وصَف نفسه غنيًّا افتخارًا به فإن جلاله يتعالى عن ذلك، لكن أراد به تقويةَ رجائنا في كرمه وجوده بإعطائنا.
وقال: إذا لم تدَّع ما هو صفتُه من استحقاق الغنى، أولاك ما يُغنيك وأعطاك فوقَ ما يكفيك (١).
* * *
(١٩ - ٢١) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: مَثَلٌ للضالِّ والمهتدي ﴿الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾: مَثَلٌ للضلالة (٢) والهدى ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾: مَثَلٌ لجزاء المهتدي وجزاء الضال.
وقيل: ﴿الظِّلُّ﴾: الجنة؛ قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] و ﴿الْحَرُورُ﴾: النار، وأصل الحرور: السَّموم، وهي الريح الحارَّة في الشمس، والظلُّ للراحة والحرورُ للتعب والشدة.
وقال الفراء: ﴿الْحَرُورُ﴾ يكون بالليل والنهار، والسَّموم لا يكون إلا في النهار (٣).
وفي "ديوان الأدب": الحرور: شدة الحر بالنهار، ويقال: بل هي بالليل، والسموم شدة الحر بالليل، ويقال: بل هي بالنهار (٤). كذا قال على الشك فيهما.
стр. 6092
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾: قيل: هي مَثَلُ المؤمنين والكفار، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: كافرًا فهديناه.
ويقال: هو مَثَل العلماء والجهَّال.
وأما تكرارُ (لا) في قوله: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ فقد قال الأخفش: هي زائدة، تقديرها: ولا الظلماتُ والنور، وكذا ما بعده.
وقال غيره: هي مقدَّرة، ومعناها: ولا الظلمات تساوي النور، ولا النورُ يساوي الظلمات، وكذا ما بعده.
والأصل إثباتُها في كلِّ موضع، فأما الأول ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ فـ (لا) بينهما مقدَّرةٌ على هذا، وتقديرها: وما يستوي الأعمى ولا البصير؛ أي: لا يساوي الأعمى البصيرَ ولا البصيرُ الأعمى (١)، والآية تقريرٌ لِمَا قبلها فإنها في بيان الفريقين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾: يقول: إنك يا محمد قد أنذرت الكفار وما أنت بقادرٍ على أن تُسمع الموتى في القبور؛ أي تُدخل الإيمان في قلوب الكفار، بل ذلك من مقدور اللَّه تعالى، ولو شاء اللَّه لهداهم أجمعين ليس إليك إلا الإنذار وقد أنذرت.
* * *
(٢٤) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: وهذا من محاجَّة المشركين أيضًا، يقول: ألم تشاهد يا محمدُ عجائب صنع اللَّه تعالى فيما خلَق، وهذا خطاب له ولأمته معنًى، من ذلك أنه أنزل من السماء مطرًا.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾: رجوعٌ من المغايبة إلى الإخبار عن نفسه، وهو من تلوين الكلام.
وقوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾: نصب لأنه نعتُ ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ وهي منصوبة لأنها مفعولٌ بها، ولم يقل: مختلفةً؛ لأنَّه في معنى تقديم الفعل على الاسم؛ لأن تقديره: اختلف ألوانها.
ثم اختلافُ ألوانها (١) مع اتّفاق الماء والتربة دليلٌ على أن الفاعل بها ذلك هو اللَّه القادر الذي لا يُعجزه شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾: أي: طرائق، جمع جُدَّة؛ أي: طريقةٍ؛ كالمدَّة والمُدَد.
وقوله تعالى: ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾: وتذكيرُ المختلف لِمَا مرَّ أنه مقدَّم على الاسم، ورفعُ هذه الكلمات بالابتداء والخبر، دون العطف على الأول بإيقاع الفعل عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: جمع غِرْبيبٍ، وهو الذي لونُه لونُ الغراب، ولذلك قال بعدها: ﴿سُودٌ﴾ لأن الأول دلالةٌ على السواد والثاني إفصاحٌ وتفسير، وهي من صفات الجُدَد، وبيانِ اختلاف ألوانها بالبياض والحمرة والسواد.
* * *
стр. 6095
(٢٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾: وهو ابتداءٌ أيضًا، ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ على التذكير في قوله: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ وفي قوله: ﴿أَلْوَانُهُ﴾ لِمَا أن كلمة (مِن) للتبعيض، ويقتضي أن يكون تقديره: ما يختلف ألوانه، فانصرف إلى البعض أو إلى كلمة (ما) وهو واحد في اللفظ، وقال: ﴿أَلْوَانُهُ﴾ ولم يقل: لونه؛ للمعنى وهو جمع.
يقول: ومختلفٌ كذلك ألوانُ الناس والدوابِّ، وهو جمع دابة، وهي في الأصل اسمٌ لكلِّ ما يدبُّ على الأرض، وعند الإطلاق يقع (١) على الخيل والبغال والحمير عند ذكر الركوب، قال: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم، وقد تقع على الإبل خاصةً على كثرة أصنافها وأجناسها وأنواعها (٢)، ولا يجوز أن يكون كونُها بأنفسها واختلافُها بذواتها، بل بصانعٍ قديرٍ عالم مريدٍ خلَقَها كذلك، ومَن قدر على ذلك قدر على إحياء الموتى، ولا يكون من الحكمة أن يتركهم سدًى، بل ينهاهم ويأمرهم، وإذا خالفوه أو وافقوه فلا بدَّ من أن يجازيَهم على ذلك، وإذا لم يجازهم به في دار الدنيا فلا بد من دارٍ أخرى يجازيهِم بها فيها.
