← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

(٢٣) - ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ يعني: صاحبي وصديقي ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾: هي الأنثى مِن الضَّأْن ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾؛ أي: أعطِنيها واجعَلْها كِفْلي؛ أي: نَصيبي. وقيل: أي: ضُمَّها إليَّ واجعلني كافِلَها. ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾: أي: غلَبَني بعِزِّ سُلْطانه، وهو مِن باب دخَل (١)، يقال: مَن عزَّ بَزَّ (٢)، أي: مَنْ غلَبَ سلَبَ. قال الإمام أبو منصور ﵀: وشهِدَ له الشُّهودُ بذلك (٣). * * * (٢٤) - ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾: أي: مَضْمومةً إلى نعاجه. وقيل: أقرَّ خصمُه بذلك، فلذلك قال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾: إذ معناه: إنْ كان الأمر كما تقولُ فلقد ظلَمَكَ. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾: هو جَمْع خليط، وهو الذي يكون له مع الآخَرِ خُلْطةٌ؛ أي: اختلاط بشِرْكة أو مُعاملة أخرى.

стр. 6267

﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: يطلب الفَضْل لنفْسِه ويظلم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فإنهم لا يَبْغون. ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾: ﴿مَا﴾ زائدةٌ مؤكِّدةٌ؛ أي: هم قليل. ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: أي: علِمَ داود بالدليل أنَّا امتحَنَّاه فلمْ يصبِرْ على المِحْنَة حتى صار إلى خِلاف ما هو به أولى. وقرأ أبو عمرو في رواية العبَّاس: (فَتَنَاهُ) بالتخفيف (١)، على أنَّ الخَصمَين فتَنَاهُ؛ أي: أظهرا له ما خَفِيَ عليه. ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: زلَّته ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾؛ أي: سقَطَ على وجهه للَّه ﴿وَأَنَابَ﴾: أي: رجع إلى اللَّه ممَّا وقَعَ فيه. * * * (٢٥) - ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: أي: زلَّته ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾؛ أي: القُرْبة في المنزلة يوم القيامة. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾: أي: مَرْجِعٍ، وهو الجنة. والدليلُ على أنَّ الركوع سجودٌ هاهنا أنَّ النبي ﷺ سجَدَ لها وقال: "سجدَها داود توبةً، ونحن نسجُدُها شُكْرًا" (٢). وهذه قصة زلَّ فيها كثير مِن الناس، وقالوا في نبي اللَّه داود ﵇ ما

стр. 6268

لا يليقُ بحال الأنبياء، فإنَّ اللَّه تعالى يقول في حقِّهم: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وهم هُداةُ البشر، وشُفَعاءُ العصاة (١) يوم القيامة، وكانوا في غاية الطهارة، وكمالِ الفراغ في حقِّ أنفسهم، والذي انتشرَ مِن ذلك روايةٌ أكثرُها مردود: ما يُروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كان داود ﵇ جزَّأَ الدَّهْرَ أربعة أجزاء: يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء، ويومًا للاشتغال بأشغاله، ويومًا يجمع بني إسرائيل فيُبكيهم ويُبْكونه، وكان في المحراب يومَ عبادته إذ وقع بين يديه طائر (٢). وعنه في رواية: أنَّ داود قال: يا رب! اجعلني مع أجدادي في رُتْبَتهم، فأوحى اللَّه إليه أنِّي لم أبتلِكَ بما ابتليتُ به أجدادكَ، فأما إبراهيم فابتليتُه بالمال والنَّفْس والولد فلم أرَ منه ما أكرهُه، وأما إسحاق فابتليتُه بالذَّبْح فسلَّمَ لقضائي، وأما يعقوب فابتليتُه بالحُزْن على ولده فرضِيَ وصبَرَ، فإنْ شئتَ ابتليتُكَ وجعلتُكَ بمثابتهم، فقال داود: فابتلِني بما شئتَ، فاوحى اللَّه إليه: إني مُبْتَليكَ في شهر كذا في يوم كذا، وإنما هو ساعة وامرأة، فتحيَّنَ داود الشَّهرَ واليوم، وخلَا ذلك اليومَ بنفْسِه، وجعل الحرسَ على بابه، وكانوا ثلاثين ألفًا -وقال مقاتل: ثلاثةً وثلاثين ألفًا، وقال القُرَظِيُّ: أربعة آلاف-، فوكَّلَ الأحراسَ، ولبِسَ الصُّوف، ودخل المحراب، وفتحَ الزَّبور فوضعه بين يديه، فبينما هو في نُسُكِه إذ وقع طائر بين يديه، حسِبَه داود مِن ذهب، فمدَّ يده ليتناولَه ويدفعَه إلى بُنيٍّ له صغير، فوثبَ الطائر، وجثَمَ في موضع آخر، فقام إليه داود، فطار وجثَمَ على كُوَّةٍ، فقام داود إليها، فوقع بصرُه في بستان فيه أشجار، فرأى امرأةً لم ير الراؤون مِثْلَها جمالًا وحسنًا وكمالًا، فتحيَّر داود وأُعْجِبَ بها، فرأت ظلَّةً، فانتقَضَتْ في شَعرها، فغطَّتْ نفْسَها به، فازداد داود بذلك عَجَبًا، فرجع وكان

стр. 6269

له تلميذان مِن بني إسرائيل، فدعا أحدَهما فقال: اذهبْ فتأمَّلْ حالة المرأة والبستان، وهل هي ذاتُ زوج أم لا؟ فذهب ورجع، وقال: إنها بتشايع (١) امرأةُ أوريا بن حنانَا، وكان غائبًا في غَزاة. وقال مقاتل: كان أوريا في غَزاة نحوَ البَلْقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فكتب داود إلى أيوب: أنْ مُرْ أوريا بن حنانا حتى يأتيَ البلقاء، فيُقاتلَ أهلها حتى يفتَحَها أو يُقتَلَ، فقاتل حتى قُتِلَ. وقال الكلبيُّ: لما تخاصمَ الملكان، وقال داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ نظرَ أحدهما إلى الآخر (٢) فضحِكَ، وعلِما أنَّ داود لم يفهم القضيَّة، فقاما مِن بين يديه، وصعِدا إلى السماء حِيال وجهه، فعلِمَ داود عند ذلك أنه مبتلًى، فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ (٣).

стр. 6270

قال سعيد بن جُبير وابن المسيِّب: سمعتُ عليًّا ﵁ يقول: مَن حدَّثكم بحديث داود على ما يرويه القُصَّاص جلدتُه مئة وستين؛ لأنه حدُّ الفِرْية على الأنبياء، فأُضَعِّفُه (١). وقيل: كانت زلَّته أنه تمنى أنْ يتزوَّجَ بامرأة أوريا، لكنْ صبر ولم يطلُبْ، واتفقت غيبة أوريا في غَزاة استشهد فيها مِن غير قَصْد من داود، فأُخْبِرَ بذلك، فلم يجزَعْ عليه كما جزِعَ على غيره، فعوتب عليه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أما وقوعُ الطائر بقُرْبٍ منه ونظرُه إليه وإعجابُه به والهمُّ بأخذه فيُحتمَل أنْ يكون، وكذا الذهاب لطلَبه والنظر إليه أنه مِن أين؟ وإلى أين؟ وإلى ماذا صار؟ فذلك محتمَلٌ أنْ يكون، ثم هو مَعْذور في ذلك؛ لمَّا كانت الطيور حُشِرَتْ إليه وسُخِّرَتْ في التسبيح معه والطاعة له، فجائزٌ أنْ يكون له البحث عن حال ذلك الطائر على حسب ما كان مِن سليمان، قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠]. وكذلك وقوعُ بصَرِه على تلك المرأة، فكان بلا قَصْدٍ منه، فكان مَعْذورًا فيه، وميلُ قلبِه إليها لحُسْنها وجمالها، فذلك مِن غير تكلُّفٍ منه، فأما إدامة النَّظر إليها، فإنه لا يُحتمل أنْ يكون ذلك منه ولا مِن نبي مِن الأنبياء النَّظرُ إلى ما لا يحِلُّ النظر إليه. وكذا بعثُ زوجها في القتال ليُقتلَ، فهذا أيضًا غير مُحتمل، لكنه يُحتمل بعثُه ليجاهد أعداء اللَّه تعالى، وكان ذلك فرضًا عليه، وقُتل فيه من غير أن يُتوهَّمَ منه قصدُ قتلِه وهلاكه (٢).

