← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وأهلُ الحقِّ يُؤوِّلون ذلك كلَّه على موافقة الأصول: فأمَّا تأويلُ هذه الآية على قولِ مَن فسَّره بالصعود: أن قوله: ﴿اسْتَوَى﴾؛ أي: صَعِد الدخانُ، فقد قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فكان في الأرض دخانٌ فصعد ذلك، فخَلَقه اللَّهُ تعالى سماءً، كما قال في آية أخرى: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]. وتأويلُها على قول مَن فسَّر ذلك بالإقبال: أنَّه استعارةٌ لطيفةٌ، فإنَّ مَن رتَّب فعلين وهو مِن المخلوقين، يقال: إنَّه فعل كذا ثم أقبل على كذا؛ أي: أكمل الأول ثم (١) حقَّق إرادة الثاني، فقرَّر اللَّهُ تعالى هذا في أفهام الخَلْق: أنَّه أَكملَ خلق الأرض، ثم رتَّب عليه خلقَ السماء، ولا يُفهم مِن هذا ما يُفهم مِن ترتيب فعل البشر: أنَّ الأولَ يَنقضي ثم الثاني يأتي، بل معناه ما قلنا: أنَّ فعلَ اللَّه تعالى أزلي أبديٌّ، لكن ترتَّبَ ذكرُ الأشياء لترتُّب ظهور الآثار في الأعيان. هذان تأويلان خارجان على تفسير السَّلَف بالصعود والإقبال. وتأويل آخَرُ: أنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا إلى السماء؛ أي: خلق ذلك كلَّه، ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ أي: انتَظم ذلك كلّه. وثَمَّ تأويلٌ آخَرُ: أنَّ الاستواءَ في الآية مذكورٌ مِن اللَّه تعالى، والمرادُ منه الاستواءُ مِن السماء، وهو (٢) على القلب، كما في قوله تعالى: ﴿نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] أي: كيف يكلِّمنا هو؟ وفي قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، أي: أنا عدوٌّ لهم، وإنَّهم عدوٌّ لي.

стр. 632

ودلَّت الآيةُ على خَلْق الأرض قبل السماء، وفيه أقاويل ثلاثة: قيل: خلَقهما معًا؛ بدليل قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وقال قتادةُ والسديُّ: خلق السماء أوَّلًا ثم الأرض، بدليل قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، وهذا أعجبُ في القُدرة، وهو إظهارُ السَّقف قبل الأساس. فأمَّا قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ فـ (ثمَّ) لترتيبِ الإخبار عنه لا لترتيبِ الوجود، كما في قوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) [آل عمران: ٥٩]. وقال ابن عباس ومجاهدٌ رضي اللَّه تعالى عنهم: خلق الأرض أوَّلًا ثم السماء، بدليل هذه الآية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٢)، فأمَّا قولُه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، فمعناه: مع ذلك، كما في قوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: مع الإيمان، ولأنَّه قال: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، ولم يقل: خَلَقها ودحاها؛ أي: بَسَطها. وبه نقول: إنَّه خلق الأرض ثم السماوات، ثم بَسَط الأرضين، وهو أقربُ إلى الحكمة: تمهيدُ الأساس، ثم رفعُ البناء، ثم بسطُ الأساس. وقال ابنُ عباس ﵄: أوَّل ما خلق اللَّهُ جوهرةً طولُها وعرضُها مسيرةُ ألفِ سنة في مسيرة عشرة آلاف سنة، فنَظر إليها بالهيبة فذابت واضطربت، ثم ثارَ منها دخانٌ فارتفع، واجتمع زَبَدٌ فقام فوق الماء، فجعل الزَّبَدَ أرضًا والدخانَ سماء.

стр. 633

قالوا: فالسماء مِن دخانٍ خُلقت، وبريحٍ ارتفعت، وبإشارةٍ تفرَّقت، وبلا عمادٍ قامت، وبنفخةٍ انكسرت (١). وقوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: ذِكرُ هذه الكناية على الجمعِ دليلٌ أنَّ المرادَ بالسماء السماواتُ، وهي جمعٌ، والواحدة: سماة، ومعنى (سوَّاهنَّ): قوَّمَهنَّ؛ أي: جعلهنَّ مستوياتٍ محكَماتٍ، وقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [الحجر: ٢٩] معناه: خلَقْته، وفي قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨]؛ أي: نجعلكم وإيَّاه سواءٍ. قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ (سواهنَّ)، وقد قال سلمانُ ﵁: هي سبعٌ؛ اسمُ الأولى: رقيعاء؛ وهي مِن زمرُّدة خضراءَ، واسمُ الثانية: أرفلون؛ وهي مِن فضَّة بيضاء، والثالثةُ: قيدوم؛ وهي مِن ياقوتة حمراء، والرابعة: ماعون؛ وهي مِن دُرَّة بيضاء، والخامسة: دبقاء (٢)؛ وهي مِن ذهبة حمراء، والسادسة: دفناء؛ وهي مِن ياقوتة صفراء، والسابعة: عريباء؛ وهي مِن نورٍ يتلألأ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (كُلّ) كلمةُ إحاطةٍ واشتمالٍ؛ أي: وهو عالمُ كلِّ (٤): شيءٍ، والباء تدخل صلةً في العلم تأكيدًا، ويصحُّ لدونها وضعًا (٥)، ومعناه: أنَّه عالمٌ بخلق الأرضينَ والسماوات، وغيرِهما مِن الذوات والصفات. * * *

стр. 634

(٣٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ انتظامُ هذه القصَّة بما قَبلها مِن وجوه: أحدها: أنَّه أَخبر عن خلق السماوات والأرض، ثم أَخبر أنَّه خلق بعدهما البشر، وأبوهم آدم، وأخبر الملائكة قبل خلقه أنَّه يَخلقه ويَستخلفه. والثاني: أنَّه قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ثم خلقكم فهيَّأ أسبابَكم ثم أخرجكم، وفيه تفريغُ قلوبكم وتفريجُ كروبكم (١). والثالث: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وقد خلقكم وخلقَ الأشياءَ كلَّها لكم، وأَنعم على أبيكم بما ذكر في (٢) تمام القصة، وذكرُ النِّعمِ على السالفين استبداءُ الشُّكر على الخالفين، كما عدَّ نِعَمَ بني إسرائيل على أولادهم فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] إلى آخر القصة، ولذلك (٣) ذكر تلك القِصص بعد هذه القصَّة لتقارُبها. وبَدَأ القصةَ بقوله عزَّ وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ والواو للاستئناف، وأصله للعطف، وهذا عطفُ جملةٍ على جملةٍ، و (إذ) كلمة ظرفٍ للزَّمان الماضي، وقد يَجيء لغيره، وقد قالوا: إنَّه يَجيء على خمسة أوجه: للماضي (٤): كما في قوله ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥].

стр. 635

وللحال في الماضي: كما قال ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤]. وللحال: كما قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]. وللمستقبل المحض: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦]. وللزيادة والتأكيد: كما في أوائل القصص: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٤] ونحوِه عند بعضهم، وهو قولُ أبي عبيدة (١)، وخالفه سائرُ أهل اللغة وقالوا: هو للتوقيت؛ وله وجهان: أحدهما: واذْكُر يا محمَّد حين قال اللَّه تعالى للملائكة هذا. والثاني: خلَقكم حين أتمَّ خلقَ السماوات والأرض، وحين قال للملائكة كذا. و ﴿رَبُّكَ﴾ خطابٌ للنبيِّ محمد ﵇. وقوله تعالى: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ هو جمع: المَلَك، وهو يُجمَع على: الأَمْلاك والمَلائِك والمَلائِكة، وأصل المَلَك: المَأْلَك، مِن الأَلوك وهو الرِّسالة، قال لبيد: وغلامٍ أَرسلتْهُ أُمُّه... بِأَلوكٍ فبذَلْنا ما سَأَلْ (٢) والملائكةُ: رسلُ اللَّهِ تعالى؛ قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]. والمَأْلَك قُلِبَ فقيل: مَلْأك، وجُمع على الملائكة، وهي المَفاعِلَة كالمَهالِبَة، والمُستعمَل في الواحد: مَلَك، بحذف الهمزة تخفيفًا.