فمَن كان عالمًا بهذا كلِّه خشي اللَّه تعالى، وهو معنى قوله بعده:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾: وهؤلاء المشركون لا يخشون لجهلهم باللَّه؛ قال النبي ﷺ : "أنا أعلمُكم باللَّه وأخشاكم للَّه" (٣).
стр. 6096
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: منيع لا يُعترَض عليه فيما يفعل بأهل المخالفة (١) ﴿غَفُورٌ﴾: لا يعاجل بالعقوبة، ويغفر ذنوب أهل التوبة.
* * *
(٢٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾: أي: القرآنَ، وهم العلماء الذين يخشون اللَّه، ويقرؤون كتاب اللَّه، ويتَّعظون بمواعظه، ويَيقون بوعده ووعيده.
وقيل: هو التوراة والإنجيل، وهو مدحُ مَن أسلم من أهل الكتاب.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: عطَف الماضي على المستقبل وهو سائغ، ولعل معناه: قد أطاعوا اللَّه في الماضي ويطيعونه في المستقبل أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: يجوز أن يكون في حقِّ الإنفاق خاصةً، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، ويجوز أن يكون في حق الصلاة أيضًا كذلك، وحاصله: أن الفرائض يُجهر بها والنوافلَ يُخفى بها (٢) فيهما جميعًا (٣).
﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾: هي للحال؛ أي: راجين بها متاجرةَ اللَّه تعالى تجارةً لن تكسدَ، وليسوا قاطعين القول بما يعملون من الطاعات أنهم يثابون عليها؛
стр. 6097
لأنهم يخشون ردَّها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
وهذا يبطل قول المعتزلة خذلهم اللَّه: إنه يجب على اللَّه أن يقبلها ويثيبَ عليها.
ومعنى ﴿لَنْ تَبُورَ﴾: أنهم يربحون فيها؛ لأن السلعة إذا كسَدت على صاحبها لم يَنتفعْ بها.
* * *
(٣٠) - ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾: أي: يتلون ويتصدَّقون ويصلُّون وينفقون ليتمِّم اللَّه لهم (١) ما وعدهم من الثواب على الطاعات ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ على الموعود، فقد قال: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ للذنوب الكثيرة ﴿شَكُورٌ﴾ للطاعات اليسيرة، يرضاها ويقبلها ويُثني عليها ويحب صاحبها، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
* * *
(٣١) - ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي: القرآن الذي يتلوه هؤلاء ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الصدق ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: موافقًا لِمَا قبله من التوراة والإنجيل وسائرِ الكتب في التوحيد والعبادة والإخبار عن الأمور الكائنة، ونُصب على القطع لأنه نكرةٌ نعت به المعرفة.
стр. 6098
﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ﴾: يعلم ما يُضمرون ﴿بَصِيرٌ﴾: يرى ما يُظهرون.
وإذا حُمل قوله: ﴿يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ على التوراة والإنجيل، فقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ على الماضي؛ أي: وقد صلَّوا وزكَّوا قبل مجيء محمدٍ ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هو ما قال ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤]؛ ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾؛ أي: لِمَا كان منهم قبل الإيمان بمحمد ﴿شَكُورٌ﴾ لإيمانهم به ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهو القرآن لا يخالفُ ذلك بل يوافقُه ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ لعلمه بهم وبمصالحهم أنزل عليكم وعليهم الكتبَ لبيان مصالح الدِّين والدنيا.
* * *
(٣٢) - ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾: أي: ثم نخبركم أنَّا أعطينا الكتاب؛ أي: هذا الكتاب وهو القرآن.
وقال الإمام القشيري: سماه ميراثًا لأنه بغيرِ كسبٍ، والإرثُ يُستحقُّ بنسَب وسبب، والنسب هاهنا هو الإيمان والسبب الطاعة، ففي الأول (١) يُبدأ بصاحب الفرض وقد يقل نصميبه، فكذا هاهنا بدأ بالظالم ونصيبُه أقلُّ من نصيب الآخرين (٢).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾: أي: هذه الأمةَ الذين اخترناهم ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾؛ أي: وهم من خواصِّنا وهم ثلاثُ طبقات:
стр. 6099
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: وهو الذي يقترف الذنوب غيرَ مستحلٍّ لها ولا جاحدٍ تحريمها.
﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: هو الذي لم يبلغ النهايةَ من الطاعات مستكثِرًا منها، بل يسلك القصد في أعماله، فأتى بالفرائض دون النوافل، وبقليل من النوافل؛ كالمقتصد في النفقة الذي لا يُسرف ولا يقتِّر، أو خلَط عملًا صالحًا وآخَر سيئًا.
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: مُبادِرٌ إلى كلِّها مستكثِرٌ منها مستفرِغٌ وُسْعَه في مواصلتها ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بتيسير اللَّه ذلك عليه لا باستبداده.
وقال الإمام القشيري ﵀: كأنه قال: يا ظالم ارفع رأسك فإنك وإن ظلمتَ فما ظلمتَ إلا نفسك، ويا سابق اخفِضْ رأسك فإنك وإن سَبقْتَ فما سَبقْتَ إلا بتوفيقي.
وقد كثُرت الأقاويلُ فيها مما (١) رُوي في الحديث ونُقل عن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم:
قال عمر ﵁: سابقُنا سابقٌ، ومقتصدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مغفور له (٢).
стр. 6100
وقال عثمان ﵁ سابقنا أهل الجهاد منا، ومقتصدُنا أهلُ حضرنا، وظالمنا أهل بَدْونا (١).
وقالت عائشة ﵂: السابق بالخيرات من مضى على عهد رسول اللَّه ﷺ من أصحابه فيشهد له رسول اللَّه ﷺ بالحياة والرزق، والمقتصِدُ مَن اتَّبع أثره من أصحابه، والظالم لنفسه مِثْلي ومِثْلُك ومَن اتَّبعنا (٢).
