قيل: كانا أخوينِ، وهما المذكوران في قولِه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢]، وقد بيَّنا القصَّةَ في سورةِ الكهفِ، قاله الكلبيُّ (١).
وقيل: كانا شريكين على ما نُبيِّنُ.
وقيلَ: أرادَ به قرينَه مِنَ الشَّياطينِ كان يوسوسُ إليه بالتَّكذيبِ بيومِ البعثِ، ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ الآياتِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كانا شريكَين أحدُهما قُطْرُوسُ وهو الكافرُ، والآخرُ يَهودا وهو المؤمنُ، فاستجمَعَ لهما ثمانيةُ آلافِ دينارٍ، وكان أحدُهما مُحترِفًا، والآخرُ لا حِرْفةَ له، فقال المحترفُ لصاحبِه: ليستْ لك حِرْفةٌ، وما أُراني إلَّا مُفارقَكَ ومُقاسمَكَ، فقاسَمه وفارقَه، ثمَّ إنَّ قُطْرُوسَ اشترى دارًا بألفِ دينارٍ، فدعا صاحبَه، فقال: كيف ترى هذه الدَّارَ؟ قال: حسَنةً، ثمَّ خرجَ وتصدَّقَ بألفِ دينارٍ، وقال: يا ربِّ! أسألكَ (٢) دارًا في جنَّتِكَ، ثمَّ إنَّ الكافرَ تزوَّجَ امرأةً، وأنفقَ عليها وفي أمرِها (٣) ألفَ دينارٍ، فدعا صاحبَه، فقال: كيفَ ترى زوجتي؟ قال: ما أحسنَها! ثمَّ خرجَ وتصدَّقَ بألفِ دينارٍ، وسألَ ربَّه تعالى أنْ يُزوِّجَه مِنَ الحُورِ العِينِ، ثمَّ اشترى صاحبُه بألفَيْ دينارٍ بُسْتانين، فدعا صاحبَه فقال: كيفَ تراهما؟ قال: بُستانين خَضْراوين حَسَنين، ثمَّ
стр. 6197
خرجَ فتصدَّقَ بألفَيْ دينارٍ، وسألَ ربَّه أنْ يرزقَه بُسْتانين في الجنَّةِ، ثمَّ توفَّاهما الملَكُ، فانطلَقَ يومَ القيامةِ بالمتصدِّقِ إلى الجنَّةِ، وبوَّأَه دارًا هُيَئّتْ له، وزوَّجَه حُورًا، وسلَّمَ إليه (١) بُسْتانين في الجنَّةِ، فقالَ حينئذٍ: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾: يعني في دارِ الدُّنيا، يعني: شريكَه الكافرَ (٢).
* * *
(٥٤ - ٥٦) - ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾.
﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾: يقولُ لأصحابِه: هل أنتم تتطلَّعون معي في النَّارِ؟ لعلَّنا نرى هذا القَرينَ، وأُضْمِرَ هاهنا: فقالوا: نعم.
﴿فَاطَّلَعَ﴾: هذا المؤمنُ ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: في وسَطِ النَّارِ الموقدَةِ.
وقيل: في الجنَّةِ كوًى شارِعةٌ إلى الجحيمِ، فإذا أرادوا النَّظَرَ إلى أهلِ النَّارِ فتَحوها ونظَروا إليها (٣).
стр. 6198
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾: أي: أقسمُ باللَّهِ لقد كنتَ قاربْتَ أنْ تُهلِكَني بإضلالكَ.
ووجهٌ آخرُ: ما أردتَ إلَّا أنْ تُهلِكَني.
* * *
(٥٧ - ٥٩) - ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾: أي: إنعامُه عليَّ بالتَّثبُّتِ على الحقِّ، والعصمةِ عن قبولِ قولِكَ.
﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: النَّارَ معكَ، وهو كلمةُ شكرٍ؛ كقولِهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآيةَ [الأعراف: ٤٣].
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾: قيل: معناه: أنَّه يقولُ في الجنَّةِ لأصحابِه: أوَ قد أمِنَّا الموتَ بعدَ أنْ أحيانا اللَّهُ مِن الموتةِ الأولى الَّتي كانتْ في الدُّنيا، انتقَلْنا منها إلى دارِ الجزاءِ، وقولُه: ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾؛ أي: سوى الموتةِ الأولى ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؛ أي: وقد أمِنَّا العذابَ مع تقصيرِنا، فالحمدُ للَّهِ على هذا، وهو (١) كقولِه عندَ التَّعجُّبِ: أوَ كلُّ هذا النَّعيمِ (٢) لنا؟! لا يكونُ إنكارًا، بل يكونُ تعجُّبًا وشكرًا.
وقيل: يكونُ هذا توبيخًا لقرينِه، وكان في الدُّنيا إذا توعَّدَه قال: وما نحن
стр. 6199
بمعذَّبين، وما نحن بمبعوثين (١)، ويُكْثِرُ هذا القولَ، فيذكُرُه في (٢) هذه الحالةِ، ويقولُ: أهكذا تقولُ الآن: ما نحنُ بميِّتين إلَّا موتتَنا الأولى حينَ كنَّا نُطَفًا، ثمَّ أحيانا اللَّهُ، وما نحن بمعذبين بعدَما نموتُ؛ أي: لا نُبعَثُ بعدَه، أو لا نُعذَّبُ بقولِنا: (لا بَعْثَ)؛ لأنَّه حقٌّ وصدقٌ.
وقيل: (وما نحن بميتين): بمُهْلَكين بعقابِ اللَّهِ في الدُّنيا كما نُتَوعَّدُ به، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ في الآخرةِ؛ لأنَّه لا آخرةَ.
