِقُّ للعبادة، العزيزُ الذي لا يُرام، والحكيم الذي له تنفيذُ الأحكام، ومنه الإتقان والإحكام، وإراءة الآيات والأعلام.
* * *
(٢٨ - ٢٩) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: ذكَر إنكارهم رسالتَه في أول هذه السورة، وقال هاهنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ وفيه تقديم وتأخير، وتقديره: وما أرسلناك إلا مبشِّرًا (٣) ونذيرًا للناس كافةً؛ أي: جميعًا، وكفَّ الثوبَ: جمَع ما تفرَّق من أطرافه.
стр. 6047
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: وهم المشركون؛ لأنَّهم أكثر من المؤمنين، ولا يعملون بعلمهم، ولا يتأمَّلون في الآيات ليعلموا.
وقوله ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: وهو شاملٌ لِمَا يقع به التبشيرُ والإنذار ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في ذلك.
* * *
(٣٠) - ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾: أي: هذا مؤقَّتٌ عند اللَّه بيوم لا يتقدَّمونه بساعةٍ ولا يتأخرون عنه، وهو يوم القيامة.
وقيل: هو يوم الموت، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؛ أي: بالموت يأتيكم ما توعدون به قبل قيام الساعة.
* * *
(٣١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾: أي: لن نصدِّقَ به؛ أي (١): بنزول القرآن على محمد ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: التوراةِ والإنجيل، جحَدوا التوراة والإنجيلَ حين احتج عليهم بقول علماء أهل الكتاب وإخبارهم (٢) عن ذكر النبيِّ فيهما، فجحدوا الكتب كلَّها أصلًا سفهًا منهم.
стр. 6048
وقيل: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: هو قيام الساعة.
ثم بيَّن حالهم ذلك اليومَ فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: محبوسون في موضع الحساب والسؤال ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾؛ أي: يتراجعون الكلام بينهم باللوم واللعن والبراءةِ من بعضهم عن بعضٍ.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: أي: يقول الأتْباع للسادة الذين من صفتهم استضعافُ مَن دونَهم وجرُّهم إلى مرادهم:
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾: أي: لو لم يكن تسلُّطكم علينا وقهرُكم إيانا واستتباعُكم لنا ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بمحمد متابِعين له.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾: استفهام بمعنى الإنكار، ومعناه: ما منعناكم عن اتِّباع الهدى بعد إذ جاءكم (١)، وما كان لنا ولايةُ القهر لو آمنتم أن نمنعكم (٢) ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ثابتين على الكفر باختياركم.
* * *
(٣٣) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
стр. 6049
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي: بل كان سببُ كفرنا مكرَكم بنا في الليل والنهار على الدوام، كنتُم تخادعوننا عن الهدى، وتمكرون بنا أبدًا، وأضاف المكر إلى الليل والنهار لوقوعه منهم فيهما، وهو كقول الشاعر:
لقد لُمْتِنا يا أمَّ غيلانَ في السُّرَى... ونمتِ وما ليلُ المطيِّ بنائمِ (١)
وقيل: كان الليل والنهار يمكران بطولِ السلامة فيهما.
والأصح الأول، ويدل عليه ما بعده: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾: أي: أشباهًا من الأصنام، فنعبدَها دونه.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: أي: أضمروها في قلوبهم واستشعروها في قلوبهم.
وقيل: أخفوها؛ أي: السادة عن الأتباع.
وقيل: أي: أظهروها بقولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]، ونحوِ ذلك، والكلمة من الأضداد؛ قاله القتبيُّ (٢) وقطرب، وأنشد للفرزدق:
فلما رأى الحجَّاجَ جرَّد سيفَه... أسَرَّ الحروريُّ الذي كان أَضمَرا (٣)
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: لمَّا رأوا العذاب ولمَّا جعلنا؛ أي: ندموا حين رأوا الأغلال جُعلت في أيدي الكفار إلى أعناقهم، ويحتمل
стр. 6050
أن يكون عطفًا على قوله: ﴿وَأَسَرُّوْا. . . وَجَعَلْنَا﴾؛ أي: وجعلنا الأغلال في أعناق المستضعَفين والمستكبرين جميعًا فهم كفار.
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: استفهام بمعنى النفي للتقرير؛ أي: لا نجزيهم إلا بأعمالهم.
وأضمر في آخر هذه الآيات جوابَ قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ رأيت منظرًا هائلًا، ونحو ذلك كما عُرف (١).
نزلت ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ وما بعدها في الأسود بن عبد يغوثَ الزهريِّ وأصرم وبَعْكك أخوين من بني حارث بن عبد مناف.