стр. 6271

قال: فإنْ قيل: كيف عُوتِبَ كلَّ هذا العتابِ -حتى بعَثَ الملائكة بالخصومة عنده تمثيلًا لحاله وتقريرًا لذلك عنده، ثم أخبَر أنه غفَر له بعد طول المدة- إنْ كان معذورًا في ذلك غيرَ مؤاخَذٍ به؟ قيل: إن الأنبياء ﵈ كانوا يؤاخَذون بأدنى شيء كان منهم مما لا يُؤاخذُ غيرهم بذلك، بل يُعدُّ ذلك منهم مِن أرفع الأعمال وأجلِّها؛ نحوَ ما عُوتِبَ يونس ﵇ في خروجه مِن بين قومه لِيَسْلَمَ له دينه أو نفْسه، لكنه خرَجَ بلا إذن مِن اللَّه فعوتِبَ كذلك، فعلى ذلك جاز أنْ يكون عِتابُ داود ﵇؛ لأنَّ ما فُعِلَ فُعِلَ بغير إذن مِن اللَّه تعالى. ثم في بعْثِ الملائكة إليه وجوهٌ مِن الحكمة، وأنواعٌ مِن الفائدة: أحدُها: جوازُ الحُجَّاب والحرَس، حيث دخلوا عليه مِن غير الباب. والثاني: رفعُ الحُجَّاب عن الخصوم، والجلوسُ للقضاء في وقت حاجة الخُصوم، لا على وقت اختيار نفْسِه، حيث دخلوا عليه مِن غير باب الخصومة بلا إذنٍ منه. والثالث: قُدْرةُ الملائكة على التصوُّرِ بصورة البشر، وذلك يرُدُّ على الفلاسفة قولَهم بخلافه. ثم قولُ الخَصْمين ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ وكذا وكذا -ولم يكن ذلك منهما- ليس بكذِب، بل هو تمثيلٌ وتشبيهٌ (١)؛ أي: لو كان أخوان لأحدهما كذا وكذا نَعْجةً وللآخر نَعْجةٌ واحدةٌ، فغلَب صاحبُ النِّعاج الكثيرة على صاحب النَّعْجة الواحدة فأخذَها، أليس يكون ظالمًا؟ فيكون تمثيلًا لا تحقيقًا (٢).

стр. 6272

وقال غيره: هو مِن مَعاريض الكلام، ومعنى قولِه: ﴿خَصْمَانِ﴾: أي: نحن في صورة خَصْمين بغى أحدُهما على الآخر، وذِكْرُ التسع والتسعين نَعْجةً تمثيلٌ لنساء نبي اللَّه داود ﵇، فقد كانت نساؤُه بهذا العدد، والعرب تُكَنِّي عن النِّسوة بالنِّعاج والبقر والنَّوْق، وقال عنترة: يا شاةَ ما قنَصٍ لمن حَلَّتْ له... حرُمَتْ عليَّ ولَيْتَها لم تَحْرُمِ (١) وقيل: لم يكن منه إلَّا خِطْبتُها؛ إذ ليس في الآية إلا قولُه: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾؛ إذ ليس فيه أنه أخذَها، وكذلك قولُه: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾، ولم يقل: بأخْذِ نعجتِك، وكذلك قال: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، ولم يقل: في الاستيلاء. وقيل: كانت زلَّته أنه سأل عنها، فقيل: فارِغةٌ، فخطَبَها، وكان خطَبَها غيرُه قَبْلَه، وكانت خِطْبةً على خِطْبة أخيه، فعُوتِبَ لذلك، وعلى هذا قولُه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾: أي: في خِطابها بالخِطْبة. وقال محمد بن جرير الطبريُّ: القصةُ على ظاهرها، والخصمان كانا مِن الإِنس، وقعَتْ لهما هذه الخصومة (٢) على الحقيقةِ، فاستعجلا في الوصول إلى نبي اللَّه بالتَّسَوُّر في المحراب، ولم ينتظِرا خروجه ولا إذْنَ الحُجَّاب، وكان هذا مِن سوء الأدب، فاستنكرَه داود ﵇ وتسخَّطَ (٣) عليهما، ثم مالَ قلبُه إلى

стр. 6273

المدَّعي لترقيقه في الكلام، فعجَّلَ في الحُكْم قبلَ مسألة الخَصْم، فقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾، فكان ذلك زلَّةً منه؛ إذ كان الواجب عليه الاحتمالَ منهما، وأنْ لا يُعَجِّلَ في القضاء. وقولُه تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: أي: وقَعَ له في غالب الظَّنِّ أنَّه أخطأَ فيما فعَلَ، وأنما قد فتنَّاه بذلك ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾. وقولُه: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ دليلٌ أيضًا على ما قلناه، فإنَّ قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكور قبله، وهو ما ذُكِر في الآية دون شيء آخر، وكذلك ما بعده: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ يؤيِّدُ هذا (١)، وإذا كان ما ذكَرْناه جائزًا ولم يَرِدْ خبَرٌ عمَّنْ يجب تقليده بخلافه، كان لزوم الظاهر أولى مِن غيره، ولم يثبُتْ خبرٌ بأنَّ الخصمين كانا ملَكَين، ولا أنه كان من داود ﵇ ما ذكَرَه أهل الروايات مِن قصة تلك المرأة (٢).

стр. 6274

وقال (١) الإمام أبو منصور ﵀: فإنْ قيل: ما الحكمةُ في ذِكْر زلَّات الرسل، واللَّهُ تعالى وصَفَ نفْسَه بأنه غفور؛ أي: ستورٌ، وقد أمرَنا بالسَّتر على مَن ارتكب (٢) ذنبًا، فكيف ذكَرَ هو زلَّات أنبيائه حتى تُقرأَ زلَّاتهم في المساجد والمكاتب بأعلى صوت إلى يوم القيامة؟ قلنا: لذلك وجوه: أحدُها: أنْ تكون آيةً لرسالته؛ لأنَّ قلوب الخلق لا تحتمِلُ ذِكْرَ مساوئ الآباء والأجداد، وذِكْرَ مساوئ أنفسهم، فإذا ذكرَ رسولُ اللَّه ﷺ ذلك، دلَّ على أنه عن أمرٍ مِن اللَّه يذكُرُ ذلك. والثاني: ذكَرَ زلَّاتهم امتحانًا منه عبادَه بأنْ (٣) كيف يُعاملون رسلهم بعدما عرَفوا منهم الزلَّات؟ وكيف ينظُرون إليهم بعين الرَّأفة والرحمة؟ يمتحِنُهم بذلك على ما امتحنَهم بسائر أنواع المِحَن. والثالث: لِيَعلمَ الخَلْقُ أنَّ الرسل كيف عاملوا ربهم عند زلاتهم، فيُعاملون هم ربَّهم عند ذنوبهم كذلك مِن البُكاء والتضرُّع والفزَع إلى اللَّه والتوبة. والرابع: أنْ يكون ذكَرَها لِيُعلمَ أنَّ ارتكاب الصغائر لا يُزيل الولاية، ولا يُخرِجُ مِن الإيمان؛ ردًّا على الخوارج.

