وقوله تعالى: ﴿أَضَلَّ مِنْكُمْ﴾؛ أي: أغوى، وقيل: أهلك.
﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾: أنه فعَل بهم ذلك فتحذَروا مثلَه.
* * *
(٦٣ - ٦٥) - ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها على شرككم ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾؛ أي: ادخلوها ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بسبب كفركم.
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾: إذا قيل لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَان﴾ [يس: ٦٠] جحدوا وقالوا: ما عبدناه، فيَختم اللَّه على أفواههم؛ أي: يفعل بأفواههم ما لا يمكِنهم معه أن يتكلَّموا بألسنتهم، وابن عباس فسَّره بالإخراس، وبعضهم حمله على قول النبيِّ: "إنكم تُدْعون يوم القيامة مفدَّمةً أفواهكم بالفِدام حتى إنَّ أول ما يُبين عن أحدكم لفخذُه ويدُه" (١).
﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ تخبرُ بما امتدَّت إليه في المعاصي ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ بما خطَوا به إلى الباطل، وهو قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقال في آية أخرى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠]، وقال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، فذكر شهادة الألسُن في هذه الآية مع ذكر الختم على الأفواه في تلك الآية، وذكروا له وجوهًا وأوضحها قول الإمام أبي منصور ﵀: أنهم إذا جحدوا أنطق اللَّه الجوارح
стр. 6162
فشهدت بها، ثم أنطق اللَّه ألسنتَهم حتى تعاتِب الجوارح على نُطقها، وذلك قوله: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
قال: وفيه دليل على أن النطق الذي يكون من اللسان لا يكون لأنه لسان، ولكن للُّطف الذي يجعله اللَّه في اللسان فينطقُ، فحيثما جعَل اللَّه ذلك اللطف والمعنى (١) في أيِّ جارحةٍ ما جعل نَطقت، ولو كان النطق لنفس اللسان لكان يجب أن ينطق لسان كلِّ ذي لسانٍ لِمَا له اللسان، فإذا لم ينطق دلَّ أنه لِلُّطف (٢) الذي جُعل فيه، وكذلك عملُ كل جارحةٍ من السمع والبصر والذوق والشم وغيرِ ذلك، اختصَّ كلَّ جارحةٍ بشيء من ذلك اللُّطف الذي جعل فيه لذلك (٣).
* * *
(٦٦) - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾: أي: في الدنيا ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾؛ أي: على أعين هؤلاء الكفار؛ أي: لأعميناهم ومحَوْنا نورَ أبصارهم.
﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾: أي: فبادروا في أول العمَى إلى الطريق ليَسلكوه إلى منازلهم أو مَقْصِدٍ آخر فلم يقدروا على ذلك، هذا مضمَرٌ.
﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: أي: فكيف يبصرون بعدما أعميناهم؟
* * *
стр. 6163
(٦٧) - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾: أي: لبدَّلنا خِلقتَهم وقَلَبْنا بِنْيَتهم فصيَّرناهم جمادًا.
﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾؛ أي: مكانهم، كالمَقام والمَقامة فما استطاعوا مضيًا ولا يرجعون.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿على مكاناتهم﴾ على الجمع (١)؛ لأن الممسوخين جماعة ولكلِّ واحد مكانةٌ؛ يقول: نَقدِر أن نفعل بهم ذلك في الدنيا كما أنطقنا جوارحهم في العُقبى، ويستحقُّون ذلك لكفرهم، لكنَّا لا نعاجلهم؛ ليتوبوا وليشكروا نعمتي عليهم.
وقيل ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾: لحوَّلنا أبصارهم عن الضلال إلى الهدى ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ فاهتدوا إلى طريق الحق ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ ولكن كيف يبصرون ولم أشأ ذلك فلم أفعل بهم ذلك (٢).
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ قيل: لأقعدنا أرجلهم فلم يتقدموا ولم يتأخروا.
* * *
(٦٨) - ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو والكسائي بفتح النون الأولى وتسكين الثانية وتخفيف الكاف وضمها على الفعل الثلاثي.
стр. 6164
وقرأ حمزة وعاصم بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف وتشديدها على التفعيل (١).
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ جزمٌ على الشرط بكلمة (مَن) يقول: مَن أطلنا عمرَه صيَّرناه إلى حالةِ الهرم التي تشبه حالةَ الصِّبا في ضعفِ العلم والقوة ونقصان الجسم والبِنية.
﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾: أنه كذلك.
قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامر في رواية ابن ذكوان عن ابن مجاهد عنه، وسهلٌ ويعقوبُ (٢) بتاء المخاطبة (٣)، والباقون بياء المغايبة.