* * *
(٣٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: أي: وما بعثنا قبلك في بلدةٍ من رسولٍ ينذر الناس عاقبةَ الشرك والكفرِ ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾؛ أي (٢): منعَّموها، وهم أصحاب الأموال والأعوان مستكبِرين ممتنعين عن زوال رئاستهم.
﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: أي: جاحدون.
وعمَّ قوله: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ لأنه عمَّ جميع أهل القرى؛ أي: كان جوابُ مترفي كلِّ قوم لرسولهم كذلك، واللفظ واحد (٣) في ﴿قَرْيَةٍ﴾ كذلك ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ ولكن معناه الجمعُ، فصح قوله: ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾؛ أي: وكذلك قال أهل مكة لك يا محمد، وفيه تسليةٌ له.
стр. 6051
(٣٥ - ٣٦) - ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾: أي: من الأنبياء، فنحن أكرمُ على اللَّه وأولى بالحق ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؛ أي: ولا يعذِّبنا اللَّه على تكذيب الرسل لأنه فضَّلنا عليهم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: أي: يوسِّع على مَن يشاء ويضيِّق على مَن يشاء، لا تفضيلا لمن يوسِّع عليه لكنْ لِمَا يرى من الحكمة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لا يقفون على (١) مواضع الحكمة.
* * *
(٣٧) - ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾: أي: قربةً، وقيل: أي: درجةً ومنزلة.
﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أي: لكنْ مَن آمَن وعمل صالحًا فأولئك لهم الزُّلفى.
﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾: أي: الأضعاف، والضعفُ هو المثل إلى ما زاد عليه، وهو جنس يصلح للجمع، ويدلُّ عليه قوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].
стр. 6052
﴿بِمَا عَمِلُوْا﴾: أي: بأعمالهم ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾؛ أي: في غرفِ (١) منازل الجنة ﴿آمِنُونَ﴾ من كلِّ مَخوف.
و ﴿إِلَّا﴾ على هذا القول استثناءٌ منقطع بمعنى: لكن.
وقيل: هو استثناء متصل، ومعناه: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ في أمواله وأولاده، فأنفق مالَه في نصرة دين اللَّه وإقامةِ حدود اللَّه، واستَظهر بأولاده على طاعة اللَّه ومتابعةِ رسل اللَّه ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ فيضاعف خيرُهم بأموالهم وأولادهم.
وقيل: ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ هو دوام النعيم (٢) في الجنة بالتضاعُف وقتًا بعد وقتٍ بلا انقطاع.
* * *
(٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ (٣): أي: في إبطالها وفي صرف الناس عنها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: ظانِّين أنهم يفوتوننا.
﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: أي: في النار، بخلاف الفريق الأول أنهم في غرفات الجنة آمنون.
* * *
(٣٩) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
стр. 6053
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾: أي: فلا تتَّكلوا على ما أعطاكم من أسباب العزِّ والتوسُّع في الدنيا، ولا تمتنِعوا بها عن طاعة اللَّه (١)، بل أنفقوا في طلب مرضاته.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾: يعطي خلَفَه في الدنيا مع ما يُثيب عليه في الآخرة.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: أي: المعطِين؛ لأنه قادر على مواصلةِ رزقه وزيادةِ ما شاء لمن شاء فيه بغيرِ حساب، وليس إعطاءُ العباد كذلك، ولأنه يعطي مِلكَ نفسه، ولأنه يوجِد المعدوم، وغيرُه يعطي رزقَ اللَّه تعالى، ويحوِّل من موضعٍ إلى موضع.
ولا رازق في الحقيقة إلا اللَّه تعالى، ولا خالق أيضًا غيرُه، لكن معنى ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ هذا، و ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥]؛ أي: أحسن المصوِّرين والمقدِّرين.
وقيل (٢): معنى تكرار هذه الآية: أن الأولى خطاب للكافرين وهذه خطاب للمؤمنين.
ثم قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: في وجوه الخير، وذلك وإنْ لم يُذكر فالإنفاق المثمِر هذا، والذي لا يثمر هذا (٣) كلا إنفاقٍ، كالعلم الذي لا ينفع يسمَّى جهلًا، وكذلك وصَف الكفار بأنهم صمٌّ بكمٌ عميٌ وأنهم لا يعقلون، لعدم انتفاعهم بهذه الآلات.
* * *
стр. 6054
(٤٠) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: أي: الذين سبق ذكرهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ: ٣١] و ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ (١) [سبأ: ٣٢].
وقيل: يوم يحشر العابدين والمعبودين جميعًا؛ أي: يجمعهم للحساب والعرض.
﴿ثُمَّ يَقُولُ﴾ (٢) بحضرتهم ﴿لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾؛ أي: أهؤلاء المشركون كانوا يعبدونكم في الدنيا.
