← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾: قال أهل اللغة: هو كل شجرة ليس لها ساقٌ، ولها ورق عريض (١). وقال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومجاهد وسعيد بن جُبير: هو القَرْع (٢)، هو (٣) مأخوذ من: قطَنَ بالمكان؛ أي: أقام به، وهي إقامةُ زوال، لا إقامة رسوخ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: القَرْع أسرع الأشجار نباتًا وامتدادًا وارتفاعًا في السماء في مدة لطيفة، ويقرُب الوصول إلى الانتفاع بها أكلًا واستظلالًا. قال: وروي عن النبي ﷺ أنه قيل له: إنك لتحبُّ القرع؟ قال: "أجل، هي شجرة أخي يونس بن متى وهي تزيد في العقل" (٤). وقال السُّدِّي: لبِث في بطن الحوت أربعين يومًا، وكذا قال الكلبي ومقاتل. وقال عطاء: سبعة أيام. وقال الضحاك: عشرين يومًا.

стр. 6232

وقال ابن حيان: ثلاثة أيام (١)، وعن الحسن كذلك (٢). وقال الشَّعبي: ما مكث يومًا تامًّا (٣)، التقمَه ضحًى، فلما كان بعد العصر تثاءب الحوت، فرأى يونس ضوء الشمس، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فنبَذه وقد صار كأنه فَرْخ (٤). وقيل: كانت وَعْلَةٌ تختلف إليه، فيشرب من لبنها، لا تفارقه. وعن الحسن: أنه قيل له: اليقطين هو القَرْع؟ فقال: وما يجعل القَرْع أحقَّ به من البِطِّيخ والقِثَّاء (٥). وقال مقاتل: مرَّ الزمان على الشجرة فيبِست، فبكى يونس جزَعًا، فأوحى اللَّه إليه: بكيتَ على شجرة يبِسَتْ جزعًا، ولا تبكي على مئة ألف في يد الكفار (٦). * * * (١٤٧) - ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾.

стр. 6233

وقولُه تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: بل يزيدون (١). وقيل: هو إبهامٌ من اللَّه تعالى على السامعين، وتقديرُه: أرسلناه إلى أحد هذين العددين. وقيل: هو تشكيك المخاطَبين. وقيل: أي: هو عند الناظر إليهم كذلك، لا يظُنُّ أنهم دون مئة ألف، ولكن يظُنُّ مئة ألف أو زيادةً على ذلك. وقيل: ﴿أَوْ﴾ هاهنا للغاية (٢)؛ كما في قوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، فكأنه قال: وأرسلناه إلى مئة ألف حين أرسلناه إليهم وكان فيهم إلى أنِ ازدادوا على ذلك. * * * (١٤٨) - ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. واختُلِف في هؤلاء وفي وقت الإرسال إليهم: قيل: هم القوم الذين خرج منهم، والإرسالُ كان قبل الخروج منهم، وتقديرُه: وكُنَّا أرسلناه (٣) إلى مئة ألف أو يزيدون ﴿فَآمَنُوا﴾ به بعد مفارقته إياهم ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: وقد بيَّنا تلك القصة عند قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ الآية [يونس: ٩٨]. وقيل: القوم هؤلاء، و (أرسلنا) معناه: أي: وأرسَلْناه إليهم بعد الخروج من بطن

стр. 6234

الحوت؛ أي: أعَدْناه إليهم ﴿فَآمَنُوا﴾: فجدَّدوا الإيمان به ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: إلى انقضاء آجالهم. وقد ذكَرْنا قصة الخروج إلى السفينة والخروج من بطن الحوت في سورة الأنبياء. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ يونس كان أوعَدَ قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرَّقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجَأَروا إلى اللَّه تعالى واستغفروه، فكفَّ اللَّه عنهم العذاب، وغدا يونس ينتظر العذاب، فلم ير شيئًا، وكان مَن كذَب ولم يكن له بيِّنة قُتِل، فانطلق مغاضبًا حتى أتى قومًا في سفينة فحمَلوه وعرَفوه، فلما دخل السفينة ركَدت والسفينةُ تسير يمينًا وشمالًا، فقال: ما لِسفينتكم؟ قالوا: ما ندري، قال يونس: إنَّ فيها عَبْدًا آبِقًا، وإنها واللَّهِ لا تسير بكم إلا أنْ تُلْقوه، قالوا: أمَّا أنتَ يا نبي اللَّه فلا واللَّهِ لا نُلْقيكَ، قال لهم يونس: فاقترِعوا، فمَن قُرعَ فليَقَعْ، فقارَعهم يونس، وقال: مَن قُرع ثلاثًا فليقعْ، فقُرع يونس ثلاث مرات فوقَع، وقد وُكِّلَ به الحوت، فلما وقع ابتلعه، فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمِعَ يونس تسبيح الحصا، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، ظُلْمةُ بطن الحوت، وظُلْمةُ البحر، وظُلْمةُ الليل، قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾، قال: كهينة الفَرْخ المَمْعُوط الذي ليس عليه رِيشٌ، فأنبَتَ اللَّه عليه شجرة من يقطين، وكان يستظلُّ بها فيُصيب منها، فيبِسَتْ فبكى عليها، فأوحى اللَّه إليه: أتبكي على شجرة أنْ يبِسَتْ ولا تبكي على مئة ألف أو يزيدون أردتَ أنْ تُهْلِكَهم؟ فخرج فإذا هو بغلام يَرعى غنمًا، فقال: مَن أنت يا غلامُ؟ قال: مِن قوم يونس، قال: فإذا رجعتَ إليهم فاقرأْ ﵈، وأخبِرْهم أنَّك قد لقيتَ يونس، فقال له الغلام: إنْ تكُ يونسَ فقد تعلَمُ أنَّ مَن كذَبَ ولم تكن له بينة

стр. 6235

يُقتَل، فمَن يشهدُ لي؟ قال يونس: تشهدُ لك هذه الشجرة وهذه البقعة، فقال الغلام ليونس: مُرْهما، قال لهما: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه، فأتى الملكَ، فقال: إني قد لقيتُ يونس، وهو يقرأ عليكم السلام، فأمر به أن يُقتَل، فقال: إنَّ لي بينةً، فأَرسل معه، فانتهَوا إلى البقعة والشجرة، فقال لهما الغلام: أنا أَنشُدُكما اللَّهَ: هل أشهدَكما يونس؟ قالتا: نعمْ، فرجع القوم مذعورين، فأتوا الملك فحدَّثوه بما رأوه، فتناول الملكُ بيد الغلام، فأجلسه في مجلسه، فقال: أنت أحقُّ بهذا المكان مني". قال عبد اللَّه بن مسعود: فأقام به الغلام أربعين سنة (١). وذُكِرَ أنَّ اللَّه تعالى أوحى إلى يونس ﵇ بعد نجاته: أنْ قل لفلانٍ الفخَّارِ يكسرِ الجِرار التي عملها بهذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب! إنه عمِل مدةً في اتخاذ ذلك، فكيف آمرُه أنْ يكسرَه كله؟! فقال: يا يونس! يرِقُّ قلبُك لخزَّافٍ يُتلِفُ عمَلَ سنةٍ، وأردتَ أنْ أُهلِكَ مئة ألف أو يزيدون من عبادي؟ يا يونس، أنتَ لم تخلقهم ولم توجدهم، ولو كانوا مِن عمَلِكَ لرحمتهم (٢). * * * (١٤٩) - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾: أعاد الكلام إلى مُحاجَّة المشركين في وصفهم اللَّهَ تعالى باتخاذ البنات. يقول: فاسأل هؤلاء المشركين عن قولهم: إنَّ الملائكة بنات اللَّه، وإنهم يعبدونهم