وهو كقوله: ﴿يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]، وقولهِ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ الآية [الروم: ٥٤]، وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، يقول: فمَن قدر على ردِّ الإنسان في كبره إلى أول حالهِ قدر على إعادته بالبعث إلى أول حاله، وقدر على طمس عينه ومسخ خَلْقه.
* * *
(٦٩) - ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي﴾: يقول: إن الذي علَّمناه محمدًا مما يتلوه عليكم ويحاجُّكم به ليس بشعرٍ كما يقوله بعضكم.
стр. 6165
قال مقاتل: نزلت في عقبةَ بن أبي مُعيطٍ -لعنه اللَّه- قال: إن ما يقوله محمد شعر، فأنزل اللَّه هذه الآية ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أن يقول الشعر (١)، ولو كان شاعرًا لدخلت الشبهة على كثير من الناس في أمره أنه إنما يقدر على مثل هذا الكلام لأنه شاعر صناعتُه نظمُ الكلام.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾: أي: ما القرآن إلا ذكر ذكَركم اللَّه به، وقيل: شرفٌ لكم لأنه بلسانكم.
﴿وَقُرْآنٌ﴾: أي: وكتاب يقرأ ﴿مُبِينٌ﴾ ما تحتاجون إليه.
* * *
(٧٠) - ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾: أي: ليخوِّف مَن كان حيَّ القلب؛ أي: هو الذي يَنتفع به.
﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾: أي: وليتحقَّق وعيدُ اللَّه بالعذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وسئلت عائشة ﵂: هل كان رسول اللَّه ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يتمثَّلُ بشيء من الشعر؟ فقالت: كان الشعر أبغضَ الحديث إليه، ولم يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلًا... ويأتيك بالأخبارِ مَن لم تزوِّدِ
فجعل يقول: "ويأتيك مَن لم تزوِّدْ بالأخبار"، فقال أبو بكر ﵁: ليس هكذا يا رسول اللَّه، فقال: "إني لستُ بشاعرٍ ولا ينبغي لي" (٢).
* * *
стр. 6166
(٧١) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: الألف للاستفهام، وهو بمعنى الإثبات، والواو للعطف، ومعناه: أولم ير وا مع سائر ما رأوه من آياتنا ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾؛ أي: مما تولَّينا خَلْقَه منفردِينَ به لم يشاركنا فيه أحد.
﴿أَنْعَامًا﴾: وإبلًا وبقرًا وغنمًا.
﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾: مصرِّفون فيها على ما يشاؤون بالقهر بتسخيرنا إياها لهم، ولولا ذلك لما أطاقوها لقواها وعظم أجسامها، كما قال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣].
* * *
(٧٢ - ٧٤) - ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
قوله تعالى ﴿وَذَلَّلْنَاهَا﴾: أي: ليَّنَّاها وسخَّرناها.
﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾: هو ما يركب ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾: من لحومها وشحومها.
﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ من قوله: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: ٨٠].
﴿وَمَشَارِبُ﴾: من ألبانها.
﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾: لخالق هذه النعم وباسطِ هذه النعم بالإخلاص والطاعة.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾: مع ما رأوه من آياتنا في خلقنا.
﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾: أي: يرجون نصرهم؛ أي: منعهم من العذاب.
* * *
стр. 6167
(٧٥) - ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾: هو قطع رجائهم منهم.
﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: قيل: أي: والمشركون للأصنام ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ في التعصُّب لها والذبِّ عنها.
وقال مجاهد: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ عند الحساب (١)؛ أي: لتشفع لهم، فتكذِّبهم وتتبرَّأ منهم، كما قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢].
وقيل: ﴿وَهُم﴾؛ أي: الأصنام ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للمشركين ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾؛ أي: هم معتقِدون أنهم يُعِينونهم يوم القيامة كأنهم جندٌ لهم (٢).
وقيل: إنَّ كلَّ مَن عبَد شيئًا من دون اللَّه فإنه يؤمَر يوم القيامة باللحوق بمعبوده، فعبَدةُ الأصنام (٣) يُجعلون يومَ القيامة جندًا لهم يُجمعون إليها ثم يُحضرون النار جميعًا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
وقيل: ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: المشركون ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للأصنام ﴿جُنْدٌ﴾ متعصِّبون لهم في الدنيا ﴿مُحْضَرُونَ﴾ النارَ يوم القيامة، لا ينفعهم فيها تعصُّبهم لها.
* * *
(٧٦ - ٧٧) - ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.
стр. 6168
﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ يا محمد ﴿قَوْلُهُمْ﴾ فيك: إنك شاعر وساحر وكاهن وكاذب، وسائرُ وجوه الأذى بالقول.
﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: أي: إنَّا نعلم سرَّهم وعلانيَتهم، إضمارَهم وإظهارهم لك، وسنكافيهم على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾: قال ابن عباس ﵄: هو أبي بن خلف بن كَلَدة لعنه اللَّه، أتى النبيَّ بعظمٍ حائل ففتَّه بين أصبعيه في يومٍ شديدِ الريح على صَفَاةٍ، فجعل لا ينتهي إلى الصَّفَاة حتى تهبَّ به الريح، فقال: يا محمد، أتزعُم أن اللَّه يحيي هذا وهو رميم كما ترى؟ وهو البالي الذي لا شيء أشدُّ بِلًى منه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "نعم، ثم يُميتك ثم يبعثك ثم يدخلك نار جهنم"، فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ (١): أولم يعلمْ هذا الكافر أنا خلقناه من نطفة ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾: آل أمرُه إلى أن صار عاقلًا جَدِلًا مُحاجًّا في إحياء الموتى مُظهِرًا ذلك.
* * *
(٧٨ - ٧٩) - ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾: بيَّن لنا شبَهًا لأمر البعث ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾: نسي أمر خَلْقه كيف كان، وأنه لم يكن كما هو الآن، وإنما كان مَوَاتًا فأُحيي.
﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾: أي: باليَةٌ.
стр. 6169
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: أي: خلقها وأوجدها، وإذا قدر على إيجادها بداءً قدر على إعادتها.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾: ثم قرن هذا بما هو أبلغ منه في الدلالة على كمال القدرة فقال:
* * *
(٨٠) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾: أي: الرطب ﴿نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾؛ أي: من الشجر ﴿تُوقِدُونَ﴾ ومَن قدر على أن يجعل في الشجر الذي فيه الرطوبةُ نارًا فلا رطوبةُ الشجر تطفئها ولا النار تحرق الشجر، قدر على إحياء الموتى.
قال ابن عباس ﵄: هما شجرتان: المرخُ والعَفَار، فمَن أراد منهم النار قطع منهما مثلَ السواك وهي خضراءُ يقطر منها الماء، فيسحقُ المرخَ وهو ذكر على العَفار وهي أنثى فيخرج منهما نارٌ بإذن اللَّه (١)، وذلك قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧١ - ٧٢].
وقال (٢): في كلِّ شجرٍ نارٌ إلا العُنَّاب (٣).
ومن مُثُل العرب: في كلِّ شجرةٍ نارٌ واستَمْجَدَ (٤) المرخُ والعَفَار (٥).
стр. 6170
ثم نبَّههم على ما هو أعظم من هذا فقال:
* * *
(٨١ - ٨٣) - ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾: أي: أمثالَ هؤلاء المنكِرين للبعث بدءًا وإعادةً؛ أي: مَن قدر على الأكبر قدر على الأصغر.
﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي: يكونه في أسرع وقت لا يعجزه شيء ولا يتعبه (١) شيء.
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: نزِّهوا اللَّه عما أضافه إليه هؤلاء المشركون فهو الذي بيده ملكوت كلِّ شيء؛ أي: هو مالك كلِّ شيء ومصرِّفه.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: فيحاسبُكم ويجازيكم على طاعاتكم ومعاصيكم.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
стр. 6171
سورة الصافات
стр. 6172
سورة الصافات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّهِ الَّذي أقسَمَ بالملائكةِ المُكرَّمين، الرَّحمنِ الذي يجزي المُحسِنين، الرَّحيمِ الَّذي يُسلِّمُ على المُرسَلين.
روى أبيُّ بنُ كعبِ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "مَنْ قرَأَ سورةَ والصَّافَّاتِ أُعطيَ مِنَ الأَجرِ (١) عشرَ حسناتٍ بعدَدِ كلِّ شيطانٍ وجنٍّ، وتباعدتْ عنه مرَدَةُ الشَّياطينِ، وشهِدَ له حافظاه أنَّه مؤمنٌ بالمُرسَلين" (٢).
وهذه السُّورةُ مكِّيَّةٌ، وهيَ مئةٌ وإحدى وثمانون آيةً، وقيلَ: اثنتان وثمانون، الاختلافُ في آيتين: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾.
وكلماتُها ثماني مائةٍ واثنتان وستُّون كلمةً.
وحروفُها ثلاثةُ آلافٍ وثماني مئة وستةٌ (٣) وعشرون حرفًا.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السُّورةِ بآخرِ تلكَ السُّورةِ: أنَّه ذكَرَ في ختمِ تلكَ: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وأقسَمَ في أوَّلِ هذه السُّورةِ على أنَّه إلهٌ واحدٌ لا يُشبهُه شيءٌ.
