القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحاتٍ دالَّاتٍ على إعجاز القرآن ﴿قَالُوْا مَا هَذَا﴾ يعنون محمدًا ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾؛ أي: يصرِفَكم عن دينِ آبائكم.
﴿قَالُوْا مَا هَذَا﴾: أي: القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾؛ أي: كذب ﴿مُفْتَرًى﴾؛ أي: مختلَقٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: تخييلٌ ظاهر؛ تحيَّروا: فمرة قالوا: هو كذب، ومرة قالوا: هو سحر.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿سِحْرٌ﴾ من قولِ الأتباع، وقوله: ﴿إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ من قول السادة.
* * *
(٤٤) - ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾.
﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾: أي: وما أعطينا هؤلاء المشركين كتبًا يتدارسونها (١) فيدَّعون أنهم وجدوا فيها شاهدًا لقولهم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾: أي: ولم نُرسل إليهم قبلك رسولًا يا محمدُ يخبرهم عن اللَّه بإبطالِ أمرك (٢)، فليست عندهم حجةٌ على ما يقولونه في القرآن وفيك، وهو كقوله: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤].
* * *
(٤٥) - ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
стр. 6057
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: وقد كذَّب الذين كذَّبوا قَبْلَهم من الأمم والرسل فأهلكناهم.
﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾: أي: إن هؤلاء المشركين لم يبلغوا في القوة والأموال (١) والأولاد عُشر ما بلغه أولئك، فإذا لم يمتنع أولئك من عذابي فكيف يمتنع هؤلاء.
والمعشار: العشر، وكذلك المرباع: الرُّبع، ولا يُتكلم بمثله إلا في هذين؛ قاله قطرب.
﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: قيل: النكير جزاءُ المنكَر.
وقيل: هو الإنكار؛ أي: التغيير؛ أي: فانظر كيف كان تغييري أحوالَهم عن المحبوب إلى المكروه، وتقديره: نكيري، حُذفت الياء تخفيفًا واكتُفيَ بكسرة الراء؛ لاتِّفاق الفواصل.
* * *
(٤٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾: ثم إن اللَّه تعالى بعد أن حاجَّهم فيما وصَفوا به الكتاب والرسول، وعَظَهم ودعاهم إلى النظر ومخالفةِ سُبُل (٢) الأمم الخالية في التقليد.
وبيَّن وجه النظر على أبلغ وجه وأَبْينِه فقال: قل يا محمدُ لمشركي مكة: إنما
стр. 6058
أذكِّركم بكلمة واحدةٍ أو خَصلةٍ واحدةٍ أو موعظةٍ واحدةٍ، وأكتفي بها منكم، وهي: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ وهي قيامُ القصد إلى الشيء دون النهوض والانتصاب ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: لوجه اللَّه والْتماسِ التقرُّب إلى اللَّه تعالى، لا لحميَّة وعصبية بل لطلب الحق ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾؛ أي: مجتمعين ووحدانًا؛ لأن ما يراد تعرُّفه بالنظر (١) لا يخلو من أن يكون مما يدركه الناظرُ وحده إذا أمعن (٢) نظره لوضوح وجهه، أو يكون مما لا تتجلَّى الشبهة فيه عنه بانفراده لغموضه حتى يستعين بغيره، فالأحوطُ هو النظر في الأمر بالوجهين.
﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾: أي: تستعملوا فكركم بالتدبُّر في أمر محمدٍ: هل في شيء من أحواله من مَنشئه إلى وقتِ إخباره بنزول الوحي عليه اشتباهٌ (٣) في أمره أو اختلالٌ في حاله يوجب له وصمَه، أو يوجِّه (٤) عليه ظنَّه بما لا يجوز معه في العقل أن يكون رسولًا؟
وهل جرَّبتم عليه كذبًا، أو رأيتم في عقله ضعفًا، أو شاهدتُموه يختلف إلى مَن يدَّعي سحرًا أو يكون عنده أقاصيصُ الأولين فيأخذُها منه تعلُّمًا؟
أو هل يقدر أحدٌ منكم على معارضته في صورة (٥) فتجوِّزوا بذلك أن يكون هذا الكتاب مِن عنده؟
فإذا لم يكن كذلك فاعلموا أنه ليس به جنونٌ، وأنه نذير لكم بين يدي عذابٍ
стр. 6059
شديد: أمام عذابٍ قد أعدَّه اللَّه تعالى لمكذِّبي رسوله وجاحدي كتابه ومشركي غيرِه به، واحذروا أيضًا أن ينالكم هذا العذاب الشديد، فقد اشتملت هذه الآية مع قلَّة حروفها على إثبات النظر ووجوهه.
ثم قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: ثُم تَتَفكَّروا أيُّ شيء بصاحبكم من الجنون؛ أي: من آثار الجنون، فيتصل الكلام.
والثاني: أن يتم الكلام بقوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾؛ أي: في الأمور التي عدَّدنا، ثم يكون قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ ابتداءً، ويكون ﴿ما﴾ للنفي؛ أي: ليس به جنون ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: ما هو إلا مخوِّف لكم أمام عذاب شديد.
* * *
(٤٧) - ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾: أي: كلُّ ما طلبتُ منكم على ما أدعوكم إليه من الإيمان من جُعلٍ فهو لكم؛ أي: فقد جعلتُه لكم لا حاجةَ لي إليه، ولا أطلب منكم شيئًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: ما أبتغي عليه إلا الثوابَ من اللَّه تعالى، وقد وعده لي وعدًا مؤكَّدًا لا خُلف فيه ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؛ أي: شاهدٌ عليَّ وعليكم، مشاهِدٌ لأفعالي وأفعالِكم، فيجزي كلًّا على وَفْق عمله، وهذا تأكيدٌ أنه لم يسألهم شيئًا، وهو كقولك لمن نصحت له فلم يقبل: ما أعطيتني على نصيحتي لك فخذه مني؛ أي: لم تعطني شيئًا ولم أسأله منك.
وللآية وجهٌ آخر: قال الكلبي: لما قال اللَّه تعالى لنبيه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا
стр. 6060
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قال: لا تؤذوا محمدًا في أقاربه، فلما ذكر رسول اللَّه ﷺ آلهتَهم بعد ذلك قالوا: ما أنصفَنا محمدٌ ﷺ ينهانا أن لا نؤذيَ أقاربه ففعلنا، وهو يذكر آلهتنا! فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾؛ أي: إن شئتم فآذوهم، فردَّ عليهم أجرهم الذي كان سألهم من (١) أن لا يُؤذوا أقاربه.