стр. 6236

لهذا السبب تقرُّبًا به إلى اللَّه: ما حُجَّتهم من العقل أو السمع؟ أفي مُقتضى العقل أنْ يكون للَّه البناتُ وللمشركين البنون، فيكونَ لكم أفضلُ نوعَيِ الأولاد وللَّه أَدْوَنُهما؟! وهو كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]؛ أي: جائرة. * * * (١٥٠ - ١٥٢) - ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾: أي: أيدَّعون أنهم شهدوا خَلْقَنا الملائكةَ؛ أي: حضروه فرأوا أنا خلَقْناهم (١) إناثًا؟! وهو كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، وهذا لا يمكنهم أنْ يدَّعوه، وإذا بطَلَ هذا بالعقل ولا مشاهدةَ ثبَتَ كذبُهم، وذلك قولُه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: والإِفْكُ: الكلام المصروف عن الحق إلى الباطل. * * * (١٥٣ - ١٥٦) - ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾: دخل ألفُ الاستفهام على ألف "الافتعال"، وهو استفهام بمعنى الإنكار، يعني: أتقولون أنَّه اختار البنات على البنين مع نُقْصانهن رضًا بالأخسِّ، فما حُجَّتكم على ذلك؟

стр. 6237

﴿مَا لَكُمْ﴾: وهو استفهام في معنى التوبيخ؛ أي: وماذا يحمِلُكم على هذا القول بغير حُجَّة؟! ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: كذلك أيضًا. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي: أفلا تتذكَّرون ما في عقولكم؟! أفلا تتَّعِظون بمواعظ ربكم؟! ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾: أي: حُجَّةٌ ظاهرة مِن كتاب. * * * (١٥٧) - ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾: أي: الكتابِ الذي أُنزِل عليكم وفيه حُجَّة ذلك. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: في هذه الدَّعوى، فإذا بطَلت الدِّلالة بالعقل أو المشاهدة أو السمع سقَط ذلك وبطَل. ورُوِي: أنَّ جُهَيْنة وبني سَلَمة بن عبد الدار زعموا أن الملائكة بنات اللَّه (١). وقال مقاتل بن حيان: زعموا أن اللَّه وإبليس أخوان (٢). وقال الكلبي: زعموا أن اللَّه صاهَرَ إبليس، فولَدت الملائكة، فاتخذهم اللَّهُ بناتٍ (٣). * * * (١٥٨) - ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: قيل: قالوا: إنَّ أمهات الملائكةِ بناتُ

стр. 6238

سَرَواتِ الجن (١)؛ أي: ساداتِهم، فقد جعلوا اللَّهَ أبًا، والجنَّ أمهاتٍ، والملائكةَ بناتٍ، وهو نسَبٌ. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾: وهُمُ الجنُّ (٢). ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: أي: يحضُرون الحساب يوم القيامة، وفِعْلُ العِلم واقع على ذلك، وإنما كسر ﴿إِنَّهُمْ﴾ ولم يفتَحْ؛ للجواب باللام: ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾. وإنما قال: ﴿عَلِمَتِ﴾؛ لأنَّ فيهم مؤمنين قد أتوا النبيَّ ﷺ وآمنوا به على ما ذُكِرَ في سورة الجن. وذكَرَ مجاهد وغيره أنَّ القائلين بمصاهرة الجن مشركو العرب (٣). وقال قتادة: هم اليهود (٤). وقيل: معنى قوله: ﴿بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾؛ أي: الملائكةِ، وهو قولهم: إنَّ الملائكة (٥) بنات اللَّه، و (الجِنَّة) من الاجتنان، وهو الاستتار، وصِفَةُ الملائكة كذلك، وعلى هذا تأويلُ بعضهم: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]؛ أي: من الملائكة، وقولُه تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾: أي: الملائكة ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: القائلون بهذا ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ الحسابَ والعذابَ يوم القيامة. * * * (١٥٩ - ١٦٣) - ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.

стр. 6239

﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: نزَّه نفْسَه عن قولهم هذا. وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: استثنى المؤمنين المخلَصين من المحضَرين العذابَ. وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾: قال الحسن: فإنكم أيها القائلون بهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام ما أنتم على عبادة الأوثان بمُضِلِّين إلا مَن قُدِّرَ عليه أنه يَصْلى الجحيم (١). وقال الفراء: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: به (٢)، ويرجع إلى (ما). وقيل: معناه: أي: مِن أجله؛ كقولكَ: اشتريتُ هذا على فلان؛ أي: من أجله؛ أي: قصدُكم إضلالَ النَّاسِ يكون من جهة الأصنام؛ لتكون العبادة لها. وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ﴾: مفعول؛ لوقوع فعلِ الفتنة عليه، وهي الإضلال؛ أي: لا يَقْدِرون على إضلال أحد إلا مَن علِمَ اللَّه منه اختيار الكفر والإصرارَ عليه، فقدَّرَ عليه الكفرَ والإصرارَ عليه ودخولَ النار. وصَلْيُ النار: دخولُها. وقيل: قرأ الحسن: (صالُ الجحيم) بالرفع (٣). قال الأصمعي: كان الحسن أعلمَ باللغة وأفصحَ مِنْ أن يقرأ هكذا.

стр. 6240

وقالوا: إنْ ثبَت ذلك عنه فهو على القلب؛ كما يقال: شاكُ السِّلاحِ، فأصلُه: شاكي السلاح (١). * * * (١٦٤ - ١٦٦) - ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾: أكثر المفسرين على أنه خبَرٌ عن الملائكة أنهم يقولون هذا، وفيه إضمار ليتَّصِلَ بالأول: وتقول الملائكة الذين جعلتُموهم بنات اللَّه تعالى: وما منا إلَّا له مقام معلوم في السماء للعبادة، لا يتقدَّمُه ولا يتأخَّرُ عنه، فنحن عَبيده لا بناته. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: للخدمة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: المنزِّهون اللَّه عما لا يليق به من الصفة. وقيل: هو قول النبي ﷺ والمؤمنين: ﴿مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أي: ليس منا ومنكم -أيها المشركون- أحدٌ إلا له مقام معلوم في الآخرة للحساب، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ في الدنيا للصلاة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ للَّه المنزِّهون له. * * * (١٦٧ - ١٧٠) - ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 6241

﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾: أي: ولقد كان هؤلاء المشركون يقولون قبل أنْ يُبعثَ إليهم محمد: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: كتابًا مِن الرسل الأولين؛ أي: لو أُرسِلَ إلينا رسول، وأُنزِلَ علينا كتاب. ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: مؤمنين مخلِصين (١) غيرَ مشركين. ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾: أي: فقد جاءهم الذِّكْر -وهو القرآن- فجحَدوه. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: عن قريب ما يحلُّ بهم من العذاب؛ أي: فلا يَضِقْ صدرُك يا محمد بكفرهم وإيذائهم. * * * (١٧١ - ١٧٤) - ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾. ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾: أي: لقد (٢) تقدَّمَ وعدُنا ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾: كُسِرَ لأجل اللام مع أنَّ الفعل واقع عليه، ويجوز أنْ يكون مبتدأً على الحكاية؛ أي: سبَق للأنبياء قولُنا لهم ذلك، وكذلك يكون لك يا محمد. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾: جُمِعَ لأن معنى (الجُنْد) الجمع، وقال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١]، فوحَّدَ لأن لفْظَه واحد. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: يا محمد، أعرِضْ عن مُكافأتهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: وهو نزول الأمر بالقتال. * * * (١٧٥) - ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.