ثمَّ قرأ بعضُهم هاهنا: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾، ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ بالاستفهامِ في المواضعِ الثَّلاثةِ على أنَّ كلَّ واحدٍ سؤالٌ تامٌّ قُرِنَ بالاستفهامِ.
وبعضُهمْ قرأَ: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ على أنَّ الأوَّلَ تامٌّ، وهذا الأخيرَ داخلٌ في الاستفهامِ الثَّاني (٣).
وقيلَ: داخلٌ في الاستفهامين جميعًا، وحقُّه: أنَّا، بالنَّصبِ، لكنْ كُسِرَ لِلَّامِ في قولِه: ﴿لَمَدِينُونَ﴾.
* * *
وقيل: سالمٌ عن كلِّ آفةٍ.
وقيل: هو السَّالمُ عن الغِلِّ في حقِّ الخَلْق.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾: و ﴿إِذْ﴾ زمانُ وصفِه بالسَّلامةِ، و ﴿إِذْ﴾ في الأوَّلِ زمانُ المشايعةِ، وهذا سؤالُ توبيخٍ؛ كقولكَ لِمَن لا ترضى عملَه: ماذا تعملُ؟!.
* * *
(٨٦ - ٨٧) - ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ: أتريدون أنْ تتَّخِذوا مِن دونِ اللَّهِ آلهةً؟! أي: أصنامًا إفكًا؛ أي: كذِبًا في تسميتِكم الأصنامَ آلهةً، وهو استفهامٌ على وجهِ الإنكارِ.
قولُه تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: فما ظنُّكمْ بِمَن هو ربُّ العالمين إذا لقيتموه يومَ القيامة -أي (١): وافيتُم موقِفَ حسابِه- ماذا يصنَعُ بكم وقد أشركتُم به؟
* * *
(٨٨ - ٨٩) - ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾: قيل: كان أهلُ زمانِه أصحابَ نظَرٍ في علمِ النُّجومِ، ويستدلُّون (٢) على حوادثِ الأمورِ مِن جهتِها، وكان إبراهيمُ ﵇ قد كلَّمَهم في الأصنامِ أنَّها لا تضرُّ ولا تنفَع، ولا تُبْصِرُ ولا تسمَع، وأنَّها جمادٌ لا تعقِلُ، ونهاهم عن عبادتِها، فلمْ ينجَعْ ذلك فيهم، فأحبَّ أنْ يُريَهم ذلك مِن أوضحِ وجهٍ
стр. 6208
بأنْ يكسِرَها، وكان يحتاجُ في ذلك إلى خلُوِّ موضعٍ يُمكِنُه فيه ذلك، فانتهزَ الفرصةَ، وانتظرَ عيدًا لهم يخرُجون فيه إلى الصَّحراءِ جُمْلةً، فدعَوه يومئذٍ إلى الخروجِ معهم، فاعتَلَّ للتَّخلُّفِ عنهم، وهيَّأَ عُذْرًا يترُكونه له.
وقولُه تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾: أي: فعَلَ ما يفعلُه النَّاظرُ في النُّجومِ في تعرُّفِ أمرٍ يريدُ معرفتَه مِن جهتِها.
وقولُه تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾: أوهمَهم أنَّ (١) النُّجومَ تدلُّ على أنِّي سأسقم غدًا في مَخْرَجي إنْ خرجْتُ، فأنا أتخلَّفُ في منزلي؛ لئلَّا يتزايدَ بي ما يحدُثُ بسببِ الحركةِ، فوقعَ عندهم أنَّه عُذْرٌ.
* * *
(٩٠) - ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾.
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾: فأعرَضوا عنه مُولِّين الأدبارَ، وكان مرادُه في قولِه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ أي: سأسقمُ سقَمَ الموتِ، فإنَّ العبدَ لا يخلو عنه، أو أرادَ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ للحالِ، فإنَّ الإنسانَ لا يخلو كلَّ ساعةٍ عن ضعفٍ ببدنِه بعارضٍ مِن وجهٍ، وزوالِ الاعتدالِ مِن السَّقَمِ والاعتِلالِ.
وقيل: كان عندهم اسمُ السَّقيمِ (٢) يقعُ على المطعونِ، وهو الذي به الطَّاعون، وكانوا يتشاءَمون به وينفِرون عنه، فلذلك ولَّوا عنه، وهو أرادَ به ما قلنا، فلمْ يكنْ كذِبًا ولا غُرورًا، بل كان احتيالًا لإظهارِ الحقِّ وإبطالِ الباطلِ، فكانَ عملًا مبرورًا وسَعْيًا مشكورًا.
стр. 6209
وقيل: كانَ يعرِضُ له كلَّ ليلةٍ حُمًّى أو عارضٌ نحوَها في ساعةٍ مِن اللَّيلِ،: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾، لكنْ في عَينِ النُّجومِ في السَّماءِ، وهي تدلُّ بأعيانِها في المتعارفِ على ساعاتِ اللَّيلِ، فقال: قرُبَتْ ساعةُ سقَمي بدلالةِ مسيرِ هذا النَّجمِ، وإذا وقعَ ذلك ضعُفْتُ عنِ الخروجِ، فلا أخرجُ. وكان في نفْسِه قصَدَ كسْرَ الأصنامِ، لكنْ لمْ يكنْ كاذبًا فيما أظهرَ مِن الكلام، فلمْ يلحقْه به شيءٌ مِن الملام.
* * *
(٩١) - ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾: أي: فمالَ في خُفْيَةٍ إلى أصنامِهم التي كانوا يسمُّونها آلهةً، وهو مِن روَغانِ الثَّعلبِ إذا قصدَه الكلبُ.