وفيها وجه آخر: ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ وهو الكفُّ عن أذى أقاربي ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾؛ أي: فذلك الأجر لكم؛ لأنكم إذا فعلتُموه كان ثوابه من عند اللَّه لكم.
* * *
(٤٨) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾: أي: يُلقي الحقَّ إليَّ وإلى عباده المؤمنين على وجهٍ لا يقع عليه اعتراضٌ متوجِّهٌ، بل يَبطُل به الباطلُ.
﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: أي: هو علَّام الغيوب، لا تخفَى عليه حقائق الأشياء، ولا يذهب عليه (٢) الصواب في الحجج.
* * *
(٤٩) - ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾.
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي: الدِّين الحقُّ؛ لوضوح آياته ودلالاته ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾؛ أي: ولا يَثبُت للباطل -أي: الشركِ- أثرٌ بدءًا ولا عودًا.
وقال أبو عبيدة: ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: يأتي بالحق (٣).
стр. 6061
وقال نِفطويه: أي: يلقي الحقَّ في قلبِ مَن يشاءُ وعلى لسانه.
وقيل: هو ما قال في آية أخرى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].
وقيل في قوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي: القرآن.
قال الضحاك: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي: القرآن ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾؛ أي: ما يخلق إبليس أحدًا ولا يبعثه (١).
وقال الحسن: ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾ لأهله خيرًا في الدنيا ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾ عليهم خيرًا (٢) في الآخرة، والباطل ما عُبد من دون اللَّه (٣).
* * *
(٥٠) - ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾.
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾: أي: إن تركتُ الحقَّ الذي أَتيتُ به واتَّبعتُكم فقد ضلَلْتُ وألحقتُ الضررَ بنفسي.
﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾: ثبتُّ على حقي ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ تبيان (٤) جاءني من ربي ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِمَا أقوله لكم ﴿قَرِيبٌ﴾ مني ومنكم يجازيني ويجازيكم.
стр. 6062
(٥١) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾: قيل: يتصل بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
وقال ابن عباس ﵄ والضحاك: هو يوم بدر حين أخذتهم سيوف الملائكة (١).
وقال الحسن ﵀: وهو حين يخرجون من قبورهم (٢)
﴿إِذْ فَزِعُوْا﴾؛ أي: هابوا (٣)، وقيل: أي: خافوا خوفًا شديدًا.
وقيل: الفزع: انزعاج النفس بتوقُّع المكروه.
﴿فَلَا فَوْتَ﴾ قال الضحاك: أي: لا مهرب (٤).
وقيل: فلم يفوتوا ما نزل من العذاب بهم.
﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: أي: من قُرْب فلم يفوتوا، وهو تمثيل لسرعة الأخذ.
وقيل: هو تأكيدُ ﴿فَلَا فَوْتَ﴾.
ومَن حمَله على يوم بدر قال: أخذوا في الدنيا قبل أن يصيروا إلى الآخرة، وهو المكان القريب.
стр. 6063
وقال الحسن: ﴿وَأُخِذُوا﴾ يوم القيامة ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: من بطن الأرض إلى ظهرها (١).
* * *
(٥٢) - ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾: يجوز أن يكون راجعًا إلى قوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾، ويجوز أن يكون إلى الوحي فقد قال: ﴿فَبِمَا يُوحِي﴾، ويجوز أن يكون إلى الرب فقد قال: ﴿إِلَيَّ رَبِّي﴾ (٢).
فإن كان هذا عند الموت فهو كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤]، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].
وإن كان في القيامة فكلُّ الكفار يؤمنون (٣) ويتبرَّؤون عن الكفر حينئذ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أي: كيف ومِن أين لهم تناوُل الإيمان من مكان بعيد؟ وهو تمثيل ومعناه: ليس هذا وقتَ نفعِ الإيمان ولا مكانَ قبول الإيمان، كان ذلك في الدنيا وقبل معاينة هذه الأحوال.
وقرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائي وخلف (٤)، وعاصم في رواية أبي بكر والشموني والبرجمي (٥):. . . . . . .
стр. 6064
﴿التناؤش﴾ مهموزًا ممدودًا (١).
قال الزجاج: هو من النَّأْش، وهو الحركة في إبطاء (٢)؛ أي: من أين لهم أن يتحرَّكوا فيما لا حيلة فيه.
وقرأ الباقون: ﴿التَّنَاوُشُ﴾ بغير همزٍ، وهو التناول، والنَّوش كذلك؛ قال الشاعر:
وَهْيَ تَنوشُ الحوضَ نَوْشًا مِن عَلَا... نَوْشًا به تَقْطَعُ أَجْوازَ الفَلَا (٣)
وقال ثعلب: ﴿التَّنَاوُشُ﴾ بغير همز: التناول من قُرْبٍ، وبالهمز: التناول من بُعْدٍ.
وقيل في الآية: وكيف لهم تناولُ ما في الدنيا من الآخرة وهي بعيدة عن الدنيا؟
стр. 6065
(٥٣) - ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبلِ حالة اليأس (١)، أو قبلَ يوم القيامة.
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أي: يرمون بالظن المغيَّب عنهم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: يظنون أن إيمانهم في الآخرة أو حالةَ اليأس نافعٌ لهم؛ جهلًا منهم في الآخرة وحالةِ اليأس كما كانوا جاهلين في الدنيا وفي غير حالة اليأس فعمَّهم الجهل في الحالين.
وقيل: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ هو ابتداء كلام في وصفهم في الدنيا، ومعناه: يرمون بالظن فيقولون: لا بعث ولا جزاء، وهو رجمٌ بالظنِّ من مكان بعيد، وهو أضعف ما يكون من الظنِّ لبُعد المكان عن الظانِّ.
وقيل: هذا البعد عن القلب، وقيل: عن العقل.
وقيل: هذا الظن البعيد منهم كان في القرآن وفي الرسول، فكانوا يصفون كلَّ واحد منهما بصفات مختلفة.
وقيل: المكان البعيد تمثيل؛ كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
وقيل: هو الوصف منهم في الدنيا، لكنه متصل بالأول بإضمار: كانوا؛ أي: لا ينفعهم الإيمان لأنهم كفروا به من قبل وكانوا يقذفون بالغيب من مكان بعيد في الدنيا.
