← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

سدًّا وظلمة، ومِن خلفهم سدًّا وظلمة، وغلَّت أيديهم إلى أعناقهم بغير حديد فهم مقمحون (١). وعن عكرمة قال: كان ناس من المشركين من قريش يقول بعضهم لبعض: لو قد رأيت محمدًا لفعلت به كذا وكذا، ويقول بعضهم: لو قد رأيته لفعلت به كذا وكذا، فأتاهم النبي وهم في حلقة في المسجد فوقف عليهم فقرأ عليهم: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى بلغ ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ثم أخذ ترابًا فجعل يذرِّيه على رؤوسهم وما يرفع إليه رجلٌ منهم طَرْفَه ولا يتكلَّم بكلمة، ثم جاوز النبيُّ فجعلوا ينفضون التراب عن رؤوسهم ولحاهم وهم يقولون: واللَّه ما أبصرنا، واللَّه ما سمعنا، واللَّه ما عَقَلنا (٢). وقيل: هذا شيءٌ يُفعل بهم في (٣) القيامة؛ كما قال: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١]، وكذلك السدُّ من بين أيديهم ومن خلفهم، والإغشاء هو في معنى قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] واللفظ ماضٍ وهو في معنى المستقبل؛ لأنه كائن لا محالة فأُلحق بالموجود المتحقِّق. * * * (٩) - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾: على التأويل

стр. 6127

الأول؛ أي: منعناهم الألطافَ فانسدَّت عليهم المسالك فلم يقدروا على النفوذ (١) منها. ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: أي: أعميناهم وغطَّينا أبصارهم. ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: وهذا من أشدِّ ما يقع به المنعُ من النفوذ (٢)، وهو انسدادُ المسالك مع عدم البصر. وقيل: هو مَثَلٌ (٣) لتحيُّرهم وتردُّدهم في ضلالتهم. وقال الحسن: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾؛ أي: البعثَ، فلا يُقرُّون به ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾؛ أي: الدنيا فلا يطيعون اللَّه فيها. وقال الضحاك على قلبِ هذا: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا لأنها حاضرتُهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: الآخرة لأنها آتيةٌ مِن بعدُ (٤). * * * (١٠ - ١١) - ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: هم قومٌ علِم اللَّه منهم ذلك. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: أي: إنما ينتفع بإنذارك مَن اتَّبع الذكر؛ كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩].

стр. 6128

وقيل: ﴿مَنِ اتَّبَعَ﴾: انتفع (١) بذكرك ووعظِك ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ قيل: بالعذاب الغيبِ الذي أخبر به. قال قتادة: يقول ﴿خَشِيَ﴾ عذابَ اللَّه وناره (٢). وقيل: ﴿خَشِيَ﴾ حين يغيب عن أبصار الناظرين. وقيل: ﴿خَشِيَ﴾ بالقلب الذي هو غيبٌ عن الناس. ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ يا محمد ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾: بأن اللَّه تعالى يغفر له ما سلف في شركه ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾: ثوابٍ خطير في الجنة. * * * (١٢) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾: في الآخرة بالبعث للحساب والجزاء ﴿وَنَكْتُبُ﴾ في الدنيا ﴿مَا قَدَّمُوا﴾ من الأعمال الصالحة والسيئة. ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: ما خلَّفوه مما يضاف إليهم من الأموال والأولاد وسائر الآثار. وقيل: ما سنُّوه من الخير والشر فاتَّبعهم على ذلك مَن بعدهم، لهم أجرُ ذلك ووزرُ ذلك. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾: أي: عدَدْناه وحفِظناه. ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾: قال ابن عباس ومقاتل والضحاك وعكرمة والسدِّي: أي: في اللوح المحفوظ (٣).

стр. 6129

والإمام: ما يؤتم به؛ أي: يُعمل به ويُتَّبع ولا يخالَف. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: من المقدَّم والآثار وغيرِ ذلك، و (كلَّ) نصب بفعلٍ مقدَّر دلَّ عليه المظهَر بعده. وقيل: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: خطاهم في الخير والشر، قال ابن عباس ﵄: كانت الأنصار منازلهم بعيدة عن المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا قريبًا من المسجد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقالوا: بل نمكث مكاننا (١). وقال المغيرة بن شعبة والضحاك: نزلت الآية في بني عُذرة، وكانت منازلهم بعيدةً من المسجد، وكان يشقُّ عليهم حضورُهم الجماعات، فأنزل اللَّه: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ يعني: خطاهم إلى المسجد (٢). وقال الضحاك: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ أي: نَهدي الكفار ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ في الشرك ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما عمِلوه في الإسلام. * * * (١٣) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾: أمر نبيَّه ﷺ بإنذار هؤلاء المشركين أن ينزل بهم في الدنيا ما نزل بكفار أهل تلك القرية، فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ

стр. 6130

مَثَلًا﴾؛ أي: صِفْ لهم شَبَهًا يمتثِلونه في أمرك وأمرهم ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ ترجمةٌ عن قوله: ﴿مَثَلًا﴾، وهي أنطاكية. ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾: رسل اللَّه، وقيل: رسل المسيح. * * * (١٤) - ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾: أي: أرسلنا في الابتداء رسولين. وقال محمد بن إسحاق: أحدهما تاروص والآخر ماروص ﵉ (١). وقال مقاتل بن سليمان: تومان ومالوص (٢). وقال وهب: يحيى ويونس (٣). ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾: أي: أهلُ القرية جحدوهما. ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾: أي: قوَّيناهما برسول ثالث صدَّقهما؛ كما قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥]. وقيل: تعزيزهما بالثالث كان بتلطُّفه الذي نبيِّن في القصة إن شاء اللَّه. ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾: أي: قال الثلاثة لأهل القرية: قد أُرسلنا اللَّه إليكم فصدِّقونا. وقال ابن عباس ومقاتل: وجَّه عيسى ﵇ رسولين، فلما قرُبا من المدينة