قولُه تعالى: ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾: قال السُّدِّيُّ: ثمَّ رجَعَ إبراهيمُ إلى بيتِ الأصنامِ، فإذا هي في بهْوٍ عظيمٍ، وإذا هم قد جعلوا طعامًا، فوضعُوه بينَ أيديها وقالوا: إذا كان حين نرجِعُ رجَعْنا وقد برَّكتِ الآلهةُ في طعامِنا فأكلْنا، فلمَّا نظرَ إليهم وإلى ما بينَ أيديهم مِنَ الطَّعامِ قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ (١). وهذا على وجهِ الاستهزاءِ، وهو وإنْ كان خِطابًا للجمادِ، لكنَّه صحيحُ الاعتبارِ؛ لأنَّه تحريكٌ للخاطرِ وبعثٌ على الاستدلالِ، فلمَّا لمْ تُجِبْه الأصنامُ قال:
* * *
(٩٢ - ٩٣) - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾.
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾: والجمعُ بالواوِ والنُّونِ لِمَا أنَّه خاطبَها خطابَ مَن يعقِلُ.
وقولُه تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾:
стр. 6210
قيل: أي: باليدِ اليُمنى؛ لأنَّها أقوى على العملِ مِن اليُسرى.
وقيلَ: أي: بالقسَمِ الَّذي كان قالَ: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧].
وقالَ الفرَّاءُ: أي: بالقوَّةِ (١)، قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥].
* * *
(٩٤) - ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾: قرأَ حمزةُ والمفضَّلُ (٢) عن عاصمٍ: ﴿يُزِفُّون﴾ بضمِّ الياءِ من الإزفافِ، وهو الإسراعُ؛ أي: فأقبلَ القومُ إليه يُسرعون حينَ سمِعوا أنَّه فعلَ بأصنامِهم ذلك.
وقرأه العامَّةُ: ﴿يَزِفُّونَ﴾ بفتحِ الياءِ (٣) مِن الزَّفيفِ، والزَّفيفُ: الإسراعُ، مِن بابِ ضرَبَ.
* * *
(٩٥) - ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾: قال هذا بعدَ مُحاوراتٍ كانت بينهم ذكرَها في سورةِ الأنبياءِ، ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٥٩] إلى قولِه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٦٦].
وقال ها هنا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾: نحْتُ الخشَبةِ: بَرْيُها.
﴿سَيَهْدِينِ﴾: أي: إلى الصَّوابِ فيما نويتُه (١)، فيُبَلِّغُني إلى حيثُ أصِلُ فيه إلى ما أريدُ.
قيل: خرَجَ إلى بيتِ المقدسِ، وخرجَ أوَّلًا إلى حرَّانَ، فأقامَ بها مُدَّةً.
وظاهرُه يحتمِلُ وجهين:
أحدُهما: أنَّه يكونُ قصَدَ موضِعًا بعينِه، وأرادَ بقولِه: ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: سيُرشِدُني إلى مقصدي.
ويحتملُ أنَّه قصَدَ المهاجَرةَ ولمْ يُعيِّنْ موضِعًا، وأراد بقولِه: ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: يثيبني ويختارُ (٢) لي موضِعًا هو أهدى لي ويُبَلِّغُني إليه.
وقيلَ: قالَ ذلكَ حينَ رُمِيَ به في النَّارِ، فقالَ: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾؛ أي: وطَّنْتُ نفْسي على موتي ولقاءِ ربِّي، ﴿سيهديني﴾: أي: يُثبِّتُني (٣) على صبْري.
* * *
(١٠٠ - ١٠١) - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: سألَ اللَّهَ أنْ يرزُقَه ولدًا صالحًا يستأنِسُ به في غُرْبتِه وينفرِجُ به عن كربتِه، وتقديرُه: هبْ لي صالحًا مِنَ الصَّالحين؛ أي: ولدًا صالحًا يصلُحُ لِمَا صلَحَ له (٤)، فيصبِرُ على البلاءِ كصبرِه، ويقومُ في الذَّبِّ عن دينِ اللَّهِ كقيامِه، فاستجابَ اللَّهُ له، فوهَبَ له ولدًا كذلك:
стр. 6213
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾: أي: بولدٍ ذكَرٍ يكونُ حليمًا إذا كبَرَ؛ أي: لا يعجَلُ في الأمورِ، ويتحمَّلُ المشاقَّ.
وفيه دليل على أنَّ الولدَ هبة مِن اللَّهِ، وأنَّ سؤالَ الولدِ مِن اللَّهِ تعالى جائزٌ، لكنَّه يسألُه صالحًا في الدِّينِ، لا لذَّةً لنفْسِه، وعونًا على أمورِ دنياه (١)، قال زكريَّا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥].
وقالَ إبراهيمُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقالَ زكريَّا أيضًا: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨].
وقال عبادُ الرَّحمنِ: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤].
* * *
(١٠٢) - ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾: أي: فبشَّرْناه بولدٍ صالحٍ ورزقناه ذلك، فلمَّا بلَغ الولدُ المبلغَ الذي يسعى معه في أموره ويُعينه على أشغاله التي يستعين الآباء فيها بأبنائهم، وذلك وقتُ اغتباطِ الآباء بالأبناء.
وقيل: أي: لمَّا بلَغ في كونه مع إبراهيم أنْ يسعى للَّه في العبادات والطَّاعات، وذلك بأنْ أدركَ وصار مكلَّفًا، وما بعده في الآية دليلُ ذلك.
﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾: أي: رأيتُ فيه ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾: أي: بالأمر، ولا يحتملُ غير ذلك.
стр. 6214
وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾: وهو مِن الرَّأي؛ أي: كيف رأيُك فيه: الإمضاءُ أو التَّوقُّفُ؟ وهذا امتحانٌ منه للولد وتعرُّفٌ بحاله أنَّه هل يُجيبه بالسَّمع والطَّاعة، فيتحقَّق عنده أنَّه وهب له صالحًا، ويُقيم أمر اللَّه فيه بمعاونته، وإنْ أجابه بغير ذلك أمضاه أيضًا على كُرْهٍ منه.