стр. 6275

والخامس: أنْ يكون ذلك لِيُعلمَ أنَّ الصغيرة ليست بمغفورةٍ، وللَّه أنْ يُعذِّبَ عليها؛ ردًّا على المعتزلة (١). وقال غيره: جاء في التفسير في قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أنه خرَّ ساجدًا أربعين يومًا وليلةً حتى نبَتَ العُشْبُ مِن دموعه، فأوحى اللَّه تعالى إليه: أنَّا قد غفَرْنا لكَ (٢). ورُوِي: أنه ما شرِبَ مدَّةً كثيرةً ماءً في إناء إلا وثُلُثاه دمعٌ، والثُّلثُ ماء. وقيل: أغلَقَ داودُ يومَ خوفِ الابتلاء على نفْسِه أبوابَ الدار، لكنْ لم يُمْكِنْه أنْ يُغْلِقَ على نفْسه أبواب (٣) الأقدار. * * * (٢٦) - ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾: أي: صيَّرْناكَ في الأرض حاكمًا بين العِباد، وخلَفًا عمَّن كان قبلك فيها مِن الأنبياء. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾: أي: فامنَعِ المتنازِعين بعضَهم مِن بعض بما أمَرَ اللَّه تعالى به مِن ذلك، فإنه الحقُّ؛ أي: الذي يحِقُّ أنْ تَعْمَلَ به. ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾: أي: هواكَ المخالِفَ لأمر اللَّه. ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: نصبٌ بالفاء؛ لأنَّه جواب النَّهْي؛ أي: يعدِلَ بك الهوى واتِّباعُه عن الطريق المُفضي بسالكه إلى رِضوان اللَّه.

стр. 6276

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾: نصب ﴿يَوْمَ﴾ لوجهين: أحدُهما: أنه ظرفُ قولِه: ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾؛ أي: لهم ذلك يوم القيامة ﴿بِمَا نَسُوا﴾: أي: تركوا سلوكَ سبيل اللَّه. والثاني: أنه مفعولُ ﴿نَسُوا﴾؛ أي: نسُوا يوم الحساب الذي فيه حُكْمُ اللَّه بين عباده بالحق، فحكَموا في الدنيا بغير الحقِّ. وهذا النِّسيان هو التَّناسي والتَّغافُل. ثم هذا الخِطاب مِن قوله: ﴿يَادَاوُودُ﴾ إلى هاهنا يحتمِلُ الاستخلافَ بعد التوبة عليه، ويحتمِلُ أنْ يكون معناه: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ فاثبُتْ على ذلك، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. * * * (٢٧) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾: هو تذكير عن نسيان يوم الحساب. يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مِن المكلَّفين لأُهملَهم، فلا آمرَهم ولا أنهاهم، بل خلَقْتُهم لِأمتحنَهم وأُكلِّفَهم، وإذا كلَّفْتُهم ميَّزْتُ بين مُحْسِنهم ومُسيئهم بالثواب والعقاب، وذلك يوم الحساب. وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: ظنُّ خَلْقِ السماء والأرض وما بينهما باطلًا هو ظنُّ الكفار ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾.

стр. 6277

(٢٨) - ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: ﴿أَمْ﴾ بمعنى ألف الاستفهام، أو هو عطفٌ على ألفِ استفهامٍ مُقدَّرٍ على ما مرَّ تقريره مرات، وهو استفهام بمعنى النفي، وهو تحقيق معنى الامتحان، والتَّمييز بين أهل الإساءة والإحسان. وقولُه تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾: أي: كالعُصاة الذين يَفْجُرون؛ أي: يَميلون عن الحق إلى الباطل. وقيل: هذا متَّصلٌ بقوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وعُطف بعضها على بعض بـ (أم). وقال ابن عباس ﵄: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: يعني: عليًّا، وحمزةَ، وعبيدةَ بن الحارث ﵃، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: يعني: عُتْبة وشَيْبة ابنا ربيعة، والوليد بن عُتْبة لعنهم اللَّه (١). وقال مقاتل: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: يعني: بني هاشم بن عبد مَناف، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: يعني: بني عبد شمس (٢). * * * (٢٩ - ٣٠) - ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

стр. 6278

وقولُه تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾: أي: هذا كتاب أنزلناه إليك مبارك. ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾: أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمُفسدون والمُتَّقون والفُجَّار؛ أي: ليتفكَّروا (١) بعقولهم ما فيه مِن العلامات الدالَّة على الحق والباطل. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: وليتَّعظوا بعِظاته، ويتذكَّروا بذِكْره، فإنه القرآن ذو الذِّكْر كما ذُكِرَ في أول السورة. وقولُه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾: أي: رزَقْناه ولدًا اسمه سليمان. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾: أي: سليمانُ نِعْمَ العبدُ. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: إذ كان (٢) رجَّاعًا إلينا في أموره، مُستغفِرًا مِن زلَّته. * * * (٣١) - ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾: صِلةُ قولِه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾: أي: آخرَ النهار، وهو وقتُ العصر. ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾: عُرِضَتْ عليه الخيلُ لينظُرَ إليها؛ إظهارًا منه الحُبَّ للجهاد، والحِرْصَ عليه، والحثَّ للناس على الاقتداء به في ارتباطها. وقولُه: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾: الخيول القائمةُ على ثلاث قوائمَ وقد أقامَتْ قائمةً (٣) على طرَف الحافر مِن يد أو رجل، مِن باب ضرَب، ومصدرُه: الصُّفون.

стр. 6279

وقال القُتَبيُّ: الصَّافِن في كلام العرب: الواقف مِن الخيل وغيرِها؛ قال النبي ﷺ : "مَن سرَّه أنْ تقوم له الرجال صُفونًا فليتبوَّأ مقعدَه مِن النار" (١). قولُه: ﴿الْجِيَادُ﴾: جمع جَواد، وهو الذي يُجيدُ السَّيْر، ويتَّسِع في العَدْوِ، وهما وَصْفان: أحدُهما: حُسْنُ هيأتها في وقوفها. والثاني: جودة سَيرها حال ركضها. قال الكلبي: غزا سليمان بن داود ﵉ أهلَ دمشقَ ونَصِيبين، فأصاب منهم ألف فرس، فكانت الخيل تُعرَضُ عليه وقت العصر، فعُرضتْ عليه منها تسعُ مئة، فتنبَّهَ لصلاة العصر، فإذا الصلاة فاته وقتُها، فأمر بها فعُرْقِبَتْ (٢) وبقِيَتْ منها مئة، وهي التي تناسلت إلى اليوم (٣). وقال مقاتل: ورِثَ سليمان مِن أبيه ألف فرس كان أبوه أصابَها مِن العمالقة،