وقيل: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: يرمون بالآخرة ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: يبعدون أمرها فلا يعتقدون كونَها، كما قال تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، وهذا معنى قول الضحاك.
стр. 6066
وقيل: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: يرمون آجالهم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: يقدِّرونها بطولٍ فيسوِّفون بالتوبة، وهذا معنى قول عكرمة.
* * *
(٥٤) - ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾: أي: من الانتفاع بالإيمان والتوبة ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: بالذين سابقوهم (١) على الكفر من الماضين، كان لا يقبل إيمانهم عند البأس، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤].
وقيل: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ حينئذ ﴿وَبَيْنَ مَا﴾ كانوا (٢) ﴿يَشْتَهُونَ﴾ وهو الأموال والأولاد والأسباب التي كانوا يتنعَّمون بها ويتعزَّزون (٣) في الدنيا بها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾: أي: في شك من القرآن والرسول والإيمان والبعث، وكلُّ ذلك سبق ذكره.
وقوله تعالى: ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: مشكِّكٍ (٤)، وهو مبالغةٌ كقولهم: عَجَبٌ عجيب، وشتاءٌ شاتٍ، وليلةٌ ليلاء.
стр. 6067
وقيل: المريب: الآتي بالمكروه، وقال الهذلي الشاعر:
كنتُ إذا أتوتُه من غيبِ... كأنني أَرِيبه بريبِ (١)
أي: هؤلاء الكفار الذين في عصرك والكفار الماضون من قَبلك كانوا كذلك فعذِّبوا لذلك.
قال (٢) ابن عباس ﵄: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ في السفياني الذي يظهر في آخر الزمان يقصد الكعبة في ثمانين ألفًا ليخربها، فيُخسف بهم في البيداء (٣).
وقوله: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: خُسِف بهم من تحت أرجلهم (٤).
وقال مقاتل: يَبعث ثلاثين ألفًا إلى مكة عليهم رجلٌ يقال له: بحير بن بجيلة، فإذا دخلوا البيداء خُسف بهم فلا يُفلت منهم إلا رجلٌ من جهينةَ يقال له: ناجية، مقلوب وجهُه إلى قفاه [يمشي قهقرَى على عقيبة حتى ينتهيَ إلى السفيانيِّ الخبيث، وإنما يملك تسعة أشهر، وأكثرُ أتباعه كلبٌ] (٥) يخبر الناس بما أصابهم (٦).
стр. 6068
وقال مقاتل بن سليمان: يخرج السفياني من الوادي اليابس في أخواله من بني كلب، فيخطبون على منابر الشام، فإذا بلغوا عينَ التمر محا اللَّه الإيمان من قلوبهم، فيخرجون حتى ينتهوا إلى ميل الذهب، فيقاتلون قتالًا شديدًا، فيَقتل السفيانيُّ سبعين ألفَ رجل عليهم السيوفُ المحلَّاة والمناطق المفضَّضة (١)، ثم يدخل الكوفة فتصير أهلها ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ تلحق بهم وهم شرارُ خلق اللَّه تعالى، وفرقةٌ تقاتله وهم عند اللَّه شهداء، وفرقة ثالثةٌ تلحق بالأعراب وهم العصاة، ثم يغلب الكوفة فيفتضُّ أصحابه ثلاثين ألف عذراءَ، فإذا أصبحوا كشفوا شعورهن وأقاموهن على السوق يبيعوهن، فعند ذلك كم من لاطمةٍ خدَّها وكاشفةٍ وجهَها وناتفةٍ (٢) شعرها بدجلة أو شاطئ الفرات، فيبلغ الخبر أهل البصرة فيركبون إليهم في البر والبحر فيستنقِذون أولئك النساء من أيديهم، فيصير أصحاب السفياني ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ تسير نحو الرِّي، وفرقةٌ تبقى بالكوفة، وفرقةٌ تأتي المدينةَ وعليهم رجل من بني زهرةَ، فيحاصرون أهل المدينة فيقتتلون جميعًا، فممتل بالمدينة مقتلةٌ عظيمةٌ، حتى يبلغ الدمُ الرأسَ المقطوع، ويُقتل رجل من أهل بيتِ رسول اللَّه ﷺ وامرأة (٣)، واسم الرجل محمدٌ واسم المرأة فاطمة، يصلبونهما عاريين، فعند ذلك يشتدُّ غضب اللَّه عليهم، فيبلغ الخبرُ وليَّ اللَّه، فيخرج من قرية من قرى جُرَشَ في ثلاثين رجلًا، فيبلغ المؤمنين خروجُه، فيأتونه من الأرض ويحنُّون إليه كما تَحِنُّ الناقة إلى فصيلها، فيجيء فيدخل مكة، فتقام الصلاة فيقال: تقدم يا ولي اللَّه، فيقول: لا أفعل، ثم يصلي
стр. 6069
بهم رجل، ثم يتداكُّون (١) عليه بالبيعة تداكَّ الإبل الهيم (٢) يوم ورودها حياضَها فيبايعونه، فإذا فرغ من بيعة الناس بعث خيلًا إلى المدينة عليهم رجلٌ من أهل بيته، فيقاتل الزهريَّ فيُقتل من كِلَا الفريقين مقتلةٌ عظيمة، فيرزق اللَّه وليَّه الظَّفَر، فيُقتل الزهريُّ ويُقتل أصحابه، فالخائب يومئذ مَن خاب من غنيمةِ كلبٍ ولو بعقالٍ، فإذا بلغ الخبر السفياني خرج من الكوفة في سبعين ألفًا، حتى إذا بلغوا البيداء عسكر بها وهو يريد قتالَ وليِّ اللَّه وخرابَ بيت اللَّه، فبينما هم كذلك بالبيداء إذ نَفَر فرس لرجل من العسكر، فخرج الرجل لطلبه (٣)، وبعث اللَّه جبريل فضرب الأرض برجله ضربةً فخسف اللَّه الأرض بالسفياني وأصحابه، ورجع الرجل يقود فرسه فيستقبلُه جبريل فيقول: ما هذه الضجة في العسكر، فيضربه جبريل صلوات اللَّه عليه بجناحه فيتحول وجهه مكان القفاء فيمشي قهقرى، فهذه الآية نزلت فيهم (٤).
