← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

وقولُه تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾: قيل: أضمر فيه: نزُلُهم؛ أي: هذا نزُلهم فليذوقوه. ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾: ترجمةٌ عن المضمَر. وقيل: فيه تقديم وتأخير: هذا حميمٌ فليذوقوه، وغسَّاق فليذوقوه، وهذا مكانَ الفاكهة والشراب للمتقين. والحميمُ: الماء الحارُّ الذي تناهى حرُّه، قال: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]. وأما الغَسَّاق: فقد قال قتادة: هو ما يَسيل من بين جلده ولحمه (١). وقال ابن عباس ﵄: هو الزَّمْهَرير الذي يحرق ببَرْده كما تحرق النار (٢). وقال ابن عمر ﵄: هو القَيْح الذي يَسيل منهم يجتمع فيُسْقَونه (٣). وقال كعب: الغسَّاقُ: عَين في جهنم يسيل إليها سُمُّ كلِّ ذات حُمَة مِن حية وعقرب (٤). وقيل: هو قَيْح شديد النَّتْن. وقيل: هو ما يَسيل مِن الصَّديد.

стр. 6302

وقيل: الغَسَّاقُ مأخوذ مِن الظُّلْمة والسوادِ مِن الليلِ الغاسقِ، وهو شراب أهل النار، بخلاف شراب أهل الجنة الذي له صفاءٌ وحسنٌ ورِقَّةٌ. وقال ابن بُريدة: الغَسَّاق: المُنْتِن، وهي لغة الطَّخارية (١). وقيل: التركية (٢). وقال محمد بن كعب القُرَظي: هو عُصارة أهل النار (٣). وقال الأخفش: هو ما يغسِقُ مِن فُروج الكفرة والزُّناة؛ أي: يسيل (٤). وقرأ حمزة والكسائي وخلف وعاصم في رواية حفص بالتشديد، وكذا في ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقرأ الباقون بالتخفيف (٥). فالمخفَّف اسم كالشَّراب والعذاب، والمشدَّد نعت كالكَذَّاب والقَلَّاب والغَلَّاب، وقد غسَقَت القَرْحة غُسوقًا؛ أي: سالت، وغسَقَت العين غَسَقانًا (٦)؛ أي: جرى دمعُها، وغسَقَ الليل: إذا أظلم، والغسَقُ: الظُّلْمة. * * * (٥٨) - ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾: قرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿وَآخَرُ﴾

стр. 6303

بالضم (١) على الجمع؛ أي: ضُروب أُخَرُ، وقرأ الباقون بالفتح على الواحد (٢)؛ أي: وعذابٌ آخَرُ مِن شكله؛ أي: شِبْهه. و (الشَّكْل) بالفتح: ما يُشاكل الشيءَ، وبالكسر الدَّلُّ (٣). ﴿أَزْوَاجٌ﴾: أي: ضُروب وألوان، وهي الضَّريع والغِسْلين (٤) والصَّديد والزَّقُّوم. * * * (٥٩) - ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾. ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾: أي: يقال لهم: هذا فَوْج؛ أي: انظروا إلى أفواج أمم الكفار (٥) الذين أضلَلْتُموهم، فإنهم مُقْتَحِمون النَّارَ معكم، لم يُمْكِنْكم نصرتهم ودفعُ العذاب عنهم. والفَوْج يطلق (٦) للجمع معنًى، ولفظُه لفظ الواحد، فلذلك وحَّد نعته فقال: ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾. ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: أي: يقول الأوَّلون للمُقتحِمين: لا مرحبًا بهم. هذه كلمة تُذكر عند استثقال (٧) الداخل، وضدُّه: مرحبًا، يقال ذلك للإكرام

стр. 6304

وللفرح بالداخل، ومعناه: أتيتَ مرحبًا؛ أي: منزلًا رحبًا واسعًا وخيرًا واسعًا (١). و (الرُّحْبُ) بالضم: السَّعَة، و (الرَّحْب) بالفتح: الواسع، و (المَرْحَب): موضع السَّعة. ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾: أي: داخلوها؛ أي: هم مثلُنا، فلا فرحَ برؤيتهم، ولا فرجَ بمعونتهم. * * * (٦٠ - ٦١) - ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾: أي: بل أنتم الذين لا نفرح بالاجتماع معهم. ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾: أي: أنتم حمَلتمونا على الكفر بالدعوة والتَّزْيين حتى أوردتُمونا هذه الموارد. ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾: أي: موضعُ الاستقرار، والهاء في ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ يرجع إلى الصَّلْيِ، فقد ذُكِر فعلُه، أو إلى الاقتحام لذلك. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾: أي: مَن كان سببًا لهذا بدعوته. ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا﴾: أي: مُضاعَفًا بكفره ودعوته إيانا إليه. ﴿فِي النَّارِ﴾: أي: في نار جهنم. * * * (٦٢) - ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾: أي: يقول هؤلاء: ما