стр. 6173
وانتظامُ السُّورتين: أنَّهما في مُحاجَّةِ المشركين، وفي إثباتِ الرِّسالةِ والبعثِ يومَ الدِّينِ، والتَّنبيهِ بقصصِ الأوَّلين.
* * *
(١) - ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾: هوَ قسَم بالملائكةِ على أنَّ اللَّهَ إلهٌ واحدٌ.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وجهُ القسَمِ بهم: أنَّ اللَّهَ تعالى قد عظَّمَ شأنَ الملائكةِ في قلوبِ أولئكَ الكفرةِ حتَّى قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨]، وقال فرعونُ لعَنَه اللَّهُ: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣]، وقولُهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١]، وما وصفَهُم اللَّهُ سبحانه أنَّهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وأنَّهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، كذلكَ أقسَمَ بهم تقريرًا لذلكَ في قلوبِهم (١).
وقالَ ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ ﵃: الصَّافَّاتُ والزَّاجراتُ والتَّالياتُ كلُّهمُ الملائكةُ (٢)، وكذا قال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ وجماعةٌ (٣).
﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ خُفِضَ بواوِ القسَم، وسُمِّيَتْ بها لأنَّهم صافُّون في السَّماواتِ في الصَّلواتِ.
وقيل: لأنَّها تصُفُّ أجنِحَتَها في الهواءِ إذا نزلَتْ للوحيِ وغيرِه.
وقالَ أبو معاذٍ (١): (سمعتُ إلى قولكَ) بمعنى: (استمعتُ إليه).
يقولُ: إنَّا حفِظْنا السَّماءَ بالكواكبِ الرَّاجمةِ مِن الشَّياطينِ أنْ يتعرَّضوا لسماعِ الوحيِ مِن ملائكةِ السَّماءِ الذين هم الزَّاجراتُ زجرًا، فالتَّالياتُ (٢) ذِكْرًا في إنزالِ الوحيِ على الرسُّلِ، ونحرُسُه عن تغييرِهم.
﴿وَيُقْذَفُونَ﴾: أي: يُرْمَون بنجومِ الرُّجومِ، عطفٌ على قولِه: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾.
﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾: أيْ: مِن جوانبِ السَّماءِ.
* * *
(٩) - ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾.
﴿دُحُورًا﴾: أي: طَرْدًا وإبعادًا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾: أي: دائمٌ في الآخرة؛ لكُفرِهم وإضلالِهم النَّاسَ وإيهامِهم إيَّاهم أنَّهم يعلمون الغَيْبَ كالأنبياءِ؛ طمَعًا في إفسادِ النُّبُوَّاتِ.
* * *
(١٠) - ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَة﴾: أي: سلَبَ السَّلْبَةَ، ومعناه: أخذَ شيئًا مِن كلامِهم بسرعةٍ طالبًا للغَفْلةِ.
وقيل: هذا الاختطافُ ليس في حقِّ الوحيِ، فقد ذكَرَ أنَّه يحفظُه عنهمْ، لكنَّه
стр. 6180
في تسمُّعهمْ كلامَ الملائكةِ في أشياءَ أُخَرَ سوى الوحيِ، فإذا أخَذوا شيئًا مِن ذلكَ رُجِموا، فذلكَ قولُه:
﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾: أي: لحِقَه شهابٌ؛ أي: نجمٌ راجمٌ.
﴿ثَاقِبٌ﴾: أي: مُضيءٌ، وقيل: نافِذٌ، والثُّقوبُ: التَّوقُّدُ، مِن بابِ دخَلَ.
وقيل: نجومُ الرُّجومِ غيرُ نجومِ الزِّينةِ، تلك ثابتةٌ وهذه سائِرةٌ (١) مُتَشتِّتةٌ.
وقال الشَّعبيُّ: لمْ يُقْذَفْ بالنُّجوم حتَّى بُعِثَ محمَّدٌ ﷺ ، فلمَّا قُذِفَ بها جعَلَ النَّاسُ يُسَيِّبون أنعامَهمْ ويُعتِقون رقائِقَهمْ يظنُّون أنَّها القيامةُ، فأتوا عبدَ يالِيلَ الثَّقَفِيَّ وكان قد عمِيَ، فقالوا له: قد سيَّبوا أنعامَهمْ وأعتَقوا رقيقَهم، قال: ولمَ؟ قالوا: إنَّ النُّجومَ تهافَتُ (٢) مِنَ السَّماءِ، فقال لهم: لا تعْجَلوا، فإنْ كانت نجومٌ تُعْرَفُ فهي عندَ قيامِ السَّاعةِ، وإنْ كانت نجومًا لا تُعْرَفُ فهو أمرٌ حدَثَ، فنظَروا فإذا هيَ نجومٌ لا تُعْرَفُ، قال: فما مكَثوا إلَّا يَسيرًا حتَّى أتاهم النَّبيُّ ﷺ (٣).