стр. 6131

رأيا شيخًا يرعَى غنيماتٍ له، فسلما عليه فقال الشيخ لهما: مَن أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ﵇ ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة اللَّه، فقال: أمعكما آيةٌ؟ قالا: نعم، نحن نشفي المرضى ونُبرئ الأكمه (١) والأبرص -فقال بعضهم: كان لهذا الشيخ ابنٌ صاحبُ فراشٍ منذ سنين، وقال بعضهم: كانت له بنت بهذه الصفة- فقال الشيخ لهما: إن لي عليلًا، قالا: ومَن هو منك؟ قال: هو ولدي، قالا: فانطَلِق بنا إلى منزلك فنطَّلعَ (٢) حاله، فأتى بهما إلى منزله فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن اللَّه تعالى وشفاه اللَّه تعالى، وفشا الخبر في الناس وشفى اللَّه على أيديهما كثيرًا من المرضى، وكان لهم ملك يقال له: شلاحن (٣)، فانتهى الخبر إليه فقال لهما: مَن أنتما؟ قالا: رسولا عيسى ﵇، قال: وما آيتكما؟ قالا: نبرئ الأكمه والأبرص ونشفي المرضى، قال: وفيم جئتما؟ قالا: جئناك ندعوك من عبادةِ ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادةِ مَن يسمع ويبصر، قال شلاحن (٤): ولنا إلهٌ سوى آلهتنا؟ قالا: نعم، مَن أوجدك وآلهتك، قال: قُوما حتى أنظرَ في أمركما، فتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما في السوق. وكان اسم الشيخ الذي ذهب بهما إلى منزله حبيبًا النجار (٥). قال مقاتل: لما أخذوا الرسولين وضربوهما بعث عيسى رسولًا ثالثًا (٦). قال وهب ومحمد بن إسحاق: اسمه شمعون وكان من الحواريين.

стр. 6132

وقال مقاتل: اسمه شمعان، وهو الذي قال اللَّه تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ (١). وقال وهب: بعث عيسى صلوات اللَّه عليه يحيى ويونس إلى أنطاكية، فأتياها فلم يصلا إلى ملكها، وطالت مدة مقامهما، فخرج الملك ذات يوم فكابراه وذكَّراه اللَّهَ تعالى، فغضب الملك وأمر بهما فأُخذا وحُبسا وجُلد كلُّ واحد منهما كذا جلدةً، ثم بعث عيسى شمعون على إثرهما لينصرَهما فدخل شمعونُ البلد متنكرًا، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أَنِسوا به وأَنِس بهم، فرفعوا خبره إلى الملك، فدعاه ورضي عِشْرته وأَنِس به وأكرمه، ثم قال (٢) له ذات يوم: أيها الملك، بلغني أنك حبستَ رجلين في السجن وضربتَهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلَّمْتَهما وسمعتَ قولهما، فقال الملك: حالَ الغضب بيني وبين ذلك، قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطَّلع ما عندهما، فدعاهما الملك فقال لهما شمعون: مَن أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: الذي خلق كلَّ شيء وليس له شريك، قال لهما شمعون: فصِفَاه وأوجِزَا، فقالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قال شمعون: وما آيتُكما؟ قالا: ما يتمناه الملك (٣)، قال: فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموسِ العينين، موضعُ عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشقَّ موضع البصر، فأخذا بندقتين من طينٍ فوضعا في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: أرأيت أن تسأل إلهك حتى يصنع صنيعًا مثل هذا فيكونَ لك الشرف ولإلهك؟ فقال له الملك: ليس لي عنك سرٌّ إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي كثيرًا

стр. 6133

ويتضرع حتى ظنُّوا أنه على ملتهم، فقال للملك: أهاهنا مثلُ هذا الغلام مطموسِ العينين، فأمر حتى أُحضر مثلُ ذلك الغلام مطموس العينين (١)، فصنعا به مثلَ ما صنعا بالأول، ففرح الملك بذلك ثم قال لصاحبيه: إني سائلُكما مسألة، قالا هات، قال: إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميتٍ آمنا به وبكما، قالا: إلهنا قادر على كلِّ شيء، فقال الملك: إن هاهنا ميتًا مات منذ سبعة أيام ابنٌ لدهقان (٢) وأنا أخَّرتُه فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبًا، فجاؤوا بالميت وقد تغيَّر واصفر وأَرْوَح، فجعلا يدعوان ربهما علانيةً وجعل شمعون يدعو ربه سرًّا يُعِينهما، فقام الميت وقال لهم: إني ميت (٣) منذ سبعة أيام، ووجدتُ (٤) مشركًا فأدخلت في سبعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمِنوا باللَّه، ثم قال: فُتحت أبواب السماء فنظرتُ فرأيتُ شابًّا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة. قال الملك: ومَن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان، وأشار إلى صاحبيه، فتعجَّب الملك، فلما علم شمعون أن قوله قد أثر في الملك أخبر الملك بالحال ودعاه، فآمَن قوم وكان الملك فيمَن آمَن، وكفر آخرون (٥)، فصاح فيهم جبريل ﵇ صيحة فماتوا عن آخرهم، فذلك قوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.

стр. 6134

(١٥) - ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾: قال أهل أنطاكية: ما أنتم أيها الثلاثة إلا آدميُّون مثلُنا فمن أين يجب علينا طاعتُكم، أو يجعلُكم اللَّه رسلًا إلينا؟ ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: وحيًا من السماء. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾: أي: ما أنتم إلا تكذبون في دعوى الإرسال والإنزال. * * * (١٦ - ١٧) - ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾: ويَشهد لنا على صدق دعوانا، والاستشهادُ باللَّه تأكيدٌ وتحقيقٌ وتقريرٌ في النفوس. ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أي: ليس عندنا من طاعته إلا أن نبلِّغ رسالته إليكم، ولا سلطان لنا على إجباركم على الإيمان، ولا أن نوقع في قلوبكم العلم بصدقنا. * * * (١٨) - ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: أي: تشاءمنا بكم؛ يعني (١): سمعنا منكم ما هو من جهة الفأل نذيرٌ بمكروه يَلحقنا في أنفسنا أو في أهلينا أو أموالنا، أو غيرِ ذلك من أسبابنا وأمورنا، فكفُّوا عن هذا الكلام ولا تعاوِدونا به. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: أي: لنقتلنكم بالحجارة.