* * *
стр. 6070
سورة فاطر
стр. 6071
سورة فاطر (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي يزيدُ في الخلق ما يشاء، الرحمنِ الذي يخشاه من عباده العلماء، الرحيمِ الذي بحكمته تستمسك الأرض والسماء.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة الملائكة دَعَتْه يوم القيامة ثمانيةُ أبوابِ الجنة أن ادخل من أيِّ الأبواب شئتَ" (٢).
وهذه السورة مكيةٌ، وهي ستٌّ وأربعون آية، وقيل: خمس وأربعون، والخلاف في سبع الآيات: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ ﴿لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
وكلماتها سبعُ مئة وخمس وسبعون، وحروفها ثلاثة آلاف ومئة وخمس وأربعون (٣).
وانتظام أول السورة بآخر تلك السورة: أنه ذكر في آخر تلك السورة أن الكفار في شكٍّ مريبٍ لتركهم التأمُّل في تلك الآيات، وذكر في أول هذه السورة
стр. 6072
من الآيات ما لا يبقَى معه ريب عند التأمل فيه، وهو خلق الأرض والسماوات.
وانتظام السورتين: أنهما مكيتان، وهما في محاجَّة المشركين، ومدحِ الموافقين، وذمِّ المنافقين المخالفين.
* * *
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: خالقِهما من غير شيءٍ ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ إلى النبيين ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ يطيرون بها ينزلون من السماء إلى الأرض، ويعرجون منها إلى السماء في يوم وأقلَّ منه، ومسيرةُ ما بينهما ألفُ سنة نزولًا وعروجًا، ولولا ما قوَّاهم بذلك لَمَا أَمْكنهم ذلك.
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: أي: من الملائكة مَن له جناحان كما للطيور التي في الهواء، ومنهم مَن له ثلاثةُ أجنحة، ومنهم من له أربعةُ أجنحة.
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾: أي: ويزيد بعضَهم على أربعةٍ (١)، فقد روي أن جبريل صلواتُ اللَّه عليه له ستُّ مئة جناح (٢)، لو نشر جناحًا له لسدَّ ما بين الخافقين، ولبعض الملائكة أكثرُ من ذلك، وهذا عامٌّ يتناول زيادةَ كلِّ شيء في كلِّ شيء، ولذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا أساس لحديث إرسال الرسل وبعثِ الخلق يوم القيامة.
стр. 6073
وعن النبي ﷺ رواه أبو هريرة ﵁ أنه قال في الآية: "هي (١) الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن" (٢).
وقال ابن عباس ﵄: في أجنحة الملائكة (٣).
وقال ابن كيسان: في الجسم والعرض والطول، كما قال: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، يعني: طالوت.
وعن قتادة أنه قال: الملاحة في العينين (٤).
وقيل: الكياسة في الطبيعة.
وقيل: الفصاحة في المنطق.
وقيل: الفهم عن اللَّه تعالى.
وقيل: السخاء.
وقيل: الرضا بالتقدير.
وقيل: علو الهمة.
وقيل: التواضع في الشرف.
وقيل: القناعة في الفقر.
стр. 6074
وقيل: الظَّرف في الشمائل.
وقيل: المحبة في القلوب.
وقيل: خفَّة الروح.
وقيل: سلامة الصدر من الشر.
وقيل الإمام القشيري: التعطُّف (١) على الخلق.
وقيل: الشوق إلى الحق.
وقيل: تحرُّر القلب عن رقِّ الحدثان.
وقيل: ألا يطلب لنفسه منزلةً في الدارين (٢).
* * *
(٢) - ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾: قيل: هي النبوة؛ كما قال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾؛ أي: لا يتهيأ لأحدٍ ردُّها ولا (٣) معارضتُها.
﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾: أي: يقطعْ في زمان الفترة ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: لا يمكن أحدًا فتحُ هذا الباب.
وقال: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ بالتأنيث لسبق ذكر الرحمة، وقال: ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾
стр. 6075
بالتذكير لسبق ذكر قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾، ويجوز في العربية التأنيثُ فيهما لذكر الرحمة (١)، ويجوز تذكيرهما لذكر ﴿وَمَا﴾ فيهما.
وقيل: الآية عامة لكلِّ نعمة، ويدل عليه ما بعده: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
والرحمة في القرآن جاءت للمطر: قال تعالى: ﴿نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧].
وللرزق: قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٨].
ولأشياء: قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ثم قال: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ [الزمر: ٣٨] وعلى هذا آيات.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: في مُلكه وجلاله ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله.
* * *
(٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: قيل: هو خطاب للمشركين ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: تذكَّروا.
وقيل: أي: احفظوا ما مَنَّ اللَّه به عليكم من أنواع النِّعم.
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾: قرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ بالخفض على ظاهرِ قوله: ﴿مِنْ خَالِقٍ﴾، وقرأ الباقون: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ بالرفع (٢) لوجهين: هل غيرُ اللَّه
стр. 6076
من خالق، و: هل خالقٌ غيرُ اللَّه، فإن ﴿مِنْ﴾ زائدة مؤكِّدة، فإذا حُذفت رفع ﴿خَالِقٍ﴾، وهو استفهام بمعنى النفي.
﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: بالمطر والنبات وغير ذلك.
وإذا لم يكن خالقٌ ولا رازقٌ غيرُه فلا إلهَ غيرُه، ولذلك قال بعده: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: أي: كيف تُصْرفون ومن أين تُصرَفون عن هذا الحق إلى غيره، والأفكُ بالفتح: الصرفُ، والإفك بالكسر: الكذب، وهو الكلام المصروف عن الصواب، وخرج الكلام على ما لم يسمَّ فاعله على مذهب العرب في قولهم للرجل: أين يُذهبُ بك؟ أي: أين تذهب؟ فكذا هذا معناه: فكيف ومن أين تنصرفون من الحق إلى الباطل؟ وهو استفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ.
وقال الإمام القشيري ﵀: مَن ذكر النعمةَ فهو صاحب عبادة ونائل زيادة، ومَن ذكر المنعِم فهو صاحب إرادةٍ ونائلُ زيادة، وفرقٌ بين زيادةٍ وزيادة، هذا زيادته عطاؤه وهذا زيادته لقاؤه.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ مَن عرف أنه لا رازق غيرُ اللَّه لم يُعلِّق قلبه بأحدٍ في طلبِ شيء، ولا يتذلَّل للارتفاق لمخلوق، وكما لا يرى رزقَه من مخلوق لا يراه من نفسه أيضًا، فيتخلَّص من ظلمات تدبيره واحتياله وتَوهُّمِ شيء من أشكاله وأمثاله (١).