стр. 6305

لنا؛ أي: ما السبب في أنَّا لا نرى معنا في هذا الموضع رجالًا كُنَّا في دار الدنيا ﴿نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَار﴾ لتَرْكِهم دينَنا إلى دينٍ كان باطلا عندنا؟! وقيل: ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ﴾؛ أي: مِن الأرذال والسَّفِلة، هذا كما يقال (١): هذا مِن شرِّ المتاع. قال ابن عباس ﵄: إنَّ أبا جهل وذويه يقولون في النار: أين صُهَيْب؟ أين بلال؟ أين عمار؟ أين خبَّاب؟ وهم الذين كانت السادة تسخَرُ منهم (٢). وقال مقاتل: هذا قول صناديد قريش في النار للعبيد والموالي (٣). * * * (٦٣) - ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾: مَن قرأ بكسر الألف غيرَ مقطوع (٤) فهو على التحقيق؛ أي: كنا اتَّخذناهم سخريًّا. قال أبو عبيدة: مَن كسر السين جعله مِن الهُزْء؛ أي: نسخر بهم، ومَن ضمَّها جعلها من السُّخْرة، وهي التَّسَخُّر والاستذلال والاستعمال (٥).

стр. 6306

﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ على هذا يكون فيه إضمار ألف الاستفهام، ثم عطف الثاني عليه بـ ﴿أَمْ﴾، وتقديرُه: أَأُدْخِلوا غير هذا المدخل (١) أم زاغت عنهم الأبصار؟ أي: أبصارنا، فلا نراهم وهم معنا هاهنا. ومَن قرأ: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بألف مفتوحة على القطع فهو استفهام (٢)، والثاني معطوف عليه بغير إضمار، ومعناه: أكان ذلك باطلًا منا (٣) وهزوًا بغير حق، وكانوا أخيارًا لا أشرارًا، فأُدْخِلوا غير مدخلنا أم أُدْخِلوا هاهنا معنا ومالت عنهم أبصارُنا لكونهم في ناحية أخرى مِنَّا؟! * * * (٦٤ - ٦٥) - ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾: أي: هو كما أُخْبِرتموه (٤)، وليس بباطل أنهم يتخاصمون على هذا الوجه، على ما ذكر عنهم ذلك في آيات: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] الآيات، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] الآيات، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية [العنكبوت: ٢٥]. قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾: أي: مُخَوِّف بهذا اليومِ وبهذا العذاب، وقيل: بالقرآن، ورسولٌ داعٍ إلى الحق.

стр. 6307

﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: فأدعوكم إلى توحيده وعبادته. * * * (٦٦ - ٦٧) - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: نعت لقوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وكذلك قولُه: ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾: قيل: أي: القرآن الذي أُنذركم به، والنَّبَأُ: الخَبَرُ. وقيل: هو الإنذار بالساعة، قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، فأمْرُ الساعة أمْرٌ عظيم؛ لِما فيه مِن النعيم المؤبَّد لقوم، والعذابِ المخلَّد لقوم. وقيل: هو الإخبار بنبوَّته. * * * (٦٨ - ٦٩) - ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾: أي: عن النبأ على الوجوه الثلاثة. وقولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: هو إقامة البُرْهان على دعوى الرسالة، يقول: ما كان لي مِن عِلْم باختصام الملائكة في أمر آدم، وهو ما ذُكِرَ في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، وإنما علِمْتُ بإعلام اللَّه تعالى، فدلَّ ذلك على رسالتي إذ علِمْتم أني لم أُسافرْ ولم أُخالطْ مَن يخبرني به ممَّن قد علِمَه، وإنما علِمْتُه بوحي اللَّه تعالى إليَّ.

стр. 6308

ورُوِي عن النبي ﷺ أنه قال: "لمَّا عُرِجَ بي إلى السماء قال اللَّه تعالى: يا محمد! فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ فقلتُ: في الكفارات والدرجات، فقال: وما الكفاراتُ يا محمد؟ فقلتُ: إسباغُ الوضوء في السَّبَرات (١)، ونَقْل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. قال: وما الدرجات؟ فقلتُ: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام" (٢). والأشبه بنَظْم الآيات ما تقدَّمَ. وقيل: اختصموا في أمر آدم، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال اللَّه لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وكان (٣) في ذلك ذِكْر الرسل، وفيهم ذِكْر محمد، فأنا ذلك المذكور في ذلك الوقت. * * * (٧٠ - ٧٢) - ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ﴾: أي: ما يوحى إليَّ ﴿إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: أي: هذا الكلام يُوحى إليَّ.