стр. 6242

﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: أي: فانتظِرْ ما ينزل بهم، وهو كقولكَ: انظرْ ما أصنعُ بفلان (١). وقيل: أي: أبصِرْهم حين ينزل بهم العذاب، ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: عن قريب يَرون ذلك. وقيل: أي: كُنْ على بصيرة من عذابهم ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: يصيرون على بصيرة من ذلك. وقيل: على بصيرة من أمرِكَ، ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (٢): حين لا ينفعهم. * * * (١٧٦ - ١٧٩) - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾: قَبْل حينِه، وهو توبيخ. ﴿فَإِذَا نَزَلَ﴾: أي: العذاب ﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾؛ أي: بعرَصَتهم، وهو نزول بهم. ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾: نزل بهم ما يسوؤُهم، وكانت عادتُهم مفاجأةَ الأعداء صباحًا، فقيل هاهنا كذلك مجازًا. وقولُه تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: قيل: التَّكرار (٣) للتأكيد والتقرير. وقيل: الأول حين القتالِ وإبصارِ عذاب الدنيا، والثاني للآخرة. * * * (١٨٠ - ١٨٢) - ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 6243

وقولُه تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾: أي: تنزيهًا لربك يا محمد عمَّا وصفَه به المشركون مِن الأولاد والشُّرَكاء. ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي: له العزَّةُ بذاته، فلا حاجةَ له إلى التَّعزُّز بالأولاد، وهو كما قال: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. وقيل: أي: مالكُ العِزَّة التي تكون للعباد مِن الظَّفَر والنُّصْرة وغير ذلك، فمنه التمسِ العزَّةَ. ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: تحيَّةٌ مِن اللَّه عليهم. وقيل: أي: وأمان لهم أنْ يُنصَرَ عليهم أعداؤهم في الدنيا، أو ينالَهم عذاب في العُقْبى. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: هو المُستحِقُّ للثناء والحمد. وانتَظَمَتْ هذه الخاتمة بتنزيهِ اللَّه تعالى عن كل صفات المشركين الذين معهم المُحاجَّة في هذه السورة، والثناءِ على المرسلين الذين بلَّغوا رسالات اللَّه إلى أُمَمهم على ما ذكروا في هذه السورة، والشُّكرِ للَّه على ما أنعمَ على عباده، ففصَّلَها في هذه السورة. ورُوِي عن علي ﵁ أنه قال: مَن أحبَّ أن يكتال بالمِكْيال الأوفى مِن الأجر يوم القيامة فليكن آخرَ كلامه إذا قام من مجلسه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).

стр. 6244

سورة ص

стр. 6245

سورة ص بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي هزَمَ الأحزاب، الرحمنِ الذي أنزل الكتاب المبارك ليدَّبروا آياته وليتذكَّر أولو الألباب، الرحيمِ الذي وعد المؤمنين جنات عَدْنٍ مُفَتَّحةً لهم الأبواب. وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ص كان له بوزن كل جبل سخَّرَه اللَّه تعالى لداود ﵇ عشرُ حسنات، وعصَمَه (١) أنْ يُصِرَّ على ذنب صغير أو كبير" (٢). وهذه السورة مكِّيَّةٌ، وهي ثمانٍ وثمانون آية، وقيل: ستٌّ وثمانون، وقيل: خمس وثمانون. الاختلاف في قوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾. وقوله: ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، وقوله: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾. وكلماتُها: سبعُ مئة وثلاثٌ وثلاثون، وحروفُها: ألفان وتسعُ مئة وأربعةٌ وتسعون. وانتظام أوَّلِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه ختَمَ تلك باسمه رب العالمين، وفتح هذه باسمه الصَّادق.

стр. 6246

وانتظام السورتين: أنهما في ذِكْر المشركين ومُحاجَّتهم ووَعْظهم وتنبيههم، وتسليةٌ للنبي وبشارتُه بحُسْن العاقبة بما ذُكِر مِن قصص المرسلين والأمم الماضين. * * * (١) - ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿ص﴾: قال ابن عباس ﵄: هو قسَمٌ باسم من أسمائه تعالى. وقال السُّدِّي: هو قسَمٌ بحرف من حروف المعجم. وقال الضحاك: معناه: صدَقَ اللَّهُ. وقال قتادة: هو اسم القرآن (١). وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ: هو افتتاح أسماء اللَّه: صمد، وصانع، وصادق. وقال عكرمة: سأل نافعٌ الأزرقُ عبدَ اللَّه بن عباس عن ﴿ص﴾: فقال: ﴿ص﴾ كان بحرًا بمكة، وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليلَ ولا نهارَ. وقال سعيد بن جُبير: ﴿ص﴾ بحر يُحيي اللَّه به الموتى بين النَّفْختين (٢). وقيل: هو اسم محمد ﵇، اختصارٌ من: المصطفى. وقيل: معناه: صَدُّ أهل مكة عن الحق. وقيل: معناه: صادَ محمد قلوب الخَلْق. وقال الحسن: (صادِ) أي: عارضِ القرآن بعملكَ (٣)، وهو أمر من المُصادَاة، وعلى هذا تُكْسَر.

стр. 6247

وقيل: على هذا معناه: دارِ الخَلْقَ والطُفْ بهم، والمُصادَاة: المداراةُ، قال كُثَيِّرٌ: فيا عزُّ صادِي القلبَ حتى يودَّني... فؤادُكِ أو رُدِّي عليَّ فؤادِي (١) ويجوز: فؤاديا (٢). وقال الزَّجَّاج: أي: قاتلِ الناس وحاربْهم (٣). وهي مُسَكَّنةٌ على قراءة عامَّة القراء لأنها حرفٌ، ومفتوحةٌ عند بعضهم؛ لاجتماع الساكنين كـ "أين" و"كيف"، ومضمومة عند بعضهم بمنزلة الاسم المبتدأ، ومكسورةٌ عند بعضهم؛ لأنَّها حركة ضرورية، وعند بعضهم على تأويل الأمر على ما بيَّنا (٤). وليست بآية بالإجماع؛ لأنَّها لا تُجاوزُ كلمةً، وهي كقوله: ﴿ق﴾، و ﴿ن﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾: هو قسَم ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: أي: الوعظِ، وقيل؛ أي: ذِكْر ما يُحتاج إليه. وقيل: الذِّكْرُ الشَّرفُ. وقيل: العِلْم. وقيل: ذِكْر أسماء اللَّه تعالى وصفاته. * * * (٢) - ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.