стр. 6135

وقيل: لنشتمنَّكم، وحقيقته: لنرمينكم بالقول القبيح، والأولى: لنرمينكم بالحجارة. ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: غليظٌ شديدٌ وجيع، فإن كان الأولُ قتلًا فهذا ما دون القتل. وقيل: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ لنطردنَّكم ولنبعدنَّكم (١)؛ أي: ولنخرجنَّكم من قريتنا. وقيل في قوله: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: يحتمِل أن يكون هؤلاء سمعوا بما جرى على أممٍ قبلهم كذَّبوا رسلهم فأُهلكوا، فخافوا مثلَ ذلك، وهو معنى قول قتادة (٢). وقيل: بل أقحطوا فقالوا للرسل: أصابنا هذا من شؤمكم، كما في قصة موسى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]. * * * (١٩) - ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾: أي: ما تطيَّرتم به من المكروه فذلك شيءٌ ألزمه اللَّه تعالى أعناقَكم وكتبه عليكم، فهو جارٍ لكم وواقع بكم (٣) لا من جهتنا. وقال أهل التفسير: الطائر هاهنا: هو العمل والحظُّ من الخير والشر. وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾؛ أي: إنما المكروه الواقع بكم بسوء أعمالكم لا مِن جهةِ غيركم.

стр. 6136

﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾: أي: أئن ذكرتُم تطيَّرتُم؛ أي: أفيكون هذا دَأْبَكم لا تتدبرون وعظًا ولا تتفكرون في تنبيه ولا تردُّون قولنا بحجة؛ أي: فليس هذا فعلَ العقلاء. وقيل: معناه: أئن ذكرتم باللَّه تهدِّدوننا بالرجم والتعذيب. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾: أي: ليس لكم التطيُّرُ لعلمكم بأنَّا صادقون، ولأنكم قوم أسرفتُم على أنفسكم في ارتكاب المعاصي؛ أي: أكثرتم من ذلك وجاوزتُم الحد في قلة النظر لأنفسكم (١). * * * (٢٠) - ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾: ثبت أن تلك القرية كانت مدينةً متباينةَ الأطراف. قوله: ﴿رَجُلٌ﴾: قيل: هو حبيبٌ النجار الذي ذكرنا أن الرسولين شفيَا ولده. وقيل: كان رجلًا مجذومًا ينزل ناحية من المدينة. وقيل: كان حرَّاثًا يعمل في حرثه (٢) خارج المدينة. قوله: ﴿يَسْعَى﴾: أي: يعدو. وقيل: يقصد وجه اللَّه بالذبِّ عن رسله، وهو من قوله: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. وروي أن القوم عزموا على قتل هؤلاء الثلاثة (٣) الرسل، فسعى هذا الرجل لذلك ليخلصهم، وكان يكتم إيمانه.

стр. 6137

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾: باح بإسلامه ليشتغل القوم عن الرسل، و ﴿يَاقَوْمِ﴾ دلالةٌ وإظهار منه أنه لا مباينةَ بيننا ولا تهمةَ في إرادة السوء بكم. ﴿اتَّبِعُوا﴾ هؤلاء الذين أرسلهم اللَّه. * * * (٢١) - ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾: أي: لا يقصدون بدعائكم استيكالكم (١). ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: أي: على دينٍ حقٍّ يدعونكم إليه. وقيل: خرج هذا الرجل بمالٍ يستطبُّ به من داءٍ كان به، فدعوا اللَّه فشفاه اللَّه تعالى، فأعطاهم ذلك المال فلم يقبلوه، فقال لذلك: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. * * * (٢٢) - ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي: وأيُّ شيء يمنعُني من أن أعبد اللَّه الذي هو ابتدأ خلقي. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أنتم للعرض والحساب والجزاء. ولم يقل: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم؛ ترقيقًا للكلام، وتلطُّفًا في الدعاء؛ لأنه إذا ذكره في حقِّ نفسه فقد ذكره (٢) في حقِّهم، فحصل المقصود من غير تعنيفٍ وتشديد.

стр. 6138

(٢٣ - ٢٥) - ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾: أي: أصنامًا ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾؛ أي: لا يخلصوني، دل أنهم كانوا عبدةَ أصنام. ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: إن فعلتُ فعلكم كنتُ ضالًّا بيِّنَ الضلال مثلَكم. ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾: أي: فاشهدوا عليَّ بالإيمان أيتها الرسل. وقيل ﴿فَاسْمَعُونِ﴾؛ أي: فأطيعون يا قوم. * * * (٢٦ - ٢٧) - ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾: وهاهنا مضمر؛ أي: فقُتل فقيل له: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، ودل ذلك على أن الجنة مخلوقةٌ، وعلى أن القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار (١). ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾: و (ما) مع الفعل مصدر؛ أي: بمغفرة اللَّه لي، تمنى أن يعلمَ قومه بأنه غُفر له بإيمانه فيرغبوا في الإيمان. وقيل: (ما) هو بمعنى: الذي؛ أي: بأيِّ شيء غفر لي، وهو الإيمان ليؤمنوا هم أيضًا، وهذه مرتبةُ أولياء اللَّه، يريدون الخير بمن أراد بهم الشر، ويتمنون أن لا يكون للَّه عاص.

стр. 6139

﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بالجنة. وقال الحسن: لمَّا أراد القوم أن يقتلوه رفعه اللَّه إليه فهو في الجنة (١). وقال غيره: قتلوه فلما دُفن نقله اللَّه إلى الجنة. قيل: لما قال هذا القول وثبوا عليه فقتلوه. وقيل: رجموه بالحجارة كما قالوا لرسلهم: ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾. قال السدي: كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهدِ قومي، حتى قطَّعوه وقتلوه (٢). وقيل: توطَّؤوه بأقدامهم حتى تلف تحتها. وباشتغالهم بقتله تخلَّص الرسل. * * * (٢٨) - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾: أي: ولم ينزل على قوم هذا الرجل جندًا من السماء لتعذيبهم كما يحتاج الملوك من البشر في الإيقاع بأعدائهم إلى ذلك. قوله (٣): ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾؛ أي: وليس من صفاتي (٤) الحاجة إلى ذلك.

стр. 6140

وقيل: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾؛ أي: والذي كنا منزلين على مَن قبلهم من الطوفان والقذف والصاعقة. * * * (٢٩ - ٣٠) - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: أي: ما كانت العقوبة ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ من جبريل ﵇ ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾؛ أي: ميتون، خمدت أرواحهم وسكنت أنفاسهم؛ كالنار إذا طَفِئت (١) من الإيقاد. وقوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: أي: ندامةً تكون من العباد على أنفسهم إذا صاروا إلى دار الجزاء ورأوا ثواب أهل الطاعة، فيقولون: ﴿يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١] والحسرة هي بلوغ النهاية في التلهُّف حتى يبقى القلب حسيرًا لا موضع فيه لزيادة التلهُّف، كالبصير الحسير الذي لا قوة فيه للنظر، والبعيرِ الحسير الذي لا قوة له على المسير (٢). وقيل: هذا قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى. وقيل: هو قول رسلهم حين رأوا ما نزل بهم. وقيل: هو قول المعذَّبين حين رأوا نزول العذاب. وقيل: هو ابتداء كلام من اللَّه تعالى. ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾: أي: ما يأتي العباد رسول ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: يسخرون.