стр. 6309

وقيل: أي: ما يوحى إليَّ القرآنُ وسائر وجوه الوحي إلا لأني (١) نذير مبين؛ أي: رسول مبين. وقولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾: أي: يختصمون حين قال ربك يا محمد للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾: وهو آدم. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾: أي: هيَّأْتُه الهيئةَ التي لا يبقى بعدها إلا نفخُ الروح فيه. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾: أي: أدخلْتُ فيه روحًا أنا خلقْتُه له. ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾: أي: فخُرُّوا على وجوهكم ساجدين له سجدةَ التَّحيَّة. * * * (٧٣ - ٧٥) - ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾: تعظَّمَ عن السجود له. ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: وصار من الكافرين بإباء الأمر (٢). ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾: هو سؤال تَقْريع وتَوْبيخ؛ أي: لِمَن انفردتُ بإيجاده، وصوَّرْتُه بلا واسطة. ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾: بقطع الألف، استفهامٌ بمعنى الإنكار ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾؛ أي: أتكبَّرْتَ للحال أم كنتَ مِن المتكبِّرين قبل هذا؟! وقيل: أي: أم صرتَ مِن الطالبين العُلُوَّ؟! * * *

стр. 6310

(٧٦ - ٧٨) - ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾: لها نورٌ ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾: له ظُلْمةٌ، وقد بيَّنَّا وجوه خطئِه في هذا القياس. ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾: أي: مِن الجنة. وقيل: مِن السماء. وقيل: مِن صورتِكَ بالمسخ. ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾: أي: متى همَمْتَ بالعَود إلى السماء رُجِمْتَ بالشُّهُب؛ أي: رُميتَ بها وطُردتَ عن السماء. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾: أي: قد أوجبتُ على الملائكة والبشر أنْ يلعنوكَ إلى يوم القيامة، ثم أُدخِلُكَ النار تحقيقًا لهذا اللعن. وفيه إخبار أنه يبقى على الكفر إلى يوم القيامة. * * * (٧٩ - ٨٣) - ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. قولُه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾: أي: فأَمْهِلْني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: خاف الموت، فسأل النَّظِرة إلى يوم القيامة. ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾: وهو فَناء الدنيا. ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: لأُضِلَّنَّ بني آدم بالوسوسة. ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: فإنه لا يعمل فيهم إغوائي. قال القُشيري ﵀: لو عرف عزَّتَه لَمَا أقسم بها على مخالفته.

стр. 6311

وقال في قوله: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾: مِن كمال شَقاوته سؤالُ إنظاره، فإنه تزداد عقوبته بزيادة أوزاره، فأجابه اللَّه تعالى فإنه بلسانه سأل تمام شَقاوته (١). * * * (٨٤) - ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾: قرأ عاصم وحمزة (٢): ﴿فَالْحَقُّ﴾ بالرفع، و ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ بالنصب، وقرأ الباقون كليهما بالنصب (٣). وقرأ طلحة بن مُصرِّف كليهما بالخفض على القسم (٤) قسمًا بعد قسم، عطفًا على قوله ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾. ومَن رفع الأول فمعناه: فأنا الحقُّ، أو هو مبتدأ، ومعناه: فالحقُّ بأني أملأُ جهنم منكَ ومِن مُتَّبعيك (٥). ومَن نصب فعلى القسم؛ كقولك: "فحقًا"، والثاني نُصِبَ بوقوع القول (٦) عليه: وأقول الحق. * * * (٨٥ - ٨٦) - ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.

стр. 6312

وقولُه تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾: من بني آدم ﴿أَجْمَعِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: على الإنذار وتبليغ القرآن، فيقع عندكم أني مُسْتَأْكِل. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾: أي: مِمَّن يتكلَّفُ إظهار خلاف الإضمار، بل أنا على ما عرفتُموني به مِن الصدق والأمانة ومحاسن الأخلاق، ولو كان تكلُّفًا مني لظهر على تطاول الزمان خلافُه، وذلك دليل صدقي في دعوى رسالتي. وقيل: وما أنا مِن المتكلِّفين في القرآن كما يقولون: إنه يختلِقُه، بل هو وحي من اللَّه إليَّ، وما أنا بقائل ما لا عِلْم لي به. * * * (٨٧ - ٨٨) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ﴾: أي: وما هو، يعني: القرآن. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾: ختَمَ السورة بما بدأَها به، فإنه قال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، وكذا قال في أثنائها: ﴿وَاذْكُرْ﴾، ﴿وَاذْكُرْ﴾، ﴿وَاذْكُرْ﴾، ﴿وَاذْكُرْ﴾، ﴿وَاذْكُرْ﴾، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾: وهو ما قال: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ على الوجوه الثلاثة. ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾: أي: بعد ورود الأمر بالقتال. وقيل: بعد الموت بتحقيق العذاب. والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 6313

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق سارية فايز عجلوني المجلد الثالث عشر دار اللباب

стр. 6314

سورة الزمر

стр. 6315

سورة الزمر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلَقَنا في بطون أمهاتنا خَلْقًا مِن بعد خَلْق في ظلُمات ثلاث، الرحمنِ الذي عليه يتوكَّل المتوكلون وهو المُسْتعان والمُسْتغاث، الرحيمِ الذي يورث المؤمنَ أرضَ الجنة يتبوَّأ منها حيث يشاء فهي خير ميراث. وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة الزُّمَر لم يَقْطَعِ اللَّه رجاءه، وأعطاه ثواب الخائفين الذين يخافون اللَّه تعالى" (١). وهذه السورة مكِّيَّةٌ إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة في وَحْشِيِّ ابن حَرْب: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. وآياتُها: خمس وسبعون. وقيل: ثلاث. وقيل: اثنتان. الاختلافُ في سبع آيات: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾، ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿مِنْ هَادٍ﴾، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وكلماتُها: ألف ومئة وتسع وستون. وحروفُها: أربعة آلاف وسبع مئة وثلاثة وسبعون. وانتظامُ أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّهما في ذِكْر القرآن.