стр. 6248

والذي وقعَ عليه القسم محذوفٌ عند بعضهم، والمذكور بعده دالٌّ عليه، وهو قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾: وذلك المحذوف: لقد جاء الحق. وقيل: بل المحذوف: ما الذين كفروا في طلَبِ حقٍّ، بل هُم في تعزُّزٍ عند أنفسهم عن طلَبِ الحقِّ؛ أي: ترفُّع وتكبُّر. ﴿وَشِقَاقٍ﴾: أي: ومُشاقَّةٍ لمحمد، وهي المعاداةُ والمخالفة، وكلمةُ ﴿بَلِ﴾ تدلُّ عليه؛ لأنَّها لنفي ما مضى ذِكْرُه، وإثباتِ ما ذُكِر بعده، والحذفُ في مِثْله أبلغُ مِن ذِكْره؛ لأن الذِّكْر يقصُره على ما ذُكِر، وفي الحذف تَذهب النَّفْس فيه كلَّ مذهب. وقيل: بل جوابه: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾. وقيل: بل جوابه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. ورُوِي أنَّ كفار مكة جاؤوا إلى أبي طالب في مرضه، فقالوا: إنه قد حضَرَكَ ما ترى، وقد علِمْتَ ما بيننا وبين ابن أخيكَ، فادْعُه فخُذْ لنا منه وله منا، فيكُفَّ عنا ونكُفَّ عنه، فدعاه أبو طالب، فكلَّمه في ذلك، فقال: "إنما أريدهم على كلمة، وهي أن يقولوا: لا إله إلا اللَّه"، فنفروا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، فنزل قولُه: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ (١). * * * (٣) - ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قولُه تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا﴾: أي: بالاستغاثة وطلَب التوبة. ﴿وَلَاتَ﴾: أي: وليس، وهو في لغة أهل اليمن.

стр. 6249

وقيل: هي "لا" زيدتْ عليها التاء؛ كما في قوله: (ثَمَّ وثمَّة)، و (ثُمَّ وثُمَّةَ). واختار الكسائيُّ الوقف عليها بالهاء (١)، والفرَّاءُ بالتاء (٢). وقولُه: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾: أي: وقتَ مَفَرٍّ، وقد ناصَ ينوصُ نَوْصًا؛ أي: فرَّ وراغَ. وقال الفراء: النَّوْصُ -بالنون-: التأخُّرُ، والبَوصُ - بالباء: التَّقدُّمُ، وقد جمعهما امرؤ القيس في بيت واحد: أمِنْ ذِكْر سلمى (٣) إذْ نأَتْكَ تَنوصُ... فتقصُرُ عنها خُطْوةً وتَبوصُ (٤) وقال الحسن: أي: ليس هذا وقتَ نَزْوٍ (٥). وقال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطُروا في الحرب قال بعضهم لبعض: مَناص؛ أي: اهربوا وخذوا حِذْرَكم، فلما نزل عليهم العذاب ببَدْر قالوا: مناص، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (٦). وقيل: معناه: كم أهلَكْنا قبل مشركي العرب من القرون الخالية بتكذيبهم، فلم يَقْدِروا على دفع الهلاك عن أنفسهم، ولمَّا أخذهم العذاب رفعوا أصواتهم بالاستغاثة والتوبة وطلبًا للخَلاص، فلم ينفعْهم ذلك؛ لأنَّه كان حالةَ البَأْس. * * *

стр. 6250

(٤) - ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَعَجِبُوا﴾: أي: أظهرَ هؤلاء المشركون العَجَبَ. ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾: أي: مِن أنْ جاءهم رجلٌ (١) منهم يُنذرهم عذاب اللَّه. ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: أي: خادِعٌ بكلامه المُمَوَّه، كذَّابٌ (٢) في دعوى الرسالة. * * * (٥) - ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾: أي: أحَكَمَ أنَّ الآلهة التي تُعبد إنما يَستحقُّ منها العبادةَ إلهٌ واحد، وهو الذي يذكُر أنه أرسله وأنزل عليه كتابه. ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾: أي: عَجيب؛ وقيل: هو نهاية العَجَب. يقولون: هو مِن أعجب العَجَب أنْ (٣) يخفى الحقُّ على آبائنا وعلينا ويظهرَ له، والطُّوالُ أبلغ مِن الطَّويل، وكذا الجُمال أبلغ مِن الجميل. * * * (٦) - ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾: أي: ذهب أشراف هؤلاء الكفار مِن عند النبي. وقال قُطْرُبٌ: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾: أي: وجعل الملأُ، وهو لابتداء الأمر دون الذهاب (٤).

стр. 6251

﴿أَنِ امْشُوا﴾: أي: قائلين بعضهم لبعض: أي: امضوا على ما كنتم عليه، ولا تُقيموا على استماع كلام محمد. و ﴿أَنْ﴾ بمعنى (أيْ) التي للتفسير. وقال الزَّجَّاج: معناه: بأن امشوا (١). ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾: أي: واحبسوا أنفسكم على عبادة آلهتكم التي كنتم أنتم وآباؤكم على عبادتها، فإنها تستحقُّ ذلك. ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾: أي: إنَّ كلام محمد هذا لَشيء يُراد به جرُّكم إلى الانقياد له لِيتحكَّمَ في أنفسكم وأموالكم وأولادكم وأهاليكم بما يشاء، وهو كلام يُذْكَر على الإبهام للتَّحذير. * * * (٧) - ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾: أي: إنَّ قوله: (لا إله إلا اللَّه) ما سمعنا به في أديان قومنا التي هي الملَّةُ المتأخِّرة عن الملل المتقدِّمة. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾: أي: ما هذا إلا ابتداعٌ كَذِبٌ. وقال مجاهد: الملة الآخرة: ملةُ قريشٍ (٢). وقال ابن عباس: الملة الآخرة: اليهوديَّة والنصرانيَّة (٣)، وجُعِلَتا ملَّةً واحدة على

стр. 6252

معنى أنهما ملَّةُ أهل الكتاب، يَعْنون أنَّ اليهود يقولون: عُزَيرٌ ابن اللَّه، والنصارى يقولون: المسيح ابن اللَّه وثالثُ ثلاثةٍ، كأنهم قالوا: التوحيد شيء كان يقوله المتقدِّمون اختلاقًا، فذلك قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. وهو كقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، ثم اتَّفقَ المتأخِّرون وهم أهل الكتاب على خِلافِ ذلك وتَرْكِ ذلك. * * * (٨) - ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾: أي: القرآنُ، استفهام بمعنى الإنكار. أي: كيف خُصَّ به دونَنا؟! ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾: أي: ليس ردُّهم قولَكَ لإنكارهم كونَكَ صادقًا في سائر كلامك، لكنْ يشكُّون فيما أنزلتُه عليكَ مِن الذِّكر: هل هو مِن عندي؟ إنكارًا لاختصاصي إيَّاكَ بالرسالة فيما أنزلتُه عليكَ مِن الذِّكْر (١). وقولُه تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾: أي: وقد رأوا مع ذلك إِمْهالي لهم إياهم، وتأخيري العذاب عنهم، فظنوا أنَّ ذلك لرضايَ بشِرْكهم. و ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾: بمعنى: ولم يذوقوا، و"ما" زائدة مؤكِّدة، كما في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. و ﴿عَذَابِ﴾: بمعنى: عذابي، على الإضافة. * * * (٩) - ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾.