стр. 6141

(٣١) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾: أي: كفارُ قريش ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ على تكذيب الرسل فيعتبروا بهم. ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: قرأه العامة بفتح الألف لوقوع ﴿يَرَوْا﴾ عليها؛ أي: قد رأوا أن مَن هلك لا يرجع إلى الدنيا، بل هم قوم مُبقَّون في قبورهم إلى أن يُبعثوا فيحاسَبوا فيجازَوا بأعمالهم. ومَن قرأ بالكسر (١) فعلى الابتداء؛ أي: حكمنا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا، وإنما يبعثون يوم القيامة، وكذلك حال هؤلاء. ودلت الآية على بطلان قول القائلين بالتناسخ والقائلين بالرجعة، وبها استدل ابن عباس في ردِّ مَن قال بأن عليًّا مبعوث وإلينا مردود (٢). * * * (٣٢) - ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾: قرئ ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد، وهو قراءة ابن عامر وحمزةَ وعاصمٍ، وله معنيان: أحدهما: ﴿وَإِنْ كُلٌّ﴾؛ أي: وما كلٌّ لمَّا جميع؛ أي: إلا جميع (٣)، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]؛ أي: ما كلُّ نفس إلا عليها حافظ.

стр. 6142

والثاني: أن ﴿إِن﴾ الخفيفة للتأكيد كالمشددة، و ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (لممَّا) (١) حذفت الميم الأولى تخفيفًا؛ كما في قوله: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] على قولِ مَن قال: ﴿إِن﴾ كلمة تأكيد. وقرئ بالتخفيف (٢)، وعلى هذا ﴿إِن﴾ للتأكيد و ﴿لَمَا﴾ اللام للتأكيد أيضًا في جواب ﴿إِن﴾، و (ما) صلة، وتقديره: وإنْ كلٌّ لجميعٌ لدينا محضَرون، يعني: في موقف حسابنا يوم القيامة محضَرون للعرض والجزاء. * * * (٣٣ - ٣٤) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾: أي: ومن العلامات الدالَّات

стр. 6143

على كمال قدرتنا على إحياء الموتى وغيرِ ذلك: أنَّا نحن (١) نحيي بالماء الذي ينزل من السماء الأرضَ التي قد ماتت فصارت لا نباتَ لها ولا حركة بها. قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾: أي: أخرجنا منها أنواعَ الحب من الأطعمة كالحنطة والشعير والأقوات ﴿فَمِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الحَبِّ ﴿يَأْكُلُونَ﴾ غذاءً لهم. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾: أي: في الأرض ﴿جَنَّاتٍ﴾: بساتين ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ وهما أعلى الثمار فخصَّهما بالذكر لذلك. ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾: في الجنات عيونَ الماء؛ لتَحسُنَ مناظرُها وتبلغَ ثمارها. * * * (٣٥) - ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾: ليكون لهم ثمارٌ يأكلونها. وقوله تعالى: ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾: من ثمرِ ما ذكرنا، ولم يؤنِّثها لذلك، وجمَع نعمة الثمار إلى نعمة الأطعمة. ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾: قيل: هو نفي؛ أي: ولم تعمله أيديهم، فإن اللَّه أخرجها لهم، وهو كقوله: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢]. وقيل: هو بمعنى (الذي)؛ أي: ومِن الذي عملَتْه أيديهم، وهي أصنافُ الأشربة والحلاوات؛ كما قال: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، ويدخل فيها العصير والخل والرُّبُ وغيرها.

стр. 6144

وقيل: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: ما غرسوه من الجنان ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ لم يَغْرسوه. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾: كلمة استبطاءٍ وحثٍّ على الشكر. * * * (٣٦) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾: أي: تنزيهًا للَّه تعالى عمَّا لا يليق به من قول الكفار. وقيل: أي: عجبًا من الكفار مما يشركون مع ظهور هذه الآثار، قال الشاعر: أقول لمَّا جاءني فخرُه... سبحانَ من علقمةَ الفاخرِ (١) أي: عجبًا منه. ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾؛ أي: الأصنافَ والأنواع من كلِّ شيء. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾: أي: تُخرج من الحب والنخل والأعناب. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: ومن البشر. ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾: من أصناف خلقه في البَرِّ والبحر وقُعور الأرض وفي السماوات، وفي ذلك تعريفٌ أنه إذا كان خالقَ الأصناف كلِّها من غير أن يَشْرَكه فيه غيره، وجب تنزيهه عن الشركاء الذين لا يخلقون كخَلْقه، وفيه بيانُ وجوب النظر في علم الأصول، والاستدلالِ بدلائل (٢) العقول.

стр. 6145

(٣٧) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾: أي: ومن علامات قدرتنا وعِلمنا ورحمتنا ما ترونه من مجيء الليل والنهار خلفةً، نسلخ من الليل النهار؛ أي: نزيل منه الضوء الذي يكون بالنهار. ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾: أي: داخلون في الظلمة بمجيء الليل. ودلَّ هذا أن الليل كان قبل النهار، وأن الظلمة كالأصل والنورَ دخيلٌ عليه، فإذا سُلخ منه -أي: نُزع النور من الظلمة- خلصت الظلمةُ فكان الليلُ، وإذا أُلبست الظلمةُ النورَ كان النهار، قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ أي: يُلبسه، فإذا وُصف بالإلباس جاز أن يوصف بالسلخ الذي هو ضدُّه، فيقول (١): فهذا شيء ترونه متَّسِقًا لا يتغير، فدل ذلك على علمِ فاعله وحكمتِه. * * * (٣٨) - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾: أي: إلى مستقرٍّ لها، كما يقال: جرى فلان لغايةِ كذا، وإلى غاية كذا، وله ثلاثة أوجه: أحدها: استقرارها: قطعُ حركاتها بانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا. والثاني: قول قتادة: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾: لوقتٍ واحدٍ لها لا تَعْدُوه (٢). والثالث: تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ثم ترجع، فمستقرُّها بلوغُها الموضعَ الذي لا تتجاوزه؛ كالإنسان يقطع مسافةً لا يسكن فيها حتى يبلغَ أقصى مقصوده، فيستقر هناك -على معنى أنه لا يجاوزه- ثم يرجع.