стр. 636

ثم الملائكة في القرآن على ثلاثة أوجه: للواحد: كما في قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ﴾ [آل عمران: ٣٩]؛ أي: جبريل صلوات اللَّه عليه. ولطائفةٍ مخصوصةٍ: كما في قوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠]. وللاستيعاب: كما في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وأمَّا التفسير: فقد قيل: كان هذا خطابًا لملائكة السماء. وقيل: كان هذا خطابًا لملائكة الأرض. وقيل: كان خطابًا لكل الملائكة. وكذا اختلفوا في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (إنَّ) كلمةُ تأكيدٍ، والياءُ للإضافة إلى نفس المتكلِّم، وفيه لغتان: (إنِّي) و (إنَّني)، والثانيةُ أوكدُ، وكذا: (لكنِّي) و (لكنَّني)، و (كأنِّي) و (كأنَّني). وقوله تعالى: ﴿جَاعِلٌ﴾ قد مرَّ التفصيلُ في الكلمة، ومن وجوهه: الخَلْق، ومنها: التَّصيير، وبكلِّ واحدٍ منهما هاهنا وَرَدَ التفسيرُ: فقيل: معناه: إني خالق؛ أي: سَأخلُق. وقيل: أي: مُولٍّ وناصبٌ. والأولُ للإحداث والثاني للتصيير، والكلمة تحتملُهما.

стр. 637

والتنوينُ في قوله: ﴿جَاعِلٌ﴾ مع النَّصب في قوله: ﴿خَلِيفَةً﴾ دلالةُ الفعل، وذلك الفعلُ هو الواقعُ على قوله: ﴿خَلِيفَةً﴾، وتقديره: سأجعلُ خليفةً، وهو خلافُ تركِ التنوين والذِّكْرِ على وجه الإضافة، ذاك دليلُ وجود الفعل قبل الإخبار، فقولُك: إنِّي ضاربُ زيدٍ، على الإضافة إخبارٌ منكَ أنَّك ضربْتَه، وقولُك: ضاربٌ زيدًا، بالتنوين؛ إخبارٌ أنَّكَ تريدُ ضربَه، وعن هذا قال أهلُ الفقه (١): مَن قال لآخَرَ: أنا ذابحُ شاتِكَ، بالإضافة، ضمِن له قيمةَ شاةٍ وسطٍ؛ لإقراره له بإتلاِف شاته مِن قَبْلُ، ولو قال: أنا ذابحٌ شاتَكَ، بالتنوين، والنصبِ في الشاة، لم يَضمن له شيئًا؛ لأنَّه يُخوِّفه أنَّه يريدُ (٢) ذبحَ شاتِه مِن بَعْدُ. وعلى هذا ظهَر لك أنَّ قولَه: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] وقولَه: ﴿اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وقولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] إثباتُ أمورٍ كائنةٍ، وقولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إخبارٌ عن أمرٍ سيكون، وكذا قولُه: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]. فأمَّا الآياتُ التي تُقرأ فيها على الوجهين؛ فللدلالة على الأمرين، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨] قُرئ بهما (٣)، فالإضافةُ دليلُ تحقيقِ الإتمام لحقيَّة الإسلام، والتنوينُ وعدٌ بالإتمام والإكمالِ لظهور أهل (٤) الإسلام. وقال: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾

стр. 638

[الزمر: ٣٨] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]، فالإضافةُ للحال، والتنوينُ للاستقبال (١). وقوله: ﴿خِلْفَةً﴾ هو: فَعِيْلة، مِن: خَلَفه يَخلُفه خُلوفًا؛ أي: جاء بعدَه يَقوم مقامَه ويَسكن مسكنَه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]. والخَليفُ أيضًا كذلك، وجَمع هذا: الخلفاء، قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وهو قياسُ الشَّريف والشُّرفاء. وجَمعُ الخليفة: الخلائف، وهو قياسُ الخليقة والخلائق، والهاءُ للمبالغة لا للتأنيث؛ كما يقال: عَلَّامة ونَسَّابة وراوية، والخليفةُ أيضًا هو المنصوبُ المأمورُ لتنفيذ الأمور، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]. واختُلف في تفسيره هاهنا: قال ابنُ عباس ﵄: هذا للعموم، والمرادُ به آدمُ وأولادُه، وسُمُّوا به لأنَّهم خَلَفوا الملائكةَ والجِنَّ -بني الجانِّ- في سُكنى الأرض، ولذلك (٢) استقامَ قولُ الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ولا شكَّ أنَّهم أرادوا بذلك أولادَه دونه. وقال القفَّال: قال الحسنُ البصريُّ ﵀: هم أولادُ آدمَ دون آدم، وسُمُّوا به؛ لأنَّهم يَخلفون آدمَ، ويَخلف بعضُهم بعضًا (٣)، والملائكةُ والجنُّ -بنو الجانِّ- لم يَخلف بعضُهم بعضًا، بل جاؤوا جملةً وذهبوا جملةً.

стр. 639

وقال السُّدِّيُّ: أراد به آدمَ وحده (١)، وهو للخصوص. ثم اختلفوا في تسميته خليفةً: قال ابنُ مسعود ﵁: خلافتُه: الحُكمُ بين الخلق، وتبليغُ الوحي، وبيانُ الأمر والنهي، وذكْرُ الوعد والوعيد. وقال بعضهم: خَلافتُه وخلافةُ أولادِه مِن بعده (٢)؛ في إنباتِ الأشجار، واستخراجِ الثمار، وشقِّ الأنهار. وقالوا: إنَّ اللَّهَ تعالى خَلَقَ العرش والكرسيَّ واللوح والقلمَ وسدرةَ المنتهى وجنَّة المأوى، ولم يُخبر عن خَلْقها قبل كونها، وخصَّ بذلك آدمَ وأولاده؛ لأنَّه شرَّفهم وكرَّمهم وفضَّلهم وقدَّمهم، وما فعل ذلك لكون أَصلهم أَزينَ، ولا لكون فِعْلهم أحسنَ (٣)، لكن مَنًّا منه (٤) وفَضْلًا وكرمًا وطَولًا، وقد قال قائلُهم: وكم أبصرتُ مِن حُسْنٍ ولكن... عليك مِن الوَرَى وقعَ اختياري (٥) وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قيل: هذه ألفُ الاستفهام، وهو

стр. 640

استفهامٌ مختصرٌ؛ أي: أَتجعلُ فيها مَن يُفسد فيها، أم مَن يُصلِح فيها، أم (١) مَن يسفك الدماء جراءةً، أم مَن يَسفح الدموعَ خشيةً؟ ويجوز حذفُ أحدِ الشيئين إذا دلَّ المنفيُّ على المَلغيِّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحرَّ والبردَ. وقيل: هو سؤال الحكمة؛ أي: أيُّ حكمةٍ في خَلْق مَن يُفسد ويَسفك؟ وقيل: هو للإثبات، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦]؛ أي: قد آنَ، وقال الشاعر: أَلستُم خيرَ مَن ركبَ المطايا... وأَندى العالمينَ بطونَ راحِ (٢) فإن قالوا: لِمَ استخلفَ اللَّهُ تعالى خليفةً في الأرض لا في السماء؟ قلنا: لأنَّه عَلم أنَّه يكون في الأرض تَباغٍ وتَظالُمٌ، فجعل فيهم مَن يمنعُهم مِن (٣) ذلك، ولم يَكن في السماء ذلك، فلم يجعل فيهم خليفةً. فإن قالوا: إنَّما يَستخلِف مَن غاب أو عَجَزَ، واللَّهُ تعالى مُنزَّه عن ذلك كلِّه؟ قلنا: بلى، لا يَغيب عنه شيءٌ، وهو لا يَغيب عن شيءٍ، لكنَّ الأمرَ غيبٌ، وليس كلُّ عبدٍ يَطَّلع على الغيب، فخصَّ الأنبياء بذلك، ونصب آدم خليفةً ونبيًّا، ليُبلِّغهم ذلك، ولا عَجْزَ أيضًا، لكنَّ العبادَ يَعجِزون عن الوقوف على حقوقِ اللَّه تعالى، فجاء الخليفةُ (٤) ليُبيِّنَها (٥) لهم.