وقال الربيع بن أنس: الظالم: صاحب الكبائر، والمقتصد: صاحب الصغائر، والسابق: المجتنِب للصغائر والكبائر.
وقال السدي: السابق هو السابق إلى الإسلام والهجرة، والمقتصد هو السابق إلى الهجرة، والظالم: الذي أسلم بعد الهجرة قبل فتح مكة.
وقال عكرمة: السابق أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، والمقتصد مَن يليهم من التابعين، والظالم قوم يكونون في آخر الزمان.
وقال عطاء ﵀: السابق أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، والمقتصد التابعون، والظالم مَن يجيء بعد التابعين.
стр. 6101
وقال مقاتل بن حيان ﵀: الظالم يعذَّب بذنبه ثم يخرج من النار، والمقتصد ينجو بالشفاعة، والسابق ينجو برحمة اللَّه.
وقال سفيان الثوري ﵀: الظالم آكل الحرام، والمقتصد آكل الشبهة، والسابق آكل الحلال.
وقال الحسن ﵀: الظالم مَن رجحت سيئاته على حسناته، والمقتصِد مَن استوت حسناته وسيئاته، والسابق مَن رجحت حسناته على سيئاته (١).
وقيل: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلِّم، والسابق العالم.
وقيل: الظالم طالبُ الدنيا، والمقتصد طالب العُقبى، والسابق طالب المولى.
وقيل: الظالم الذي يسعى للمعاش، والمقتصد الذي يسعى للمعاش والمعاد، والسابق الذي يسعى للمعاد.
وقيل: الظالم الذي ظاهرُه خيرٌ من باطنه والمقتصد الذي ظاهره مثلُ باطنه، والسابق الذي باطنه خيرٌ من ظاهره.
وقيل: الظالم الذي يَجمع الحرام، والمقتصد مَن يجمع الحلال، والسابق الذي لا يجمع شيئًا.
وقيل: الظالم الذي يرائي في كل الأعمال، والمقتصد الذي يرائي في بعضها ويخلِص في بعضها، والسابق الذي يخلِص في كلِّها.
وقيل: الظالم الذي إذا أُنعم عليه بخل به، والمقتصِد الذي إذا أُنعم عليه جاد به، والسابق الذي إذا مُنع شكَر عليه.
стр. 6102
وقيل: الظالم المصِرُّ، والمقتصد التائب، والسابق المتَّقي.
وقيل: الظالم الذي يعبد اللَّه ليَخلص من النار، والمقتصِد الذي يعبد اللَّه ليدخل الجنة، والسابق الذي يعبد اللَّه لأنه عبدُه.
وقيل: الظالم الذي يعظُ بقوله، والمقتصِد الذي يعظُ بفعله، والسابق الذي يعظُ بسرِّه.
وقيل: الظالم الذي يجزع في البليَّة، والمقتصد الذي يَصبر فيها، والسابق الذي يتلذَّذ بها.
وقيل: الظالم الذي يفرح بوجود الدنيا، والمقتصِد الذي يتمنَّى زوالها عنه، والسابق الذي لا تخطر بباله الدنيا.
وقيل: الظالم الذي يعتمد على فعله، والمقتصِد الذي يعتمد على دينه (١)، والسابق الذي يعتمد على ربه.
وقيل: الظالم الذي هو في الطريق، والمقتصد الذي هو على الباب، والسابق الذي هو على البساط.
وقيل: الظالم الطالب، والمقتصد الواجد، والسابق المطلوب.
وقيل: الظالم الذي هو بلا ذِكرٍ، والمقتصد الذي هو مع الذِّكر، والسابق الذي مع المذكور.
وقيل: الظالم الذي يظلم نفسه، والمقتصد الذي وهب نفسه، والسابق الذي خرج عن نفسه.
стр. 6103
وقيل: الظالم الذي ينظر إلى الطاعة (١)، والمقتصد الذي ينظر إلى التوفيق، والسابق الذي ينظر إلى الموفِّق.
وقيل: الظالم الذي يعاقَب، والمقتصد الذي يعاتَب، والسابق الذي يُعتذَر منه.
وقيل: الظالم الضاحك، والمقتصد: المتبسِّم، والسابق الباكي.
وقيل: الظالم صاحب الأقوال، والمقتصد صاحب الأفعال، والسابق صاحب الأحوال.
وقيل: الظالم الذي يَعْمُر البيت، والمقتصد الذي يَعْمُر القبر، والسابق الذي يَعْمُر القلب.
وقال الإمام القشيري ﵀: الظالم مَن جاد بنفسه، والمقتصد مَن جاد بقلبه (٢)، والسابق من جاد بروحه.
وقيل: الظالم مَن له علم اليقين، والمقتصدُ مَن له عين اليقين، والسابق مَن له حقُّ اليقين.
وقيل: الظالم طالب النجاة، والمقتصِد طالب الدرجات، والسابق طالب المناجاة (٣).
وقال أسامة بن زيد وأبو سعيد الخدري ﵄ عن النبي ﷺ في هذه الآية أنه قال: "كلُّهم في الجنة" (٤).
стр. 6104
وقدم رجل من الشام إلى المدينة فلقي أبا الدرداء، فقال له أبو الدرداء ﵁: ألَا أحدِّثك حديثًا أُتحفك به ما حدَّثتُ به غيرك منذ سمعتُه من رسول اللَّه ﷺ ، سمعتُه تلا هذه الآية إلى قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ قال: "يدخل السابق بالخيرات الجنةَ بغير حساب، ويحاسب المقتصد حسابًا يسيرًا، ويُحبس الظالم لنفسه في طول المحشر (١)، ثم يتلقَّاهم اللَّه جميعًا برحمته، فعند ذلك يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ " (٢).