* * *
(٤) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ يا محمد فلا يَضِيقنَّ صدرُك فلستَ بأولِ مَن كذِّب
стр. 6077
مِن الرسل ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كذَّبهم أممهم ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: وإلى حُكم اللَّه تصيرُ الأمور في عواقبها، فيجعل العاقبةَ المحمودة للأنبياء والمرسَلين (١) والمؤمنين والعاقبةَ المذمومةَ للمكذِّبين، وهذا وعد ووعيد.
* * *
(٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: وهو عام للمكلَّفين ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾؛ أي: بالثواب والعقاب (٢) جميعًا، لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ والوعدُ يقع على العذاب قال تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢].
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: لا تغترُّوا بهذه الحياةِ الخاليةِ فإنها زائلةٌ، وأنتم مبعوثون للعرض والحساب والجزاء.
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: قيل: الدنيا.
وقيل: الشيطان بما يمنِّيكم على اللَّه من المغفرة مع الإصرار، وبما يزيِّن لكم من المُقام على الكفران (٣).
* * *
(٦) - ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ قديم من وقتِ أبيكم آدمَ ﵇ وأمِّكم حواءَ ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ ولا تتابعوه (٤) ولا تطيعوه فتَهلِكوا.
стр. 6078
﴿إِنَّمَا يَدْعُو﴾ إلى طاعته (١) ﴿حِزْبَهُ﴾؛ أي: طائفته ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: ليسوقهم إلى نار جهنم ليكونوا من أصحابها؛ أي: أهلِها الذين لا يفارقونها.
وخصَّ حزبه بالذكر وإن كان يدعو كلَّ الناس؛ لأنَّهم هم الذين أجابوه.
وقيل: ﴿يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ على الخصوص دون الذين عَلِم أن اللَّه أخلصهم ومنه خلَّصهم.
وقيل: ﴿يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ هو الذين أجابوه إلى (٢) الدوام عليه فيخلَّدون في النار.
* * *
(٧) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: هم الذين أطاعوا الشيطان ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: وهم الذين عادَوه، وهذا هو تحقيق قوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هو وعدُ الكافرين بالعقاب ووعدُ المؤمنين بالثواب.
* * *
(٨) - ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: أي: الكفرُ والمعصية ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ زَيَّنت له ذلك نفسُه باتِّباع الشهوات وتركِ النظر في الحجة، والشيطانُ بالوسوسة واتِّباع الشبهة، أو اللَّه تعالى بالتخليق والمشيئة وتحقيقِ الابتلاء والمحنة، وأضمر هاهنا: كمَن قبِّح له فانتهى عنه؛ أي: ليسا بسواء، استفهام بمعنى النفي.
стр. 6079
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: مَن علم منه اختيارَ الضلال أضلَّه اللَّه، ومَن علم منه اختيارَ الإيمان (١) هَدَاه.
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾: أي: لا تُهلك نفسَك تأسُّفًا عليهم وتحسُّرًا، وهو كقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقد بينا وجوه ذلك في تلك الآية.
وقيل: الإضمار هاهنا ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ ذهبتْ نفسُك حسرةً عليه ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
ثم هذا الموصوف قيل: هو إبليس -لعنه اللَّه- زُيِّن له سوء عمله ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الكفار.
وقيل: مَن زُيِّن له سوءُ عمله هو الكافر، ووحِّد لفظُ (مَن) ومعناه الجمعُ وهم الكفار، وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ يرجعُ إليهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾: وعدٌ ووعيدٌ وتسليةٌ للنبي ﵇.
وقال القشيري: الذي يُؤْثِر على ربه شيئًا من المخلوقات فقد زُيِّن له سوء عمله، والذي يكتفي يوم القيامة بنجاته ورفعِ درجاته فقد زيِّن له سوء عمله؛ لأنَّه غفل عن حلاوة مناجاته (٢).
* * *
(٩) - ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
стр. 6080
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾: أي: تجمعُه بإثارته من مواضعه.
﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؛ أي: تسوقه الرياح بأمرنا وتقديرنا.
﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: أي: بالسحاب، هذا ظاهره، ومعناه: بالمطر الذي في السحاب، و (تثير) مستقبَل و (سقناه) و (أحيينا) ماضيان، والأول إضافةٌ إلى الريح، وهذا إلى نفسه، وهذا من تلوين الكلام ومن أقسام البلاغة والبيان.
﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾: أي: البعثُ بعد الموت.
* * *
(١٠) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.
وقوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ يتصل بقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ والتغرُّر (١) بالمال والسلطان والشرف في الدنيا.
﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾: هو العزيز بذاته والمعزُّ مَن يشاء مِن خلقه، وإنما يعزُّ المؤمنين والمطيعين بالإيمان والطاعةِ، لا الكفارَ المترفين بالمال والسلطنة، فقد قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ولا تُعارض هذه الآيةُ تلك الآيةَ؛ لأن عز الرسول والمؤمنين بإعزاز اللَّه، فله العزةُ جميعًا على الحقيقة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بعبادة الأصنام؛ كما قال: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]، وقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾؛ أي: بتوحيد اللَّه يُنال العز؛
стр. 6081
كما قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾: هو كلُّ قولٍ مَرْضيٍّ عند اللَّه لا خَبَثَ فيه.
﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾: هو كلُّ فعلٍ حسنٍ لا فسادَ فيه.
وذكر في الأول الصعود إليه وفي الثاني الرفع إليه، وتقديره: والعمل الصالح يرفعُه اللَّه إليه، ولا يُتوهَّم منهما المكانُ تعالى اللَّه عن ذلك، لكن المراد قبولُهما، ووجهُ ذلك: أن أعمال العباد تكتبها الحفَظة ويرفعونها في السماء إلى حيث أمر اللَّه تعالى، فتوضع للحفظ ثم يجاء بها يومَ القيامة للقراءة والحساب بها والجزاءِ عليها، وذلك قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
وتقدير الآية: إلى السماء يصعد كتاب الكَلِم الطيب، والعملُ الصالح يرفعُ اللَّه كتابَه إلى السماء، فذكر أحدهما وصعودَه والآخرَ ورفعَه ومعناهما واحد.