وقرأ الكسائيُّ وحمزةُ: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ بضمِّ التَّاء وكسر الرَّاء (١)؛ أي: بماذا تشيرُ وماذا (٢) تُظهرُ مِن نفْسِك.
﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾: أي: ما أُمرتَ به، وإخراجُه على صيغة المستقبل على معنى: افعلْ ما أنتَ يا أبتِ مأمورٌ به الآن.
وقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾: أي: سأصبِرُ على الذَّبح بتوفيق اللَّه وعونه.
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لمَّا كانت ليلةُ التَّروية رأى إبراهيمُ في المنام كأنَّ قائلًا قال له: إنَّ اللَّه يأمرُك أنْ تذبحَ ابنك هذا، فلمَّا أصبح روَّى في نفْسه؛ أي: فكَّرَ مِن الصَّباح إلى الرَّواح: أمِنَ اللَّهِ هذا الحلمُ أم مِن الشَّيطان؟ فمِن ثمَّةَ سُمِّيَ ذلك اليومُ يومَ (٣) التَّروية، فلمَّا أمسى رأى في المنام ثانيًا، فلمَّا أصبح عرَف أنَّ ذلك مِن اللَّه تعالى، فسُمِّيَ اليومُ عرفةَ، والموضعُ عرفاتٍ (٤).
стр. 6215
وقال وهْبٌ: فلمَّا أراد إبراهيم أنْ يذهبَ بإسماعيل ﵇ إلى المَنْحَر قال لهاجر: ألبِسي إسماعيلَ أحسنَ ثيابه، فإنِّي ذاهبٌ به إلى ضيافة، فألبَسَتْه ودهَنَتْه، وحمَل معه حبلًا وسكِّينًا، ولم يكن إبليس مِن يوم خلَقه اللَّهُ أشغلَ ولا أكثرَ تَردادًا (١) منه في ذلك اليوم، فكان إسماعيل يعدو أمام أبيه ويلعب، فجعل إبليسُ لعنه اللَّه يقول لإبراهيم: ألا ترى إلى قوامه وشهامته وحُسْنه، فيقول إبراهيم: أُمرْتُ بذبحه، فلمَّا أيِسَ مِن جانبه أتى هاجر فقال: ذهب إبراهيم بابنكِ لِيذبحَه، فقالت: ولِمَ يذبحه؟ قال: يقولُ: أمرني بذلك ربِّي، قالت: فمَن أنا حتى أحكمَ على ربي؟ فلما أيِسَ مِن جانبها أتى إسماعيل فقال له: إنكَ تنزو وتلعب، ومع أبيك حبلٌ وسكِّينٌ يريد ذبحك، قال: ولِمَ؟ قال: يزعم أنَّ ربَّه أمره بذلك، قال: فإني لا أريد خِلاف ربي، فلما انتهى به إلى منًى قال له: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢).
قال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دلالةٌ أنَّه لا كلُّ مأمورٍ بأمر مِن اللَّه شاء اللَّه أنْ يفعل ما أمره به، حيث أخبره أنَّه سيجده مِن الصَّابرين إن شاء اللَّه، وقد كان إبراهيم مأمورًا بذبح ولده، فإذا أُمِرَ هو بالذَّبح أُمِرَ الولدُ أنْ يصبر عليه، ثم أخبر أنَّه سيصبر عليه إن شاء اللَّه، فدلَّ على ما ذكَرْنا، وهو حُجَّة لنا على المعتزلة خذلهم اللَّه (٣).
стр. 6216
(١٠٣) - ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾: قيل: أي: انقادا لأمر اللَّه.
وقيل: أيْ: سلَّما أنفسَهما للائتمار.
﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: أي: وصرَعه على الجبين؛ أي: جانب الجبهة، ولها جنبتان يكتنِفانها، وكان هذا إضجاعًا على الجنب كإضجاع الشَّاة للذَّبح.
وقال المفسرون: صرَعه على جبهته؛ لئلَّا يراه حين يذبحه، ولئلَّا ينظر الابن إلى أبيه وهو يذبحه، فيورثَ ذلك رقَّةً أو خِيفةً فيخلَّ بالطَّاعة.
* * *
(١٠٤ - ١٠٥) - ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾: قال الفراء وغيره: الواو مُقحَمةٌ زائدةٌ (١)، ومعناه: ناديناه (٢)، جوابًا لقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، وهو كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وكقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ١٥].
وقولُه تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾: أي: حقَّقْتَ ما أمرناك به في المنام مِن تسليم الولد للذبح.
стр. 6217
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: نوفِّقُ للإحسان مَن نوى الإحسان، وأحسنَ النِّيَّةَ وأخلصَها وصحَّحها (١) وصمَّمها.
* * *
(١٠٦) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾: أي: الاختبارُ الظَّاهرُ لإظهارِ ما علِمَ اللَّه على ما عَلِم اللَّه (٢)، ويُستعمل البلاء في المكروه والمحبوب؛ أي: المحنةِ والنِّعمة، ويصلُح هذا لكل واحد منهما؛ أي: قولُنا لك: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وإسقاطُ حقيقة الذبح عنك نعمةٌ، وأمرُنا إياك بذبح ولدك مِحْنةٌ.
* * *
(١٠٧) - ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾: أي: الولدَ ﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: ما يُذبح مكانه، وهو عظيمٌ في هيئته، وعظيمٌ في خطَره ورِفعته؛ لأنَّه كان يَرعى (٣) في الجنة أربعين عامًا.
قال عثمان بن حاضر (٤): هبَط عليه الكَبْشُ مِن ثَبِير (٥)، وكان رعى في الجنة أربعين سنة (٦).
стр. 6218
وقيل: ثمانين سنة.