وروي عن أبي مسلم الخولاني ﵁: أن رجلًا من أهل الكتاب أسلم فقال له ناس: ما حملك على الدخول في ديننا؟ فقال: رغبتي فيكم، وسأحدثكم أيها الأمة: إنكم تنزلون يوم القيامة على ثلاث فرق:
فأما فرقه: فيدخلون الجنة بغير حساب.
وأما فرقة فيحاسبون حسابًا يسيرًا.
وأما الثالثة فتقوم الملائكة فيقولون: ربنا هؤلاء أصحاب الدماء الحرام والأموال السهام والفروج الحرام، غير أنَّا وجدناهم لا يشركون بك شيئًا، قال: فيقول: اجعلوا خطاياهم على أهل النار وأدخلوهم الجنة.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: أي: توفيقُ اللَّه تعالى السابقَ إلى الخيرات بالسَّبق إفضالٌ من اللَّه كبير.
стр. 6105
وقيل: إنزال الكتاب ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
وقيل: هو اصطفاؤهم.
وقيل: هو إضافتهم إلى نفسه بقوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾.
* * *
(٣٣ - ٣٤) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: أي: بساتينُ إقامةٍ ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾؛ أي: هذه الفرق الثلاث ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وفي ذلك اللذةُ والزينة، وقد بينَّا تفسيره والقراءةَ فيه في سورة الحج.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾:
قيل: هو حزنُ الحبس في موقف (١) الحساب على ما روينا.
وقيل: هو حزن الفزع الأكبر، كما قال: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
وقيل: هو حزن الموت، يقولون ذلك حين يذبح الموت.
وقيل: هو حزن الدنيا والاهتمامُ بالفوت (٢) ونحو ذلك.
قال عطاءٌ الخراساني ﵀: هو حزنُ الحشر، وهو عام.
ويجوز أن يكون كلُّ ذلك مرادًا (٣).
стр. 6106
وقيل: هو حزن الأخذ بتقصير الطاعات، والعقوبةِ على ارتكاب (١) الجنايات، ويدلُّ عليه ما بعده: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾؛ أي: غفر الجنايات الكثيرة، وقيل: الطاعات اليسيرة.
* * *
(٣٥) - ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾: قيل: هو نعتُ قوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾.
وقيل: هو عطف على قوله: ﴿شَكُورٌ﴾.
وقيل: تقديره: هو ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾؛ أي: الإقامة ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: هذا بفضله لا باستحقاقنا.
قوله: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا﴾: أي: في دار الإقامة ﴿نَصَبٌ﴾؛ أي: تعب، من حدِّ علم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾: أي: لا يصيبنا فيها إعياء، وصرفُه من بابِ دخل؛ أي: لا سعي عليهم في أسباب المعاش فلا تعبَ ولا إعياء، ولا تهتمُّ قلوبهم بعدم مراد فلا مشقَّة ولا عناء.
وقال الإمام القشيري ﵀: إذا أرادوا أن يروه لم يحتاجوا إلى قطع مسافةٍ، ولا إلى تحديقِ مقلةٍ نحو جهة (٢).
* * *
(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾.
стр. 6107
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾: هو وعيدٌ المخالفين بعد وعد الموافقين.
﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾: أي: لا يموتون فيستريحوا، فيقولون (١): ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]؛ أي الموت، وقوله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]؛ أي: أماته.
﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾: فيستريحوا بعض الراحة، ولا يعارضه قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ [الإسراء: ٩٧] لأن الآلام لا تنقطع وإن خبت أحيانًا.
ثم تقسيم (٢) الفرق الثلاث على المؤمنين فى الآية الأولى قولُ عامة المفسرين، وهو نظير قوله ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] وبعدها: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] وبعدها: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦].
وبعضهم حملوها على غير هذا:
قال ابن عمر ﵄: هذه الثلاثة كما في سورة الواقعة ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] وفي آخر السورة: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] (٣).
فعلى قوله الظالم نفسَه هو الكافر.
قال ابن عباس ﵄ أيضًا في هذه الآية: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ هو الكافر (٤).
стр. 6108
وعن الحسن: هو المنافق (١).
فعلى قول هؤلاء قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ لا يرجع إلى قوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ وإنما يرجع إلى قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾؛ أي: فمن عبادنا خلقه كافر وكذا وكذا، وقوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ يرجع إلى قوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ لا إلى عموم قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ وإلى الظالم لنفسه والمقتصد والسابق، ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ بيانُ موضع الظالم لنفسه، ويستقيم أيضًا على نظمه وظاهره قوله تعالى:
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾: مبالغةٌ في الكافر، وهو الذي يجحد اللَّه أو رسله أو كتبه أو البعث أو شيئًا مما أخبر به النبي ﷺ أنه كائن.
* * *
(٣٧) - ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾: أي: يستغيثون في النار بصوتٍ عال، والصراخ: الصوت العالي في الاستغاثة.
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾: هذا بيان صراخهم، يقولون: ردَّنا إلى دار الامتحان نعملِ الطاعات غيرَ الذي كنا نعملُ من المعاصي.
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾: وهذا رد عليهم، ويضمر في أوله: فيقال لهم: أولم نجعلْ لكم من العمر في الدنيا ما يمكِن التذكُّر والاتِّعاظ فيه بالكتب ومقالات الرسل، وهذا استفهامٌ بمعنى التقريعِ والتوبيخ.
وتقدير قوله: ﴿مَنْ تَذَكَّرَ﴾؛ أي: مَن أراد أن يتذكر.
стр. 6109
﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾: أي: الرسول المنذِر.
وقيل: هو إلزام الحجة عليهم بالعقل والسمع، فإن التذكُّر من باب العقل، والإنذارَ من باب السمع.