стр. 641

فإن قالوا: كيف عَلم الملائكةُ أنَّ مِن أولاد آدمَ مَن يكون كذلك، ولم يكلَّموا بهذا الكلام؟ قيل: لأنَّهم رَأَوا الجنَّ بني الجانِّ قد أَفسدوا فيها وسَفكوا الدماءَ، ولهم شهوةٌ ونهمةٌ وتوالُدٌ وتناسلٌ، والملائكة لم يكن لهم ذلك، فلم يَكن منهم ذلك، فقاسوا آدم وأولاده -ولهم تناسلٌ وتوالدٌ وشهواتٌ- أنَّهم يكونون كذلك، ولكنَّ هذا غيرُ واضحٍ؛ لأنَّ سُكنى ساكنٍ في دارٍ وإفسادَه (١) فيها، لا يدلُّ على أنَّه إذا ذهب وجاء غيرُه عَمِلَ (٢) عملَه، ولهذا لم تفسد الملائكة الذين جاؤوا بعدهم. والجواب الصحيح ما قاله ابنُ عباس وابنُ مسعود والحسن وابنُ جريج ومحمد بنُ إسحاق: إنَّ اللَّهَ تعالى أَخبرهم بذلك وأَذِن لهم في السؤال؛ بدليلِ أنَّهم قالوا بعد ذلك: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. ثمَّ هذا الكلام منهم بعدَ العلم لم يَكن طعنًا فيهم ولا اعتراضًا على اللَّه، بل له وجوهٌ صحيحةٌ: أحدها: أنَّه للتعجُّب؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] وهو مِن وجهين: أحدهما: التعجُّب مِن استخلاف اللَّهِ تعالى إيَّاهم مع علمه بحالهم. والثاني: التعجُّب مِن إفسادهم وسفكِهم مع كثرة نِعَمِ اللَّهِ عليهم. وآخَرُ: أنَّه سؤالُ الحِكمةِ، لا الاعتراضِ على الحُكم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ويدلُّ على ذلك أنَّ اللَّه قال في حقِّهم: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ

стр. 642

بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧] ودليلُ جواز سؤالِ الحكمة: أنَّ (١) العبدَ إنْ لم يَسأل ذلك من ربِّه (٢) فمِمَّن يَسأل؟! وسؤالُ الحكمة جائزٌ؛ قال اللَّهُ تعالى خبرًا عن ضعفاء (٣) الصحابة ﵃ أنَّهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] فلمْ يُنكر عليهم، لكنْ أَجابهم فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]؛ أي: أمرتكم بالقتال ليحصل لكم الثوابُ الكثيرُ، وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: إنْ قاتلتم أو لم تقاتلوا، والموتُ في الشهادة حياةٌ، فاجعلوا الحياةَ الفانيةَ باقيةً، والمتاعَ القليلَ كثيرًا. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُفْسِدُ﴾ ﴿مَنْ﴾ هاهنا للجَمْع؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨]. و ﴿يُفْسِدُ﴾ مرَّ تفسيرُه، وهو في القرآن على عشرةِ أوجهٍ: للكفر: في قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]. وللعمل بالمعاصي: قال تعالى: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١]. وللتخريب: قال تعالى: ﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤]. والمقتل: قال: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ﴾ [الكهف: ٩٤]. ولإفسادِ أحوالِ الناسِ: قال تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]. وللإهلاك: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]. ولقلَّة المطر والنبات: قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ [الروم: ٤١].

стр. 643

وللسِّحر: قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]. ولنقصِ الكَيْل والوزن: قال: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤] ثم قال: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]. وللانتقاض: قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. أمَّا التفسير: فقد قيل: أراد هاهنا الكفرَ؛ أي: يَكفرون بك ويَسفكون دماءَ خلقك، فذكَروا جنايتهم في حقِّ اللَّه تعالى بالكفر، وجنايتَهم على الخَلْق بالقتل، وهما أعظمُ ما يُتصوَّر مِن الجناية (١) في حقِّ الحقِّ وحقِّ الخَلْق، ويدلُّ عليه أنَّهم ذكروا من أنفسهم بمقابلتهما شيئين: التسبيحَ بحمد اللَّه، والتقديسَ للَّه ، فالتسبيحُ بحمده هو الإيمانُ ووصفُه بصفاته العُلى، والتقديسُ للَّه هو تطهير أنفسهم (٢) وتطهيرُ العالَم عن كلِّ فعلٍ لا يُرتضى. وقيل: المرادُ بهذا الفساد: العملُ بكلِّ المعاصي، ثم عطفُ سفكِ الدِّماء على الإفساد -مع أنَّ كلَّ المعاصي دخلت (٣) في الإفساد- لتعظيم حاله وتكثير وباله (٤)، كعطف قوله: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ على قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧]؛ لعلوِّ درجتهما وعِظَم مرتبتهما (٥). وقوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض.

стр. 644

وقوله: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ السَّفْكُ: الصَّبُّ في الدَّم خاصَّةً عند بعضِ أهل اللغة، وفي حقِّ الدَّمع أيضًا عند بعضهم، والدَّمُ أصله: الدَّميُ بالياء (١)، وحُذف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، ولهذا يَعود في التصغير، ويظهر في الفعل: دَمِيَ يَدْمَى، وأَدْماه غيرُه ودمَّاه، وجمعُه: الدِّماء، والمُدَمَّى: الفرسُ الأشقرُ (٢) الشديدُ الحُمرةِ يُشْبه لونُه لونَ الدَّمِ، والشَّجَّةُ الدَّاميةُ: التي تُدمِي ولا تُسيل. ﴿وَيَسْفِكُ﴾ فعلُ واحدٍ، ومعناه: الجمعُ، كما مرَّ في ﴿يُفْسِدُ﴾، والألف واللام في ﴿الدِّمَاءَ﴾ بدلُ الإضافة؛ أي: دماءَ الناس، كما في قوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨]؛ أي: قولَ اللَّهِ تعالى. والمراد مِن سفكِ الدِّماء، هو سَفْكُها بغير (٣) حقٍّ؛ لأنَّ سَفكها قصاصًا وحرابًا للمحاربين غيرُ مذموم، وهم أرادوا السَّفْكَ المذمومَ، فقد عطفوا على الإفساد، فتَقيَّد المُطلَقُ من الكلام بدلالةِ سَبْقِ النظام (٤). ثم هؤلاء وَصَفوهم بالفساد وسفكِ الدِّماء، واللَّه تعالى وَصَفهم بالصلاح وسفح الدموع؛ قال تعالى: ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، والملائكةُ قالوا صدقًا؛ فقد أُخبروا بذلك، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وكأنَّه يقول: فيهم هذا وفيهم هذا، لكن الفساد فيهم عارضٌ وهو العصيان، والصلاحَ دائمٌ وهو الإيمان، وقد قال مخلوقٌ لمخلوقٍ:

стр. 645

وإذا الحبيبُ أَتَى بذنبٍ واحدٍ... جاءَت محاسنُه بألفِ شفيعِ (١) وقال آخر: فإنْ يَكُن الفعلُ الذي ساءَ واحدًا... فأَفعالُه اللَّاتي سَرَرْنَ أُلوفُ (٢) وقال آخر: ما حَطَّكَ الواشونَ عن رُتبةٍ... عندي ولا ضَرَّكَ مُغتابُ كأنَّهم أَثْنوا ولم يَعلموا... عليكَ عندي بالَّذي عابُوا (٣) وقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: التسبيحُ: تنزيهُ اللَّهِ تعالى مِن كلِّ سوءٍ، وسبحانَ مِن كذا؛ أي: ما أبعده، وقال الشاعر: أقولُ لمَّا جاءَني فَخْرة... سُبْحانَ مِن عَلقمةَ الفاخِرِ (٤) ويقال: هو كلمةُ تعجُّب، ومعنى هذا البيت؛ أي: عجبًا منه. وقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]؛ أي: المصلِّين، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ أي: صلُّوا للَّهِ، والسُّبْحةُ: النافلةُ. وأمَّا التفسير: فقد قال ابنُ عباس وابنُ مسعود ﵃: معناه: ونحن نُصلِّي بأمرك (٥).