وقيل: تقديره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ أيضًا، فالصعود لهما جميعًا، ثم قال: ﴿يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: اللَّه تعالى هو الذي يرفع ذلك، ولم يقل: يرفعُهما؛ لوجهين:
أحدهما: أن معناه: يرفع ذلك أو يرفع المذكور؛ كما قال: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] على الإفراد مع تقدم ذكر الاثنين.
والتاني: أن الكناية قد ترجعُ إلى أحد المذكورَين لفظًا ومعناه رجوعُها إليهما كما في آيات: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١].
стр. 6082
وقيل: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: يرفع الكلِمَ الطيِّب، يريد به: أن اعتبار الكلام الحسن بالفعل (١) الحسن، ولا ينفع قولٌ بغيرِ عملٍ؛ قاله المبرد.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾؛ أي: الوعدُ الحسن ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: إنجازُ ذلك الوعد وتحقيقه.
وقيل: ﴿يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: الكلام الطيب هو الذي يرفع العمل الصالح، والكلم الطيب هو كلمة التوحيد، وبها قبول الأعمال ورفعها (٢)، حكاه أبو معاذ عن بعض أهل العلم.
وقيل: العمل الصالح يرفعه اللَّه على الكلام الطيب؛ أي: العمل أفضل من الكلام.
وقيل: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ والهاء ترجع إلى قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾؛ أي: مَن أراد العزَّ فليعمل عملًا صالحًا، فإنه هو الذي يرفع العبد.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: قيل: يعني: والمتعزِّزون بالدنيا؛ أي: الذين يمكرون بالضَّعَفة بإدخال الشُّبَه عليهم وهي السيئات ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾؛ أي: يَهلك احتيالُهم ويَبطل، والبوار: الهلاك.
وقال أبو العالية: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ هم الذين مكروا بالنبي ﵇ في دار الندوة ليقتلوه أو يُثْبتوه أو يُخرجوه (٣) ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ قيل: هو قتلُهم ببدر.
* * *
стр. 6083
(١١) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾: أي: قدَّر كونكم في الابتداء من تراب ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (١) وهو معنى قولِ مَن قال: خلق آدم الذي أنتم متفرِّعون عنه وهو أصلُكم ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾.
﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ذكرانًا وإناثًا للتناسل والبقاء في الدنيا إلى حينه.
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾: ثم إذا وقع التناسل فما يكون من حملٍ على أيِّ وصفٍ كان، والوضع في أيِّ وقتٍ كان، فذلك بعلمه وتقديره وتدبيره، ولا يخرج شيء من ذلك عن حكمه، ولا يَعْزُب عن علمه.
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾: أي: هو يعلم أعمار الخلق ومقاديرها طالت أو قصُرت، وهي عنده في كتابٍ في اللوح المحفوظ كتَبه لمن أراد تعريفَه من الملائكة وغيرهم.
والمعمَّر: مَن أطيل عمرُه، وناقص العمر: مَن لم يَطُل عمره، فيُشْكِل قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ مضافًا إلى المعمَّر، ولا يجتمع طول العمر ونقصانه في شخص واحد، لكن له معنيان:
أحدهما: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ إلا يكتب في اللوح المحفوظ بيانُ عمره أنه (٢) إلى كذا ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾: لا يمضي شيء منه فينقص مما قدِّر له إلا ذلك محفوظ عند اللَّه كم مضى وكم بقي، وكم مضى ظاهر للناس وكم بقي باطن لا
стр. 6084
تعلمه الخلق، فأخبر أنه يعلم كلَّ ذلك كما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ وهو باطن ﴿وَلَا تَضَعُ﴾ وهو ظاهر، واللَّه تعالى يعلم كلَّ ذلك.
والثاني -وهو قول الفراء وغيرِه-: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾؛ أي: من عمرِ آخَرَ، وهو كقولك: عندي درهمٌ ونصفه، أو: لك عندي ثوب ونصفه، فيكون النصف من درهمٍ آخر وثوبٍ آخر، لكنْ لمَّا كان لو أَظهر فقال: لك عندي ثوب ونصف ثوب، ودرهم ونصف درهم، صلح ذلك، جاز أن يقال: نصفه، فكذا هاهنا (١).
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أي: كتابة ذلك في الكتاب يسير على اللَّه تعالى، لا يتعذَّر عليه شيءٌ لا منها (٢) لكثرتها وطولها (٣) كما يتعذر على العباد كتابة مثلها ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
وقيل: أي: حفظُ ذلك على اللَّه بدون الكتابة يسير، وهذا كلُّه بيان قدرته واستشهاد به على قدرته على بعث الخلق بعد موتهم (٤).
* * *
(١٢) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾:
стр. 6085
قال الخليل ﵀: البحر سمي به لاستبحاره؛ أي: انبساطه وسعته، وشقُّ الأذن سمي بحرًا لأنه يوسِّعها، وتبحَّر فلان في العلم؛ أي: توسَّع فيه (١).
والفرات: المتناهي في العذوبة.
والملح: الماء الذي فيه ملوحة، ولا يقال: مالح، والأُجاج: أشدُّ المياه ملوحة، وهو الذي لشدة ملوحته يلتهِب، ويقال: أجَّجتُ النار؛ أي: ألهبتُها، والأجَّة: شدةُ الحر.
وقيل: الفرات: البارد، والأُجاج: الحار، وسائغ شرابه؛ أي: سهلٌ انحدارُه إلى الجوف، لا يتكرَّهه الشارب، نفى (٢) الاستواءَ بين البحرين بتفاوت الوصفين.
وفيه نفيُ الاستواء بين الصالح والطالح، ووجوب التفرقة بينهما، وإذا لم تقع التفرقة بينهما في الدنيا فمِن ضرورته البعثُ والقيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ﴾: أي: من كلِّ واحد من هذين البحرين ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾؛ أي: السمك، والطريُّ: الغضُّ.
﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾: أي: تغوصون على الدرِّ والمرجان، وتتخذون من ذلك حليةَ النسوان، إذا ضم ذلك إلى سائر الألوان، ويباع ذلك بأنفس الأثمان.
وفيه بيان النعمة والقدرة وإبطال الطبيعة، وهو كقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤].
وقولُه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] يدل أيضًا على استخراجها (٣) منهما.
стр. 6086
وقيل: بل يستخرج من الملح، وأضيف إليهما لأنه منهما، وهو كقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] والرسل أتوا من الإنس، فأضيف إليهما لأن الإنس منهما، فكذلك الملح منهما.