وعن ابن عباس ﵄ قال: نزل عليه تَيْسٌ مِن ثَبير، أقرنُ له ثُغاءٌ (١)، وهو الكبش الذي قرَّبه ابن آدم فتُقُبِّل منه، وكان مخزونًا في الجنة (٢).
قال الكلبي ﵀: وأخذ إبراهيم الشَّفْرة ليذبحَه، قال إسماعيل: يا أبتِ! أوثِقْني، فإني أخاف أنْ أجدَ حدَّ (٣) السِّكين فأضطربَ فأشقَّ عليك، واصرفْ وجهك عني، فإني أخاف أنْ ترحمني فيَشقَّ عليَّ (٤).
وفي حديث وهب قال له: اشدُدْ وَثاقي، فإني أخاف أنْ يفارقَني عقلي، ويتحرَّكَ منِّي عضو فيؤذيَك، وأنا أكره أنْ أختِمَ عمري بذلك، فإذا فرَغْتَ مِن أمركَ، فاقرأ على أمي مني السَّلام، وقل لها: لا تجزعي، فإن اللَّه قد أحرز لكِ ابنكِ في الجنة خالدًا مخلَّدًا، فلما وضَعَ السِّكينَ عليه ليذبحه نودي: يا إبراهيمُ! ارفع رأسكَ، فاذبح هذا الكبش الذي ينحدرُ عليك مكانَ ابنكَ، فرفع إبراهيم رأسه فإذا هو بكبش ينحدرُ عليه مِن الجبل المشرف على مسجد منًى أقرنَ أملحَ، فقام إليه إبراهيم ليذبحه، فهرب الكبش، فاتَّبَعه إبراهيم، فانتهى به إلى جمرة العقَبة، فاضطرَّ عندها، ثم أخذه، ثم أقبل به نحو ابنه (٥)، حتى انتهى به إلى ما بين الجمرتين، فرمى بنفْسه فلم يُطِقْه
стр. 6219
إبراهيم، فذبحه مكانه، فصار الذبح هنالك، ثم جاء إلى ابنه فحلَّه (١).
وفي حديث وهب: فإذا بكبش مثلِ بدنِ الفيل العظيم قد لوى قرْنَه الأيمن على ساقِ سمُرةٍ غليظةٍ، لم يكن ليحبِسَه إلا ذلك.
ولما ذبح الكبش أوحى اللَّه إلى هذا الولد أنِ ادعُ، فإن لكَ دعوةً مستجابةً، فقال: اللهم إني أدعوكَ أن تستجيبَ لي: أيُّما عبد مِن الأولين والآخرين لقِيَكَ لا يُشرك بكَ شيئًا أنْ تدخلَه الجنة، فقال: لكَ ذلك (٢).
* * *
(١٠٨) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾: أي (٣): على إبراهيم ثناءً حسنًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾: في الأنبياء بعده.
وقيل: في الأمم بعده.
وقيل: في أمة محمد، فكلٌّ ينتمي إليه ويُصلي ويُسلِّم عليه.
وقيل: تَرَك مناسكه ونسائكه فيمَن بعده.
وقيل: هو ما استجاب مِن قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
стр. 6220
(١٠٩ - ١١٢) - ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقيل: هو ما بعده: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: على ما شرحناه في قصة نوحٍ مِن هذه السورة.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: هو على ما فسَّرناه في قصة نوح ﵇، وكرَّرَ قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ في حق إبراهيم ﵇، لاختلاف الإحسانَين والجزاءَين، وهو ما ذُكِر ثمَّةَ وهاهنا.
قولُه تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: قيل: وجزيناه على صبره في حقِّ إسماعيل أنْ بشَّرناه بولد آخر، وهو إسحاقُ، ﴿نَبِيًّا﴾ نصبٌ على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ نُعِت به معرفةٌ ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ كالولد الأول.
* * *
(١١٣) - ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.
﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾: أي: على إبراهيم ﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾: ولدِه؛ أي: أدَمْنا عليهما البركاتِ، وكثَّرْنا نَسْلَهما.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾: لما ذكَرَ البركة عليهما -ومنها (١) كثرةُ نسلِهما- وظاهرُه للثَّناء بها، ذكَرَ أنَّ من ذُرِّيتِهما محسنًا فله جزاء المحسنين، ومسيئًا فله جزاء المسيئين، وأنه (٢) يُميِّزُ بينهما، وإنْ كانا من نسلِهما يُعرِّفُ عبادَه أنَّ الجزاء لا يُستَحقُّ بصلاح الآباء، وإنما يُستَحقُّ بالأعمال الحسنة.
стр. 6221
ثم اختلفوا: في أنَّ الولدَ المأمور بذبحه إسماعيلُ أو إسحاقُ؟
قال خوَّات بن جُبير، وسعيد بن المسيَّب، ويوسف بن مهران، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جُبير، وأبو الجَلْد (١)، وعطاءٌ، والضَّحاك، وأبو صالح، والكلبيُّ، ومحمد بن كعب القُرَظيُّ، وعليُّ بن الحسين، وأبو جعفر محمد بن علي، وزيد بن علي، ومعاوية، وابن عباس (٢)، ومجاهد، وابن عمر، وأبو هريرة، والحسن، ووهْب بن منبِّه ﵃: إنه إسماعيل (٣).
وقال العبَّاس، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وعبد اللَّه بن سلام، وجابر بن عبد اللَّه، وأبيُّ بن كعب، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبو سعيد الخدري، وأبو الدرداء، وكعب الأحبار، وعبيد بن عمير، وعبد اللَّه بن أبي الهذيل، وأبو ميسرة، وابن سابط، والسُّدِّيُّ، ومسروق، وعثمان بن حاضر، وقتادة، وعكرمة، وعطاء الخُراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبو اليمان: هو إسحاق ﵇ (٤).