стр. 6280

فصلَّى الصلاة الأولى وقعَدَ على كرسيه وهي تُعرضُ عليه، ففاتته صلاة العصر، فضرَبَ سُوقَها وأعناقَها (١). وقال الحسن: بلغني أنها كانت خيلًا خرجتْ مِن البحر لها أجنحةٌ، فكانت تُعرَضُ عليه وقت العصر حتى فاتته الصلاة (٢). * * * (٣٢) - ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾: أي: آثرْتُ؛ كما قال: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وقولُه تعالى: ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾: أي: حُبِّي للخير؛ كما قال: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]؛ أي: كحُبِّهم للَّه. و ﴿الْخَيْرِ﴾ قال قتادة والسُّدِّي: أي: الخَيْل (٣)، قال النبي ﷺ : "الخيل مَعْقودٌ بنواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة" (٤). وقيل: أي: حُبَّ المال؛ كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. وقولُه تعالى: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾: أي: على ذِكْر ربي، ويجوز (عن) عبارةً عن (على) (٥)؛ قال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣]؛ أي: على نفْسه، قال الشاعر:

стр. 6281

إذا رضِيَتْ عليَّ بنو قُشير... لَعَمْرُ اللَّه أعجبني رضاها (١) وقيل: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾؛ أي: أحببْتُ الخيرَ (٢) حُبًّا شغَلَني عن ذكْر ربي. وقيل: ﴿أَحْبَبْتُ﴾؛ أي: قعدتُ وتأخَّرْتُ، يقال: أحَبَّ الجملُ: إذا برَكَ، وأحبَّ الأسدُ: إذا طأطأَ رأسَه وسكَنَ، قال الشاعر: مُحِبٌّ كإِحْباب السَّقيم وإنما... به أَسَفٌ أنْ لا يَرى مَن يُساورُه (٣) يصِفُ الأسد. وتقديره: إني قعدتُ وتأخَّرْتُ لحُبِّ الخيل (٤) عن ذِكْر ربي. والذِّكْرُ: الصلاة؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وأراد بقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾: صلاةَ العصر، وهذا عن علي وقتادة والسُّدِّي (٥). وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾: أي: توارَتِ الشمس بما حجَبها عن الأبصار، ولم يَسْبِقْ ذِكْرُها، لكنْ نعرف أنها المراد لأنه ذكَرَ العَشِيَّ، ولا شيءَ يتوارى

стр. 6282

حينئذ غيرُها، وهذا كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]، قال لَبيد: حتى إذا ألْقَتْ يدًا في كافر... وأجَنَّ عوْراتِ الثُّغورِ ظَلامُها (١) يعني: الشَّمسَ. وقال حاتم الطائي: أَماوِيَّ! لا يُغْني الثَّراء عن الفتى... إذا حَشْرَجَتْ يومًا وضاق بها الصَّدْرُ (٢) يعني: النَّفْس. * * * (٣٣) - ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾: أي: الصَّافناتِ الجِياد. ﴿فَطَفِقَ﴾: أي: أخذَ وابتدأَ ﴿مَسْحًا﴾؛ أي: يمسَحُ مَسْحًا؛ قال أبو عبيدة: أي: يقْطَع، يقال: مسح علاوته؛ أي: ضرب عنقه، وكذا قال الكسائي والفراء والخليل وجماعة مِن المفسرين: أنَّه القَطْعُ (٣). ﴿بِالسُّوقِ﴾: وهي جمع الساق. ﴿وَالْأَعْنَاقِ﴾: جمع العُنُق؛ أي: جعل يُعَرْقِبُ سُوقَها ويقطَعُ أعناقها. واختلفوا في وجه ذلك على هذا القول:

стр. 6283

قيل: فعَلَ ذلك تلهُّفًا على فَوْت الصلاة، فأتلفَها قَطْعًا لأسباب الشُّغل عن ذِكْر اللَّه تعالى، وهو كمَن شغَلَه ثوبُه عن الصلاة فخرَقه (١) حَسْمًا لطمَع الشيطان في عوده إلى مثله، وللإنسان إتلافُ ماله في غرَضٍ صالحٍ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنْ ثبَتَ هذا فلوجهين: أحدهما: أنه كان ذلك في شريعته جائزًا، وإنْ كان لا يجوز في شريعتنا إتلافُ الحيوان وتعذيبُه، وهو كتعذيبِه الهُدْهُدَ حين تفقَّدَه، ولا يجوز تعذيب الطير في شريعتنا، أويكون ذلك منه قبْلَ نهيه عن المُثْلة، ثم نُهِيَ عنها، فحُرِّمَ ذلك عليه وعلينا. والثاني: أنْ يكون ذلك عبارةً عن الذبح؛ لتُفَرَّقَ لحومُها على الناس، فيكونَ كفارة لِمَا كان منه (٢). وهذا وجهٌ آخر قال به جماعة: أنَّه ذبحَها وأطعمَها الناسَ، فدلَّ ذلك على أنَّ الخيل كانت مأكولةً في شريعته، ولم يكن ذلك تعذيبًا للخيل، بل رياضةً للنَّفْس، وتقرُّبًا إلى اللَّه تعالى بأحبِّ الأموال إليه، وعلى هذا عَرْقَبَةُ السوق كانت لئلَّا (٣) تنفِرَ، ويُتمكَّن مِن ذبحها، وقَطْعُ الأعناق كانت ذبحًا وذكاة ومشروعة، وشكَرَ اللَّه سَعْيه ذلك، فأثنى عليه به، وأبدَله مكانها ريحًا غُدُوُّها شهر ورَواحُها شهر، فزاد في المعونة، ورفَعَ المؤونة. وفيه قولان آخران سوى القَطْع والذَّبْح: أحدُهما: أنه مسَحَ السُّوق؛ أي: كواها، وكوى على الأعناق أيضًا، وجعلَها في سبيل اللَّه للغُزاة، وأعلَمَها بالكيِّ، وليس المسح باسمٍ للقَطْع لا محالةَ، فإنه عبارة عن المسِّ، وذلك يقع بما دون القَطْع.

стр. 6284

والآخر: أنه كان مُجَرَّدَ مسٍّ للسُّوق والأعناق؛ قال ابن عباس ﵄: جعل يمسَحُ أعْرافَ الخيلِ وعراقيبها حُبًّا لها (١). وقال الزُّهْري: مسَحَ الغُبار عنها، وليس يأنَفُ الرجل -وإنْ جلَّ مقداره- عن تعهُّدِ الخيل بنفْسه (٢). وقيل أيضًا: كان يمسَحُ هذه المواضع ينظُرُ: هل حدَثَ بها عيبٌ فيُسْتَصْلَحَ؟ وقيل على هذا الوجه: عُرِضَ عليه بعضها، ثم تذكَّرَ الصلاة فصلاها، ثم أمرَ بعَرْض ما بقِيَ عليه، فجعل يمسح سُوقها وأعناقها، وذلك قوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أو رُدَّ كلُّ ما (٣) عُرِض عليه مرَّةً، فرآها ثانيًا ومسَحها؛ إظهارًا لحُبِّها وحثًّا على ارتباطها. وقيل على هذا: ليس في الآية ذِكْرُ فوت الصلاة. ولها تأويل آخر: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾: الخيلُ، فنظَرَ إليها إلى غروب الشمس حُبًّا للخيل، ورغبةً في إمساكها للجهاد في سبيل اللَّه تعالى، وإظهارًا للناس بقوله: إنه يُحبُّها بأمر اللَّه تعالى، فإن معنى قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾؛ أي: الخيل؛ أي: أحببتُها حبًّا ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾؛ أي: بما ذكَر لي ربي في الزَّبور أنَّ حُبَّها وارتباطَها مما يرضى به اللَّه تعالى، وقال: أعيدوها عليَّ، فجعل يمسحها مسحًا إظهارًا لمحبَّتها. * * * (٣٤) - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾.