стр. 6316

وانتظامُ السورتين: أنَّهما في مُحاجَّة المشركين، ووعد المؤمنين، ووعيد الكافرين. * * * (١ - ٢) - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾: أي: إنزال القرآن شيئًا فشيئًا على محمد ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾؛ أي: في انتقامه ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ أي: في أحكامه. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديرُه: تنزيل الكتاب العزيز الحكيم مِن اللَّه، فهُما مِن صفات القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، وقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢]. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾: يا محمد ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ببيان الحق؛ أي: وبما يحِقُّ الأخذ به. وقولُه تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾: أي: وحِّدْه وأَطِعْه ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: مُصفِّيًا له الاعتقاد والعمل. * * * (٣) - ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: أي: المُسْتحِقُّ للطاعة الخالصة التي لا يشوبُها شرك هو اللَّه تعالى، إذ هو الخالق الرازق المالك المنفرد بالألوهية.

стр. 6317

وقيل: معناه: إنَّ التوحيد الخالص هو الذي يُتَقَرَّبُ به إلى اللَّه تعالى، دون غيره مِن الأديان التي يشوبُها الشرك. وقال الإمام القُشيري في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: العبادة مُعانقة الأمر على غاية الخشوع (١)، ويكون بالنفس والقلب والروح، فالتي بالنفس الإخلاصُ فيها بالتباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب الإخلاصُ فيها بالعَمى عن رؤية الأشخاص، والتي بالروح الإخلاصُ فيها بالتَّنَقِّي عن طلب الاختصاص (٢). وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: أي: والمشركون الذين اتَّخذوا مِن دون اللَّه أصنامًا يتوَلَّوْنهم ويجعلونهم يلُونهم بالحفظ والإحاطة (٣) والحيَاطة من المكاره. وقولُه تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾: أي: يقولون: ما نعبد هؤلاء الأصنام ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: بالشفاعة لنا إليه. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يوم القيامة (٤) ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أي: إنَّ اللَّه عالم بهذا القول منهم، وسيرجعون إليه فيحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، بأنْ يُمَيِّزَ بين المُحِقِّ منهم والمُبْطِل بالثواب والعقاب، ويكون على هذا قولُه: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ كنايةً عن المشركين والموحِّدين جميعًا، وثبَتَ ذِكْر المشركين في الآية صريحًا، وذكرُ الموحِّدين دلالة قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وأهلُه الموحِّدون. فإن كان قولُه: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ مُقتصِرًا على المشركين، فالحُكْمُ بينهم فيما هم فيه

стр. 6318

يختلفون مِن اختلاف معبوديهم: فمنهم عابدُ صنَمٍ، ومنهم عابدُ عِجْلٍ، ومنهم عابدُ شمسٍ، ومنهم عابدُ الملائكةِ، ومنهم عابدُ الجنِّ، فيحكم بينهم جميعًا بما ذُكِر في آيات: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ونظائرها. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾: أي: لا يُرشد إلى الحقِّ، ولا يخلُقُ صفة الاهتداء ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ على اللَّه أو على رسوله ﴿كَفَّارٌ﴾: كافر باللَّه ما دام مُصِرًّا على ذلك. وقيل: هذا الكذب هو قولهم: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. * * * (٤) - ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: قال الإمام أبو منصور: أي: لو جاز واحتمل أنْ يتَّخِذ اللَّه ولدًا -على ما يتوهَّمون- لاختار مما يشاء مَن شاء، لا على ما تختارون أنتم وتشاؤون أنَّ الملائكة بنات اللَّه؛ إذ العُرْفُ في الخَلْق أنَّ مَن اتَّخذ لنفسه شيئًا إنما يتَّخذ مِن أعز الأشياء وأرفعها وأعظمها قَدْرًا، لا مِن أخس الأشياء وأذلِّها، وأنتم تختارون البنين على البنات، فكيف اختار هو البنات على البنين (١)؟! ﴿سُبْحَانَهُ﴾: أي: تنزيهًا للَّه تعالى عن هذا ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾: الذي لا إله غيره ﴿الْقَهَّارُ﴾: أي: القهار عبادَه.