стр. 6222
فمَن جعله إسحاق احتجَّ بما رُوي في الخبر أنَّ يوسف صلوات اللَّه عليه كان يقول: أنا يوسف صدِّيقُ اللَّه ابنُ يعقوبَ إسرائيلِ اللَّه ابنِ إسحاقَ ذبيحِ اللَّه ابنِ إبراهيمَ خليلِ اللَّه (١).
стр. 6223
ومَن جعله إسماعيل احتجَّ بقوله ﵇: "أنا ابن الذَّبيحين" (١)، وعنى بأحدهما أباه عبد اللَّه، وقصَّتُه معروفةٌ، وبالثاني إسماعيل.
وبقول اللَّه تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، فلما بشِّرتْ سارة بأنَّ لها من ولدها إسحاقَ نافلةً هو يعقوب، وعلِم بذلك إبراهيم، كان يتيقَّن أنَّ إسحاق لا يُذبحُ، فلا يتحقَّق الابتلاء بأمره بذبحه.
ولأنه (٢) قال في هذه السورة بعد تمام قصة الولد: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، فكان التبشير بإسحاق بعد مُضيِّ هذه القصة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا حاجةَ بنا إلى معرفة ذلك الولد بعينه، ولو كانت بنا حاجةٌ (٣) إليه لبيَّنَ اللَّه تعالى لنا ذلك (٤).
стр. 6224
(١١٤ - ١١٦) - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾: أي: تفضَّلْنا عليهما بإيتاء النبوة والرسالة وغير ذلك مما يكثُر، قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦] إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: ٣٧] الآيات.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾: أي: بني إسرائيل ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: الغمِّ الذي يأخذ بالنَّفْس مِن الاستعباد من فرعون وقومه وسائر المِحَن.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾: أي: موسى وهارون وقومهما على فرعون وقومه ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: بالحُجَّة والقوة ووجوه النُّصْرة.
* * *
(١١٧ - ١٢٢) - ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُمَا﴾: أي: موسى وهارون ﴿الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾؛ أي: البَيِّنَ الظاهر الواضح، وهو التوراة.
﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: أي: أرشَدْناهما إلى الدين الحق، ثم أمَرْناهما بدعاء الناس إليه.
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ﴾: له وجهان كما مرَّ في ذِكْر نوح ﵇.
﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: وقد فسَّرْناه في ذِكْر نوح.
стр. 6225
(١٢٣ - ١٢٥) - ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: أي: ألا تخافون اللَّه؟! استفهامٌ بمعنى الأمر.
وقولُه تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾: قال عكرمة ومجاهد وقتادة والسُّدِّي: البَعْلُ: الرَّبُّ في لغة أهل اليمن، يقال: هذا (١) بَعْلُ هذا الثوب؛ أي: ربُّه (٢).
وقال الحسن والضحاك وابن زيد: هو اسمُ صنمٍ لهم، وبلاد هؤلاء كانت (بَعْلَبَكَّ) بنواحي الشام (٣).
وقيل: إنَّ البَعْل كانت امرأةً يعبدونها.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾: أي: وتتركون عبادة اللَّه الذي هو أحسن المُقَدِّرين والمصوِّرين، ولا خالقَ إلا اللَّه؟!
والخَلْقُ حقيقةً هو الاختراع، ويُستعمل في التقدير، والمراد به هاهنا ذلك.
* * *
(١٢٦ - ١٢٨) - ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: قرأ حمزة والكسائي وحفصٌ عن عاصم بالنصب؛ لأنَّه نعتُ قولِه: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾.
стр. 6226
وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء والخبر، أو على إضمار: هو (١).
قولُه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: أي: استحقَّوا إحضارَ عذاب النار.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: استثنى الذين أخلصوا العبادة للَّه، والذين أخلصهم اللَّه بالإيمان منهم، وبيَّنَ أنهم لا يحضُرون العذاب.
ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعًا؛ أي: لكنَّ هؤلاء لا يحضرون النار.
* * *
(١٢٩ - ١٣٢) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾: فسَّرْناه.
﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾: قرأ نافع وابن عامر: ﴿على آل ياسين﴾، والباقون ﴿على إل ياسين﴾ (٢).
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: فسَّرْناه.
قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: إلياسُ هو إدريسُ (٣).
وقال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن قيس (٤) بن فِنْحاص بن العَيْزار بن هارون بن عمران.
стр. 6227
والقيِّمُ بأمور بني إسرائيل بعد يُوشَع كان كالِبَ بنَ يُوقَنا ثم حِزْقيلَ مِن بعدِه، ولما قُبِض حِزْقيل كثُرت الأحداث في بني إسرائيل، وتركوا عهد اللَّه الذي عهِدَ إليهم في التوراة، وعبَدوا الأوثان، وبعث اللَّه إليهم إلياس نبيًا في عهد ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له: أَحابُ (١)، فكان إلياس يقيم له أمره، وكان سائرُ بني إسرائيل قد اتخذوا صنمًا يعبدونه من دون اللَّه يقال له: بعل (٢).
فأما قولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ فله وجهان:
أحدُهما: أنَّ ﴿إِلْيَاسَ﴾ زِيد في آخره ياء ونون لِتَسْتويَ الفواصلُ؛ كما في قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، وفي آية (٣) أخرى: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠].
والثاني: أنَّه إلياسُ ومُتَّبِعوه؛ صار جمعًا بهم؛ كما يقال: المُهَلَّبون، للمُهَلَّب وأتباعه.
ومَن قرأ: ﴿آل ياسين﴾ فقد قيل: هم أهل القرآن، و (ياسين) سورةٌ منها، والإضافةُ إليها إضافةٌ إلى كل القرآن معنًى؛ كما قال ﵊ في حديث حرب (٤) حُنين: "يا أصحاب سورة البقرة" (٥).