стр. 6285

وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾: أي: اختبرناه كما اختبرنا آباءه، كما قال: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤]. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾: هو بيان تلك الفتنة. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾: هو إلى اللَّه؛ أي: رجع إليه كما رجع أبوه وأناب واستغفر اللَّه تعالى، فغفَرَ اللَّه له، فسأله المُلْك الذي لا ينبغي لأحد مِن بعده فأعطاه، كما جعل أباه خليفةً في الناس، ووعدَه الزُّلْفى وحُسْنَ مآب. وزلَّ في تفسير هذه الآية بشرٌ كثيرٌ، ورووا فيه رواياتٍ مختلفةً: قال قتادة: إنَّ سليمان غزا ملِكًا من الملوك، فقهره وسبى ابنةً له، وشُغفَ بها، واختصَّها مِن بين نسائه، وكان اسمها: جرادة، فقالت لسليمان: إنْ رأيت أنْ تأذنَ لي حتى أتَّخذ صورةً على صورة أبي، فلستُ أتمالَكُ شوقًا إليه، فأذن لها، فاتَّخذت صنمًا، فعبَدَته في دار سليمان أربعين يومًا، وقيل: خمسين يومًا، فابتلى اللَّه سليمان بسبب ذلك بنَقْل مُلْكه عنه، وإلقاء جسد على كرسيِّ مُلْكه (١). وقال مقاتل: هو شيطان اسمه: صخرُ بنُ عمير بن عمرو (٢) بن شرحبيل، قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أعطني خاتمكَ حتى أُخبرَك، فأعطاه خاتمه، فرماه في البحر، فانتقل مُلْك سليمان عنه لزوال خاتمه (٣). وقيل: تختَّمَ صخرٌ به، فصار المُلْك له. وقال السُّدِّي: كانت لسليمان ثلاثُ مئة نِسْوة مَهْريَّة، وكان آثرُ نسائه عنده امرأةٌ

стр. 6286

يقال لها: جرادة، وكان سليمان إذا أجنبَ أو دخل الخَلاء نزَعَ خاتمه فدفعه إليها، لا يأمَنُ عليه سواها، فدخل الخَلاء يومًا ودفَعَ الخاتم إليها، فجاء شيطان اسمه: آشمَدِّي (١) على صورة سليمان، وأخذَ منها الخاتم فظنَّته سليمان، وقعد الشيطان على كرسيه، وخرج سليمان مِن الخلاء فطالبَها به، فقالت: ألمْ أُعْطِكَهُ الآن؟! فخرج سليمان وغاب، وقعد الشيطان على كرسيه يقضي بين الناس (٢). وذكروا أشياء لا تقبلُها العقول السليمة، وتردُّها العقائد المستقيمة، ولا يجوز على نبي اللَّه سليمان ولا على سائر الأنبياء الرضا بعبادة الأصنام (٣)، ولا التَّرْكُ بعد العلم، فإنْ فعلَتْ ذلك امرأته بغير علمه، فما معنى عِتاب سليمان به وهو لا يَعْلَم به؟! وكيف يجوز تسليط الشيطان أن (٤) يحكُمَ بين الناس بالباطل، ويأتيَ النساء، ويُصَوِّرَ أنه نبي، وأنَّ أحكامَه أحكامُ اللَّه تعالى، وهذا تلبيس على المسلمين طريقَ الدين؟! فكيف تصوَّرَ بصورة سليمان وعلى الناس الإيمانُ بسليمان، والشيطانُ تَصَوَّر بصورة سليمان وهم يعتقدونه نبيَّ اللَّه، ولا يصلون إلى حقيقة ذلك ألبتَّة؟! هذا مُحالٌ مِن القول. وكيف يسلُبُ اللَّه سليمان مُلْكه في حياته وقد بقَّاه عليه سنة كاملة بعد وفاته؟! وكيف ينزعه منه وهو يقول: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾، واستجاب اللَّه له في قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.

стр. 6287

وعند بعض المفسرين: كان له المُلْك قبل هذه الفتنة. قال مقاتل: فُتِنَ سليمان بعد مُلْكه عشرين سنة، وملَكَ بعد الفتنة عشرين سنة (١). ومنهم مَن قال: سؤال هذا الملَك كان بعد الفتنة، ويدلُّ عليه نَظْم الآية، لكنَّ بعضَ ما ذكرناه مِن الدلائل كافية، ولِمَا قاله هؤلاء نافية. وقيل: إنه كان لسليمان مئة امرأة، فقال: لأطوفَنَّ الليلة على نسائي، فتحمِلُ كل واحدة منهن غلامًا يُقاتل في سبيل اللَّه، ولم يستَثْنِ، فما حمَلَتْ منهن إلا واحدةٌ ولدت شِقَّ غلام، وقيل: ولدًا ميتًا، فجيء به وهو على كرسيه، فوُضِعَ في حِجْره، فذلك قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. وقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، لو استثنى لولَدتْ كلُّ واحدة منهن غلامًا يقاتلون في سبيل اللَّه تعالى فرسانًا أجمعين" (٢)، فكانت فتنتُه هذه، وعتابُه لترك الاستثناء. وقال الشَّعبي: وُلِد لسليمان ابنٌ، فاجتمعت الشياطين، وكانت تُقَدِّرُ أن راحتها في موت سليمان، فقال بعضهم لبعض: إنْ عاش له ولد لم ننفكَّ مما نحن فيه من البلاء والسُّخْرة، فسبيلُنا أن نقتل ولده أو نَخْبِلَه، فعلِم سليمان بذلك، فأمر السَّحاب

стр. 6288

حتى حملَتْه الريح، وغدا ابنه في السَّحاب خوفًا مِن مَعَرَّة الشياطين، فابتلاه اللَّه تعالى لأجل هذا الخوف (١) بموت هذا الولد، فألُقِيَ ميتًا على كرسيه (٢). * * * (٣٥) - ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: أي: زلَّتي ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾: لم يسأل ذلك نفاسةً على غيره، وطلبًا للاستئثار بمِثْله، لكنْ أراد أنْ يكون مُلْكه على هذا الوجه آيةً لنبوته يَبينُ (٣) بها عن غيره مِن ملوك الأرض في عصره. وقيل: أراد به أنْ يكون علامةً لقَبول توبته. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل أنه أراد أنْ يستسلِمَ له الخَلْق في الإجابة إلى ما يدعو إليه مِن توحيد اللَّه تعالى وعبادته لَمَّا رأى أنَّ إجابة الناس وإقبالهم إلى مَن عنده السَّعةُ والغِنى أسرع، ورغبتَهم فيه أكبر، فإذا كان ما ذكرنا كان في سؤاله نجاةُ الخَلْق كلِّهم لِمَا يستسلمون له ويجيبونه إلى ما يدعوهم إليه. ويحتمل أنه سأل ذلك ليبقى له الذِّكْر والثَّناء الحسَن في الخَلْق، وكذلك كان التماس المرسلين، قال إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ عِفْريتًا مِن الجن تفلَّتَ عليَّ البارحة ليقطع صلاتي، وإن اللَّه أمكنني منه، ولقد همَمْتُ أنْ أربِطَه إلى سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا فتنظروا إليه كلُّكم" (٥).