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾: أي: السفن ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في كلِّ واحدٍ منهما ﴿مَوَاخِرَ﴾: جمع ماخرة.
قال أبو عبيدة: مخرتِ السفينةُ الماءَ؛ أي: شقته (١).
وقال الفراء: مَخْرُها: خَرْقُها الماء (٢). وصرفُه من باب صنع ودخل جميعًا.
وقال الكسائي: مخرتُ السفينة: إذا استقبلتُ بها الريحَ، والفرس يستمخِرُ الريحَ ويَمتخرها؛ أي: يستقبلها استرواحًا.
وقال مقاتل: ﴿مَوَاخِرَ﴾: مقبلةً ومُدبرةً، ترى سفينتين إحداهما مقبلةٌ والأخرى مدبرةٌ تجريان بمجرَى ريحٍ واحدة (٣).
﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: بالتجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لتشكروا هذه النعمة.
* * *
(١٣) - ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
стр. 6087
وقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾: أي: يُدخل، فيأخذ من هذا ويزيد في الآخر ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ كذلك.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: أي: ذلَّلهما في المسير بالطلوع والغروب لا يمتنعان عما سخَّرهما له، وعلَّق بهما معايش العباد ومصالحهم كما علَّق ذلك بتفاوت الليل والنهار في الفصول.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: كلٌّ من الشمس والقمر يجري إلى وقتٍ قد جعله اللَّه له، فالقمر يقطع السماء في كلِّ شهرٍ مرةً والشمس في كلِّ سنةٍ مرةً.
وقيل: ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾؛ أي: الليل والنهار والشمس والقمر على العادة في الدنيا إلى أن يجيء الأجل المسمى عند اللَّه تعالى في نقض هذه العادة بانقضاء الدنيا فخُسف القمر ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]، وانفطرت السماء وانشقت، و ﴿الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾، و ﴿الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾: لا يخرج شيء من السماوات والأرض ومَن فيهما عن مِلكه ومُلكه، فإياه فاعبدوا دون الأصنام.
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ﴾: أي: تَدْعونهم آلهة، وقيل: أي: تعبدونهم ﴿مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون اللَّه ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ وهي القشرة التي على النَّواة، وإذا لم يملكوا هذا القَدْر على حقارته وصغره فما فوقه أبعد.
* * *
(١٤) - ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ بحوائجكم أو تنادونهم ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنهم جماد ﴿وَلَوْ
стр. 6088
سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾؛ أي: ما أَمْكنهم إعانتكم؛ لأنَّهم لا يقدرون على كشف الكروب.
وقيل: لو كانوا سامعين ما تابعوكم على الكفر.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾: أي: يتبرؤون منكم ويجحدون أنكم عبدتُموهم، فإن كان هذا في الأصنام فجحودهم يوم القيامة بأنْ يُنطقهم اللَّه تعالى يومئذ، فيجحدون أن يكونوا أهلًا للعبادة، وأن تكون عبادة المشركين في الحقيقة لها، أو يجحدون أن تكون تلك العبادة حقًّا. وإنما ذكر أفعالهم بالواو والنون لأنه وصفهم بصفات العقلاء، فصار كما في قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
وإن كان هذا في الملائكة والأنبياء فمعنى قولهِ: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لغيبتهم عنكم ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لأنهم يملكون ذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ يقولون: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] بل كانوا يعبدون الجن، أو يجحدون أن يكونوا أمروهم بذلك، أو أن يكون ذلك حقًّا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: أي: لا يخبرُك عن الغيوب مثلُ مَن يحلم حقيقتَها وهو اللَّه تعالى؛ أي: وقد أخبرتك بما يكون من أحوال هؤلاء يوم القيامة فتيقَّنْه.
* * *
(١٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾: أي: المحتاجون إليه ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾؛ أي: المستغني عنكم ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المستحِقُّ للحمد، ما أمركم أو نهاكم لحاجته إليكم بل لحاجتُكم إليه، ونفعُ ذلك لكم وضررُه عائد إليكم.
ووجه آخر: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى الأصنام، فإياه فاعبدوا.
стр. 6089
ووجه آخر: لا ترجوا الخلائق ولا تَسَلوهم فكلُّهم محتاجون، بل اللَّهَ فارجوا وإياه فاسألوا.
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾: كلَّكم شريفَكم ووضيعَكم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ووحَّد ﴿جَدِيدٍ﴾ لأن لفظ الخلق واحد وأصله مصدر، ومعناه: بخلائق.
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: أي: بعسيرٍ، وهو إذهابكم.
* * *
(١٨) - ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: أي: ولا تحمل نفسٌ حاملة حملَ نفسٍ أخرى يوم القيامة، فلا تغترُّوا بقول كبرائكم المتعزِّزين (١) بالدنيا، القائلين لكم: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، فلا تُجزى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا.
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾: أي: نفسٌ مثقلةٌ بالذنوب ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ ليُحمل من ذنوبها شيء ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ والكناية ترجع إلى ﴿حِمْلِهَا﴾.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾: أي ولو كان مدعوُّها قريبًا لها؛ من أبٍ أو أمٍّ أو أخٍ أو أختٍ أو نحوِ ذلك، وكل امرئ منهم له شأنٌ يغنيه.
стр. 6090
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾: أي: إن إنذارك إنما يقبلُه وينتفع به مَن يخشى اللَّه في حالة الغيب، فأما مَن لم يخشَه فلا ينتفِع بإنذارك، فكأنه لم يسمع إنذارك وكأنك لم تنذره وهو كقوله ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ وكقوله ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، وقال ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: ذكره بلفظ الماضي وذكر ﴿يَخْشَوْنَ﴾ بصيغة المستقبل لأن الخشية صفةٌ لازمةٌ دائمةٌ والصلاةَ مؤقتةٌ لها أوقاتٌ مخصوصة تنقضي بانقضائها وتنتهي بانتهائها.
﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾: أي: تطهَّر من الآثام ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ فنَفْعُ ذلك له.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: مرجع الكلِّ من الخاشعين المصلِّين المتزكِّين وغيرهم.
وقال بعض أهل المعرفة في قوله: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ وقال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨]: ذكر الفقر في آية والغنى في آية، والمؤمن فقير خِلقةً وغني خِلعةً (١).