وقيل في قوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾: إنه سبعون سنة، وقيل: ستون سنة، وقيل: أربعون سنة.
وقال الحسن ﵀: عشرون سنة (١).
وقال ابن عباس ﵄: ثماني عشر سنة (٢).
وقيل: يوم واحد فما فوقه.
وقيل: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾؛ أي: الشيب (٣).
﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾: وهذا يقوِّي قولَ مَن حمل قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ على الكافر؛ لأنَّه ختم وعيدَ الكفار بتسميتهم بهذا الاسم.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾: وهذا من محاجة المشركين أيضًا، يقول: قل يا محمد للمشركين: أخبروني عن الأصنام التي جعلتُموها شركاء لي (١).
﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: تدعونهم آلهة، وقيل: تعبدونهم.
وقيل: أي: تدعونهم في حوائجكم وتستغيثون بهم.
﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: أعلِموني -وقيل: أشيروا إليَّ عِيانًا- أيَّ شيءٍ خلقوه من الأرض (٢).
﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: أم خلقوا شيئًا في السماوات فكان لهم فيها شركةٌ أو نصيب بذلك.
﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾: أي: نزلنا عليهم كتابًا فيه تصويب شركهم وأن الأصنام شفعاءُ لهم ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾؛ أي: حجةٍ وبصيرةٍ فلا يمكِنهم أن يَدَعوا شيئًا من ذلك، فإذًا لا حجة لهم عقلًا ولا سمعًا، فالعقل أن يخلقوا كخلقي، والسمع أن ينزل بذلك كتابي، فإذا عُدما لم يكن فعلهم إلا ضلالًا وجهالة.
﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾: أي: ما يَعِدُ، وهو وعدُ الشيطان للكافر كما قال: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] منَّاهم أن تشفعَ لهم أصنامهم وتقرِّبَهم إلى اللَّه زلفى.
وقيل: هم المشركون يقول بعضهم لبعض: إن آلهتنا هذه تنفعنا عند اللَّه.
* * *
стр. 6112
(٤١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾: أي: فإن لم يكن لآلهتهم شركٌ في السماوات والأرض فيستحِقُّوا أن يُعبدوا فاعلموا أني أنا المستحِقُّ لها؛ لأني أنا خالقُهما وحافظهما، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] ولو لم أمسكهما لزالتا.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَزُولَا﴾؛ أي: من أن تزولا.
وقيل: أي: لئلا تزولا؛ كقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]؛ أي: لئلا تميد بكم.
﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: ما أمسكهما أحدٌ من بعد إمساكه إياهما، وقيل: أي: بعد زوالهما. وقيل: أي: غيرُه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾: تعليل بمعنًى اقتضاه قولُه تعالى: ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: ولو زالتا لردَّهما اللَّه تعالى إلى مكانهما وأمسكهما كما كانتا لمصالح العباد؛ لأنه ﴿كَانَ حَلِيمًا﴾ قادرًا لا يعاجل بالعقوبة ﴿غَفُورًا﴾ ساترًا لذنوب العباد، ماحيًا لها إذا تابوا.
ووجه آخر في تفسير تمام الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ولو لم يمسكهما (١) لزالتا لفظاعة مقالة المشركين في اللَّه، وهو كما قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ (٢) [مريم: ٨٨ - ٩٠]
стр. 6113
﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ لا يعاجلُ الكفار بالعقوبة ويَستر عليهم في الدنيا.
* * *
(٤٢) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾: أي: وحلف هؤلاء المشركون قبل أن يَبعث اللَّه محمدًا باللَّه أيمانًا بالَغوا في تأكيدها على أنفسهم: لئن جاءهم رسول من اللَّه ينذرهم كما جاء مَن قبلهم من الأمم ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي: أشدَّ اتِّباعًا له من أهل الكتاب لأنبيائهم، وذلك أن أهل الكتاب كانوا يُظهرون الفضل لأنفسهم على العرب بالكتاب والنبوة فيهم، فكان العرب يَسوؤهم ذلك لِمَا كانوا عليه من الأَنَفة والحميَّة، فكانوا يتمنون أن يكون منهم رسول.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾: وهو محمد ﷺ ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾؛ أي: ما ازدادوا مع مجيئه ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحق، وهو كقوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥] والسورة لا تَزيد إيمانًا ولا رجسًا، لكن المراد هذا، والإضافةُ إلى النذير والسورة للتسبُّب.
وعن ابن عباس ﵄: لمَّا بلغ قريشًا أن اليهود والنصارى كذَّبوا رسلهم وجحدوهم قالوا: لعن اللَّه اليهود والنصارى، لئن جاءنا رسول لنكونَنَّ أهدى منهم (١).
стр. 6114
ونظيرُه قولُه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩]، وقولُه: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧].
* * *
(٤٣) - ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا﴾: أي: نفروا عنه ليكون لهم الكبرياءُ والعلوُّ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في بلادهم ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾؛ أي: وليخدعوا الضعفاء التابعين لهم بالاحتيال، ويصدُّوهم بذلك عن الإيمان ليكونوا أعوانًا لهم كما كانوا يقولون: نحن أكثر أتباعًا وأعزُّ نفرًا.
وإضافة المكر إلى السيِّئ إضافةُ الشيء إلى نفسه كإضافة الحق إلى اليقين ونحوِ ذلك، ووصفه بالسيئ لأنه كان للصدِّ عن الحق، وقد يكون المكرُ حسنًا إذا كان احتيالًا للدعاء إلى الحق.
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾: أي: لا ينزل إلا بهم (١).