стр. 6146

وقال الحسن: إن للشمس في السنة ثلاثَ مئة وستين مطلِعًا، تنزِل في كلِّ يوم في مطلعٍ منها ثم لا تنزله إلى الحول، فهي تجري في تلك المنازل فهي مستقرُّها (١). وقيل: مستقرُّها: هو الوقت الذي يَحبس اللَّه فيه الشمسَ عن الطلوع. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾: أي: مَن تأمَّل أحوال مجيء الليل والنهار ومجاريَ الشمس علم بما يجد (٢) من دلائل الحدوث وآثار التدبير أنها مقدَّرة مدبَّرة لمدبِّرٍ عالمٍ عزيز لا يغالَب ولا يُمنع مما يريد إمضاءَه في خليقته. * * * (٣٩) - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾: قرأ ابن كثير ونافعٌ وأبو عمرو: ﴿والقمرُ﴾ (٣) بالرفع على الابتداء، والباقون بالنصب (٤) بإضمارِ فعلٍ مقدَّم مقدَّر دلَّ عليه المُظهَر المؤخَّر، وهو قوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. يقول: وفي القمر دلالةُ ذلك أيضًا؛ لأنه في مسيره لازم لطريقةٍ واحدة لا تختلف، بل ينزل كلَّ ليلةٍ منزلًا معروفًا فيقطع الفَلَك في ثمانٍ وعشرين ليلةً، ثم يستسِرُّ ثم يَطلع هلالًا، ومنازلُه ثمانية وعشرون نجمًا. ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾: العرجون: العِذْقُ الذي فيه الشماريخ، فإذا تقادم

стр. 6147

عهدُه حتى يبسَ تقوَّس؛ أي: يَدِقُّ (١) القمر في ليلة ثمانٍ وعشرين حتى يصير كالعرجون المتقادم في الدقة والتقوُّس. * * * (٤٠) - ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾: قيل: أي: خلَقهما اللَّه تعالى على صفةٍ يستحيل إدراك الشمس القمرَ واجتماعُهما ما بقيت الدنيا، فإذا انقضى (٢) العالم وقامت القيامة جمع الشمس والقمر. وقيل: أي: لا يصلُح أن تدركَ الشمس القمرَ (٣) فيغلبَ ضوؤها ضوءَه، فتذهبَ آية الليل وتصيرَ الأوقات كلُّها نهارًا. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾: أي: ولا يصلح أن يكون الليل غالبًا للنهار فتكونَ الأوقاتُ كلُّها ليلًا، بل يتعاقبان لمصالح أهل الدنيا. ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: أي: كلُّ واحد من الشمس والقمر والنجوم التي هي مثلُهما (٤) يَجرون في الفَلَك بسرعةٍ، وكلُّ واحدٍ مسخَّرٌ مقصورٌ على ما لا يتعدَّاه. وقيل: أي: القمر أسرعُ سيرًا وقطعًا للفَلَك من الشمس، وهو يسبق الشمس، والشمس لا تدركه فيَبطُلَ سلطانُه، والليلُ لا يسبق النهارَ فيجيءَ في غير الوقت المقدَّر له.

стр. 6148

وقال الحسن: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ ليلةَ الهلال؛ أي (١): لا ينبغي لها أن تبقى حتى يطلع القمر والشمسُ طالعةٌ، لكن إذا وجبت الشمس ظهر القمر. وقوله تعالى ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: جَمع بالواو والنون لأنه وصَفها بصفات العقلاء. وقالوا: وصفُ اللَّه تعالى هذه الطوالعَ بالسباحة والسبق والإدراك توسُّعٌ؛ إذ لا اختيار لها في أفعالها لكنها مسخَّرةٌ يُفعل ذلك بها جبرًا، وهو كقولهم: تحرَّك الحائط، ونحوه. * * * (٤١) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: قرأ نافع وأبو جعفر وابن عامر وسهل ويعقوب (٢): ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ جمعًا والباقون ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ على الوحدة (٣)؛ أي: ومن علامات قدرتنا ودلائل وحدانيتنا أنَّا حملنا ذرية هؤلاء المشركين من أهل مكة في سفينة نوح المملوءةِ من الناس ومما يحتاجون إليه، والفُلك مذكَّر هاهنا، وهو واحد، والذرية: الأولاد، وتقديره: ذريةَ أصلهم؛ أي: آدم، وهو كقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر: ١١]؛ أي: خلق أصلكم وهو آدم. وقيل: أراد بالذرية الأسلافَ؛ لأنه من الذَّرْء وهو الخلقُ، فيَصلح (٤) الاسمُ للأصل والنسل لأن بعضهم خُلق من بعضٍ.

стр. 6149

وقيل: أي: حملنا ذرية هؤلاء مع نوح في السفينة؛ لأن ذرية آدم كلَّهم كانوا في أصلاب أولئك وكانوا محمولين كلُّهم، يعرِّفهم المنَّةَ بأنْ سلَّم آباءهم وسلَّمهم وأخرجهم للحال وجعلهم ولاة بيته. وقيل: معناه: وحملنا ذرية هؤلاء وهم الصبيانُ والنسوان ﴿فِي الْفُلْكِ﴾؛ أي: في السفينة التي تكون في هذا (١) الزمان، وهم بأنفسهم عَجَزةٌ عن قطع المسافات. * * * (٤٢) - ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾: أي: مثلِ الفلك المشحون وهو سفينةُ نوح. ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾: من السفن في كلِّ زمان، وهذا عن ابن عباس ﵄ في رواية (٢)، وعنه في رواية: ﴿مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ هي الأنعام هذه في البر (٣)، وتلك في البحر للحمل والنقل من مكان إلى مكان، وهو كقوله ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢]. * * * (٤٣) - ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾: في البحر مع السفينة ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾؛ أي: فلا مُغيث لهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾؛ أي: يَخلصون (٤).