وقال الإمام القشيري ﵀: مَن افتقر إلى شيء استغنَى بوجوده، فالمفتقِرُ إلى اللَّه مستغنٍ باللَّه، والمستغني باللَّه مفتقرٌ إلى اللَّه.
ومن آداب الفقير الصادق: إظهارُ التشكُّر عند كمال التكسُّر (٢).
وقال: إن الحق لم يسمِّ عباده فقراءَ إزراءً (٣) بهم فإن كرمه يتقدَّس عن ذلك، ولا
стр. 6091
وصَف نفسه غنيًّا افتخارًا به فإن جلاله يتعالى عن ذلك، لكن أراد به تقويةَ رجائنا في كرمه وجوده بإعطائنا.
وقال: إذا لم تدَّع ما هو صفتُه من استحقاق الغنى، أولاك ما يُغنيك وأعطاك فوقَ ما يكفيك (١).
* * *
(١٩ - ٢١) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: مَثَلٌ للضالِّ والمهتدي ﴿الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾: مَثَلٌ للضلالة (٢) والهدى ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾: مَثَلٌ لجزاء المهتدي وجزاء الضال.
وقيل: ﴿الظِّلُّ﴾: الجنة؛ قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] و ﴿الْحَرُورُ﴾: النار، وأصل الحرور: السَّموم، وهي الريح الحارَّة في الشمس، والظلُّ للراحة والحرورُ للتعب والشدة.
وقال الفراء: ﴿الْحَرُورُ﴾ يكون بالليل والنهار، والسَّموم لا يكون إلا في النهار (٣).
وفي "ديوان الأدب": الحرور: شدة الحر بالنهار، ويقال: بل هي بالليل، والسموم شدة الحر بالليل، ويقال: بل هي بالنهار (٤). كذا قال على الشك فيهما.
стр. 6092
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾: قيل: هي مَثَلُ المؤمنين والكفار، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: كافرًا فهديناه.
ويقال: هو مَثَل العلماء والجهَّال.
وأما تكرارُ (لا) في قوله: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ فقد قال الأخفش: هي زائدة، تقديرها: ولا الظلماتُ والنور، وكذا ما بعده.
وقال غيره: هي مقدَّرة، ومعناها: ولا الظلمات تساوي النور، ولا النورُ يساوي الظلمات، وكذا ما بعده.
والأصل إثباتُها في كلِّ موضع، فأما الأول ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ فـ (لا) بينهما مقدَّرةٌ على هذا، وتقديرها: وما يستوي الأعمى ولا البصير؛ أي: لا يساوي الأعمى البصيرَ ولا البصيرُ الأعمى (١)، والآية تقريرٌ لِمَا قبلها فإنها في بيان الفريقين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾: يقول: إنك يا محمد قد أنذرت الكفار وما أنت بقادرٍ على أن تُسمع الموتى في القبور؛ أي تُدخل الإيمان في قلوب الكفار، بل ذلك من مقدور اللَّه تعالى، ولو شاء اللَّه لهداهم أجمعين ليس إليك إلا الإنذار وقد أنذرت.
* * *
(٢٤) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: وهذا من محاجَّة المشركين أيضًا، يقول: ألم تشاهد يا محمدُ عجائب صنع اللَّه تعالى فيما خلَق، وهذا خطاب له ولأمته معنًى، من ذلك أنه أنزل من السماء مطرًا.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾: رجوعٌ من المغايبة إلى الإخبار عن نفسه، وهو من تلوين الكلام.
وقوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾: نصب لأنه نعتُ ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ وهي منصوبة لأنها مفعولٌ بها، ولم يقل: مختلفةً؛ لأنَّه في معنى تقديم الفعل على الاسم؛ لأن تقديره: اختلف ألوانها.
ثم اختلافُ ألوانها (١) مع اتّفاق الماء والتربة دليلٌ على أن الفاعل بها ذلك هو اللَّه القادر الذي لا يُعجزه شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾: أي: طرائق، جمع جُدَّة؛ أي: طريقةٍ؛ كالمدَّة والمُدَد.
وقوله تعالى: ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾: وتذكيرُ المختلف لِمَا مرَّ أنه مقدَّم على الاسم، ورفعُ هذه الكلمات بالابتداء والخبر، دون العطف على الأول بإيقاع الفعل عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: جمع غِرْبيبٍ، وهو الذي لونُه لونُ الغراب، ولذلك قال بعدها: ﴿سُودٌ﴾ لأن الأول دلالةٌ على السواد والثاني إفصاحٌ وتفسير، وهي من صفات الجُدَد، وبيانِ اختلاف ألوانها بالبياض والحمرة والسواد.
* * *
стр. 6095
(٢٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾: وهو ابتداءٌ أيضًا، ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ على التذكير في قوله: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ وفي قوله: ﴿أَلْوَانُهُ﴾ لِمَا أن كلمة (مِن) للتبعيض، ويقتضي أن يكون تقديره: ما يختلف ألوانه، فانصرف إلى البعض أو إلى كلمة (ما) وهو واحد في اللفظ، وقال: ﴿أَلْوَانُهُ﴾ ولم يقل: لونه؛ للمعنى وهو جمع.
يقول: ومختلفٌ كذلك ألوانُ الناس والدوابِّ، وهو جمع دابة، وهي في الأصل اسمٌ لكلِّ ما يدبُّ على الأرض، وعند الإطلاق يقع (١) على الخيل والبغال والحمير عند ذكر الركوب، قال: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم، وقد تقع على الإبل خاصةً على كثرة أصنافها وأجناسها وأنواعها (٢)، ولا يجوز أن يكون كونُها بأنفسها واختلافُها بذواتها، بل بصانعٍ قديرٍ عالم مريدٍ خلَقَها كذلك، ومَن قدر على ذلك قدر على إحياء الموتى، ولا يكون من الحكمة أن يتركهم سدًى، بل ينهاهم ويأمرهم، وإذا خالفوه أو وافقوه فلا بدَّ من أن يجازيَهم على ذلك، وإذا لم يجازهم به في دار الدنيا فلا بد من دارٍ أخرى يجازيهِم بها فيها.
فمَن كان عالمًا بهذا كلِّه خشي اللَّه تعالى، وهو معنى قوله بعده:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾: وهؤلاء المشركون لا يخشون لجهلهم باللَّه؛ قال النبي ﷺ : "أنا أعلمُكم باللَّه وأخشاكم للَّه" (٣).