وقال الزهري: بلغنا أن النبي ﷺ قال: "لا تمكُرْ ولا تُعِنْ ماكرًا، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ولا تَبْغِ ولا تُعِنْ باغيًا فإن اللَّه يقول: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] ولا تنكُثْ ولا تُعِنْ ناكثًا فإن اللَّه يقول: ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] " (٢).
стр. 6115
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: فما ينتظرون إلا طريقةَ الأولين أن ينزل بهم (١) ما نزل بالأولين حين كذَّبوا أنبياءهم ومكروا بهم، وهو كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢].
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾: أي: إن اللَّه تعالى لا يبدل هذه الطريقةَ في الكفار ولا يحوِّلها عنهم، أضاف السنَّة إليهم مرةً وإلى نفسه مرةً لأنها سنَّةُ اللَّه فيهم، وهو كقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤] وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ [الأعراف: ٣٤].
* * *
(٤٤) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: فيعرفوا كيف كان سنَّةُ اللَّه فيهم.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ليس من صفة اللَّه العجزُ عن شيء من إنزال العذاب بالأعداء وغير ذلك ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾: عالمًا بكل شيء قادرًا على كل شيء.
* * *
(٤٥) - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.
стр. 6116
ثم بيَّن أن تأخير العذاب عنهم (١) ليس للعجز بل لحكمة، فقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾: أي: يعاقبهم ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: من الكفر والمعاصي ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾؛ أي: ظهر الأرض، ولم يتقدم ذكرها لكنه معلوم المراد ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾؛ أي: حيوان يدبُّ على وجه الأرض؛ لأن الناس إذا خلت عنهم الأرض وكان سائر الحيوانات خلقت لهم أهلكوا أيضًا ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: معلومٍ عنده لكلِّ قوم.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: وقتهم عذبهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾: عالمًا بهم وبوقت عذابهم.
* * *
стр. 6117
سورة يس
стр. 6118
سورة يس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم الذي أنزل الكتاب الحكيم، الرحمنِ الذي مَن خشيَه بالغيب فله مغفرةٌ وأجر كريم، الرحيمِ الذي لأوليائه في جنته ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾.
وهذه السورة مكية، وهي ثلاث وثمانون آية، وقيل: اثنتان وثمانون آية، والاختلاف في يس أنه آية عند الكوفيين.
وكلماتها سبع مئة وخمس وعشرون، وحروفها ألفان وسبع مئة وستة وسبعون (١).
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لكلِّ شيء قلبًا، وإنَّ يس قلبُ القرآن، ومَن قرأ يس يريد بها وجه اللَّه غَفر اللَّه له، وأُعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن -أُراه قال: - ثنتي عشرةَ مرةً، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملكُ الموت سورةُ يس نزل بعدد كلِّ حرف في سورة يس عشرةُ أملاك يقومون بين يديه صفوفًا يصلُّون عليه ويستغفرون له ويشهدون غَسله ويتبعون جنازته ويشهدون دفنه، وأيُّما مسلم قرأ سورة يس وهو في سكرات الموت لم يَقبض ملكُ الموت روحَه حتى يجيئه رضوان خازن الجنة بشربةٍ من شراب الجنة، فيشربها وهو على
стр. 6119
فراشه، فيقبض ملك الموت روحه وهو ريَّانُ، ويمكث في قبره وهو ريَّانُ، ويبعث يوم القيامة وهو ريَّانُ، ويحاسب وهو ريَّان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريَّان" (١).
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ يس كان كمَن قرأ القرآن عشرَ مرات" (٢).
وروى الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أهل الجنة لا يقرؤون من القرآن إلا يس وطه" (٣).
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة يس في ليلةٍ ابتغاءَ وجه اللَّه تعالى غَفر اللَّه له تلك الليلة" (٤).
стр. 6120
وعن النبي ﷺ : أنه قال لعلي (١) ﵁: "يا عليُّ، أكثر من قراءة يس فإن فيها خصالًا من البركات، ما قرأها جائع إلا أشبعه اللَّه، وما قرأها خائف إلا أمَّنه اللَّه، وما قرأها ملهوف ولا مكروب إلا فرَّج اللَّه عنه، وما قرأها ظمآنُ إلا رَوِي، ولا عريانُ إلا كُسِيَ، ولا فقيرٌ إلا استَغنى، ولا عَزَبٌ إلا تَزوَّج، ولا مسافرٌ إلا أُعِين على سفره، ولا مَدْيون إلا قضَى اللَّه عنه دينه، ولا محبوسٌ إلا أُخرج، ولا قُرئت عند ميت قط (٢) إلا خفَّف اللَّه عنه، ولا يجد تلك الساعة من كُرَب الموت، وما قرأها رجلٌ ضلت له ضالةٌ إلا ردها اللَّه عليه ووجدها، ومَن قرأها صباحًا كان في أمان اللَّه حتى يمسيَ، ومَن قرأها مساءً كان في أمانِ اللَّه حتى يصبحَ" (٣).
وروي عن (٤) النبي ﷺ : "مَن قرأ يس أمام حاجته قُضيت له" (٥).
وانتظامُ أول هذه السورة بآخر سورة الملائكة بالكلمتين: أن آخر تلك السورة باسم من أسماء اللَّه وأولَ هذه السورة كذلك، وبالآيتين: أنَّ ختم تلك بقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ ومن كسبهم تكذيب الرسل، وفي أول هذه السورة بيان إرسال الرسول، وبالآيات: أن من أواخر تلك السورة ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وما بعده في تقدير ذلك، وفي أول هذه السورة بيان إرسال النذير.
стр. 6121
وانتظام السورتين: أنهما في محاجَّة (١) المشركين المنكرين بعثَ الرسل في الدنيا وبعثَ الموتى في العُقبى، وفي ذمهم ووعيدهم، وفي مدح المؤمنين المقرِّين بذلك ومواعيدهم.