стр. 6150

وقيل: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾؛ أي: لا يجدون في البحر صريخًا، وإن وجدوا لا يقدر على إنقاذهم. وقيل: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ يحفظُهم أن يغرقوا ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾؛ أي: ليس لهم مَن يخلِّصهم بعد أن غرقوا. * * * (٤٤ - ٤٥) - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾: إلا أن نرحمَهم نحن فنخلِّصَهم. ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾: ونمتِّعَهم بالبقاء إلى انقضاء أعمارهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: وجوابه محذوف، وهو: أعرَضوا. قال الكلبي: وإذا قيل لهؤلاء المشركين: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من الآخرة فاعمَلوا لها ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من الدنيا اتَّقوها فلا تغترُّوا بها. وقيل: اتَّقوا ما تقدم من معاصيكم وما تأخَّر مما أنتم تعملونه من بعدُ. وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾: ما سلف قبلكم من عقوبات اللَّه للأمم الخالية أن ينزل بكم مثلُها ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من العذاب في الآخرة بعد هلاككم (١). وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: اتَّقوا الكفر بآيات اللَّه التي نزلت فيكم (٢)، وبآياته التي نزلت بعد خلقكم، وآمِنوا بها جميعًا ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: لتُرحموا، وجوابه ما قلنا.

стр. 6151

(٤٦ - ٤٧) - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: وهذا يدل على أن المضمَر: أعرضوا. وقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾، ﴿مِنْ﴾ للتأكيد، ومعناه: وما تأتيهم آيةٌ. قال مقاتل: هي انشقاق القمر بمكة نصفين (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: قال مقاتل بن سليمان: إن أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا للمشركين: أعطونا ما زعمتُم من أموالكم أنها للَّه مما ذرأ من الحرث والأنعام، فسألوهم نصيب اللَّه من أموالهم فحرموهم فقالوا: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾: أي: أُنعطي مَن لو يشاء اللَّه أعطاه (٢)؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: ما أنتم؛ قيل: هو قول الكفار للمؤمنين؛ أي: إنكم لتقولون: إن اللَّه قادرٌ على أن يوسِّع على عباده (٣) ثم تتركون مسألته وتسألوننا. وقيل: هو خطاب للكفار: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ في التكلُّم بهذا على وجه الاستهزاء بالمؤمنين، وفي التعلُّق بهذا في ترك الإنفاق على المحتاجين، فإنهم كانوا يقولون: إنكم قلتُم ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وإذا كان اللَّه يرزقنا فهو قادر على أن

стр. 6152

يرزقكم، فما معنى التماسِكم الرزقَ منا؟ وهذا جهل منهم؛ لأن اللَّه تعالى إذا رزق عبدًا شيئًا وملَّكه إياه لم ينقطع عنه ملكُه، وأوجب فيه حقوقًا أمره بأدائها، فليس للعبد أن يمتنع عنها؛ كالمالك منا إذا أعطى عبده مالًا ثم أمره أن ينفق منه في كذا، فليس له أن يقول: أنت أعطيتَني هذا فأعطِ فلانًا أيضًا من عندك ولا تأمرني به فيما هو مالي، ومن الجهل أيضًا أن يقول العبد: لا أعطي مَن لم يعطه اللَّه. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لو شاء اللَّه لجعلكم أغنياءَ لا فقيرَ فيكم، ولو شاء اللَّه لجعلكم فقراءَ لا غني فيكم، ولكن ابتلى بعضَكم ببعضٍ لينظر كيف عطفُ الغني وكيف صبرُ الفقير" (١). * * * (٤٨ - ٤٩) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: يتصل بقوله: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: الساعةَ، قالوا: متى الساعةُ التي تَعِدوننا بها، فقد أتت على آبائنا الدهور الكثيرة فلم تأت؟ فأُجيبوا عن ذلك: قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾: أي: ما ينتظرون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ﴾؛ أي: ترسَل عليهم فتهلكُهم وهي النفخة الأولى. ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾: الواو للحال؛ أي: في حال اختصامهم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو (٢): ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بفتح الخاء وتشديد الصاد (٣)، إلا

стр. 6153

أن أبا عمرو يختلس حركة الخاء، وأصله: يختَصِمون، بفتح التاء وتسكين الخاء، فأدغمت التاء في الصاد ونُقلت فتحة (١) التاء إلى الخاء. وقرأ نافع: ﴿يَخْصِّمون﴾ بفتح الياء وتسكين الخاء وتشديد الصاد (٢)، وجمع بين الساكنين ضرورة الإدغام. وقرأ ابن عامر (٣) وعاصم والكسائي: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد تحريكًا للساكن إلى الكسرة؛ لأنَّها حركة ضرورية. وقرأ حمزة: ﴿يَخْصِمون﴾ بفتح الياء وتسكين الخاء على أصل الفعل الثلاثي؛ لعدم تاء الافتعال صورةً (٤). * * * (٥٠) - ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقول: تأتيهم الساعة وهم يتخاصمون في أمور دنياهم وأسباب معايشهم في الأسواق وغيرها ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ﴾: وهم بحضرتهم ﴿يَرْجِعُونَ﴾ يتمكَّنون من الرجوع إليهم وهم على غيبةٍ منهم؛ أي: لا يُمْهَلون بل يُهلَكون للحال. وقيل: ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ هو من رَجْع الكلام؛ أي: لا يمكنهم أن يراجعوهم الكلام. روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "تقوم الساعة والرجل

стр. 6154

يَلِيطُ حوضَه ليسقيَ ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة، والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان فما يطويانه حتى تقوم الساعة، والرجلُ يَخْفِض ميزانه فيرفعُه فما يرفعه حتى تقوم الساعة، والرجل يرفع أُكلته إلى فيه فما يصل إلى فيه حتى تقوم الساعة" (١). وهذه (٢) نفخة الصعق، ثم بعدها نفخة البعث، وهو (٣) قوله تعالى: * * * (٥١) - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: أي: نفَخ إسرافيل في القرن للبعث. ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: أي: القبور، والواحد: جَدَث. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾: أي: إلى موضع حساب اللَّه يسرعون، والنَّسَلان: العَدْو، هو من باب دخَل وضرب، وهو كقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. * * * (٥٢) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾: أي: مَن أيقظَنا من موضع رُقادنا؛ أي: من نومنا، والفعل من باب دخل. روي أنهم يخفف عنهم فيما بين النفختين فيستريحون استراحةَ النائم، ثم يبعثون فيقولون هذا القول.