стр. 6253

﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾: أي: أعندَ هؤلاء المشركين خزائنُ رحمةِ اللَّه، فيقسِمون منها ما يشاؤون على مَن يشاؤون حتى يُعْطوا النبوَّةَ مَن يريدون؟! أي: فليس لهم ذلك، بل هو للَّه يُعطيها مَن يشاء، وهو كقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. * * * (١٠) - ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي: أمْ يدَّعون أنَّ مُلْكَ السماوات والأرض وما بينهما مِن الهواء لهم، فهم قادِرون على إنزال ما يُريدون مِن الوحي إلى مَن يريدون أنْ تكونَ النبوة له، وعلى المنع مِن نزول الوحي على مَن لا يُريدون، حتى يمنعوا ملائكتي مِن النزول بالوحي على محمد؟! فإن (١) كانوا يدعونه: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾: أي: فليَصْعدوا إلى السماء مِن أبوابها وطرُقِها الموصِلة إليها، فليمنحوا مِن نزول الوحي على محمد، وإذ لا يُمكنهم أنْ يدَّعوا ذلك وهي لي، كان لي أنْ أُنزلَه على مَن أشاءُ. * * * (١١) - ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾. وقولُه: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: قيل: أي: لو كان هؤلاء يُطيقون الصُّعودَ إليها لكانوا جُنْدًا مهزومين هنالك؛ أي: في موضع الارتقاء، فكيف وهم لا يُطيقون الارتقاء إليها؟!

стр. 6254

وقيل: هذه الآية تتَّصِلُ بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، ولا يضرُّك ذلك؛ لأنهم جُنْدٌ أهزِمُهم وأفرِّقُ جَمْعَهم وتحزُّبَهم وأجعلُهم أَسْراكَ. وقيل: أي: هم مهزومون مِن الأحزاب، فكيف يرتقون في الأسباب؟! وقولُه تعالى: ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: قيل: أي: مِن قبائل شتًّى تجَمَّعوا على مُعاداتك. وقيل: أي: هم مِن جُمْلة الأحزاب المتقدِّمين، وهم المذكورون في الآية التي بعدها: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾، وهذا قول مجاهد (١). ووجهٌ آخرُ للآيتين المتقدِّمتين: أنَّ الكفار أنكروا نبوة محمد، وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، له أملاكٌ وأموالٌ، فقال اللَّه لهم: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ التي لا تنقطِعُ؟ أم لهم مُلْكُ السماوات والأرض وما بينهما فيتعظَّموا بذلك، فيرون لهم الفَضْل على محمد؟ فإذا لم يكن لهم ذلك، وإنما يملِكون أموالًا تروح وتغدو وتزول عن قليل، فليس لهم موضعُ تعظيمٍ تُستَحَقُّ به النبوَّةُ، ولو كان ذلك بالمُلْك لم يكن بمُلْك (٢) الأموال، بل بمُلْك السماوات والأرض، فليس لهم ذلك، فليَصْعدوا إلى السماء فينظُروا: هل يُمكنُهم إزالةُ النبوة عمَّنْ أوتِيَها بلا مُلْك؟! وهذا كلامٌ يُذْكَر للتَّبعيد؛ كما قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥]. وقيل: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾: معناه: فإنْ كان لهم مُلْك السماوات والأرض فليَصْعدوا إليها فيدبِّروها؛ لأنَّ مَن ملَكَ ولايةً أشرَفَ عليها وتعهَّدَها، وإذ ليس يمكنُهم ذلك دلَّ أنهم لا يملِكونها.

стр. 6255

وقيل: لمَّا أسلمَ عمر ﵁ شقَّ ذلك على قريش، وفرِحَ به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ مِن قريش: امشوا إلى أبي طالب، واثبُتوا على آلهتكم، وكانوا خمسةً وعشرين رجلًا، منهم الوليد بن المغيرة، وهو أكبرهم سنًا، وأبو جهل بن هشام، وأبيٌّ وأميةُ ابنا خلف، وعُمير بن وهْب، وعُتْبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة، وعبد اللَّه بن أبي أمية، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، وعدي بن قيس، والنَّضْر بن الحارث، وأبو البَخْتَريِّ (١) بن هشام، وقُرْط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومَخْرَمة بن نَوْفل، وزَمْعَة بن الأسود، ومُطْعِم بن عدي، والأخنسُ بن شَرِيق، وحُوَيْطِب بن عبد العُزَّى، ونبيهٌ ومُنبهُ ابنا الحجَّاج، والوليد بن عُتْبة، وهشام بن عمرو بن ربيعة، وسُهيلُ بن عمرو، فقال لهم الوليد: امضوا إلى أبي طالب، فأتوا أبا طالب وقالوا له: أنت شيخُنا وكبيرُنا، وقد علِمْتَ ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنَّا أتيناكَ لِتَقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسلَ أبو طالب إلى النبي ﵇ فدعاه، فقال له بمَشْهَدٍ منهم: يا ابن أخي! هؤلاء قومُك، فلا تمِلْ كلَّ الميل على قومك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "وما يريدون مني"، قال: يقولون: ارفِضْنا وارفِضْ ذِكْرَ آلهتنا وندعْكَ وإلهكَ، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "أتُعْطُون أنتم كلمة واحدة تملكون بها العربَ، وتدينُ لكم بها العجمَ؟ "، فقال أبو جهل مِن بينهم: يا محمد! لَنُعْطِيَكَها وعَشْرَ أمثالها، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "قولوا: لا إله إلا اللَّه"، فقاموا ونفَروا من ذلك وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ﴾ أي: الآلهةَ التي لنا والآلهةَ التي لغيرنا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا﴾ الذي يقوله محمد ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾؛ أي: لأمرٌ عَجيبٌ (٢).

стр. 6256

(١٢) - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ رسولَهم نوحًا ﴿وَعَادٌ﴾ هودًا ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ موسى. ﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾: قال ابن عباس ﵄ وقتادة: كانت له ملاعبُ من أوتاد. وقال السُدِّيُّ والربيع بن أنس: كانت له أوتاد يعذِّبُ بها (١). وقال مقاتل: كان يأمر حتى تمَدَّ رجلا الرجل إلى ساريتين ويداه إلى ساريتين ثم يعذِّبُه. وقال مقاتل بن حيان: كان يأمر أنْ يُمَدَّ الرجل مُستلقيًا على الأرض، ثم يشدُّه بالأوتاد. وقال السُّدِّي: كان يمدُّ الرجل بين الأوتاد، ويُرسل عليه الحيَّات والعقارب. وقال الضحاك: الأوتادُ: البُنيان الثابتة. وقيل: ذو الأوتاد؛ أي: ثابت أركان المُلْك (٢). وقال الأسود بن يَعْفرَ: ولقد غدا فيها بأطيبِ عِيشةٍ... في ظِلِّ مُلْكٍ ثابتِ الأوتاد (٣) وقيل: هي أوتادُ خيام الجيوش، وكانت كثيرةً فعُرِفَ بها.