стр. 6319

والولدُ في الشاهد إنما يُتَّخذُ لأحد وجوه: إما لوحشة أصابَته فيستأنِس به. وإما لحاجة مسَّتْه (١)، فيدفع الولدُ ذلك عنه. وإما لغلبة شَهْوة فيقضيها، فيتولد منه الولد. وإما لوراثة مُلْكِه بعد موته. واللَّه تعالى قهَّار دائم باقٍ واحد، فلا يجوز ذلك عليه. * * * (٥) - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أي: بالحق الذي له على الخَلْق. وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: للحق، وهو البعث؛ لأن الخَلْق للفناء عبَثٌ. وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بالحكمة؛ إذ جعل في كل شيء آيةً على ربوبيَّته ووحدانيَّته. وقولُه تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾: أي: يلُفُّه، وهو مِن كَوْر العِمامة، قاله قُطْرُب (٢). وقال أبو عبيدة: أي: يُدْخِل نُقْصان الليل في زيادة النهار (٣).

стр. 6320

﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾: أي: يُدْخل نُقْصان النهار في زيادة الليل؛ كقولهم: "الحَوْر بعد الكَوْر" (١)؛ أي: النُّقْصان بعد الزيادة، وهو في معنى قوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١]، وهو تعريف اختلاف فصول السنة من ربيعٍ وصيفٍ وخريفٍ وشتاءٍ تعديلًا للطبائع والأزمنة. وحاصلُه: أنَّ التكوير له ثلاثُ مَعانٍ: الإيلاج: وهو أنْ يُزاد مِن هذا في هذا، ومن هذا في هذا. والتَّغْطية: فإذا جاء الليل غطَّى على النهار؛ كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٤]، وكذا كَوْر العمامة. والإدارة: كما في كَوْر العمامة (٢)، وهو مجيء أحدهما على إِثْر الآخر مُتعاقبين. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: أي: ذلَّلَهما وجعلهما يجريان ويَطْلعان ويَغْرُبان لمنافع العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: كلُّ واحد مِن الشمس والقمر يجري في الفُلْك إلى أنْ تنقضيَ الدنيا للأجل المسمى عنده، فيَنتقِض هذا النَّظْم حينئذ. وقيل: الأجل المسمى: هو الوقت الذي ينتهي فيه سَيْر الشمس والقمر إلى منازلهما المرتَّبة لغروبهما وطلوعهما على ما مرَّ في سورة يس.

стр. 6321

وقولُه تعالى: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع الذي لا يُمنع ممَّا (١) يُجريه على المُسيء ﴿الْغَفَّارُ﴾: لِمَن تاب وأناب بعد الإساءة. * * * (٦) - ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: وهو آدم ﵇ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: وهي حَوَّاء. وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾: أي: وخلق لمنافعكم مِن البهائم ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾: وهي الإبل، والبقر، والغنم، والمَعْزُ. والأزواجُ: الأصناف، والزوجان: ذكر وأنثى، كلُّ فردٍ زوجٌ، وهي المذكورة في قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. ثم قولُه: ﴿وَأَنْزَلَ﴾ له وجوه: أحدُها: أنَّ أصلها مِن الجنة، وأُنزلت على آدم. والثاني: أنَّ معناه: أعطى، والنُّزولُ: العَطِيَّةُ. والثالث: أنَّ السؤال رَفْعُ الحاجة، والإجابةَ إِنزالٌ. والرابع: أنَّ قِوام الأنعام بالنبات، وهو مِن المطر، وذاك مُنزل مِن السماء،

стр. 6322

وعلى هذا قولُه: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف: ٢٦]، ولأنَّ الوصول بأمر اللَّه تعالى، والمُبَلِّغون (١) أمْرَ اللَّه ينزلون مِن السماء. وعلى هذا: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] له هذه الوجوه. وقولُه تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾: أي: تقديرًا بعد تقدير، وتارةً بعد تارة، وهي ما ذُكِر في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] الآيات. ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾: قال أكثر المفسرين: هي ظُلْمة المَشيمة، وهي الجِلْدة التي يكون فيها الولد، وهي كالغشاء، وظُلْمةُ الرَّحِم، وظُلْمةُ البطن يُصوِّرُ اللَّه الخَلْق فيها، لا يخفى عليه ذلك كما لا يخفى على مَن أراد تصوير شيء لو كان في شيءٌ يسترُه، نبَّهَ على أنه بصير بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، ولا يَسحَر شيئًا عنه شيءٌ (٢). وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: أي: كيف ومِن أين ينصرفون عن تدبُّر هذه الآيات، وعن إخلاص العبادة للَّه إلى الشرك به وإلى عبادة ما سواه. * * * (٧) - ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾: أي: إنْ تجحَدوا نِعَم اللَّه، وتتركوا