* * *
(١١) - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾: أي: فاسألِ المشركين يا محمَّدُ: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾؛
стр. 6181
أي: مِن الأممِ الماضيةِ الَّذين كانوا أشدَّ منكم قوَّةً، وأكثرَ أموالًا وأولادًا، فإنْ أجابوكَ أنَّهم أشدُّ مِمَّنْ سلَفَ فقلْ لهم:
﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ﴾: أي: خلَقْنا جميعَهم ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾: أي: لازقٍ باليدِ، والفِعلُ مِن بابِ دخَلَ، يعني: خَلَقَ أصْلَهم منه -وهو آدمُ- ثمَّ خلَقَهم منه، فكيفَ صاروا هم أشدَّ منهم، وكيفَ توهَّموا لشدَّتِهم عند أنفسِهم أنَّهم يُعْجِزونني وأنا خالِقُ جميعِهم، وموجدُهم مِن العدَمِ؟
وقيل: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ مِن الملائكةِ والشَّياطينِ والسَّماواتِ والأرضِ وما بينهما، وهو كقولِه ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات: ٢٧] الآياتِ، وقال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وذُكرَ بكلمةِ (مِن) لأنَّه جمعَ بينَ ما يعقِلُ وبينَ ما لا يعقِلُ، فغلَّبَ ما يعقِلُ.
يقولُ: فإذا قدَرْنا على خلْقِ ما هو أشدُّ منهم، فنحن نقدِرُ على إعادتِهم بعدَ موتِهم.
وقال مقاتلٌ: نزلَتْ في أبي الأشَدَّيْنِ، وسُمِّيَ به لشدَّةِ بطْشِه، واسمُه كَلَدَةُ بنُ أسيدٍ (١).
وقال محمَّدُ بنُ إسحاقَ: اسمُه أُبيُّ بنُ أسيدٍ (٢).
* * *
стр. 6182
(١٢) - ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾.
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ (١) بضمِّ التَّاءِ، والباقون بفَتْحِها خِطابًا للنَّبيِّ ﷺ (٢).
و ﴿بَلْ﴾: لِنَفْيِ ما مضى وإثباتِ ما بعدَه؛ أي: ليست لهم (٣) هذه الجُرْأةُ على أنَّهم يتوهَّمون أنَّهم يفوتونني، لكنْ ألِفوا شِرْكَهم، وقلَّدوا أسلافَهم، وأعرَضوا عن التَّدبُّرِ، فهم لذلك على جهلٍ، وأنت يا محمَّدُ تعجَبُ منهم وهم يَسْخَرون منك إذْ تدْعوهم إلى الإيمانِ باللَّهِ وبالرُّسلِ والبعثِ بعدَ الموتِ.
وقراءةُ الضَّمِّ إخبارٌ مِن اللَّهِ تعالى عن نفْسِه، وهو مَجازٌ عن الإنكارِ والكراهيةِ، ولا تجوزُ حقيقتُه على اللَّهِ تعالى، فإنَّه لظُهورِ ما لمْ يكنْ في الوهْمِ، لكنْ مَن ظهَرَ له ذلك -وهو قبيحٌ في نفْسِه- كرِهَه وأنكرَه، فأُريدَ به ذلكَ هاهنا.
وقال قُطْرُبٌ: أي: كبُرَ عندي وعظُمَ، فإنَّ الواحدَ منَّا إنَّما يعجَبُ مِن الشَّيءِ إذا كبُرَ عنده وعظُمَ.
* * *
(١٣) - ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا﴾: أي: وإذا وُعِظوا ﴿لَا يَذْكُرُونَ﴾؛ أي: لا يتَّعِظون.
وقيل: إذا ذُكِّروا أنَّهم خُلِقوا مِنْ طينٍ لازبٍ.
وقيل: أي: ذُكِّروا ما أحلَّ اللَّهُ بالمكذِّبين الماضين.
стр. 6183
وقيل: ما يُعاقَبون به يومَ (١) القيامةِ.
وقيل: ما أنعَمَ اللَّهُ به عليهم وألزَمَهم شُكْرَه.
وقولُه: ﴿لَا يَذْكُرُونَ﴾: أي: أعرَضوا عن ذلك فإنَّهم (٢) لا يذكُرونها ولا يحفظونها.
* * *
(١٤) - ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾: أي: مُعجزةً ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾: قيل: أي: يَسْخرون بها. قاله قطربٌ وأبو عبيدةَ وجماعةٌ (٣)، فهو كقولِهم: عجِلَ واستعجلَ، ويَقِنَ واستيقنَ، ونَكِرَ واستنكرَ.