стр. 6155

وقيل: إذا رأوا أهوال يوم القيامة وإن عليهم ما كان عليهم (١) من عذاب القبر، حتى كان ذلك كالنوم في جنب ما صاروا إليه. قوله تعالى ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾: قال عبد الرحمن بن زيد: ثم يرون اليقين الذي لا يمكن دفعُه، فيقولون معترفين شاهدين على أنفسهم بالكذب في الدنيا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ وهو البعث للحساب والجزاء ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ في الإخبار عنه (٢). وقيل: ﴿عَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ قولُ الملائكة لهم حين قالوا: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ وفيه توبيخهم (٣). وقيل: هو قول المؤمنين لهم. ثم قوله: ﴿هَذَا﴾ عند بعضهم يوصل بقوله: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾؛ أي: من هذا المرقد، وجوابهم: ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، وعند بعضهم يبتدأ من قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾. * * * (٥٣ - ٥٤) - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قوله: ﴿إِنْ كَانَتْ﴾: أي ما كانت إعادتهم (٤)، وقيل: أي: النفخة. ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: أي: إلا نفخةً واحدةً في الصُّور.

стр. 6156

﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾: أي: مجتمعون لدينا قد أُحضروا موقفَ الحساب بسرعة لم يتخلَّف منهم أحد. ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾: أي: لا يُنقَص من ثواب طاعته ولا يُحمل عليه معصيةُ غيره. ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: من خيرٍ وشرٍّ. * * * (٥٥) - ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾: أي: الذين وعدهم اللَّه الجنة على الإيمان والطاعة. ﴿فِي شُغُلٍ﴾: أي: مما فيه أهلُ النار من العذاب، و ﴿فِي شُغُلٍ﴾ مما هم فيه من التقلُّب في النعيم وأنواع الملاذِّ؛ من افتضاض الأبكار، والتلذُّذ بالأحاديث الطيبة، والتعلُّلِ بالفواكه الشهية في الأماكن البهية، ومن زيارة الملائكة مع الكرامات، ومن ملاقاةِ الأحبَّة والقرابات. وقيل: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ عن ذكر أهل النار، ولو خطر ذلك ببالهم وفيها أحدٌ من أقاربهم أو معارفهم (١) تَنغَّص عليهم ما هم فيه. وقوله: ﴿فَاكِهُونَ﴾: قال الحسن ﵀: ناعمون (٢).

стр. 6157

وقيل: معجَبون (١). وقيل: فرحون، وهو قول ابن عباس ﵄ (٢). وقيل: ذوو فاكهة، كما يقال: لابنٌ وغاسلٌ وتامر، قال الشاعر: وغرَرْتَني وزعمتَ أنْـ... نَك لابنٌ في الصيف تامِرْ (٣) وقيل: الفاكه: المازح، من الفُكاهة، والفَكِه: الطيِّب النَّفْس. وقيل: هما واحد كالحادر والحَدِر. ومَن كان في الدنيا في شغلٍ كان في تعبٍ، فقال: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ليُعلَم أنه ليس بشغلٍ فيه تعبٌ. * * * (٥٦) - ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾: قيل: نساؤهم اللاتي كن لهم في الدنيا. وقيل: هنَّ الحور العين. وقيل: يجوز أن يكون الكلُّ مرادًا. وقوله تعالى: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾: جمع ظُلَّةٍ. وقيل: الظلال: الستار عن وهج الشمس لا حرَّ فيها ولا برد. وقيل: أي: هم خالون بهن لا يقع عليهن أبصار غيرهم، والجمع بينهم وبينهن إتمام لسرورهم.

стр. 6158

وقال مجاهد وعكرمة ﵏: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾؛ أي: أخلَّاؤهم، فهو كقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾: جمع أريكة. وقال عكرمة وقتادة: هي الحجال على السرر (١). وقيل: هي الفُرُش. وقيل: هي الوسائد، ومَن حمل الأزواج على الأخلَّاء فهو كقوله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * * (٥٧ - ٥٨) - ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾: أي: ما يتمنَّون. قال ابن عباس ﵄: يعني: إذا خلا في نفسه فتفكَّر شيئًا وُضع بين يديه من غير أن ينطق بلسانه (٢). ﴿سَلَامٌ﴾: أي: ولهم سلام؛ أي: تحية. ﴿قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾: أي: خطابًا من اللَّه تعالى بغير واسطة. وقيل: تبليغًا من اللَّه على ألسُنِ الملائكة، كما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ

стр. 6159

كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا﴾ [الزمر: ٧٣]. وهو بشارةٌ بدوام السلامة لهم. وقيل: ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: خالص لهم ما يتمنونه ﴿قَوْلًا﴾؛ أي: حقًّا وصدقًا (١) ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. قيل: تقييده باسم الرحيم دليل على أن العاصيَ ينال ذلك أيضًا. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ قيل: لو علموا عمَّن شغلوا لَمَا تهنَّوا بما فيه شغلوا. وقيل: شغلهم تأهُّبهم لرؤية مولاهم. وقيل: هذا خطاب من اللَّه لمن بقي من العُصاة في العَرَصات، يقول اللَّه لهم: إن أصحاب الجنة اليوم لا يتفرغون لكم لأشغالهم، ولا أهلَ النار لأهوالهم، فليس لكم اليوم إلا نحن (٢). * * * (٥٩ - ٦٠) - ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾: أي: يقال لهم: تميَّزوا عن أهل الجنة، فإنهم يُجزون على ضدِّ ما تجزون (٣).

стр. 6160

وقيل: هو إخبار عن تمييزهم من أهل الجنة؛ كما قال: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]، وقال: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: أي: يقال لهؤلاء المشركين عند إدخالهم النار توبيخًا لهم: ألم أُوْصِ إليكم ألم آمركم على ألسنة رسلي يا أولاد آدم ألَّا تطيعوا الشيطان ولا تعظِّموا أمره ولا تتذلَّلوا له بالانقياد لِمَا يوسوس إليكم من اتِّباع الشهوات وترك الديانات ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قد أبان لكم عداوته. * * * (٦١ - ٦٢) - ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾: فإني خالقكم ورازقكم. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: فإنه طريقٌ سويٌّ مَن سلَكه استقام به إلى رضواني والوصول إلى جِناني. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾: أي: خلقًا كثيرًا. قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بضم الجيم والباء خفيفة اللام، وقرأ نافع وعاصم بكسر الباء والجيم مشددة اللام، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بضم الجيم ساكنة الباء خفيفة اللام (١).