стр. 6289

وفي رواية: "حتى تلعبَ به صبيان المدينة، فذكرتُ قول أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، فرده اللَّه خاسئًا" (١). وقولُه تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾: أي: المعروفُ بكثرة الهِبات (٢). وفيه دليل على أنَّ الأهم بالمؤمن تقديمُ سؤال المغفرة على كلِّ سؤال. وقيل: إنما سأل مثلَ هذا المُلْك؛ لينالَ ثواب الملوك العادلين، قال النبي ﷺ : "عدلُ ساعةٍ خيرٌ مِن عبادة سنة" (٣). وقيل: سأل ذلك لعِلْمه بأنه لا يقوم به أحد مثلُه؛ ليُنْصِفَ المظلوم من الظالم، وليَعْمُرَ البلاد، ويُنْعِشَ (٤) العباد، ويُظهرَ الرشاد، ويقطعَ الفساد. وقيل: سأل ذلك ليُظهر مِن نفْسه عند كمال المُلْك في الدنيا كمالَ العبودية للمولى، فيزدادَ خشوعًا ومَسْكنةً للَّه تعالى بزيادة اللَّه له في المُلْك والرِّفعة، ولذلك كان يأكل خبز الشعير، ويُرمِلُ الخُوْصَ (٥)،. . . . . .

стр. 6290

ويأكل مِن كَدِّ يده، ويجلس مع المساكين، وكان يقول: مسكينٌ جالس مسكينًا (١). وقولُه تعالى: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾: قال أبو عبيدة: أي: لا يكون (٢). وقيل: هو فعل لازم لقولهم: بغى؛ أي: طلَبَ بُغْيته فانبغى (٣)؛ أي: طَلِبته (٤) فحصل. * * * (٣٦) - ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾. فاستجاب اللَّه دعاءه هذا، وذلك فيما قال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾: أي: ذلَّلناها له ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾؛ أي: سهلةً ليِّنة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾؛ أي: حيث أراد سليمان مِن البلاد والمواضع. يقال: أصاب الصوابَ فأخطأ الجواب؛ أي: أراد الصواب. وقال قتادة: ﴿رُخَاءً﴾: أي: سريعةً طيِّبة حيث أراد. وقال الحسن: كان يغدو من إيليا، ويَقيلُ بقزوين، ويبيت بكابل. وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد والضحاك والسُّدِّي: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: أي: حيث أراد (٥). * * * (٣٧ - ٣٨) - ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾: عطف على الأول؛ أي: وسخَّرنا له الشياطين.

стр. 6291

﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾: ترجمة عنه؛ أي: فسخَّرْناهم له، فبعضهم كانوا يبنون له الأبنية العظيمة المرتفعة البديعة، وبعضهم يستخرجون له مِن البحار الجواهرَ واللآلئَ والحُلِيَّ الثمينة. وقال مقاتل: كان سليمان أول مَن استخرج اللؤلؤ مِن البحر (١). ﴿وَآخَرِينَ﴾: أي: مِن الشياطين ﴿مُقَرَّنِينَ﴾؛ أي: مُقيَّدين، مِن القِران، والتشديد للتكثير والتكرير. ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾: أي: الأغلال، والواحد: صَفَد، بفتح الفاء. وقال السُّدِّي: كان يجمع أيديَهم إلى أعناقهم بالسلاسل (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان مَن امتنع منهم عن العمل له بالبِناء والغَوْص وغير ذلك قيَّدَه بالغُلِّ؛ ليدفع شرَّه عن الخَلْق (٣). * * * (٣٩) - ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾: فلما أعطيناه هذا كلَّه، قلنا له: هذا عطاؤنا لك. ﴿فَامْنُنْ﴾: أي: أَعْطِ منه ما شئتَ ومَن شئتَ. ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾: أي امنَعْ منه ما شئتَ ومَن شئتَ. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: بغير تَبِعَةٍ عليكَ فيه، ولا سؤالٍ عنكَ: لِمَ أعطيتَ؟ ولِمَ أمسكتَ؟

стр. 6292

وقيل: هو تفويضُ تقديرِه ما يُعطي وما يُمسك؛ أي: أَعْطِ وأَمسِكْ غيرَ مُقدَّر عليك تقديرًا لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه. وقولُه تعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: قيل: أي: فامنُنْ؛ أي: أَعْطِ مَن أعطيتَه مُتفضِّلًا لا مُحاسِبًا له على ما تُعطيه، وراجيًا مكافأته عليه بقَدْره. وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ صلةُ قولِه تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾؛ أي: عطاؤُنا لك بغير حساب؛ أي: أعطيناكَ بغير حساب (١) لكَ علينا، بل ابتداءَ إنعامٍ منا. وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: أعطيناكَ مِن غير أن يُنقِصَنا الإعطاءُ أو يزيدَنا تركُ الإعطاء، وهو معنى الحساب؛ لأنَّه لتعَرُّفِ الزيادة والنُّقْصان، وهما عن عطائنا مُنْتَفيان. وقيل: ﴿فَامْنُنْ﴾؛ أي: فامنُنْ على مَن شئتَ فأَطْلِقْه ولا تستعملْه، ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾؛ أي: احبسه واستعمله، والأولُ كقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد: ٤]، والثاني كقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: لا نحاسبك على ما فعلتَ، ولا نسألكَ: لِم فعلت؟ أو (٢) هلَّا فعلتَ. * * * (٤٠ - ٤١) - ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾: كما كان لأبيه داود، وقد فسَّرْنا ذلك. وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾: أي: دعا ربه؛ أي: اذكر عبدنا أيوب كما ذكرتَ داود وسليمان إذ قال في دعائه وندائه:

стр. 6293

﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾: أي: أصابني ﴿بِنُصْبٍ﴾؛ أي: نَصَب، وهو التَّعَب، وهو كالشُّغْل والشَّغَل، والحُزْن والحَزَن، والرُّشْد والرَّشَد، والبُخْل والبَخَل. وقال أبو عبيدة: ﴿بِنُصْبٍ﴾: أي: أذًى (١). وقال قُطْرُب: أي: مرض، وقال المبرد: أي: مكروه. وقولُه تعالى: ﴿وَعَذَابٍ﴾: قيل: أي: شديد. وقيل: أي: عَناء. ومعنى إضافةِ ذلك إلى الشيطان عند بعضهم: أنَّ الشيطان كان سأل اللَّه أنْ يسلِّطَه على ماله وولده وجسده على ما ذكَرْنا في سورة الأنبياء في قصته. وعند بعضهم: أنَّ الشيطان وسوس إليه وأوردَ على خاطره ما يبعَثه على الجزَع والشِّكاية مِن تَذْكار الحالة الأولى. وعند بعضهم: أنه يُخيِّلُ إلى امرأته وإلى الناس أنه لو كان له جاه عند اللَّه لم يبتلِه بمِثْل هذه البَليَّة، وكان يُنفِّرُ الناس عنه، ويخدَعُ امرأتَه بأشياء. * * * (٤٢) - ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾: أي: فاستجبنا له، وقلنا له: اركض برجلكَ؛ أي: اضرب بها وحرِّكْها في مكانكَ. قال الحسن: فركَضَ برجله فسقطت عنه كلُّ دُودة كانت في جسده. ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾: أي: فضرب برجله الأرض، فنبعت عَين فيها ماء بارد ليغتسل به ويشربه، فزال ما كان به مِن ضُرٍّ حين اغتسل به وشربه. * * *