وقيل: "ياسين" اسم رسول اللَّه ﷺ ، و"إلْ ياسين" آل محمد ﵇.
* * *
стр. 6228
(١٣٣ - ١٣٨) - ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾: قد فسَّرْناها مرات (١).
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾: أي: أهلكناهم.
﴿وَإِنَّكُمْ﴾: يا مَعْشَر العرب ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على بلادهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾: نصبٌ على الحال؛ أي: داخلين في وقت الصباح.
﴿وَبِاللَّيْلِ﴾: أي: وتمرُّون عليهم بالليل أيضًا، فكانت مدائنُ (٢) قوم لوط في أرض العرب، وكانوا يسافرون ويتكرَّرُ مرورهم عليها بالليل والنهار، وهو داعٍ إلى الاعتبار.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفليس لكم عقول تتأمَّلون بها أنَّهم ماذا فعلوا وماذا فعلنا بهم كذلك، فتتَّقوا مثلَ فعلهم لئلَّا (٣) تُجازَوا مثلَ جزائهم.
* * *
(١٣٩ - ١٤٠) - ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: الإِباق: الفرارُ إلى حيث لا يهتدي إليه الطلاب؛ أي: خرج من بين قومه حين (٤) كذَّبوه من غير علمِ قومِه بخروجه.
стр. 6229
وقيل: هو في معنى قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وقيل: فرَّ بدينه إلى حيث يَسْلَم.
وقيل: خرج خائفًا على نفْسه منهم.
وقيل: خائفًا نزولَ العذاب.
﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: أي: السفينةِ المملوءة، وهو واحد هاهنا مذكَّرٌ، والاسم يصلُح للجمع، وقد يؤنَّثُ.
* * *
(١٤١ - ١٤٣) - ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَسَاهَمَ﴾: أي: قارَعَ بإلقاء السِّهام.
﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾: أي: مِن الذين خرجت عليهم القُرْعة.
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾: أي: فألقى نفْسه في البحر لوقوع القُرْعة عليه، فابتلعه السمك.
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: أي: آتٍ (١) بما يُلام عليه، وهو الخروج قبل أنْ يُؤمر به.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾:
قيل: أي: مِن المصلِّين قبل ذلك، وكان كثير الصلاة. قاله قتادة (٢).
وقيل: أي: المنزِّهين اللَّهَ بكلمة التسبيح، وكان كثير الذكر للَّه تعالى والتسبيح.
стр. 6230
وقيل: فلولا أنه صار مِن المسبِّحين؛ كقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾، وهو قوله في الظُّلُمات: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. قاله سعيد بن جبير (١).
* * *
(١٤٤ - ١٤٥) - ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾.
﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾؛ أي: بقِيَ في بطن الحوت ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: يومِ تُبعَثُ الخلائق، وهو يومُ القيامة؛ أي: لبقِيَ فيه حتى يُحشَرَ يومئذ من بطن الحوت، وسائرُ الناس من القبور.
وفيه دليلٌ على أنَّ إخلاص (٢) العمل في الرَّخاء سببُ خَلاص العبد حالةَ البلاء.
وقولُه تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾: أي: ألقيناه، يعني: أخرجناه من بطن الحوت وألقيناه ﴿بِالْعَرَاءِ﴾؛ أي: الفضاء، وهو الصحراء الخالية عن البِناء والأشجار وما يُظِلُّ، مِن التَّعَرِّي.
﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: أي: سقيمُ البدن، قد رقَّ بدنه وضعُفَ ولطُفَ، وصار لا يطيق حرَّ الشمس وهُبوب الريح.
* * *
(١٤٦) - ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾.
стр. 6231
﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾: قال أهل اللغة: هو كل شجرة ليس لها ساقٌ، ولها ورق عريض (١).
وقال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومجاهد وسعيد بن جُبير: هو القَرْع (٢)، هو (٣) مأخوذ من: قطَنَ بالمكان؛ أي: أقام به، وهي إقامةُ زوال، لا إقامة رسوخ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: القَرْع أسرع الأشجار نباتًا وامتدادًا وارتفاعًا في السماء في مدة لطيفة، ويقرُب الوصول إلى الانتفاع بها أكلًا واستظلالًا.
قال: وروي عن النبي ﷺ أنه قيل له: إنك لتحبُّ القرع؟ قال: "أجل، هي شجرة أخي يونس بن متى وهي تزيد في العقل" (٤).
وقال السُّدِّي: لبِث في بطن الحوت أربعين يومًا، وكذا قال الكلبي ومقاتل.
وقال عطاء: سبعة أيام.
وقال الضحاك: عشرين يومًا.
стр. 6232
وقال ابن حيان: ثلاثة أيام (١)، وعن الحسن كذلك (٢).
وقال الشَّعبي: ما مكث يومًا تامًّا (٣)، التقمَه ضحًى، فلما كان بعد العصر تثاءب الحوت، فرأى يونس ضوء الشمس، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فنبَذه وقد صار كأنه فَرْخ (٤).
وقيل: كانت وَعْلَةٌ تختلف إليه، فيشرب من لبنها، لا تفارقه.
وعن الحسن: أنه قيل له: اليقطين هو القَرْع؟ فقال: وما يجعل القَرْع أحقَّ به من البِطِّيخ والقِثَّاء (٥).
وقال مقاتل: مرَّ الزمان على الشجرة فيبِست، فبكى يونس جزَعًا، فأوحى اللَّه إليه: بكيتَ على شجرة يبِسَتْ جزعًا، ولا تبكي على مئة ألف في يد الكفار (٦).
* * *
(١٤٧) - ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾.
стр. 6233
وقولُه تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: بل يزيدون (١).