* * *
(١) - ﴿يس﴾.
وقوله تعالى: ﴿يس﴾: قيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، وهذا قسمٌ به (٢).
وقيل: هو اسم القرآن.
وقيل: هو اسم هذه السورة.
وقال (٣) ابن عباس وابن مسعود وعكرمة والضحاك وجماعةٌ ﵃: معناه: يا إنسان (٤).
وقال الهيثم بن عدي: هو يا إنسان بلغة طيء، وعن (٥) ابن عباس ﵄: هو بالسُّريانية (٦).
وقيل: معناه: يا سيد المرسلين.
وقيل: (يا) يومُ الميثاق، وسين: سرُّ اللَّه مع أحبابه (٧).
стр. 6122
(٢) - ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾.
﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾: قسم بالقرآن المحكَم فلا يَلحقُه تغيير.
وقيل: أي: ذو الحكمة.
وقيل: أي: الحاكم بما فيه من الأحكام.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: خطاب لنبينا محمد، وقسم على إرساله إلى الخلق.
﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: له وجهان:
أحدهما: إنك ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
والثاني: أنه صفة لـ ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: أنت منهم.
ودليل الأول قوله: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣].
ودليل الثاني قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
* * *
(٥ - ٦) - ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾.
стр. 6123
قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾: قرأ ابن كشير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿تنزيلُ﴾ بالرفع؛ أي: هو -أو: هذا- تنزيل، أو (١) هو مصدر بمعنى المفعول؛ أي: مُنزَلُ اللَّه العزيزِ المنيعِ المنتقِم من أهل معصيته الرحيمِ بأهل طاعته.
وقرأ الباقون بالنصب على المصدر (٢)؛ أي: والقرآنِ المنزلِ تنزيلًا من العزيز الرحيم.
وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾: أي: إنك لمرسلٌ ﴿لِتُنْذِرَ﴾؛ أي: لتخوِّف من عذاب اللَّه ﴿قَوْمًا﴾.
﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾: له وجهان:
أحدهما: أن (ما) يكون اسمًا؛ أي: لتنذرهم بالذي أَنذر الرسلُ المتقدِّمون آباءَ هؤلاء.
والثاني: أن (ما) للنفي؛ أي: قومًا لم ينذِر آباءَهم (٣) أحدٌ من الرسل؛ أي: لم يأتهم رسل؛ كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤].
﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾: أي: عن التدبُّر في إنذار الرسل الماضين.
وعلى القول الثاني: أي: عن التدبر بالعقول فيما يَلزمُهم من توحيد اللَّه، وفيما جاء به (٤) رسولهم هذا.
وقيل: أي: غافلون عما أُعد لهم من العقاب؛ كالرجل يُعَدُّ له ما يكرهُه وهو لا يعلم به، فيقال له: إنك لغافلٌ عما يرادُ بك.
стр. 6124
وقيل: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾: أي: بما أُنذر آباؤهم، قاله الفراء، وهو كقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] (١).
* * *
(٧) - ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾: أي: لقد تحقَّق قول اللَّه على أكثر هؤلاء بموتهم على الكفر ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهو في قومٍ علِم اللَّه منهم اختيارَ الكفر والإصرارَ عليه، فشاء منهم ذلك وأخبر عنهم بذلك فهُم كذلك.
وقيل: حق القول عليهم هو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] في تلك الآية هو معلق بشرط الاتِّباع، وفي هذه الآية حقَّ القول بذلك (٢) وسقط الشرط؛ لعِلْم اللَّه منهم بالاتِّباع دون الإقلاع، وهو كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦] وكقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨].
* * *
(٨) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾: الذَّقَن: مجتمع اللَّحْيين.
والمُقْمَح: الغاضُّ بصرَه بعد رفع رأسه، وقال مجاهد: هو الذي رفع رأسه وشَخَص ببصره (٣).
стр. 6125
والغل: ما يُشد به اليدُ إلى العنق للتعذيب والتشديد (١) من الحديد وغير الحديد.
وتقديرها: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ فالأغلال مع الأيدي مجموعةٌ إلى الأذقان (٢)، وهو عبارةٌ عن منع التوفيق حتى صاروا متكبِّرين مستثقِلين الحقَّ؛ لأن المتكبِّر يوصف بانتصاب العنق، والمتواضعَ يوصفُ بضدِّه، قال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، ويقول المستثقِل للآخر: ما أستطيعُ أن انظر إليك، والذي جمعت يداه إلى عنقه إلى الذقن (٣) منتصبُ الرأس، فجُعل ذلك مثلًا للمتكبِّر (٤) عن الحق، والغاضُّ بصرَه مَثَلًا للمستثقِل للحق.
وقال عكرمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ يعني: بني المغيرة بن مخزوم أمسكنا أيديهم عن الإنفاق في الخير (٥).
وقال السدي: إن الآية نزلت في قومٍ من قريش اجتمعوا وكان النبيُّ جالسًا عند البيت في نفر من أصحابه، فقالت قريش: انطلِقوا فنأخذَ محمدًا وأصحابَه فنرتقيَ بهم فوق أبي قبيس، فأما محمد فنضربُ عنقه وأما أصحابه فأيُّما رجل افتدَتْه عشيرتُه بدِيَته فقد خلَّينا سبيله، وإلا ضربنا عنقه، فأقبلوا فجعل اللَّه من بين أيديهم
стр. 6126
سدًّا وظلمة، ومِن خلفهم سدًّا وظلمة، وغلَّت أيديهم إلى أعناقهم بغير حديد فهم مقمحون (١).