стр. 646

وقيل: أي: نُنزِّهك عن الصاحبةِ والأولاد، والأضدادِ والأنداد، وعن الصفاتِ التي لا تليقُ بك. وقوله: ﴿بِحَمْدِكَ﴾: روينا عن ابنِ عباس وابنِ مسعود ﵃ أنَّ معناه: بأَمرك (١)، وتحقيقُه: ﴿بِحَمْدِكَ﴾؛ أي: بأمرك المحمود، مصدرٌ أُريد به المفعول، كقولهم: هذا ضربُ الأمير؛ أي: مضروبُه. وقال الثعلبيُّ: قال بعضُهم: أي: نُصلِّي لك بفاتحة الكتاب (٢). فقوله: ﴿بِحَمْدِكَ﴾ هذا اسمُ هذه السورة، وأُضيفت إلى اللَّه تعالى لأنَّها وحيُه وكلامه. وقال مجاهد: أي: نُعظِّمك بالحمد لكَ على نعمِك (٣). وتحقيقُ قولهم: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾؛ أي: نقول: سُبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، وهو تنزيهُه عن الصفات المذمومة (٤)، وحمدُه على الصفات الحميدة. وقال المفضَّل: أي: نرفعُ أصواتَنا بذِكْرك؛ قال جرير: قَبَحَ الإلهُ وجوهَ تَغْلِبَ كلَّما... سَبَحَ الحجيجُ وكبَّروا إِهلالا (٥)

стр. 647

وقال الثعلبيُّ: أي: نُسبِّحك ونقدِّس لك، وذاك بحمدك (١)؛ أي: لك الحمدُ على توفيقك؛ فإنَّه بكَ لا بنا، وهو تقريرُ مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، وهو رؤيةُ الفعل مِن نفسه والعونِ مِن ربِّه. وقوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ التقديسُ: التطهيرُ، والقُدُس: الطُّهر، والقُدُّوس مِن أسماء اللَّه تعالى، وبيتُ المقدِس، والأرضُ المقدَّسة، والقادسيَّة (٢): مأخوذات (٣) مِن القُدُس، والقُدُس: البركة أيضًا، وفي الخبر: "قَدَّسَ على العَدَسِ كذا مِن الأنبياء" (٤). وأمَّا التفسير هاهنا: فمعناه عند بعضهم: نطهِّرك عمَّا لا يليقُ بك، واللامُ صلةٌ. وقيل: بل معناه: نُطهِّر قلوبَنا مِن الشرك، وأنفسَنا مِن المعصية ﴿لَكَ﴾؛ أي: لأَجْلك. وقيل: أي: نطهِّر أعمالَنا لك مِن الخلل والزَّلل والعُجب والرِّياء.

стр. 648

فإنْ حُمل على الأول؛ أي: التطهير، وقد ذكروا ذلك في التسبيح، فالتكرار للتأكيد كما في قوله (١): ﴿عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] ولأنَّ التسبيحَ نفيُ ما لا يليقُ به، والتقديسَ إثباتُ ما يليق به. وإنْ حُمل على الثاني فلا تكرار، لأنَّ الأولَ تنزيهُ اللَّه تعالى، والثانيَ تطهيرُ أنفسهم للَّه. ثم مجموعُ كلامِ هؤلاء ثلاثةُ أشياء: أحدها: التوحيد، وهو في قولهم: ﴿نُسَبِّحُ﴾. والثاني: التنزيه (٢)؛ وهو في قولهم: ﴿بِحَمْدِكَ﴾، فإنَّه رؤيةُ الفعل مِن أنفسِهم، والفضلِ مِن ربِّهم. والثالث: الطاعة؛ وهي في قولهم: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فإنَّه تطهيرُ الأنفُسِ مِن الذُّنوب والأعمال مِن العيوب، وهو إخلاصُ الطاعات للَّه تعالى، وهو تنبيهٌ لكلِّ مسلمٍ (٣) وتحريضٌ له على إتمام هذه الخِلال؛ ليبلُغ محلَّ الكمال. وقد ذكر كثيرٌ مِن المجازفين في هذا الموضع أشياءَ لا يجوز اعتقادُها، قالوا: إنَّهم حسدوا بَني آدمَ وعابوهم ومدحوا أنفسَهم، فعُوقبوا بالأمر بالسجود لآدمَ، وبالعمل لأولاده في الدُّنيا وخدمتِهم في العُقبى. وهذه مقالاتٌ شنيعةٌ وذمٌّ للمقدِّسين الذين مدحهم اللَّهُ تعالى في آيات؛ قال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]

стр. 649

﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وغيرَ ذلك. وأمَّا (١) قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾: فليس باستكبارٍ (٢) وكراهةٍ، بل هو سؤالُ حكمةٍ، ووَصْفُهم أنفسَهم بالتسبيح والتقديس ليس بنظرٍ إلى عبادتهم، بل اعترافٌ بعبوديتهم (٣)، وأمرُهم بالسجود لآدمَ تشريفٌ لآدم لا تحقيرٌ لهم، وكذا أمرُهم بالعمل لبني آدمَ في كِتْبةِ الأعمال، ومراقبةِ الأحوال، وإيصالِ الأرزاق، وحفظِهم في الآفاق (٤)، ائتمانٌ لهم على (٥) عظائم الأمور، وأمرُهم بزيارتهم في الجنَّة إكرامٌ للأضياف بقيام الأعزَّة عليهم في تلك المنازل والقصور. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: لم يبيِّن لهم في الحال وجهَ الحكمة، ولا كشَف لهم عن الخفيَّة (٦)، بل قال: إني أعلم وجهَ الحكمة في استخلافهم على ما يكون مِن أوصافهم، فلا تعترضوا على حُكمي وتقديري، ولا تَستكشفوا غيبَ تدبيري، فليس كلُّ مخلوقٍ يطَّلع على غيبِ الخالق، ولا كلُّ واحد (٧) مِن الرعيَّة يقفُ على سرِّ المَلِك. وقال ابنُ مسعود وابنُ عباس ومجاهد ﵃: معناه: إنِّي أَعلم ما

стр. 650

يُضمِر إبليسُ مِن الاستكبار والمعصية فيما أُمر به مِن السجود لآدم (١)، وكشفُه أنَّكم قلتُم في حقِّهم إِنَّهم يُفسدون وللدِّماء (٢) يَسفكون، وفيكم مَن هو أصلُ الفساد ومادَّةُ العناد، وساعٍ (٣) في إفساد العباد. وقالوا: إنَّما أَخْفَى حالَ إبليس للحال؛ لإخفائه ذلك على (٤) الأشكال، فلم يَهتك سترَه حتى أظهر هو بالعمل سرَّه. وقال قتادة: أي (٥): أعلم أنَّ فيهم الأنبياءَ والأولياءَ الذين يُصلحون ولا يُفسدون (٦). وقيل: معناه: أنَّكم أَظهرتُم مِن أنفسكم الطاعات، وهي في جميع الحالات، لكنَّ ذاك منكم طبعٌ بغير تكلُّفٍ، ومنهم الطاعاتُ في بعض الحالات لكنْ بالتكلُّف، ولهم هوى النفوسِ ووسوسةُ الشيطان وفتنةُ الدُّنيا، فهم (٧) أَولى وعملُهم أَعلى. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: سؤالُهم يُخرَّج على وجهين: أحدهما (٨): أنَّ اللَّهَ تعالى أَعلمهم أنَّهم يكونون كذلك، فقالوا: كيف يفعلون ذلك

стр. 651

وقد خَلقتَهم ورزقتَهم وأَكرمتَهم بأنواع النِّعَم، ونحن إذ خلقْتَنا نسبِّحك ونقدِّس لك، أو كيف تحتمل قلوبُهم عصيانَك مع عظيم (١) نِعَمك، ونحن تأبى العقولُ علينا ذلك، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: أمتحنُهم مع ما (٢) رُكِّب فيهم مِن الشهوات، وما يَلحقُهم مِن الآفات، فيكون ذلك منهم لذلك (٣)، فهم سألوا سؤالَ الحكمة، واللَّهُ تعالى بيَّن أنَّه لا (٤) يَخلقهم للحاجة، وليس له بشيءٍ منفعةٌ. والثاني: أنَّ معنى قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ﴾ على الإيجاب؛ أي: [أنت] تفعل ذلك؛ إذ لا ضررَ عليك بمعصيته ولا نفعَ لك بطاعته، وهو كقوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [النور: ٥٠] ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ [القصص: ١٩] ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ [فصلت: ٩]، والألفُ زائدة، وقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ كان أخبرهم عن المفسدين دون غيرهم فلما سألوا قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أن فيهم الرُّسل والأخيار (٥) وقيل: أي: لهم العلمُ ولكم العملُ، والعلمُ أفضلُ، ولهذا قال بعد ما علَّم آدمَ الأسماءَ وسألهم عنها، فلم يَعلموا وأَنبأهم آدمُ ففهموا، فقال اللَّه تعالى (٦): ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.