وقيل: أي: يَعدُّونها سُخْرِيَةً؛ كقولك: استحسنتُ كذا، واستقبحتُ كذا، واستجهلتُ فلانًا، واستحمقتُه.
وقيل: أي: يدْعون النَّاسَ إلى السُّخْرِيَةِ بها، يريدُون بذلكَ التَّمويهَ على الضَّعَفَةِ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ﴾ [القمر: ٢].
* * *
(١٥ - ١٧) - ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أي: وما هذا إلا تخييلٌ (٤) ظاهرٌ.
﴿إنَّا لَذَائِقُونَ﴾: قيل: يقعُ على هذا قولُه: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾، وكُسِرَتْ "إنَّا" للَّامِ في قوله: ﴿لَذَائِقُونَ﴾؛ أي: تحقَّقَ علينا أنَّا نذوقُ العذابَ.
وسكَتَ عن ذكرِ المَذوقِ لوضوحِه؛ كما في قولِه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].
* * *
(٣٢ - ٣٥) - ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾: أي: السَّادةُ والأتباعُ سواءٌ في استحقاقِ العذابِ.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾: وهم مجرمون.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: يتعظَّمون عن قبولِه ويأنَفون منه.
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾: أي: لِمَ نترُكُ عبادةَ أصنامِنا؟! استفهامٌ بمعنى النَّفيِ.
﴿لِشَاعِرٍ﴾: أي: لقولِ رجلٍ يأتي بكلامٍ منظومٍ.
﴿مَجْنُونٍ﴾: لا يعقِلُ ما يقولُ؛ لأنَّه يخبرُنا بإلبعثِ بعدَ الموتِ وهو لا يعقِلُ، ونحنُ لا ندعُ دِينَ آبائِنا بقولِ هذا، يعنون محمدًا ﵇، فردَّ اللَّهُ عليهم ذلك، فقال:
стр. 6191
﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾: أي: ليس بشاعرٍ ولا مجنونٍ، بل هو رسولٌ جاءَ بما يجبُ في (١) العقولِ السَّليمةِ.
﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: وحقَّقَ بشاراتِ الأنبياءِ الماضين به، ووافقَ دينَهم وما جاؤوا به مِن توحيدِ اللَّهِ وطاعتِه.
* * *
(٣٨ - ٤٠) - ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾: أي: إنَّكم يا أهلَ عصرِ النَّبيِّ المكذِّبين به (٢) لصيرون إلى النارِ، فتذوقون عذابَها الوَجيعَ.
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: مِن الكفرِ والمعاصي.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: مَن قرأَ بفتحِ اللَّامِ فهمُ الَّذين صفَّاهمُ اللَّهُ تعالى عنِ الشِّركِ والمعاصي، ومَن قرأَ بكسرِها فهم الَّذينَ أخلَصوا العبادةَ للَّهِ، فلمْ يُشركوا به ولمْ يَعصوه (٣)، وهذا استثناءُ مَن يؤمنُ منهم بعدَ هذا.
وقيل: هو استثناءٌ منقطعٌ بمعنى (لكن)؛ أي: هؤلاءِ المكذِّبون بالنَّارِ يُعذَّبون، لكنَّ المؤمنين بالجنَّةِ يُنعَّمون.
* * *
стр. 6192
(٤١ - ٤٢) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾: أي: عطيَّةٌ معلومةٌ يعلمون دوامَها لهم.
﴿فَوَاكِهُ﴾: ترجمةٌ عن قولِه: ﴿رِزْقٌ﴾.
قيل: لمْ يُردْ به الفاكهةُ المعروفةُ في الدُّنيا، لكنَّ الفاكهةَ ما يُتَفَكَّه به؛ أي: يُتنعَّمُ به؛ أي: رزَقَهم ما يُتنعَّمُ به (١) في الجنَّةِ، وليس ذلك كقُوتِ الدُّنيا الذي يتناولُه مَن يضطرُّ إليه ويضيقُ قلبُه لتأخُّرِه عنه، وهو إشارةٌ إلى أنَّه يتناولُ المأكولاتِ التي يتنعَّمُ بها، وهو كقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]؛ أي: يتناولونها مُشْتهين لها، لا مُضطرِّين إليها ولا كارهين (٢) لها.
﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾: أي: بأنواعِ الكراماتِ مع ذلك.
* * *
(٤٣ - ٤٥) - ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: هو نصبٌ على الحال، وهو صفةٌ لهم لا لسُرُرهم، والتَّقابلُ أتمُّ للأنسِ، وأجمَعُ للرُّؤيةِ، وأيسَرُ للتَّحدُّثِ.
وقال مجاهدٌ: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: لا ينظُرُ بعضُهم في قفا بعضٍ (٣).
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾: هي القَدَحُ الملْآنُ شرابًا.