وقيل: هو إبهامٌ من اللَّه تعالى على السامعين، وتقديرُه: أرسلناه إلى أحد هذين العددين.
وقيل: هو تشكيك المخاطَبين.
وقيل: أي: هو عند الناظر إليهم كذلك، لا يظُنُّ أنهم دون مئة ألف، ولكن يظُنُّ مئة ألف أو زيادةً على ذلك.
وقيل: ﴿أَوْ﴾ هاهنا للغاية (٢)؛ كما في قوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، فكأنه قال: وأرسلناه إلى مئة ألف حين أرسلناه إليهم وكان فيهم إلى أنِ ازدادوا على ذلك.
* * *
(١٤٨) - ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.
واختُلِف في هؤلاء وفي وقت الإرسال إليهم:
قيل: هم القوم الذين خرج منهم، والإرسالُ كان قبل الخروج منهم، وتقديرُه: وكُنَّا أرسلناه (٣) إلى مئة ألف أو يزيدون ﴿فَآمَنُوا﴾ به بعد مفارقته إياهم ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: وقد بيَّنا تلك القصة عند قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ الآية [يونس: ٩٨].
وقيل: القوم هؤلاء، و (أرسلنا) معناه: أي: وأرسَلْناه إليهم بعد الخروج من بطن
стр. 6234
الحوت؛ أي: أعَدْناه إليهم ﴿فَآمَنُوا﴾: فجدَّدوا الإيمان به ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: إلى انقضاء آجالهم.
وقد ذكَرْنا قصة الخروج إلى السفينة والخروج من بطن الحوت في سورة الأنبياء.
وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ يونس كان أوعَدَ قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرَّقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجَأَروا إلى اللَّه تعالى واستغفروه، فكفَّ اللَّه عنهم العذاب، وغدا يونس ينتظر العذاب، فلم ير شيئًا، وكان مَن كذَب ولم يكن له بيِّنة قُتِل، فانطلق مغاضبًا حتى أتى قومًا في سفينة فحمَلوه وعرَفوه، فلما دخل السفينة ركَدت والسفينةُ تسير يمينًا وشمالًا، فقال: ما لِسفينتكم؟ قالوا: ما ندري، قال يونس: إنَّ فيها عَبْدًا آبِقًا، وإنها واللَّهِ لا تسير بكم إلا أنْ تُلْقوه، قالوا: أمَّا أنتَ يا نبي اللَّه فلا واللَّهِ لا نُلْقيكَ، قال لهم يونس: فاقترِعوا، فمَن قُرعَ فليَقَعْ، فقارَعهم يونس، وقال: مَن قُرع ثلاثًا فليقعْ، فقُرع يونس ثلاث مرات فوقَع، وقد وُكِّلَ به الحوت، فلما وقع ابتلعه، فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمِعَ يونس تسبيح الحصا، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، ظُلْمةُ بطن الحوت، وظُلْمةُ البحر، وظُلْمةُ الليل، قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾، قال: كهينة الفَرْخ المَمْعُوط الذي ليس عليه رِيشٌ، فأنبَتَ اللَّه عليه شجرة من يقطين، وكان يستظلُّ بها فيُصيب منها، فيبِسَتْ فبكى عليها، فأوحى اللَّه إليه: أتبكي على شجرة أنْ يبِسَتْ ولا تبكي على مئة ألف أو يزيدون أردتَ أنْ تُهْلِكَهم؟ فخرج فإذا هو بغلام يَرعى غنمًا، فقال: مَن أنت يا غلامُ؟ قال: مِن قوم يونس، قال: فإذا رجعتَ إليهم فاقرأْ ﵈، وأخبِرْهم أنَّك قد لقيتَ يونس، فقال له الغلام: إنْ تكُ يونسَ فقد تعلَمُ أنَّ مَن كذَبَ ولم تكن له بينة
стр. 6235
يُقتَل، فمَن يشهدُ لي؟ قال يونس: تشهدُ لك هذه الشجرة وهذه البقعة، فقال الغلام ليونس: مُرْهما، قال لهما: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه، فأتى الملكَ، فقال: إني قد لقيتُ يونس، وهو يقرأ عليكم السلام، فأمر به أن يُقتَل، فقال: إنَّ لي بينةً، فأَرسل معه، فانتهَوا إلى البقعة والشجرة، فقال لهما الغلام: أنا أَنشُدُكما اللَّهَ: هل أشهدَكما يونس؟ قالتا: نعمْ، فرجع القوم مذعورين، فأتوا الملك فحدَّثوه بما رأوه، فتناول الملكُ بيد الغلام، فأجلسه في مجلسه، فقال: أنت أحقُّ بهذا المكان مني".
قال عبد اللَّه بن مسعود: فأقام به الغلام أربعين سنة (١).
وذُكِرَ أنَّ اللَّه تعالى أوحى إلى يونس ﵇ بعد نجاته: أنْ قل لفلانٍ الفخَّارِ يكسرِ الجِرار التي عملها بهذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب! إنه عمِل مدةً في اتخاذ ذلك، فكيف آمرُه أنْ يكسرَه كله؟! فقال: يا يونس! يرِقُّ قلبُك لخزَّافٍ يُتلِفُ عمَلَ سنةٍ، وأردتَ أنْ أُهلِكَ مئة ألف أو يزيدون من عبادي؟ يا يونس، أنتَ لم تخلقهم ولم توجدهم، ولو كانوا مِن عمَلِكَ لرحمتهم (٢).
* * *
(١٤٩) - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾: أعاد الكلام إلى مُحاجَّة المشركين في وصفهم اللَّهَ تعالى باتخاذ البنات.
يقول: فاسأل هؤلاء المشركين عن قولهم: إنَّ الملائكة بنات اللَّه، وإنهم يعبدونهم