стр. 652

وقيل: أي: لكم الطاعةُ وبها منكم الافتخارُ، ومنهم المعصيةُ ومعها لهم الاعتذارُ. وقيل: أنتم تعلمون منهم العصيانَ، وأنا أَعلم لهم منِّي الغفران. وقيل: تسبيحُكم وتقديسُكم مِن فعلِكم، وفي ذكرهما إظهارُ فضلكم، وفي العفو عن خطاياهم وغفرانِ سيئاتهم إظهارُ فضلي ورحمتي، وإتمامُ نعمتي ومنَّتي. وقيل: إذا أحسنتُم فلكم المدحُ، وإذا أساؤوا وعفوتُ فلي المدحُ. وقيل: أي: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مِن صفاء عقائد المسلمين في محبَّتنا، وذكاءِ سرائرهم في حفظ عهودنا، وإنْ تدنَّست ظواهرهم بعصياننا. وقيل: أي: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم يُذنبون بأجسامهم ويَكرهونه بقلوبهم، وأنتم تطيعون بأجسامكم وتعتمدون عليه بقلوبكم. وقيل: أيُّ خطرٍ لطاعتكم مع عَدلي، وأيُّ بقاءٍ لمعاصيهم مع عَفوي. وقيل: أنتم جمَّلتم أنفسَكم بالطاعة، وأنا جمَّلتهم بالمغفرة، فتجمُّلهم بمغفرتي فوقَ تجمُّلكم بطاعتكم. وقيل: إنَّ تركَكم الذنوبَ بعصمتنا، وخروجَهم عن الذنوب برحمتنا. ثم ذكَر تعليمَهم الأسماءَ، وبيْنَ هذا وبيْنَ الأول إضمارُ خَلْقه ونفخِه (١) الرُّوحَ فيه. وقصَّة خلقِ آدمَ ﵊ (٢) ما قال وَهْبُ بنُ مُنبِّهٍ:

стр. 653

لمَّا أراد اللَّهُ تعالى أنْ يَخلق آدم أوحى إلى الأرض -أي: أَفهمها وأَلهمها-: إنِّي جاعلٌ منكِ خليفةً، فمنهم مَن يطيعني، ومنهم مَن يعصيني؛ فمَن أطاعني أدخلتُه الجنَّة، ومَن عصاني أدخلتُه النار، فقالت الأرضُ: مِنِّي تَخلق خلقًا يكون للنار؟ قال: نعم، فبكتِ الأرضُ فانفجرت منها العيونُ إلى يوم القيامة، وبعث اللَّهُ إليها جبريلَ صلوات اللَّه عليه ليَأتيه بقبضةٍ مِن زواياها الأربعِ؛ مِن أسودِها وأحمرِها وطيِّبِها وخبيثِها وسهلِها وجبلِها (١)، فلمَّا أتاها جبريلُ صلوات اللَّه عليه ليَقبض منها، قالت الأرضُ: إنِّي أعوذُ بعزَّة اللَّه (٢) الذي أَرسلك إليَّ أنْ تأخذَ منِّي اليومَ شيئًا يكون منه نصيبُ النار غدًا، فرجع جبريلُ ﵇ إلى مكانه ولم يَأخذ منها (٣) شيئًا، فقال: ياربِّ، استعاذَت بك الأرضُ منِّي؛ فكرهتُ أنْ أُقدم عليها، فقال اللَّه لميكائيل: انطَلِق إلى الأرض فائتني بقبضةٍ منها مِن زواياها الأربعِ؛ من أسودِها وأحمرِها وسهلِها وحزنِها وطيِّبِها وخبيِثها، فلمَّا أَتاها ميكائيلُ ليقبضَ منها، قالت الأرضُ له كما قالت لجبريلَ، فرجع ميكائيلُ فقال كما قال جبريل، فقال اللَّهُ تعالى لإسرافيلَ مثلَ ما قال لجبريل، إلى أنْ رجعَ وقالَ مثلَ ذلك، فقال اللَّهُ تعالى لمَلَك الموت: انطَلِق إلى الأرض فائتني بقبضةٍ مِن الأرض، إلى آخر ما ذكر (٤)، فلمَّا أتاها ملكُ الموت قالت الأرض: أعوذُ بعزَّة اللَّهِ الذي أَرسلك إليَّ أنْ تقبضَ منِّي قبضةً اليوم يكون للنَّار فيها نصيبٌ غدًا، فقال ملكُ الموت: وأنا أعوذُ بعزَّته أنْ أعصيَ له أمرًا، فقبض منها قبضةً مِن زواياها الأربعِ؛ مِن أَديمها الأعلى، فصعد

стр. 654

بالقبضةِ إلى السماء، فأَمره فجعلها طينًا أربعينَ سنةً حتى صار لازِبًا، ثم حمأً مسنونًا أربعينَ سنةً، ثم صار صلصالًا أربعينَ سنةً، فجعله جسدًا موضوعًا على طريق مكَّة للملائكة الذين يصعدون مِن الأرض إلى السماء أربعينَ سنةً، كلَّما مَرَّ به مَلَأٌ منهم عَجبوا منه (١) مِن حُسنِ صورته، ولم يَكونوا رَأَوا قبل ذلك على صورة آدمَ شيئًا يُشبهه مِن الصور، حتى مَرَّ به إبليسُ عليه اللعنةُ، فقال: لشيءٍ ما خَلق اللَّهُ تعالى هذا أجوفَ يأكل الطعام، إنِّي لأَرى صورةَ مخلوقٍ سيكون له نبأٌ، فقال لأصحابه: أَرأيتم هذا الذي لم ترَوا على صورته شيئًا مِن الخَلْق، إنْ فُضِّل عليكم فماذا أنتم صانعونَ؟ قالوا: نُطيع ربَّنا ولا نَعصي له أمرًا، فقال إبليسُ في نفسه: لئنْ فُضِّل عليَّ لأَعصينَّه، وإنْ فُضِّلتُ عليه لأُهلكنَّه، ولمَّا أراد اللَّهُ أنْ يَنفُخ فيه الرُّوحَ أَمره أنْ يدخل فيه، فقال الرُّوح: مدخلٌ بعيدُ القعر مُظلِم المدخل! فقال له ثانيًا: ادخُل، فقال كذلك، فقال له ثالثًا فقال كذلك، فقال له رابعًا: ادخُل كَرْهًا واخرُج كَرْهًا، فلم يَدخل إلا كرهًا ولم يَخرج إلَّا كرهًا، فلمَّا نفخه فيه مارَ في رأسه (٢) وجبينه وأذنَيْه ولسانه، ثم مارَ في جسده كلِّه حتى بلغَ قدمَيْه، فلم يَجد منفذًا، فرجع فخرج مِن مَنْخِريه فعطس، فقال له ربُّه: قل: الحمدُ للَّه ربِّ العالمين، فقالها آدمُ، فقال اللَّه: يَرحمُك اللَّهُ، ولذلك خلقتُك يا آدم (٣)، فلمَّا انتهى إلى ركبتَيه أراد الوثوبَ فلم يَقدر، فلمَّا بلغت قدمَيْه وثبَ، فقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] فصار بشرًا لحمًا ودمًا وعظامًا وعروقًا وعصبًا وأحشاءً، ثم كساه لباسًا مِن ظُفُرٍ يزداد جِدَّةً في كلِّ يوم وحُسْنًا وتلوُّنًا في كلِّ