стр. 6193
﴿مِنْ مَعِينٍ﴾: قال الحسنُ وقتادةُ والضَّحاكُ والسُّدِّيُّ: أي: مِن خمرٍ جاريةٍ في أنهارٍ ظاهرةٍ للعيونِ (١).
قيل: هو مفعولٌ مِن عانَه يَعينه؛ أي: نظَرَ إليه بعينِه.
وقيل: هوَ فعيلٌ مِن المَعْنِ، وهو الإمعانُ في الجَرْيِ؛ أي: الشِّدَّةُ والسُّرعةُ.
* * *
(٤٦ - ٤٧) - ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾.
﴿بَيْضَاءَ﴾: صفةٌ لـ (الكأسِ)، وبياضُها بصفاءِ ما فيها.
﴿لَذَّةٍ﴾: أي: لذيذةٍ، واللَّذُّ نعتٌ كاللَّذيذِ؛ كالطَّبِّ في معنى الطَّبيبِ (٢)، والهاءُ للتَّأنيثِ.
﴿لِلشَّارِبِينَ﴾: أي: لشاربِيها، ليست كخمورِ الدُّنيا في كراهةِ الطَّعمِ.
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾: قال قُطْرُبٌ: أي: لا تغتالُ عقولَهم كخمورِ الدُّنيا (٣)؛ أي: لا تَذْهَبُ بها. وأصلُه: الإهلاكُ في الخفاء، و"قدْ قتلَه غَيْلةً واغتالَه"، أيْ: قتلَه في خُفْيةٍ.
стр. 6194
وقيل: ﴿غَوْلٌ﴾: أي: غائلةٌ؛ أي: ما يُكْرَه.
﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ (١) بكسرِ الزَّايِ؛ أي: ولا تنفَدُ خمورُهم، وقرأ الباقون بفتحِها؛ أي: لا تُزالُ عقولهم (٢).
و (قد نُزِفَ) على ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، فهو منزوفٌ ونزيفٌ، ونزْفُ البِئرِ: استخراجُ مائِها، كلُّه مِنْ بابِ ضرَبَ.
* * *
(٤٨) - ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾.
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾: أي: نساءٌ قد قصَرْنَ أبصارَهنَّ على رؤيةِ أزواجهنَّ، لحُبِّهنَّ إيَّاهم ولعفافِهنَّ وحُسْنِ عِشْرتهنَّ، والطَّرْفُ في معنى الجمعِ، ووُحِّدَ لأنَّه في الأصلِ مصدرٌ.
﴿عِينٌ﴾: جمعُ عَيْناءَ، وهي الواسعةُ العَينِ، الحسنةُ العَينِ، والفعلُ مِنْ بابِ عَلِمَ.
* * *
(٤٩) - ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾: أي: مَصون، وقيل: أي: مستورٌ.
وقيل: أراد به داخلَ البَيْضِ، وهو تشبيهٌ لهنَّ به في الصَّفاءِ واللِّين.
وقال في صفةِ الولدانِ: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]، وقال في صفةِ الحورِ
قيل: كانا أخوينِ، وهما المذكوران في قولِه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢]، وقد بيَّنا القصَّةَ في سورةِ الكهفِ، قاله الكلبيُّ (١).
وقيل: كانا شريكين على ما نُبيِّنُ.
وقيلَ: أرادَ به قرينَه مِنَ الشَّياطينِ كان يوسوسُ إليه بالتَّكذيبِ بيومِ البعثِ، ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ الآياتِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كانا شريكَين أحدُهما قُطْرُوسُ وهو الكافرُ، والآخرُ يَهودا وهو المؤمنُ، فاستجمَعَ لهما ثمانيةُ آلافِ دينارٍ، وكان أحدُهما مُحترِفًا، والآخرُ لا حِرْفةَ له، فقال المحترفُ لصاحبِه: ليستْ لك حِرْفةٌ، وما أُراني إلَّا مُفارقَكَ ومُقاسمَكَ، فقاسَمه وفارقَه، ثمَّ إنَّ قُطْرُوسَ اشترى دارًا بألفِ دينارٍ، فدعا صاحبَه، فقال: كيف ترى هذه الدَّارَ؟ قال: حسَنةً، ثمَّ خرجَ وتصدَّقَ بألفِ دينارٍ، وقال: يا ربِّ! أسألكَ (٢) دارًا في جنَّتِكَ، ثمَّ إنَّ الكافرَ تزوَّجَ امرأةً، وأنفقَ عليها وفي أمرِها (٣) ألفَ دينارٍ، فدعا صاحبَه، فقال: كيفَ ترى زوجتي؟ قال: ما أحسنَها! ثمَّ خرجَ وتصدَّقَ بألفِ دينارٍ، وسألَ ربَّه تعالى أنْ يُزوِّجَه مِنَ الحُورِ العِينِ، ثمَّ اشترى صاحبُه بألفَيْ دينارٍ بُسْتانين، فدعا صاحبَه فقال: كيفَ تراهما؟ قال: بُستانين خَضْراوين حَسَنين، ثمَّ
стр. 6197
خرجَ فتصدَّقَ بألفَيْ دينارٍ، وسألَ ربَّه أنْ يرزقَه بُسْتانين في الجنَّةِ، ثمَّ توفَّاهما الملَكُ، فانطلَقَ يومَ القيامةِ بالمتصدِّقِ إلى الجنَّةِ، وبوَّأَه دارًا هُيَئّتْ له، وزوَّجَه حُورًا، وسلَّمَ إليه (١) بُسْتانين في الجنَّةِ، فقالَ حينئذٍ: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾: يعني في دارِ الدُّنيا، يعني: شريكَه الكافرَ (٢).