стр. 6294

(٤٣) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾: قال مقاتل: كان لأيوب سبعُ بنات وثلاثة بنين في المكتب، ومعلم يعلِّمهم التوراة، فأخذ إبليس بالسَّارية فهزَّها، فانهدمَ السَّقْف ووقع عليهم، فلما شفاه اللَّه تعالى أحياهم ورزقه مِثْلهم سبع بنات وثلاثة بنين (١). وقال الضحاك: أوحى اللَّه تعالى إليه: أتريد أنْ أبعثَهم؟ قال: لا يا ربِّ! دَعْهم في الجنة، فعلى هذا آتاه أهله في الآخرة، وأعطاه مثلهم في الدنيا بأنْ عمَّرَه فتزوج، فولد له أولاد كذلك (٢). وقيل: معناه: ووهبنا له أجرَ أهلِه في الآخرة ومِثْلَهم في الدنيا. وقال النبي ﷺ : "إنه تناثر عليه جَرادٌ مِن ذهب حين عوفي، فجعل يأخذه في ثوبه، فأوحى اللَّه إليه: ألمْ يَكْفِكَ ما أعطيناكَ؟ قال: يا رب! ومَن يشبع مِن فضلك؟! " (٣). وقولُه تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾: أي: فعلتُ به ذلك رحمةً مني عليه.

стр. 6295

وقولُه تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: أي: وتذكيرًا للعقلاء ليصبروا كما صبر، فيُؤجَروا كما أُجِر. * * * (٤٤) - ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾: أي: وقلنا له؛ أي: في تكفير يمينه على ضرب امرأته. قال سعيد بن المسيِّب: كانت امرأته تأتيه كلَّ يوم بشيء معلوم، فأتته يومًا بأكثرَ مِن المعهود، فخاف عليها سوءًا، فحلف ليضربنَّها مئة سُوط (١). وقيل: أعطَتْ في طلَب القُوت يومًا ذُؤابتَيها، فجأت فرآها كذلك، فظن بها شيئًا، فحلَف على ذلك. وقيل غير ذلك، فقال اللَّه تعالى له: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾: قال الخليل: هو قَبْضة قُضْبانٍ يجمعها أصل واحد (٢). وقال قُطْرُبٌ: هو الحُزْمة مِن الكَلأَ والرَّيحان. وقيل: هو ملءُ الكف مِن حشيش أو شَماريخ (٣). وفي بعض التفاسير: أنه أخذ قَبْضة مِن مكانِسَ (٤).

стр. 6296

وفي بعضها: مِن ثُمام (١). وفي بعضها: مِن إِذْخِر (٢). ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾: أي: امرأتك ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾؛ أي: في يمينك، خفَّفَ عنها لعدم جِنايتها، وأبرَّه فيما حلف لحُسْن نيته فيما حلف (٣). وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾: أثبت له صفة الصبر مع قوله ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾؛ لأنه لم يكن على وجه الشكوى، ولأنه قال ذلك مع اللَّه لا مع غيره، ولأنه كان مَرَّةً، ولأنه كان شكرًا للَّه على ما أهَّلَه له. وقيل: الصَّبر (٤): استعذاب البلاء دون استصعابه. وقيل: هو التَّلَذُّذ بالبلاء. وقيل: هو الوقوف تحت الحُكْم. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾: لم يشغله البلاء عن المُبْلي، وسليمان نِعْم العبد لم يشغله العطاء عن المُعْطي. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: أي: رَجَّاع إلى اللَّه، وهو تحقيق ما قلنا. وقيل: مكث في بلائه ثماني عشرة سنة (٥).

стр. 6297

وقال السدي: ثلاث عشرة سنة (١). وقال مقاتل: سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات (٢). * * * (٤٥) - ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: قرأ ابن كثير: ﴿واذكر عَبْدَنا﴾، وهو لإبراهيم خاصة، والباقون: ﴿عِبَادَنَا﴾ (٣)، وهو له ولإسحاق ويعقوب. ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾: جمع يد، وبها يقع البطش والقوة. ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: جمع بصَر، وهو بصر القلب، وبه يقع الاستبصار والمشاهدة، وهذا وصف لهم بالقوة في العمل، والكمالِ في العِلْم. وقال الحسن: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾: أي: الأيادي على الناس، ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: في دين اللَّه (٤). * * * (٤٦ - ٤٧) - ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾: قرأ نافع بغير تنوين على الإضافة، والباقون بالتنوين على التَّرجمة (٥).

стр. 6298

يقول: إنَّا اختصَصْناهم (١) واستخلصناهم بخاصيَّةٍ، وهي تذكيرُ الناس (٢) بيوم القيامة؛ لإرسالنا إياهم دُعاةً للخَلْق. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾: المختارين ﴿الْأَخْيَارِ﴾؛ أي: الأفاضل. وقيل: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾: وهو ذِكْرهم في الآخِرين في دار الدنيا ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾: المستحِقِّين للجنة. * * * (٤٨) - ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾: قرأ حمزة والكسائي وخلف: "واللَّيْسَع" بلامين، والباقون بلام واحدة (٣). ﴿وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾: قال ابن إسحاق: إنَّ الْيَسَعَ وذا الكِفْل كانا ابنَيْ عم، وكان الْيَسَعُ في أربع مئة مِن الأنبياء في زمانِ ملكٍ غَشوم، فقتل الملِكُ منهم ثلاث مئة، وبقي ذو الكِفْل ومئة منهم، فكفِلَهم وجعل يُطعمهم ويَسقيهم، وخبَّأَهم حتى أُفْلِتوا، فمِن ذلك سُمِّيَ: ذا الكفل (٤). وقد ذكَرْنا في قوله: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] أنَّ الْيَسَعَ كان آمن بإلياس، ولما ذهب إلياس نُبِّئَ الْيَسَعُ في بني إسرائيل.

стр. 6299

وقيل: لمَّا مات أيوبُ أرسل اللَّه ابنَه بِشْرَ بن أيوب نبيًّا، وسماه: ذا الكِفْل، وأمرَه بالدعاء إلى توحيده، وكان نبيًّا بالشام عمَّرَه اللَّه خمسًا وسبعين سنة، ثم مات، فأرسل اللَّه تعالى بعده شُعيبًا. وفيه أقاويل أُخَر ذكرناها في سورة الأنبياء في قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾. * * * (٤٩ - ٥٠) - ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾: هذا الذي تلَوْناه عليكم مِن قصص الأنبياء ذِكْرٌ؛ أي: وَعْظٌ، فتذكَّروا (١) به. ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: للمُتذكِّرين به، وقيل: لكل المؤمنين على العموم لا للأنبياء الذين ذكرتُهم على الخصوص. ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: أي: مرجعٍ، ثم فسَّرَه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: وهي في محلِّ نصبٍ (٢) ترجمةً عن الأول. ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾: التَّفْتيحُ: تكثير الفتح، وذلك لذِكْر الأبواب؛ أي: إذا أتوها فتحوا أبوابها لدخولهم؛ كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]. * * * (٥١ - ٥٢) - ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾.