стр. 655

حينٍ، وهو في ذلك ممنطَقٌ (١) متوَّجٌ، وجعل في جسده تسعةَ أبواب؛ سبعةً في رأسه: أُذنين يَسمع بهما، وعينين يبصر بهما، ومنخرين يجدُ بهما كلَّ رائحة، وفمًا فيه لسانٌ به يتكلَّم، وحنكٌ يجدُ به طعمَ كلِّ شيءٍ، وبابين في جسده؛ وهما: قُبُله ودُبُره، يَخرج منهما تفلُ (٢) طعامه وشرابه، وجعل عقلَه في دماغه، وشرهَه في كليتيه، وغضبَه في كبده، وشجاعتَه (٣) في قلبه، ورغبتَه في رئته، وضحكَه في طُحاله، وفرحَه وحزنه في وجهه، فسبحانَ مَن جَعَله يسمع بعظمٍ، ويُبصر بشحمٍ، ويَنطق بلحمٍ، ويَعرف بدمٍ (٤). * * * (٣١) - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ التعليمُ: تلقينُ العلم، والتعلُّمُ: تلقُّنه، والتعليم: الإعلام أيضًا، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٦] والتعلُّمُ: العلمُ أيضًا، يقال: تعلَّم كذا؛ أي: أُعلِم (٥)، والعلمُ: تبيُّنُ المعلوم على ما هو به، والنعتُ منه: العليم والعالم، والمبالغة منه: العَلَّام، والتفضيل منه: الأعلم، والإعلامُ: إيقاعُ العلم، والاستعلامُ: سؤالُ الإعلام.

стр. 656

وأمَّا تفسيره هاهنا: فقد قال ابنُ عباس ﵄: لمَّا قالت الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية، أراد اللَّهُ تعالى أنْ يُظهِر فضلَه عليهم، فعلَّمه وأظهر (١) فضله عليهم بعلمه ما لا يعلمون (٢). واختُلف في وجهِ تعليمه: فقيل: أَرسل اللَّهُ تعالى إليه مَلَكًا مِن غير هؤلاء، وأوحى إليه بذِكْر أسماءِ المخلوقات، فسمعها وحفظها. وقيل: أَلهمه فوقع في قلبه، فجرى (٣) لسانُه بما في قلبه بتسمية (٤) الأشياء مِن عنده. واختلف أيضًا: أنَّه جرى لسانُه بتسميتها (٥) بلسانٍ واحدٍ، أم بالألسنة كلِّها؟: فقيل: بلسانٍ واحدٍ، ثم كلُّ قومٍ تواضعوا على غير ذلك مِن الألسنة. وقيل: بالألسنة التي يتكلَّم بها جميعُ الناس إلى يوم القيامة، وعَلَّم هو ذلك كلَّه أولادَه، فلمَّا تفرَّقوا تكلَّم كلُّ قومٍ بلسانٍ استسهَلوهُ منها وأَلِفوه، ثم نَسُوا غيرَه بعد (٦) تطاوُلِ الزمان. وقيل: أَصبحوا وكلُّ قومٍ منهم يتكلَّمون بلغةٍ قد نَسُوا غيرَها في ليلة واحدة.

стр. 657

واختلف أيضًا في أنَّه كان تعليمُ الأسماء وحدها، أو تعليمُها بمعانيها؟: فقيل: كان تعليمُ الأسماء على التجريد. وقيل: بل كان تعليمُ الأسماء بمعانيها؛ أنَّ هذا اسمُه كذا، ويستعمل في كذا، ونفعه كذا وضرُّه كذا. وقوله ﴿آدَمَ﴾: قيل: هو اسمٌ عبرانيٌّ ولا اشتقاقَ له، وأكثرُ أسماء الأنبياء كذلك، وقالوا: في القرآن مِن كلِّ لسانٍ؛ لأنَّه خطابُ الكُلِّ، فجمع ألسنةَ الكُلِّ. وقيل: لا يجوز أن يكون في القرآن غيرُ العربيِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]. وقيل: كان غيرُ العرب يتكلَّمون بكلماتٍ، وتكلَّمت بها العربُ أيضًا، فصارت عربيَّةً. وقال علي بنُ الحسين بنِ واقدٍ: ليس في القرآن نَبَطيَّةٌ ولا حبشيَّةٌ ولا يمانيةٌ، ولكنَّها عربيَّة تُوافِق نبطيَّةً وحبشيَّةً ويمانيةً. وقال أبو عبيد: أصولُها (١) أعجميَّةٌ وقعت إلى العرب فعرَّبتها بألسنتها، ومثال ذلك: أنَّ طُورا بالسُّريانيَّة هو الجبل، وهو بألفٍ في آخره في الرفع والنصب والخفض جميعًا، بلا ألفٍ ولامٍ (٢) في أوَّله، فعرَّبته العربُ بالألف واللام وصَرَفته بالإعراب. وقيل: كان غيرُ العربية يتكلَّمون بكلماتٍ، وتكلِّمت العربُ بها أيضًا، فصارت عربيَّةً، أو نُقلت إلى العربية فصارت منها.

стр. 658

وقيل: (آدمُ) عربيُّ الأصل، فإنَّه على صيغة كلام العرب، وهو على وزن: أَفْعَل، ويَصلح نعتًا في العربيَّة، والقائلون بهذا اختلفوا في معناه: قال ابنُ عباس ﵄: سُمِّي به؛ لأنَّه خُلق مِن أَديم الأرض (١)؛ وهو وجهها الظاهر، وكذا ورد عن النبيِّ ﷺ في سؤالاتِ عبدِ اللَّه بنِ سلام (٢). وقيل: هو مِن الأُدْمة وهي مِن الألوان، وهو قول الضحَّاك والنَّضْر بنِ شُميل (٣). ثم اختُلف في تفسير الأُدْمة؛ فقال الضحاك: هي السُّمْرة، وهي الأشهَر، وقال النَّضْر: هو (٤) البياض. ويجوز أن يكون مِن الأَدَمة -بفتح الهمزة والدال- وهو (٥) باطنُ الجلدِ، والبَشَرةُ ظاهرُها، وفلانٌ مُودَمٌ مُبْشَر؛ أي: قد جمعَ لينَ الأَدَمة وخشونةَ البَشَرة (٦)، فكان بشرًا، واسمه آدمُ لجمعه الوصفين.

стр. 659

ويجوز أن يكون مِن قولهم: أدَمَ اللَّهُ بينهما يَأْدَم، وآدَمَ يُؤدِمُ أيضًا (١)؛ أي: ألَّف وجمع، ومعناه: أنَّ اللَّهَ تعالى ألَّف بينه وبين حوَّاء، وجمعَ بينه وبينها وبين كراماته (٢)، وألَّف بينه وبين عطيَّاته. ويجوز أن يكون مِن قولهم: آدَمَ؛ أي: أَحَبَّ، قال الشاعر: والبيضُ لا يُؤْدِمنَ إلَّا مُؤْدَما (٣) أي: لا يُحْبِبن إلَّا محبَّبًا، وكان آدمُ حبيبَ اللَّه بخصائصه، ولا سيَّما بتوبته، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ويجوز أن يكون مِن قولهم (٤): جعلتُ فلانًا أَدَمةَ أهلي؛ أي: أُسوتَهم (٥)، ومعناه: أنَّه أسوةُ الأولياء وقدوةُ الأصفياء؛ فإنَّه أوَّل الأنبياء. وقال الفرَّاءُ: الأدمةُ: الوسيلةُ، ومعنى الاسم مِن هذا: أنَّه ظاهرُ الوسيلة كاملُ الفضيلة.