وعن عكرمة قال: كان ناس من المشركين من قريش يقول بعضهم لبعض: لو قد رأيت محمدًا لفعلت به كذا وكذا، ويقول بعضهم: لو قد رأيته لفعلت به كذا وكذا، فأتاهم النبي وهم في حلقة في المسجد فوقف عليهم فقرأ عليهم: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى بلغ ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ثم أخذ ترابًا فجعل يذرِّيه على رؤوسهم وما يرفع إليه رجلٌ منهم طَرْفَه ولا يتكلَّم بكلمة، ثم جاوز النبيُّ فجعلوا ينفضون التراب عن رؤوسهم ولحاهم وهم يقولون: واللَّه ما أبصرنا، واللَّه ما سمعنا، واللَّه ما عَقَلنا (٢).
وقيل: هذا شيءٌ يُفعل بهم في (٣) القيامة؛ كما قال: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١]، وكذلك السدُّ من بين أيديهم ومن خلفهم، والإغشاء هو في معنى قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] واللفظ ماضٍ وهو في معنى المستقبل؛ لأنه كائن لا محالة فأُلحق بالموجود المتحقِّق.
* * *
(٩) - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾: على التأويل
стр. 6127
الأول؛ أي: منعناهم الألطافَ فانسدَّت عليهم المسالك فلم يقدروا على النفوذ (١) منها.
﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: أي: أعميناهم وغطَّينا أبصارهم.
﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: وهذا من أشدِّ ما يقع به المنعُ من النفوذ (٢)، وهو انسدادُ المسالك مع عدم البصر.
وقيل: هو مَثَلٌ (٣) لتحيُّرهم وتردُّدهم في ضلالتهم.
وقال الحسن: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾؛ أي: البعثَ، فلا يُقرُّون به ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾؛ أي: الدنيا فلا يطيعون اللَّه فيها.
وقال الضحاك على قلبِ هذا: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا لأنها حاضرتُهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: الآخرة لأنها آتيةٌ مِن بعدُ (٤).
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾.
﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: هم قومٌ علِم اللَّه منهم ذلك.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: أي: إنما ينتفع بإنذارك مَن اتَّبع الذكر؛ كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩].
стр. 6128
وقيل: ﴿مَنِ اتَّبَعَ﴾: انتفع (١) بذكرك ووعظِك ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ قيل: بالعذاب الغيبِ الذي أخبر به.
قال قتادة: يقول ﴿خَشِيَ﴾ عذابَ اللَّه وناره (٢).
وقيل: ﴿خَشِيَ﴾ حين يغيب عن أبصار الناظرين.
وقيل: ﴿خَشِيَ﴾ بالقلب الذي هو غيبٌ عن الناس.
﴿فَبَشِّرْهُ﴾ يا محمد ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾: بأن اللَّه تعالى يغفر له ما سلف في شركه ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾: ثوابٍ خطير في الجنة.
* * *
(١٢) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾: في الآخرة بالبعث للحساب والجزاء ﴿وَنَكْتُبُ﴾ في الدنيا ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ من الأعمال الصالحة والسيئة.
﴿وَآثَارَهُمْ﴾: ما خلَّفوه مما يضاف إليهم من الأموال والأولاد وسائر الآثار.
وقيل: ما سنُّوه من الخير والشر فاتَّبعهم على ذلك مَن بعدهم، لهم أجرُ ذلك ووزرُ ذلك.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾: أي: عدَدْناه وحفِظناه.
﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾: قال ابن عباس ومقاتل والضحاك وعكرمة والسدِّي: أي: في اللوح المحفوظ (٣).
стр. 6129
والإمام: ما يؤتم به؛ أي: يُعمل به ويُتَّبع ولا يخالَف.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: من المقدَّم والآثار وغيرِ ذلك، و (كلَّ) نصب بفعلٍ مقدَّر دلَّ عليه المظهَر بعده.
وقيل: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: خطاهم في الخير والشر، قال ابن عباس ﵄: كانت الأنصار منازلهم بعيدة عن المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا قريبًا من المسجد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقالوا: بل نمكث مكاننا (١).
وقال المغيرة بن شعبة والضحاك: نزلت الآية في بني عُذرة، وكانت منازلهم بعيدةً من المسجد، وكان يشقُّ عليهم حضورُهم الجماعات، فأنزل اللَّه: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ يعني: خطاهم إلى المسجد (٢).
وقال الضحاك: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ أي: نَهدي الكفار ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ في الشرك ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما عمِلوه في الإسلام.
* * *
(١٣) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾: أمر نبيَّه ﷺ بإنذار هؤلاء المشركين أن ينزل بهم في الدنيا ما نزل بكفار أهل تلك القرية، فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ
стр. 6130
مَثَلًا﴾؛ أي: صِفْ لهم شَبَهًا يمتثِلونه في أمرك وأمرهم ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ ترجمةٌ عن قوله: ﴿مَثَلًا﴾، وهي أنطاكية.
﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾: رسل اللَّه، وقيل: رسل المسيح.
* * *
(١٤) - ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾: أي: أرسلنا في الابتداء رسولين.
وقال محمد بن إسحاق: أحدهما تاروص والآخر ماروص ﵉ (١).
وقال مقاتل بن سليمان: تومان ومالوص (٢).
وقال وهب: يحيى ويونس (٣).
﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾: أي: أهلُ القرية جحدوهما.
﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾: أي: قوَّيناهما برسول ثالث صدَّقهما؛ كما قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥].
وقيل: تعزيزهما بالثالث كان بتلطُّفه الذي نبيِّن في القصة إن شاء اللَّه.
﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾: أي: قال الثلاثة لأهل القرية: قد أُرسلنا اللَّه إليكم فصدِّقونا.
وقال ابن عباس ومقاتل: وجَّه عيسى ﵇ رسولين، فلما قرُبا من المدينة