стр. 6300

﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾: نصب على الحال؛ أي: يتَّكِئون على الأرائك فيها. ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾: للأكل ﴿وَشَرَابٍ﴾: للشُّرْب. و ﴿يَدْعُونَ﴾: أي: يحكُمون. وقيل: يطلبون. وقيل: ينادون. وقيل: يتمنَّون بقلوبهم، فيأتيهم من غير لَبْثٍ ولا كُلْفة. قولُه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: نساء قد قصَرْنَ أبصارهن عليهم. ﴿أَتْرَابٌ﴾: لِدَاتٌ على سنٍّ واحدة، متساوياتُ في الحسن والجمال، وذلك أنفى للغَيْرة عنهن؛ لأن النَّفْس تتوق إليهن على السواء. * * * (٥٣ - ٥٦) - ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾: أُجازيهم به يوم أُحاسِبُ الخَلْق، فأُجازيهم على أعمالهم. ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا﴾: أي: عطاؤنا الذي لا ينقطع ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾؛ أي: فناءٍ. ﴿هَذَا﴾: أي: هذا لهؤلاء، أو: هذا كما وصفنا، أضمرَ خبره. ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾: أي: وإن للمُتمرِّدين لأسوأَ مرجع ﴿جَهَنَّمَ﴾: ترجمة عنه ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: يدخلونها ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: فبئس الفراش المُعَدُّ لهم، بخلاف ما ذُكِرَ للمتقين مِن حسن المآب والجنة المفتَّحة الأبواب. * * * (٥٧) - ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾.

стр. 6301

وقولُه تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾: قيل: أضمر فيه: نزُلُهم؛ أي: هذا نزُلهم فليذوقوه. ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾: ترجمةٌ عن المضمَر. وقيل: فيه تقديم وتأخير: هذا حميمٌ فليذوقوه، وغسَّاق فليذوقوه، وهذا مكانَ الفاكهة والشراب للمتقين. والحميمُ: الماء الحارُّ الذي تناهى حرُّه، قال: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]. وأما الغَسَّاق: فقد قال قتادة: هو ما يَسيل من بين جلده ولحمه (١). وقال ابن عباس ﵄: هو الزَّمْهَرير الذي يحرق ببَرْده كما تحرق النار (٢). وقال ابن عمر ﵄: هو القَيْح الذي يَسيل منهم يجتمع فيُسْقَونه (٣). وقال كعب: الغسَّاقُ: عَين في جهنم يسيل إليها سُمُّ كلِّ ذات حُمَة مِن حية وعقرب (٤). وقيل: هو قَيْح شديد النَّتْن. وقيل: هو ما يَسيل مِن الصَّديد.

стр. 6302

وقيل: الغَسَّاقُ مأخوذ مِن الظُّلْمة والسوادِ مِن الليلِ الغاسقِ، وهو شراب أهل النار، بخلاف شراب أهل الجنة الذي له صفاءٌ وحسنٌ ورِقَّةٌ. وقال ابن بُريدة: الغَسَّاق: المُنْتِن، وهي لغة الطَّخارية (١). وقيل: التركية (٢). وقال محمد بن كعب القُرَظي: هو عُصارة أهل النار (٣). وقال الأخفش: هو ما يغسِقُ مِن فُروج الكفرة والزُّناة؛ أي: يسيل (٤). وقرأ حمزة والكسائي وخلف وعاصم في رواية حفص بالتشديد، وكذا في ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقرأ الباقون بالتخفيف (٥). فالمخفَّف اسم كالشَّراب والعذاب، والمشدَّد نعت كالكَذَّاب والقَلَّاب والغَلَّاب، وقد غسَقَت القَرْحة غُسوقًا؛ أي: سالت، وغسَقَت العين غَسَقانًا (٦)؛ أي: جرى دمعُها، وغسَقَ الليل: إذا أظلم، والغسَقُ: الظُّلْمة. * * * (٥٨) - ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾: قرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿وَآخَرُ﴾

стр. 6303

بالضم (١) على الجمع؛ أي: ضُروب أُخَرُ، وقرأ الباقون بالفتح على الواحد (٢)؛ أي: وعذابٌ آخَرُ مِن شكله؛ أي: شِبْهه. و (الشَّكْل) بالفتح: ما يُشاكل الشيءَ، وبالكسر الدَّلُّ (٣). ﴿أَزْوَاجٌ﴾: أي: ضُروب وألوان، وهي الضَّريع والغِسْلين (٤) والصَّديد والزَّقُّوم. * * * (٥٩) - ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾. ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾: أي: يقال لهم: هذا فَوْج؛ أي: انظروا إلى أفواج أمم الكفار (٥) الذين أضلَلْتُموهم، فإنهم مُقْتَحِمون النَّارَ معكم، لم يُمْكِنْكم نصرتهم ودفعُ العذاب عنهم. والفَوْج يطلق (٦) للجمع معنًى، ولفظُه لفظ الواحد، فلذلك وحَّد نعته فقال: ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾. ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: أي: يقول الأوَّلون للمُقتحِمين: لا مرحبًا بهم. هذه كلمة تُذكر عند استثقال (٧) الداخل، وضدُّه: مرحبًا، يقال ذلك للإكرام

стр. 6304

وللفرح بالداخل، ومعناه: أتيتَ مرحبًا؛ أي: منزلًا رحبًا واسعًا وخيرًا واسعًا (١). و (الرُّحْبُ) بالضم: السَّعَة، و (الرَّحْب) بالفتح: الواسع، و (المَرْحَب): موضع السَّعة. ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾: أي: داخلوها؛ أي: هم مثلُنا، فلا فرحَ برؤيتهم، ولا فرجَ بمعونتهم. * * * (٦٠ - ٦١) - ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾: أي: بل أنتم الذين لا نفرح بالاجتماع معهم. ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾: أي: أنتم حمَلتمونا على الكفر بالدعوة والتَّزْيين حتى أوردتُمونا هذه الموارد. ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾: أي: موضعُ الاستقرار، والهاء في ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ يرجع إلى الصَّلْيِ، فقد ذُكِر فعلُه، أو إلى الاقتحام لذلك. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾: أي: مَن كان سببًا لهذا بدعوته. ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا﴾: أي: مُضاعَفًا بكفره ودعوته إيانا إليه. ﴿فِي النَّارِ﴾: أي: في نار جهنم. * * * (٦٢) - ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾: أي: يقول هؤلاء: ما

стр. 6305

لنا؛ أي: ما السبب في أنَّا لا نرى معنا في هذا الموضع رجالًا كُنَّا في دار الدنيا ﴿نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَار﴾ لتَرْكِهم دينَنا إلى دينٍ كان باطلا عندنا؟! وقيل: ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ﴾؛ أي: مِن الأرذال والسَّفِلة، هذا كما يقال (١): هذا مِن شرِّ المتاع. قال ابن عباس ﵄: إنَّ أبا جهل وذويه يقولون في النار: أين صُهَيْب؟ أين بلال؟ أين عمار؟ أين خبَّاب؟ وهم الذين كانت السادة تسخَرُ منهم (٢). وقال مقاتل: هذا قول صناديد قريش في النار للعبيد والموالي (٣). * * * (٦٣) - ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾: مَن قرأ بكسر الألف غيرَ مقطوع (٤) فهو على التحقيق؛ أي: كنا اتَّخذناهم سخريًّا. قال أبو عبيدة: مَن كسر السين جعله مِن الهُزْء؛ أي: نسخر بهم، ومَن ضمَّها جعلها من السُّخْرة، وهي التَّسَخُّر والاستذلال والاستعمال (٥).
следующие страницы →