стр. 660

وقوله: ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: قال الربيع بنُ أنس وأبو العالية: علَّمه أسماءَ الملائكة (١). وقال عبد الرحمن بنُ زيد: أسماءَ ذرِّيَّته كلِّهم (٢). وقال ابنُ عباس ﵄ -في رواية- ومجاهدٌ وقتادةُ والضحاك: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ حتى القصعة والقصيعة (٣). وقال ابنُ عباس ﵄ -في رواية-: علَّمه اسمَ كلِّ عينٍ وكلِّ فعلٍ (٤). وقال مقاتل: خَلق اللَّهُ تعالى كلَّ شيء مِن الحيوان والجماد وغيرِ ذلك، ثم علَّم آدمَ أسماءَها، فقال له: يا آدمُ، هذا فرس، وهذا بغل، وهذا حمار، حتى أَتَى على آخرِها (٥). وقال سعيد بنُ جبير: علَّمه اسمَ كلِّ جنسٍ؛ البعيرَ والبقرَة والشاة ونحوها (٦). وقال أبو موسى: علَّمه صنعةَ كلِّ شيءٍ. وقال الضحاكُ عن ابنِ عباس: علَّمه أسماءَ المدن والقرى والجبال، وأسماءَ الطير والشجر، وما يكون، وكلَّ نَسَمة يَخلقها إلى يوم القيامة (٧).

стр. 661

وقيل: علَّمه أسماءَ المخلوقات كلِّها في الأرض وفي السماء، ومن الحيوانات والجمادات والمطعومات والمشروبات، وكلَّ نعيمٍ في الجنَّة. وقال حُميدٌ الشاميُّ: أسماء النجوم (١). وقال الإمام القشيريُّ: عمومُ قولِه: ﴿الْأَسْمَاءَ﴾ يقتضي الاستغراقَ، واقترانُ قولِه: ﴿كُلَّهَا﴾ يُوجب الشمولَ، فكما علَّمه أسماءَ المخلوقاتِ كلِّها -على ما قال المفسِّرون- علَّمه أسماءَ الحقِّ تعالى، لكن ظهر للملائكة محلُّ اختصاصه في علمِ أسماءِ المخلوقات، وبذلك المقدار بانَ رجحانُه عليهم. وأمَّا انفرادُه بمعرفةِ أسمائه تعالى، فذلك سِرٌّ لم يَطَّلع عليه ملكٌ، ومَن ليس له رتبةُ مساواة آدمَ في معرفة أسماء المخلوقات، فأيُّ طمعٍ له في مساواته في معرفة أسماءِ اللَّه، وإذا كان تخصيصُه بمعرفة أسماءِ المخلوقات يقتضي أنْ يصحَّ سجودُ الملائكة له، فما الظَّنُّ بتخصيصه بمعرفة أسماِء الحقِّ ما الذي يُوجب له (٢)؟ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: عرض أصحابَ الأسماءِ، وهم: الناس والملائكة والجنُّ والشياطين وغيرُهم، فاجتمع في ذلك مَن يعقل ومَن لا يعقل، فلذلك جُمع بالهاء والميم؛ لأنَّ الاسمَ الشاملَ على جمعِ مَن يَعقل ومَن لا يَعقل على ذلك، وهذا (٣) قراءةُ العامَّة. وفي قراءة أُبَيِّ بنِ كعبٍ ﵁: (ثم عرَضها) وهو يرجع إلى الأسماء (٤).

стр. 662

وفي قراءة ابنِ مسعودٍ ﵁: (ثم عرضهنَّ) وهو يرجع إلى المسمَّيات (١). ومنهم مَن قال: هذا يدلُّ على أنَّ الأسماءَ في هذه الآية أُريد بها المسمَّيات، ولذلك قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾، والعَرْضُ يقع (٢) على الذواتِ دون المسمَّياتِ، والصحيحُ أنَّ الأسماءَ هي التسمِيَات (٣) في هذه الآية؛ فإنَّ التعليمَ يقع عليها لا على الذوات، ويكون معنى قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾؛ أي: عرضَ أصحابَ الأسماء، على الإضمار، وهو جائز. وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾: الإنباءُ: الإخبار، وقد أَنبأهُ ونَبَّأه؛ أي: أخبره، والنَّبَأُ: الخبرُ، وجمعه: الأنباء. والنَّبَأُ في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨] هو القرآنُ. وفي قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١] هو القيامة. وفي قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ [المائدة: ٢٧] هو القصَّة. وقوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] هو الخبر. وفي قوله عزَّ وعلا: ﴿أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ هو التعليم. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ [يوسف: ١٥] هو الجزاء بفعلهم.

стр. 663

وفي قوله تعالى: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] هو الإظهار؛ أي: الإطلاع؛ فقد قال قَبْله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣] أي: أَطْلعه. ومعنى قوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾؛ أي: أخبروني بأسماءِ هؤلاء المسمَّيات، ودلَّت الآيةُ أنَّ الاسمَ هاهنا هو التسميةُ، وهو غيرُ المسمَّى، فإنَّه أَضاف الأسماءَ إلى ﴿هَؤُلَاءِ﴾، والإضافةُ دليلُ المغايرة، ثم في الآية كنايتان: إحداهما: بالهاء والألف، وهي ﴿كُلَّهَا﴾. والأخرى: بالهاء والميم، وهي ﴿عَرَضَهُمْ﴾. ولا يرجعان إلى شيءٍ واحدٍ، بل التأنيث يَرجع إلى التسميات، والجمعُ يَرجع إلى المسمَّيات، وهي كقوله (١) تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد: ١٣] التاءُ تَرجع إلى القرية، والجمعُ يَرجع إلى أهلها. وتعلَّق القائلون بجواز تكليفِ ما لا يُطيقه العبدُ بهذه الآية؛ أنَّ اللَّهَ تعالى خاطبهم بما لم يُطيقوه. وقلنا: هذا ليس بخطابِ تكليفٍ، بل هو خطابُ تعجيزٍ، كقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وقولِ إبراهيمِ لنمروذ: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولأَنَّه معلَّق (٢) بالشرط، وهو قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: في قولكم: نحن أفضلُ منه، والفضلُ بالعلم، فإنْ كنتم أعلمَ منه فأنبئوا (٣) بما علِمتم، والمعلَّق بالشرط لا يُوجَد قبل وجودِ الشرط.

стр. 664

ثم قوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾: هو خطابٌ بمجرَّد إخبارٍ لا بإعلامٍ (١)، فإنَّه إيقاعُ العلم، وهو في حقِّ مَن قد عَلِمه لا يُتصوَّر، فأمَّا الإخبار فهو تكلُّمٌ بالمخبَر به، ويصحُّ ذلك لمن عَلم ولمن لم يعلم، فأمَّا في قوله: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فهو إعلامٌ للملائكة، فإنَّهم ما كانوا يَعلمونه. ودلَّت الآيةُ أنَّ المدَّعيَ يطالَب (٢) بالحجَّة، فإنَّ الملائكةَ ادَّعَوا الفضلَ فطولبوا بالبرهان، وبحثوا عن الغيب فقُرِعوا بالعِيَان؛ أي: لا يعلمون أسماءَ ما يُعاينون، فكيف يتكلَّمون في فسادِ مَن لا يُعاينون؟! فيا أربابَ الدَّعاوي أينَ المعاني؟ ويا أربابَ المعرفة أين المحبَّةُ؟ ويا أربابَ المحبَّة أين الطاعةُ؟ قال أبو بكرٍ الواسطيُّ: مِن المُحال أنْ يَعرفه العبدُ ثم لا يحبَّه، ومن المُحال أنْ يحبَّه ثم لا يَذكُرَه، ومن المُحال أنْ يَذكُرَه ثم لا يجدَ حلاوةَ ذِكْره، ومِن المُحال أنْ يجدَ حلاوةَ ذِكْره ثم يشتغلَ بغيرِه. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ مرَّ الكلامُ في الصِّدْق، وقال قتادة: لمَّا خلقَ اللَّهُ تعالى آدمَ مِن ترابٍ، همست الملائكةُ فيما بينهم، وقالت: للَّه تعالى أنْ يَخلق مِن الخلقِ ما يشاء، ولكن لن (٣) يَخلق خلقًا أفضلَ وأعلمَ منَّا، فأظهر اللَّهُ تعالى عجزَهم: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وأَمَرَ الملائكةَ فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّكم أعلمُ منه (٤).