* * *
(٤١) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾: أي: ننزِّهكَ تنزيهًا أن يكون معك إلهٌ.
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: أي: أنت إلهُنا وحافظُنا ومتولِّي أمورِنا ومصالحنا، وأنت الذي نتولَّاك ونلتمسُ قُربك بإخلاص العبادة لك.
﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾؛ أي: من دون هؤلاء المشركين الذين يزعمون أنهم يتولَّوننا ونتولَّاهم، بل أنت وليُّنا وحدك وهم ليسوا لنا بأولياء ولا نحن لهم أولياء.
﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾: أي: بل كانوا يتولَّون الجنَّ ويظنُّون أنهم يتولَّوننا، ويعبدونهم ويتوهَّمون أنهم يعبدوننا.
﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾: أي: كلُّهم؛ كقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣]
стр. 6055
فهو كقوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، وكقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]؛ أي: لا يؤمنون أصلًا.
وهذا توفيقٌ للكلام بمنزلة قولك: اقبَلْ وَعْظي لعلك تُفْلحُ، ولا تريد به الشكَّ لكنه توفيق للكلام.
قيل: كان بنو مليحٍ من العرب يعبدون الملائكة ويقولون: هم بنات اللَّه من مصاهرة الجن، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].
وقيل: معناه: بل كانوا يطيعون الشياطين في عبادتهم إيانا.
* * *
(٤٢) - ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.
﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: أي: يقال لهم: اليومَ لا تجدون عند هؤلاء الذين كنتُم تعبدونهم من دون اللَّه ضرًّا ولا نفعًا مما كنتُم ترجون من شفاعتهم لكم.
﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: لهؤلاء الكفار ولسائرهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ويقولون مستهزئين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [سبأ: ٢٩].
* * *
(٤٣) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: أي: وإذا تقرأ على هؤلاء ﴿آيَاتُنَا﴾: آيات
стр. 6056
القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحاتٍ دالَّاتٍ على إعجاز القرآن ﴿قَالُوْا مَا هَذَا﴾ يعنون محمدًا ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾؛ أي: يصرِفَكم عن دينِ آبائكم.
﴿قَالُوْا مَا هَذَا﴾: أي: القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾؛ أي: كذب ﴿مُفْتَرًى﴾؛ أي: مختلَقٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: تخييلٌ ظاهر؛ تحيَّروا: فمرة قالوا: هو كذب، ومرة قالوا: هو سحر.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿سِحْرٌ﴾ من قولِ الأتباع، وقوله: ﴿إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ من قول السادة.
* * *
(٤٤) - ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾.
﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾: أي: وما أعطينا هؤلاء المشركين كتبًا يتدارسونها (١) فيدَّعون أنهم وجدوا فيها شاهدًا لقولهم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾: أي: ولم نُرسل إليهم قبلك رسولًا يا محمدُ يخبرهم عن اللَّه بإبطالِ أمرك (٢)، فليست عندهم حجةٌ على ما يقولونه في القرآن وفيك، وهو كقوله: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤].
* * *
(٤٥) - ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
стр. 6057
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: وقد كذَّب الذين كذَّبوا قَبْلَهم من الأمم والرسل فأهلكناهم.
﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾: أي: إن هؤلاء المشركين لم يبلغوا في القوة والأموال (١) والأولاد عُشر ما بلغه أولئك، فإذا لم يمتنع أولئك من عذابي فكيف يمتنع هؤلاء.
والمعشار: العشر، وكذلك المرباع: الرُّبع، ولا يُتكلم بمثله إلا في هذين؛ قاله قطرب.
﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: قيل: النكير جزاءُ المنكَر.
وقيل: هو الإنكار؛ أي: التغيير؛ أي: فانظر كيف كان تغييري أحوالَهم عن المحبوب إلى المكروه، وتقديره: نكيري، حُذفت الياء تخفيفًا واكتُفيَ بكسرة الراء؛ لاتِّفاق الفواصل.
* * *
(٤٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾: ثم إن اللَّه تعالى بعد أن حاجَّهم فيما وصَفوا به الكتاب والرسول، وعَظَهم ودعاهم إلى النظر ومخالفةِ سُبُل (٢) الأمم الخالية في التقليد.
وبيَّن وجه النظر على أبلغ وجه وأَبْينِه فقال: قل يا محمدُ لمشركي مكة: إنما
стр. 6058
أذكِّركم بكلمة واحدةٍ أو خَصلةٍ واحدةٍ أو موعظةٍ واحدةٍ، وأكتفي بها منكم، وهي: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ وهي قيامُ القصد إلى الشيء دون النهوض والانتصاب ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: لوجه اللَّه والْتماسِ التقرُّب إلى اللَّه تعالى، لا لحميَّة وعصبية بل لطلب الحق ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾؛ أي: مجتمعين ووحدانًا؛ لأن ما يراد تعرُّفه بالنظر (١) لا يخلو من أن يكون مما يدركه الناظرُ وحده إذا أمعن (٢) نظره لوضوح وجهه، أو يكون مما لا تتجلَّى الشبهة فيه عنه بانفراده لغموضه حتى يستعين بغيره، فالأحوطُ هو النظر في الأمر بالوجهين.
﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾: أي: تستعملوا فكركم بالتدبُّر في أمر محمدٍ: هل في شيء من أحواله من مَنشئه إلى وقتِ إخباره بنزول الوحي عليه اشتباهٌ (٣) في أمره أو اختلالٌ في حاله يوجب له وصمَه، أو يوجِّه (٤) عليه ظنَّه بما لا يجوز معه في العقل أن يكون رسولًا؟
وهل جرَّبتم عليه كذبًا، أو رأيتم في عقله ضعفًا، أو شاهدتُموه يختلف إلى مَن يدَّعي سحرًا أو يكون عنده أقاصيصُ الأولين فيأخذُها منه تعلُّمًا؟
أو هل يقدر أحدٌ منكم على معارضته في صورة (٥) فتجوِّزوا بذلك أن يكون هذا الكتاب مِن عنده؟
فإذا لم يكن كذلك فاعلموا أنه ليس به جنونٌ، وأنه نذير لكم بين يدي عذابٍ
стр. 6059
شديد: أمام عذابٍ قد أعدَّه اللَّه تعالى لمكذِّبي رسوله وجاحدي كتابه ومشركي غيرِه به، واحذروا أيضًا أن ينالكم هذا العذاب الشديد، فقد اشتملت هذه الآية مع قلَّة حروفها على إثبات النظر ووجوهه.
ثم قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: ثُم تَتَفكَّروا أيُّ شيء بصاحبكم من الجنون؛ أي: من آثار الجنون، فيتصل الكلام.
والثاني: أن يتم الكلام بقوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾؛ أي: في الأمور التي عدَّدنا، ثم يكون قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ ابتداءً، ويكون ﴿ما﴾ للنفي؛ أي: ليس به جنون ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: ما هو إلا مخوِّف لكم أمام عذاب شديد.
* * *
(٤٧) - ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾: أي: كلُّ ما طلبتُ منكم على ما أدعوكم إليه من الإيمان من جُعلٍ فهو لكم؛ أي: فقد جعلتُه لكم لا حاجةَ لي إليه، ولا أطلب منكم شيئًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: ما أبتغي عليه إلا الثوابَ من اللَّه تعالى، وقد وعده لي وعدًا مؤكَّدًا لا خُلف فيه ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؛ أي: شاهدٌ عليَّ وعليكم، مشاهِدٌ لأفعالي وأفعالِكم، فيجزي كلًّا على وَفْق عمله، وهذا تأكيدٌ أنه لم يسألهم شيئًا، وهو كقولك لمن نصحت له فلم يقبل: ما أعطيتني على نصيحتي لك فخذه مني؛ أي: لم تعطني شيئًا ولم أسأله منك.
وللآية وجهٌ آخر: قال الكلبي: لما قال اللَّه تعالى لنبيه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا
стр. 6060
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قال: لا تؤذوا محمدًا في أقاربه، فلما ذكر رسول اللَّه ﷺ آلهتَهم بعد ذلك قالوا: ما أنصفَنا محمدٌ ﷺ ينهانا أن لا نؤذيَ أقاربه ففعلنا، وهو يذكر آلهتنا! فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾؛ أي: إن شئتم فآذوهم، فردَّ عليهم أجرهم الذي كان سألهم من (١) أن لا يُؤذوا أقاربه.
وفيها وجه آخر: ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ وهو الكفُّ عن أذى أقاربي ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾؛ أي: فذلك الأجر لكم؛ لأنكم إذا فعلتُموه كان ثوابه من عند اللَّه لكم.
* * *
(٤٨) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾: أي: يُلقي الحقَّ إليَّ وإلى عباده المؤمنين على وجهٍ لا يقع عليه اعتراضٌ متوجِّهٌ، بل يَبطُل به الباطلُ.
﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: أي: هو علَّام الغيوب، لا تخفَى عليه حقائق الأشياء، ولا يذهب عليه (٢) الصواب في الحجج.
* * *
(٤٩) - ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾.
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي: الدِّين الحقُّ؛ لوضوح آياته ودلالاته ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾؛ أي: ولا يَثبُت للباطل -أي: الشركِ- أثرٌ بدءًا ولا عودًا.
وقال أبو عبيدة: ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: يأتي بالحق (٣).