стр. 6161

وقوله تعالى: ﴿أَضَلَّ مِنْكُمْ﴾؛ أي: أغوى، وقيل: أهلك. ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾: أنه فعَل بهم ذلك فتحذَروا مثلَه. * * * (٦٣ - ٦٥) - ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها على شرككم ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾؛ أي: ادخلوها ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بسبب كفركم. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾: إذا قيل لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَان﴾ [يس: ٦٠] جحدوا وقالوا: ما عبدناه، فيَختم اللَّه على أفواههم؛ أي: يفعل بأفواههم ما لا يمكِنهم معه أن يتكلَّموا بألسنتهم، وابن عباس فسَّره بالإخراس، وبعضهم حمله على قول النبيِّ: "إنكم تُدْعون يوم القيامة مفدَّمةً أفواهكم بالفِدام حتى إنَّ أول ما يُبين عن أحدكم لفخذُه ويدُه" (١). ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ تخبرُ بما امتدَّت إليه في المعاصي ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ بما خطَوا به إلى الباطل، وهو قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقال في آية أخرى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠]، وقال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، فذكر شهادة الألسُن في هذه الآية مع ذكر الختم على الأفواه في تلك الآية، وذكروا له وجوهًا وأوضحها قول الإمام أبي منصور ﵀: أنهم إذا جحدوا أنطق اللَّه الجوارح

стр. 6162

فشهدت بها، ثم أنطق اللَّه ألسنتَهم حتى تعاتِب الجوارح على نُطقها، وذلك قوله: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال: وفيه دليل على أن النطق الذي يكون من اللسان لا يكون لأنه لسان، ولكن للُّطف الذي يجعله اللَّه في اللسان فينطقُ، فحيثما جعَل اللَّه ذلك اللطف والمعنى (١) في أيِّ جارحةٍ ما جعل نَطقت، ولو كان النطق لنفس اللسان لكان يجب أن ينطق لسان كلِّ ذي لسانٍ لِمَا له اللسان، فإذا لم ينطق دلَّ أنه لِلُّطف (٢) الذي جُعل فيه، وكذلك عملُ كل جارحةٍ من السمع والبصر والذوق والشم وغيرِ ذلك، اختصَّ كلَّ جارحةٍ بشيء من ذلك اللُّطف الذي جعل فيه لذلك (٣). * * * (٦٦) - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾: أي: في الدنيا ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾؛ أي: على أعين هؤلاء الكفار؛ أي: لأعميناهم ومحَوْنا نورَ أبصارهم. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾: أي: فبادروا في أول العمَى إلى الطريق ليَسلكوه إلى منازلهم أو مَقْصِدٍ آخر فلم يقدروا على ذلك، هذا مضمَرٌ. ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: أي: فكيف يبصرون بعدما أعميناهم؟ * * *

стр. 6163

(٦٧) - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾: أي: لبدَّلنا خِلقتَهم وقَلَبْنا بِنْيَتهم فصيَّرناهم جمادًا. ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾؛ أي: مكانهم، كالمَقام والمَقامة فما استطاعوا مضيًا ولا يرجعون. قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿على مكاناتهم﴾ على الجمع (١)؛ لأن الممسوخين جماعة ولكلِّ واحد مكانةٌ؛ يقول: نَقدِر أن نفعل بهم ذلك في الدنيا كما أنطقنا جوارحهم في العُقبى، ويستحقُّون ذلك لكفرهم، لكنَّا لا نعاجلهم؛ ليتوبوا وليشكروا نعمتي عليهم. وقيل ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾: لحوَّلنا أبصارهم عن الضلال إلى الهدى ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ فاهتدوا إلى طريق الحق ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ ولكن كيف يبصرون ولم أشأ ذلك فلم أفعل بهم ذلك (٢). ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ قيل: لأقعدنا أرجلهم فلم يتقدموا ولم يتأخروا. * * * (٦٨) - ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو والكسائي بفتح النون الأولى وتسكين الثانية وتخفيف الكاف وضمها على الفعل الثلاثي.

стр. 6164

وقرأ حمزة وعاصم بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف وتشديدها على التفعيل (١). ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ جزمٌ على الشرط بكلمة (مَن) يقول: مَن أطلنا عمرَه صيَّرناه إلى حالةِ الهرم التي تشبه حالةَ الصِّبا في ضعفِ العلم والقوة ونقصان الجسم والبِنية. ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾: أنه كذلك. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامر في رواية ابن ذكوان عن ابن مجاهد عنه، وسهلٌ ويعقوبُ (٢) بتاء المخاطبة (٣)، والباقون بياء المغايبة. وهو كقوله: ﴿يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]، وقولهِ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ الآية [الروم: ٥٤]، وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، يقول: فمَن قدر على ردِّ الإنسان في كبره إلى أول حالهِ قدر على إعادته بالبعث إلى أول حاله، وقدر على طمس عينه ومسخ خَلْقه. * * * (٦٩) - ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي﴾: يقول: إن الذي علَّمناه محمدًا مما يتلوه عليكم ويحاجُّكم به ليس بشعرٍ كما يقوله بعضكم.

стр. 6165

قال مقاتل: نزلت في عقبةَ بن أبي مُعيطٍ -لعنه اللَّه- قال: إن ما يقوله محمد شعر، فأنزل اللَّه هذه الآية ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أن يقول الشعر (١)، ولو كان شاعرًا لدخلت الشبهة على كثير من الناس في أمره أنه إنما يقدر على مثل هذا الكلام لأنه شاعر صناعتُه نظمُ الكلام. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾: أي: ما القرآن إلا ذكر ذكَركم اللَّه به، وقيل: شرفٌ لكم لأنه بلسانكم. ﴿وَقُرْآنٌ﴾: أي: وكتاب يقرأ ﴿مُبِينٌ﴾ ما تحتاجون إليه. * * * (٧٠) - ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾: أي: ليخوِّف مَن كان حيَّ القلب؛ أي: هو الذي يَنتفع به. ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾: أي: وليتحقَّق وعيدُ اللَّه بالعذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وسئلت عائشة ﵂: هل كان رسول اللَّه ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يتمثَّلُ بشيء من الشعر؟ فقالت: كان الشعر أبغضَ الحديث إليه، ولم يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلًا... ويأتيك بالأخبارِ مَن لم تزوِّدِ فجعل يقول: "ويأتيك مَن لم تزوِّدْ بالأخبار"، فقال أبو بكر ﵁: ليس هكذا يا رسول اللَّه، فقال: "إني لستُ بشاعرٍ ولا ينبغي لي" (٢). * * *
следующие страницы →