стр. 665

ولمَّا (١) عجزوا عن ذلك وأَنبأهم آدمُ بها، ظهر علمُه وفضلُه عليهم. وقيل: معناه: أنبئوني بصدقٍ، فإنْ عَلمتم بأسمائهم وكنتم صادقين في الإنباء عنها فأنبئوا، وإلَّا فلا تُنْبئوا. وقيل: أي: إنْ كنتم عالمين؛ كَنَى عن العلم بالصدق؛ لأنَّ الصدق لا يُقام إلَّا بالعلم. وقيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: لمَّا كنتم صادقين فاصدُقوا وأنبئوا إن علمتم ولا (٢) تَكْذبوا، هذا كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]؛ أي: اذ كنتم مؤمنين. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يَحتمِل أن يكونوا نبِّهوا (٣) بهذا حتى لا يَسبقَ إليهم عند إعلام آدم أنَّ ذلك مِن حيث يدركونه لو تَكلَّفوا، أو أراد أنْ يُريَهم آيةً عجيبةً تدلُّ على نبوَّته، ذكَّرهم عجزَهم عن ذلك، وأَلزمهم الخضوعَ لآدمَ -صلوات اللَّه وسلامُه عليه- في إفادةِ ذلك العلمِ (٤)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧] ذَكَّره أولًا حالَه وحالَ عصاهُ؛ ليَعلم ما أراهُ ممَّا في يده من آيةِ نبوَّته (٥). * * * (٣٢) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ لبدايتهم بالتسبيح قبل إخبارِهم أنَّه لا علمَ لهم وجوه:

стр. 666

أحدها: أنَّه كلمةُ تعجُّب، قال الشاعر: أقولُ لمَّا جاءَني فخرُه... سبحانَ مِن علقمةَ الفاخِرِ (١) ومعناه: عجَبٌ سؤالُنا عمَّا لا علمَ لنا به. والثاني: أنَّه تنزيهُ اللَّهِ تعالى عن أنْ يَخفى عليه ما خفيَ عن الملائكة، ونصبه على المصدر عند الخليل بنِ أحمد (٢)؛ أي: ننزِّهك تنزيهًا، وقال النقَّاشُ: هو على النداء؛ أي: يا سبحانك. والثالث: أنَّهم بدؤوا بالثناء على اللَّه تعالى قبل الجواب، وكذا يجب على العبد في كلِّ خطاب. والرابع: أنَّهم ذكروه على وجهِ التوبةِ عمَّا قالوا؛ فإنَّها كلمةٌ تقدَّم على التوبة، قال تعالى خبرًا عن موسى صلوات اللَّه عليه: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ أي: يا طاهرُ، طهِّرني عن العيب الذي وقعتُ فيه. والخامس: أنَّهم حقَّقوا ما وَعَدوا مِن أنفسهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. وقوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ قال ابنُ عباس وابنُ مسعود والحسن ومحمد بنُ إسحاق معناه: إنَّك أَعلمتنا أنَّهم يُفسدون في الأرض، فقلنا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ وما أَعلمتنا مِن هذه الأسماء فلا نَعلمها، ولو اكتَفوا بقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ لكان جوابًا تامًّا، لكن قالوا: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ليكون زيادةَ عبودةٍ، فإنَّ قولَهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ مِن باب العذر، وقولهم: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ مِن باب الشكر، وهما جماعُ كلِّ الخير.

стр. 667

وقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ وصفُ أنفسهم، وقولهم: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ وصفُ ربِّهم؛ أي: منَّا النقصُ ومنكَ الكمالُ، ومنَّا الطلب ومنكَ الإفضال (١). وأفادت الآيةُ أنَّ العبدَ ما ينبغي له أنْ يَغفُل عن نقصانه، وعن فضلِ اللَّهِ وإحسانه، ولا يَأنف أنْ يقولَ: لا علم لي، فيما لا يَعلم، ولا يَكتم فيما يَعلم. وسُئل الشعبيُّ عن مسألةٍ، فقال: لا أدري، فقالوا له: أَلا تستحي، وأنتَ إمامُ العراقَيْنِ؟! قال: إنَّ الملائكةَ كانوا في الحضرة وقالوا: لا علمَ لنا، فمَن أنا (٢)! وقالوا: لا أدري، نصفُ العلم (٣). وسُئل أبو يوسف القاضي عن مسألةٍ، فقال: لا أدري، فقيل (٤) له: تَرتزِق مِن بيت المال كلَّ يوم كذا كذا (٥)، ثم تقول: لا أدري؟! فقال: إنما أَرتزق (٦) بقَدْر علمي، ولو أُعطيت بقَدْر جهلي لم يُشبعني (٧) مالُ كلِّ الدُّنيا. وسُئل أبو بكر العياضيُّ (٨) في رِباط المُرَبَّعة (٩) عن مسألةٍ وهو فوق المنبر،

стр. 668

فقال: لا أدري، فقيل له: ليس المنبرُ موضعَ الجهَّال، فقال: إنَّما علوتُ بقَدْر علمي، ولو علوتُ بقَدْر جهلي (١) لبلغتُ السماء. وحُكي أنَّ عالمًا سُئل عن مسألةٍ، فقال: لا أدري، فقال السائلُ: ليس هذا مكانَ الجهَّال، فقال: المكانُ لمن يعلم شيئًا ولا يعلم شيئًا، فأمَّا الذي (٢) يَعلم كلَّ شيءٍ، فلا مكانَ له. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿إِنَّكَ﴾ هو تأكيدُ خطاب، ﴿أَنْتَ﴾ للمبالغة في التأكيد، لأنَّه تكرير، وفيه تأكيدٌ وتقريرٌ. و ﴿الْعَلِيمُ﴾ مرَّ تفسيرُه، و ﴿الْحَكِيمُ﴾: المُحكِم الصنعةَ والمصيبُ في القول والعمل. وقال ابنُ عباس ﵄: ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي يَبلغ في العلم غايتَه، و ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يَبلغ في الحكمة نهايتَه (٣). ومعنى قولِ الملائكةِ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾: فعِلْمُنا ناقصٌ، وأنتَ العالِمُ (٤) بالكمال، والمصيبُ في الأفعال، علمتَ ما لم نَعلم، ولك الحكمةُ البالغةُ في تفضيل آدم.

стр. 669

وصفَ اللَّهُ الملائكةَ بالعلم والحكمة فنالوا بذلك المِدْحة، ونفى إبليسُ الحكمةَ في أمره بالسجدة فاستحقَّ الطردَ واللعنةَ. وقيل في ﴿الْحَكِيمُ﴾: هو الذي سوَّى وقدَّر ولا يَنقض حكمَه البشرُ. وقيل: هو العالِم بعواقب الأمور، والمطَّلع على المكشوف والمستور. * * * (٣٣) - ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: رويَ أنَّه رُفعَ على منبرٍ وأُمرَ أنْ يُنبِّئ الملائكةَ بأسماء الأشياء، فأنبأهم بها وهم جلوس بين يديه، وقيل: قيامٌ حواليه. وقال وَهْب: سمَّاها لهم، وهو ما في الأرض (١) مِن الطير والبهائم والبقاع والنبات، وما في البَرِّ وما في البحر، ثم فُتحت له السماواتُ فسمَّى أهلَ كلِّ سماءٍ بأسمائهم. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾؛ أي: أَخبرهم بها، وعَلموا فضله، وعَرفوا عجزهم. فقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ ظاهرُه استفهامٌ ومعناه التقرير؛ أي: قد قلتُ لكم، وهو كقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [البقرة: ١٠٦] وكذا كلُّ استفهامٍ

стр. 670

دخل على جحدٍ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: ما غابَ عن (١) أهل السماوات وغابَ عن أهلِ الأرض. وقيل: أي (٢): أعلمُ سرَّ أهلِ السماوات في السماوات، وسرَّ أهلِ الأرض في الأرض. وقيل: غيبُ السماوات: هو أكلُ آدم وحوَّاء مِن الشجرة التي نُهي عنها وهو أولُ عصيانٍ كان في السماء، وغيبُ الأرض: قَتلُ قابيلَ أخاه هابيلَ، وهو أولُ عصيان كان في الأرض. وقيل: غيبُ السماوات: ما قضاهُ فيها مِن أمور خَلْقه، وغيب الأرض: ما فَعلوه فيها بقضائه السابق به. وقال الإمام القشيريُّ: أي: أعلمُ (٣) ما تقاصرَ عنه علومُ الخلق مِن أهل السماء والأرض. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: ما تبدون مِن الطاعات وتَكتمون مِن النيَّات (٤).
следующие страницы →