стр. 6323

الشكر له عليها؛ فإنه لا يضرُّه كفركم؛ إذ لم يأمرْكم بالشكر لنَفْعٍ يجرُّه إلى نفْسه، وضُرٍّ يدفعه عن نفْسه، بل هو غني عنكم وعن عبادتكم. وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾: وهو وإنْ كان غنيًّا عنكم، فإنه لا يرضى أنْ يفعل العباد الكفر، فإنه قبيح في نفْسه. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾: أي: الشكرَ، فإنه حسَنٌ في نفْسه، فيقبله منكم ويُثيبكم عليه. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: أي: ولا تحمل نفْسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفْسٍ أخرى. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾: أي: ثم في القيامة إلى جزاء ربكم رجوعُكم. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: فيُخبركم بأعمالكم، ويُجازيكم عليها. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بخَفِيَّات القلوب. وقال السُّدِّي: ﴿إن تشكروا﴾: تطيعوا (١). وقال الخليل: الشكر: عِرْفانُ الإحسان ونَشْرُه (٢). * * * (٨) - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾: أي: وإذا نال أحدًا مِن هؤلاء المشركين بلاءٌ وشِدَّةٌ في أبدانهم وأموالهم وأسبابهم، فزِعَ إلى الدعاء والتضرُّع

стр. 6324

إلى اللَّه تعالى، راجعًا إليه دون الأصنام الذي اتخذوها أولياء؛ لعِلْمه الضروري أنَّ الصنم لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يجرُّ ولا يدفع. وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾: أي: ملَّكَه وأعطاه ﴿نِعْمَةً مِنْهُ﴾: وهي خلاف الضُّرِّ الذي كان مسَّه مِن الصحة والعافية والثَّرْوة والأُلْفة. ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: ترَكَ الدعاء الذي كان يدعو به من قبل نَيْلِ هذه النعمة تَرْكَ الناسي للشيء الذي لا يخطُرُ بباله. وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ﴾ له معنيان: أحدُهما: ﴿يَدْعُو إِلَيْهِ﴾؛ أي: يدعو اللَّه مُنيبًا إليه، فتكون الهاء كنايةً عن اللَّه. والثاني: يدعو اللَّه إليه؛ أي: إلى كَشْفه، فتكون الكناية عن ذلك الشيء الذي يَسأل كشفَه. وعلى هذا قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾. ووجهٌ آخر: نسِيَ ما كان يدعو الناسَ إلى اللَّه؛ أي: إلى الإيمان باللَّه تعالى، والاعتصام به في هذه الحالة. ووجة آخر: نسِيَ ما كان يَستشفع به (١) بالناس إلى اللَّه تعالى؛ أي: يستعين بهم في دعاء اللَّه لحاجته (٢). وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: أي: قل يا محمد لهذا الكافر: إنَّ تمتُّعَكَ بكفركَ في الدنيا مِن نَيْل الرياسة والأغراض الدنيوية قليلٌ زائلٌ، ثم إنك صائرٌ إلى النار، باقٍ فيه خالدًا مُخلَّدًا.

стр. 6325

وقولُه تعالى: ﴿تَمَتَّعْ﴾: صيغة أمر، ومعناه خبر، كما قيل: "إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئتَ" (١)؛ أي: صنَعْتَ ما شئتَ. وقيل: هو تهديد؛ كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. * * * (٩) - ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾: استفهام بمعنى النفي؛ أي: ليس مَن هو مصلِّي أوقاتِ ليلِه (٢) في أوله وأوسطه وآخره، مواظبٌ على الصلوات لربه، يقوم في صلاته إعظامًا، ويسجد تارةً تذلُّلًا، ويخاف الحساب في الآخرة لإيمانه بالبعث، ويرجو رحمة ربه، فيتردَّدُ بين الخوف والرجاء، كمَن ليس هكذا، بل هو مشرك يتَّخذ مِن دون اللَّه أندادًا، ويكفر نعمة ربه. وحذَفَ ذِكْر الفريق الثاني اختصارًا؛ لوضوح المراد، فأشار إليه أيضًا فيما ذَكَر بعده: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: وهو للنفي أيضًا، فكذا الأول، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فإذا لم يستَوِ العالم وغيرُ العالم لم يستَوِ الخاشي وغيرُ الخاشي.

стр. 6326

وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: إنما ينتفع بهذه المواعظ والأمثال مَن كان له عقل، فيتدبَّرُ به. وقرأ حمزة ونافع: ﴿أمَن﴾ بالتخفيف (١)، وله وجهان: أحدُهما: أنه استفهام بالألف. والثاني: أنه نداء بالألف؛ أي: يا مَنْ هو قانت وكذا أبشِرْ بالثواب والنجاة مِن النار. وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمار بن ياسر (٢). وقال الضحاك والسُّدِّي: نزلت في عثمان بن عفان ﵁ (٣). وقولُه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: يعني: عمارًا وعثمان، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: يعني: أبا حذيفة بن المغيرة، وكذا الأول: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾: هي فيه (٤).