* * *
(٥٤ - ٥٦) - ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾.
﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾: يقولُ لأصحابِه: هل أنتم تتطلَّعون معي في النَّارِ؟ لعلَّنا نرى هذا القَرينَ، وأُضْمِرَ هاهنا: فقالوا: نعم.
﴿فَاطَّلَعَ﴾: هذا المؤمنُ ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: في وسَطِ النَّارِ الموقدَةِ.
وقيل: في الجنَّةِ كوًى شارِعةٌ إلى الجحيمِ، فإذا أرادوا النَّظَرَ إلى أهلِ النَّارِ فتَحوها ونظَروا إليها (٣).
стр. 6198
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾: أي: أقسمُ باللَّهِ لقد كنتَ قاربْتَ أنْ تُهلِكَني بإضلالكَ.
ووجهٌ آخرُ: ما أردتَ إلَّا أنْ تُهلِكَني.
* * *
(٥٧ - ٥٩) - ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾: أي: إنعامُه عليَّ بالتَّثبُّتِ على الحقِّ، والعصمةِ عن قبولِ قولِكَ.
﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: النَّارَ معكَ، وهو كلمةُ شكرٍ؛ كقولِهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآيةَ [الأعراف: ٤٣].
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾: قيل: معناه: أنَّه يقولُ في الجنَّةِ لأصحابِه: أوَ قد أمِنَّا الموتَ بعدَ أنْ أحيانا اللَّهُ مِن الموتةِ الأولى الَّتي كانتْ في الدُّنيا، انتقَلْنا منها إلى دارِ الجزاءِ، وقولُه: ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾؛ أي: سوى الموتةِ الأولى ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؛ أي: وقد أمِنَّا العذابَ مع تقصيرِنا، فالحمدُ للَّهِ على هذا، وهو (١) كقولِه عندَ التَّعجُّبِ: أوَ كلُّ هذا النَّعيمِ (٢) لنا؟! لا يكونُ إنكارًا، بل يكونُ تعجُّبًا وشكرًا.
وقيل: يكونُ هذا توبيخًا لقرينِه، وكان في الدُّنيا إذا توعَّدَه قال: وما نحن
стр. 6199
بمعذَّبين، وما نحن بمبعوثين (١)، ويُكْثِرُ هذا القولَ، فيذكُرُه في (٢) هذه الحالةِ، ويقولُ: أهكذا تقولُ الآن: ما نحنُ بميِّتين إلَّا موتتَنا الأولى حينَ كنَّا نُطَفًا، ثمَّ أحيانا اللَّهُ، وما نحن بمعذبين بعدَما نموتُ؛ أي: لا نُبعَثُ بعدَه، أو لا نُعذَّبُ بقولِنا: (لا بَعْثَ)؛ لأنَّه حقٌّ وصدقٌ.
وقيل: (وما نحن بميتين): بمُهْلَكين بعقابِ اللَّهِ في الدُّنيا كما نُتَوعَّدُ به، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ في الآخرةِ؛ لأنَّه لا آخرةَ.
ثمَّ قرأ بعضُهم هاهنا: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾، ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ بالاستفهامِ في المواضعِ الثَّلاثةِ على أنَّ كلَّ واحدٍ سؤالٌ تامٌّ قُرِنَ بالاستفهامِ.
وبعضُهمْ قرأَ: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ على أنَّ الأوَّلَ تامٌّ، وهذا الأخيرَ داخلٌ في الاستفهامِ الثَّاني (٣).
وقيلَ: داخلٌ في الاستفهامين جميعًا، وحقُّه: أنَّا، بالنَّصبِ، لكنْ كُسِرَ لِلَّامِ في قولِه: ﴿لَمَدِينُونَ﴾.
* * *