стр. 6257

(١٣ - ١٤) - ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَثَمُوُدُ﴾: أي: كذَّبَتْ صالحًا. ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾: أي: كذَّبوا لوطًا. ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾: أي: قومُ شعيب كذَّبوا شعيبًا، وقد فسَّرْنا الأَيْكةَ (١) في قصته. ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾: أي: تحزَّبوا على أنبيائهم؛ أي: تجمَّعوا على تكذيبهم وإيذائهم. وقولُه تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: أي: ما كلٌّ ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾؛ أي: فوجَبَ عليهم عقابي، وأهلكتُهم بما مرَّ ذِكْرُه في قصصهم، فكذلك أفعل بمُكذِّبيكَ يا محمد. * * * (١٥) - ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾: أي: وما ينتظرُ هؤلاء المشركون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: عذابًا يفجؤُهم فيستأصلُهم؛ يُقالُ: صاح بهم الزَّمان؛ أي: هلَكوا. قال الشاعر: صاحَ الزمانُ بآل بَرْمَكَ صَيْحةً... خرُّوا لشِدَّتها على الأذْقان (٢) وعلى هذا: هو كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢].

стр. 6258

وقيل: هذه الصَّيْحة هي النَّفْخة الأولى في الصُّور، فهو كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾؛ أي: إنْ لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو مُعَدٌّ لهم يوم القيامة. وقولُه: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾: قرأ حمزة والكسائي بضمِّ الفاء، والباقون بفتحها (١). وقال قتادة والسُّدِّي: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾: أي: ما للصَّيْحة مِن إفاقة؛ أي: رجوعٍ إلى الدنيا (٢). وقال ابن زيد: أي: ما لها مِن فُتور كما يفيقُ المريض (٣). وقيل: ما لها مِن راحة، وهذا إذا قُرِئَتْ بالفتحة، وما لها مِن مُكْثٍ مِقدارَ ما بين الحَلبَتين، وهذا إذا قُرِئَت بالضمة، وهذا قولُ أبي عبيدة (٤). وقال الكسائي والفراء وأبو عبيدة والأخفش: هما لغتان في فواق النَّاقة بين الحَلبتين (٥). وقال قُطْرُب: بالفتح: الإفاقةُ، وقد فاق فَواقًا وأفاقَ إفاقةً، وأما فواقُ الناقة ففيه لغتان. * * *

стр. 6259

(١٦) - ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾: أي: استعجلوا العذاب؛ كما ذكَرَ ذلك عنهم في آيات. والقِطُّ: الصَّحيفة، وهي صحيفة الأعمال التي يُعطاها الناس يوم القيامة عن أيمانهم وشمائلهم؛ أي: عجِّلْ لنا هذا إنْ كان صدقًا. وقيل: هو كقوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وكقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]. وقيل: القِطُّ؛ النَّصيب، مِن القَطِّ؛ وهو القَطْع، وهو ما قُطِعَ مِن الكُلِّ فجُعِل لصاحبه، فكأنهم قالوا: عجِّلْ لنا نصيبَنا مِن العذاب مِن النار إنْ كان الأمر على ما تقول، وهو كقوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]. وقيل: أرادوا: عجِّلْ لنا نصيبَنا مِن الجنة والثوابِ الذي تعِدُنا على الإيمان لنؤمنَ بكَ، ونحن نريده في الدنيا لا في الآخرة، يستهزؤون بذلك. وقيل على هذا: عجِّلْ لنا كَتْبَ جوائزِنا مِن اللَّه بذلك ككَتْبِ جوائز الملوك. وقال المبرد: "القُطوطُ" أصلُها الصُّحُف بالجوائز، ثم قيل لكلِّ نصيبٍ: قِطٌّ (١). قال أبو العالية: لما نزل في الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. . . و. . . بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٥]، قرأها عليهم رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا على جِهة الاستهزاء: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يَعْنون: هذا الكتابَ (٢).

стр. 6260

وقيل: قائلُ هذا الكلام أبو جهل (١) وقيل: قائلُه النَّضْر بن الحارث (٢). * * * (١٧) - ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: أي: مِن قولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾، وقولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، وقولِهم: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ وغيرِ ذلك، فإنا نجعل لكَ العاقبة الجميلة، ولهم المغبَّةَ الوَبيلة، كما كان ذلك للأنبياء المتقدِّمين ومكذِّبيهم، وبيَّن قصصَهم، هذا أحد معاني ربْطِ قصة داود ﵇ بهذا الكلام. ووجهٌ آخر: إنا أحسَنَّا إليكَ كما أحسنَّا إلى داود، ولو شئنا لأعطيناكَ مِن الدنيا كما أعطينا داود وسليمان ﵉ وأكثرَ مِن ذلك، ولكنِ اختَرْنا لكَ ما هو أَعْوَدُ (٣) عليك. ووجهٌ آخر: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾: وما آتيناه من النبوة والمُلْك، ثم لم نترُكْ عِتابَه (٤) على أدنى زلَّةٍ كانت منه، فتنبَّهوا بذلك على أني منتقِمٌ ممَّنْ عصاني. ووجهٌ آخر: واذكر قصصهم برهانًا لكَ على صحَّةِ نبوَّتِكَ. يقول: فاصبِرْ على أذاهم، ولا تجزَعْ منه، وأَقبِلْ على الإنذار وإيراد البراهين، واذكُرْ عَبْدَنا داود. ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾: أي: القوة في أمرِنا، والصبر على الدعاء إلينا، فاقتَدِ به.

стр. 6261

﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: أي: رجَّاعٌ إلى طاعتنا وطلَبِ مرضاتنا. * * * (١٨) - ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾: هو كما مرَّ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]. ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾: أي: في طرَفي النهار. والعَشِيُّ: وقت العصر إلى الليل، والإشراقُ: وقت إضاءة الشمس، وقد شرَقَتْ؛ أي: طلَعَتْ، وأشرَقَتْ؛ أي: أضاءَتْ. وقيل: العَشِيُّ: وقت صلاة العصر، والإشراقُ: وقت صلاة الضحى. قال كعب الأحبار لعبد اللَّه بن عباس: إني لأجِدُ في كتاب اللَّه صلاةً بعد طلوع الشمس، فقال: أنا أوجدُكَها (١) في كتاب اللَّه في قصة داود، قال: وما هي؟ قال: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وليس الإشراق طلوع الشمس، إنما هو صفاؤُها وضَوْءُها (٢). * * * (١٩) - ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾: عَطْفٌ على قوله ﴿الْجِبَالَ﴾، وحشرُها: جَمْعُها إليه حتى تحضُرَه، وتسبِّحَ معه، وتسمعَ تسبيحه. قال محمد بن إسحاق ﵀: لم يُعْطِ اللَّه أحدًا مِن خَلْقه مثلَ صوت داود

стр. 6262

عليه السلام، حتى إذا كان يقرأ بالزَّبور (١) تُدْنى له الوحوشُ حتى يؤخذَ بأعناقها، وإنها لمُصيخةٌ به تسمعُ صوتَه (٢). وحشرُها يجوز أنْ يكون مِن الملائكة، أو مِن كبارها لصغارها، وقد كان اللَّه تعالى جعل كبارها مُنقادةً له ومُطيعةً لأمره. ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾: أي: كلٌّ مِن الطير له مُطيعٌ راجع إلى طاعته. * * * (٢٠) - ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾: أي: قوَّيْنا سُلْطانه. قيل: بكثرة الرجال. وقيل: بصَنْعة الدُّروع. وقيل: بإلقاء الرُّعْب في قلوب أعدائه. وقيل: بأسباب المنَعةِ. وقيل: كان يحرُسه كلَّ ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل. وقيل: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾؛ أي: قوَّيْنا سُلْطانه (٣) بنصرنا له ودَفْعنا عنه. وقيل: أي: بالعدل في الرَّعِيَّة، والحقِّ بالقضيَّة. وقيل: أي: بقَبْض أيدي الظَّلَمة. وقيل: أي: بدُعاء المستضعَفين.

стр. 6263

وقال الإمام القُشيريُّ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ بأنْ رأى النصر منا، وتبرَّأَ مِن حوله وقوته. وقيل: أي: بوزراء صالحين. وقيل: أي: بتيقُّظه وحُسْن سياسته. وقيل: بقَبوله الحقَّ مِن كل أحد. وقيل: برجوعه إلينا في عموم الأوقات (١). قولُه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾: قيل: أي: النبوة. وقيل: العِلْمَ بالشَّرْع. وقيل: إحكامَ الأمور. وقيل: وضعَ كلِّ شيء مَوْضِعَه. ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: أي: أسباب القضاء بين الخُصوم. وقال ابن عباس ﵄: هو بيان الكلام (٢). وقال الضحاك: أي: القضاء (٣). وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: هو القضاء بين العباد، وكان لا (٤) يتتعتعَ في قضائه، ويفصِلَ على الوجه الحقِّ بين المتخاصمين (٥).

стр. 6264

وقال علي بن أبي طالب ﵁: البيِّنة على المُدَّعي، واليمينُ على مَنْ أنكرَ (١). وقال شُرَيْح والشَّعبي: هو قوله: (أمَّا بعدُ)، وهو أول مَن قالها (٢). وقال المبرد: الخِطابُ: المخاطبة، وفَصْلُه: الخروجُ مِن مخاطبةٍ إلى مخاطبة، وفَصْلُ قصةٍ بعد قصة، وخُصومةٍ بعد خُصومة. * * * (٢١) - ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾: كلمة تُستعمل للتنبيه على جَلالة (٣) القصَّةِ؛ لتكون داعيةً إلى الإصغاء إليها والاعتبار بها؛ لأنَّها في المعنى تقريرٌ للمُخاطب بأنَّه لم يسمعْها، وفي اعترافه بذلك إقرارٌ منه أنه مُحتاج إلى سماعها، فيقول له حينئذ: فاسمَعْها، فقد كان كذا وكذا. ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾؛ أي: خبرُ الخُصوم، هو في الأصل مصدرٌ، فصلُحَ للجمع، ودليل أنه جَمْع قولُه: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾؛ أي: علَوْهُ وتسلَّقُوه؛ لأنَّه كان مُحتجِبًا عن الخصوم، مُتفرِّغًا للعبادة، مُتخلِّيًا لها، فنزَلوا إليه مِن عالٍ، والمِحْرابُ: موضعُ صلاته. وقيل: كان غُرْفةً، والمِحْراب قد بيَّنَّا الأقاويل فيه في سورة آل عمران. * * *

стр. 6265

(٢٢) - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾: أي: حين دخلوا عليه بالتَّسَوُّر. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾: أي: خاف مِن دخولهم عليه بغير إذنٍ، ومن غير الباب، ومع قيام الحُجَّاب، أو ظنَّ أنهم لُصوص مُكابرون، أو أنهم ملائكة جاؤوا لأمر عظيم. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾: فإنَّا لن ندخُلَ لريبة، لكنْ لوقوع خُصومة خشِينا وقوعَ الخلَلِ في التأخير في تلافيها، وعلِمْنا رِضاكَ بإصلاح ما فيها، فتفرَّغَ داود لهم. فقالوا: ﴿خَصْمَانِ﴾: أي: نحن خَصْمان. وقيل: أي: فينا خَصْمان، وقد كانوا جماعةً بدليل قوله: ﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾، ﴿دَخَلُوا﴾، ﴿قَالُوا﴾، ﴿مِنْهُمْ﴾، والجماعة مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه وشهودٌ، فإنه لا يقول: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ بمجرَّدِ دعوى المُدَّعي، فالظَّاهرُ أنه قال ذلك بعد شهادتهم للمُدَّعي. ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: تعدَّى وظلَمَ. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾: أي: لا تُباعِدْ عن الحق، وقيل: أي: لا تَجُرْ. وقيل: أي: لا تُسْرِفْ. وقد شطَّ شُطوطًا مِن باب دخل وضرب؛ أي: بعُدَ، وأشَطَّ؛ أي: جارَ، وأشَطَّ؛ أي: باعَدَ في السَّوْم، والشَّطَطُ: مُجاوزة القَدْر في كل شيء. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: أي: وأَرْشِدْنا في قَطْع خصومتنا إلى قَصد السبيل، فإنَّ السَّواءَ الوسَطُ، والوَسَطُ (١): العَدْلُ، وهذا كلُّه كلامُ استعطافٍ.

стр. 6266

(٢٣) - ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ يعني: صاحبي وصديقي ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾: هي الأنثى مِن الضَّأْن ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾؛ أي: أعطِنيها واجعَلْها كِفْلي؛ أي: نَصيبي. وقيل: أي: ضُمَّها إليَّ واجعلني كافِلَها. ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾: أي: غلَبَني بعِزِّ سُلْطانه، وهو مِن باب دخَل (١)، يقال: مَن عزَّ بَزَّ (٢)، أي: مَنْ غلَبَ سلَبَ. قال الإمام أبو منصور ﵀: وشهِدَ له الشُّهودُ بذلك (٣). * * * (٢٤) - ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾: أي: مَضْمومةً إلى نعاجه. وقيل: أقرَّ خصمُه بذلك، فلذلك قال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾: إذ معناه: إنْ كان الأمر كما تقولُ فلقد ظلَمَكَ. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾: هو جَمْع خليط، وهو الذي يكون له مع الآخَرِ خُلْطةٌ؛ أي: اختلاط بشِرْكة أو مُعاملة أخرى.

стр. 6267

﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: يطلب الفَضْل لنفْسِه ويظلم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فإنهم لا يَبْغون. ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾: ﴿مَا﴾ زائدةٌ مؤكِّدةٌ؛ أي: هم قليل. ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: أي: علِمَ داود بالدليل أنَّا امتحَنَّاه فلمْ يصبِرْ على المِحْنَة حتى صار إلى خِلاف ما هو به أولى. وقرأ أبو عمرو في رواية العبَّاس: (فَتَنَاهُ) بالتخفيف (١)، على أنَّ الخَصمَين فتَنَاهُ؛ أي: أظهرا له ما خَفِيَ عليه. ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: زلَّته ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾؛ أي: سقَطَ على وجهه للَّه ﴿وَأَنَابَ﴾: أي: رجع إلى اللَّه ممَّا وقَعَ فيه. * * * (٢٥) - ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: أي: زلَّته ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾؛ أي: القُرْبة في المنزلة يوم القيامة. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾: أي: مَرْجِعٍ، وهو الجنة. والدليلُ على أنَّ الركوع سجودٌ هاهنا أنَّ النبي ﷺ سجَدَ لها وقال: "سجدَها داود توبةً، ونحن نسجُدُها شُكْرًا" (٢). وهذه قصة زلَّ فيها كثير مِن الناس، وقالوا في نبي اللَّه داود ﵇ ما

стр. 6268

لا يليقُ بحال الأنبياء، فإنَّ اللَّه تعالى يقول في حقِّهم: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وهم هُداةُ البشر، وشُفَعاءُ العصاة (١) يوم القيامة، وكانوا في غاية الطهارة، وكمالِ الفراغ في حقِّ أنفسهم، والذي انتشرَ مِن ذلك روايةٌ أكثرُها مردود: ما يُروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كان داود ﵇ جزَّأَ الدَّهْرَ أربعة أجزاء: يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء، ويومًا للاشتغال بأشغاله، ويومًا يجمع بني إسرائيل فيُبكيهم ويُبْكونه، وكان في المحراب يومَ عبادته إذ وقع بين يديه طائر (٢). وعنه في رواية: أنَّ داود قال: يا رب! اجعلني مع أجدادي في رُتْبَتهم، فأوحى اللَّه إليه أنِّي لم أبتلِكَ بما ابتليتُ به أجدادكَ، فأما إبراهيم فابتليتُه بالمال والنَّفْس والولد فلم أرَ منه ما أكرهُه، وأما إسحاق فابتليتُه بالذَّبْح فسلَّمَ لقضائي، وأما يعقوب فابتليتُه بالحُزْن على ولده فرضِيَ وصبَرَ، فإنْ شئتَ ابتليتُكَ وجعلتُكَ بمثابتهم، فقال داود: فابتلِني بما شئتَ، فاوحى اللَّه إليه: إني مُبْتَليكَ في شهر كذا في يوم كذا، وإنما هو ساعة وامرأة، فتحيَّنَ داود الشَّهرَ واليوم، وخلَا ذلك اليومَ بنفْسِه، وجعل الحرسَ على بابه، وكانوا ثلاثين ألفًا -وقال مقاتل: ثلاثةً وثلاثين ألفًا، وقال القُرَظِيُّ: أربعة آلاف-، فوكَّلَ الأحراسَ، ولبِسَ الصُّوف، ودخل المحراب، وفتحَ الزَّبور فوضعه بين يديه، فبينما هو في نُسُكِه إذ وقع طائر بين يديه، حسِبَه داود مِن ذهب، فمدَّ يده ليتناولَه ويدفعَه إلى بُنيٍّ له صغير، فوثبَ الطائر، وجثَمَ في موضع آخر، فقام إليه داود، فطار وجثَمَ على كُوَّةٍ، فقام داود إليها، فوقع بصرُه في بستان فيه أشجار، فرأى امرأةً لم ير الراؤون مِثْلَها جمالًا وحسنًا وكمالًا، فتحيَّر داود وأُعْجِبَ بها، فرأت ظلَّةً، فانتقَضَتْ في شَعرها، فغطَّتْ نفْسَها به، فازداد داود بذلك عَجَبًا، فرجع وكان

стр. 6269

له تلميذان مِن بني إسرائيل، فدعا أحدَهما فقال: اذهبْ فتأمَّلْ حالة المرأة والبستان، وهل هي ذاتُ زوج أم لا؟ فذهب ورجع، وقال: إنها بتشايع (١) امرأةُ أوريا بن حنانَا، وكان غائبًا في غَزاة. وقال مقاتل: كان أوريا في غَزاة نحوَ البَلْقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فكتب داود إلى أيوب: أنْ مُرْ أوريا بن حنانا حتى يأتيَ البلقاء، فيُقاتلَ أهلها حتى يفتَحَها أو يُقتَلَ، فقاتل حتى قُتِلَ. وقال الكلبيُّ: لما تخاصمَ الملكان، وقال داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ نظرَ أحدهما إلى الآخر (٢) فضحِكَ، وعلِما أنَّ داود لم يفهم القضيَّة، فقاما مِن بين يديه، وصعِدا إلى السماء حِيال وجهه، فعلِمَ داود عند ذلك أنه مبتلًى، فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ (٣).

стр. 6270

قال سعيد بن جُبير وابن المسيِّب: سمعتُ عليًّا ﵁ يقول: مَن حدَّثكم بحديث داود على ما يرويه القُصَّاص جلدتُه مئة وستين؛ لأنه حدُّ الفِرْية على الأنبياء، فأُضَعِّفُه (١). وقيل: كانت زلَّته أنه تمنى أنْ يتزوَّجَ بامرأة أوريا، لكنْ صبر ولم يطلُبْ، واتفقت غيبة أوريا في غَزاة استشهد فيها مِن غير قَصْد من داود، فأُخْبِرَ بذلك، فلم يجزَعْ عليه كما جزِعَ على غيره، فعوتب عليه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أما وقوعُ الطائر بقُرْبٍ منه ونظرُه إليه وإعجابُه به والهمُّ بأخذه فيُحتمَل أنْ يكون، وكذا الذهاب لطلَبه والنظر إليه أنه مِن أين؟ وإلى أين؟ وإلى ماذا صار؟ فذلك محتمَلٌ أنْ يكون، ثم هو مَعْذور في ذلك؛ لمَّا كانت الطيور حُشِرَتْ إليه وسُخِّرَتْ في التسبيح معه والطاعة له، فجائزٌ أنْ يكون له البحث عن حال ذلك الطائر على حسب ما كان مِن سليمان، قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠]. وكذلك وقوعُ بصَرِه على تلك المرأة، فكان بلا قَصْدٍ منه، فكان مَعْذورًا فيه، وميلُ قلبِه إليها لحُسْنها وجمالها، فذلك مِن غير تكلُّفٍ منه، فأما إدامة النَّظر إليها، فإنه لا يُحتمل أنْ يكون ذلك منه ولا مِن نبي مِن الأنبياء النَّظرُ إلى ما لا يحِلُّ النظر إليه. وكذا بعثُ زوجها في القتال ليُقتلَ، فهذا أيضًا غير مُحتمل، لكنه يُحتمل بعثُه ليجاهد أعداء اللَّه تعالى، وكان ذلك فرضًا عليه، وقُتل فيه من غير أن يُتوهَّمَ منه قصدُ قتلِه وهلاكه (٢).
следующие страницы →