стр. 6327

(١٠) - ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ محمد عني: ﴿يَاعِبَادِ﴾؛ أي: خواصِّي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، فأطيعوه ولا تعصوه. وقولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: له وجهان: أحدُهما: الذين أحسنوا في الدنيا لهم حسنةٌ في الآخرة، وهي الجنة، ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾؛ أي: أرض الجنة؛ كما قال: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، واسم الأرض يقع عليها، قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ على الإحسان في الدنيا ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: ثوابًا لا يدخل في حساب الخَلْق لكثرته. والثاني: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: وهي النصر؛ كما قال: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]؛ أي: النُّصْرةَ أو الشهادةَ، وقولُه تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾؛ أي: وأرض الدنيا مُتَّسعة لِمَن ضعُفَ عن الصبر على فتنة المشركين، وتعذيبهم على الدين، فهاجِروا فيها إلى أرضٍ تأمنون بها على أنفسكم وأديانكم، ولا ترجعوا إلى دين الكفار بإكراهكم، واصبروا على الحق وأذى الخَلْق، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ﴾ على ذلك ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. * * * (١١ - ١٢) - ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾:

стр. 6328

أي: قل يا محمد للكفار -بعدما قلتَ للمسلمين-: أمرَني اللَّه أنْ أعبدَه مُخلصًا له الطاعة والانقياد، بخلافِ ما أنتم عليه، وأمرَني أنْ أسبق الأمة إلى الإسلام، لا أنتظر به إسلام أحد منهم؛ ليكونَ لي شرَف السَّبْق، وثوابُ الكل بسبب السَّبْق. وقولُه تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾: جمَعَ بين صِلَتين، وهما اللام و (أنْ)، ويجوز ذِكْر الأمر على ثلاثة أوجه: وأُمِرْتُ أنْ أفعل، و: أُمِرْتُ لِأفعل؛ قال تعالى: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]، و: أُمِرْتُ لِأنْ أفعل. وقيل: معناه هاهنا: أُمِرْتُ أنْ أعبد اللَّه تعالى، وأُمِرْتُ بذلك لأنْ أكون أول المسلمين، فأنالَ شرف ذلك وثوابه. * * * (١٣ - ١٥) - ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أي: عظيم الأحوال، كثير الأهوال. قولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾: كما أمرني به. ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾: وهذا أمرُ تهديدٍ؛ أي: اختاروا لأنفسكم ما شئتُم، فقد اخترتُ (١) لنفْسي ما أمرَني به ربي، ودليلُ أنه للتهديد: ما سبَقَ مِن ذِكْر العذاب العظيم على خلاف هذا الأمر، وكذا ما ذُكِر بعده مِن الخُسْر (٢). وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: الذين عبدوا غيرَ اللَّه هم الهالكون، أهلكوا أنفسهم وأهليهم.

стр. 6329

قال مجاهد وابن زيد: خُسْران النَّفْس: هلاكُها بالعذاب، وخُسْران أهليهم: ألَّا يكون لهم في النار أهل وقد كان لهم في الدنيا أهل (١). وقال الحسن: ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾: الحورُ العِين في الجنة خسِروها حيث حُرِموها بكفرهم (٢). وقيل: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: حيث لا يكون لهم نفوس صحيحة ينتفعون (٣) بها بشيء من المَلاذِّ، ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾: فإنهم إنْ كانوا كفارًا وكانوا معهم في النار، كان ذلك زيادةَ حَسْرةٍ ووَحْشةٍ لا سببَ أُنسٍ وراحةٍ. وقولُه تعالى: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾: أي: الظاهر الواضح. * * * (١٦) - ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾: أي: كهيئة الظُّلَل (٤) المبنيَّة فوقهم. وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾: أي: تُحيط بهم نار جهنم مِن كل الجهات، وهو كقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وكقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].

стр. 6330

ثم جعَل ما تحتهم ظُلَّةً وإن كانت ظِلال (١) الدنيا عاليةً؛ لأنَّ جهنم أَدْراكٌ، فالظُّلَّة التي تكون تحت قوم تكون ظُلَّةً عاليةً على قوم. وقيل: جعل ما تحتهم ظُلَّةً؛ لأن ذِكْرها في مقابلة ما فوقَهم، والمُتَقابلان يُسمَّيان باسم واحد؛ كـ (العصرين) في أول النهار وآخره. ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾: يعني: بما ذكَرَ مِن عذاب النار. ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾: حذَّرَهم النار، ثم حذَّرَهم نفْسه، فهو المعذِّب بالنار مَن عذَّبه بها. * * * (١٧ - ١٨) - ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾: أي: مَن أخلص العبادة للَّه، وتباعَد عن عبادة الشياطين، ومن طاعاتهم في الإشراك به، وكان منهم على جانب لا يُلاقيهم، هذا حقيقة الاجتناب؛ كالانحراف الذي حقيقتُه أنْ يكون على حَرْف، والاعتراض (٢) الذي حقيقته أن يكون على عُرْض. ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: وأقبلوا إلى اللَّه بطاعتهم وعبادتهم مُخلصين له الدِّين. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾: أي: بالجِنان، بدلٌ عمَّا لأولئك الخاسرين مِن النار. ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ (٣): قيل: عمومُه يتناول كلَّ قول؛ أي:

стр. 6331

قولَ اللَّه، وقولَ رسوله، وقولَ مَن سلَف مِن المؤمنين والكفار. وقولُه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾: أي: أحسَنَه عاقبةً، وهو طاعة اللَّه تعالى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾: أي: اهتدَوا بهُداه. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: المُنتفعون بعقولهم. قيل: نزلت الآية في ثلاثة نفَرٍ كانوا يقولون: (لا إله إلا اللَّه) في الجاهلية: زيد ابن عمرو بن نُفيل، وسلمان، وعمار (١). و ﴿الطَّاغُوتَ﴾ قيل: هو الشيطان. وقيل: هُمُ الشياطين. وقيل: هو ما عُبِد مِن دون اللَّه. وقيل: هو الكاهن. وقد يكون واحدًا مُذكَّرًا، قال اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (٢) [النساء: ٦٠]، ويكون مؤنثًا كما في هذه الآية، وهو قوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾، ويكون جَمْعًا، قال تعالى: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّور﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقيل: الطواغيت خمسة: كعب بن الأشرف بالمدينة، وأبو بُرْدة بالشام، وعوف ابن عامر في أَسْلَمَ، وأبو السَّوداء في بني أسد، وعبد اللَّه بن قيس في بني خُزاعة (٣). وعبادة الطواغيت هي طاعتهم لهم فيما أَمروا به ونهَوا عنه؛ كما قال:

стр. 6332

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. وقال الإمام القُشَيري: طاغوتُ كل أحد نفْسُه، وعبادتُه له: اتِّباع هواه في مخالفة مولاه (١). وقال في قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾: أي: يستمعون كلَّ قول، ثم يتَّبعون الأحسن، وهو ما كان للَّه دون غيره. وقيل: هو ذِكْر اللَّه خالصًا. وقيل: مَن عرف اللَّه لا يسمع مِن غير اللَّه. وقيل: للعبد دَواعٍ مِن باطنه، منها: هواجس النَّفْس، ومنها: وساوس الشيطان، ومنها: خواطر الملَك، ومنها: خطاب الحق، فوساوس الشيطان تدعو إلى المعاصي، وهواجس النَّفْس إلى مُتابعة الشهوات، وخواطر الملَك تدعو إلى الطاعات، وخطاب الحق إلى حقائق التوحيد (٢). وقيل: مَن أحسَنَ أنْ يستمِعَ (٣) مِن اللَّه، أحسَنَ أنْ يسمعَ عباد اللَّه. * * * (١٩) - ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: أي: وعيدُ اللَّه به بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: فعبَدَ الطاغوت، واتخذ مِن دون اللَّه أولياء.

стр. 6333

﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾: أي: تُخَلِّص منها. وقيل: جواب الأول محذوف: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ تَهديه. وقيل: الإضمار في الكلام الثاني: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ منهم؛ أي: لا تجهَدْ في حق هؤلاء كلَّ هذا الجَهْد، فأنت غير قادر على ذلك، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، فهو استفهام في معنى النفي. فأما تكرير الاستفهام في الآية فللتأكيد؛ كما في قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]. وقال الفراء: إنَّ هذا مما يُراد به الاستفهام الواحد، لكنْ سبق الاستفهامُ موضعَه، فأُعيد في موضعه الذي هو له، وإنما المعنى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ وهو ممَّن حقَّتْ عليه كلمة العذاب، وكذلك قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ الآية، ونظيره مِن غير الاستفهام: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فذكر "أنَّكم" مرتين، وإنما المعنى: أيَعِدُكم أنَّكم مُخرجون إذا مِتُّم، وكذلك قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] (١). * * * (٢٠) - ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾: أي: في الجنة،

стр. 6334

على مُقابلةِ ما قال لأهل النار قبله، وهو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ﴾: أي: وعدًا حقًا مِن اللَّه ذلك ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾؛ أي: الوعد في الفريقين جميعًا. * * * (٢١) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: أي: مطرًا. ﴿فَسَلَكَهُ﴾: أي: أدخَلَه ﴿يَنَابِيعَ﴾؛ أي: عيونًا وأنهارًا ينبع الماء منها؛ أي: يفور. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: فصارت فيها. ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾: أي: بالماء ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: قيل: أي: أصنافه؛ كقولك: هذا لون مِن الثياب، ولون مِن الطعام، يعني: مِن حِنْطة وشعير وأَرُزٍّ وغير ذلك مِن الحُبوب. وقيل: هي الألوان حقيقةً، فإنَّ الزرع مختلِف ألوانه، فإنَّ لون الأَرُزِّ غيرُ لون الحِنْطة، ونحو ذلك. وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾: ثم يَيْبَس هذا الزرع ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾: مُتناثرًا مُتساقطًا مُتكسِّرًا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: أي: فيما ذكَرْنا مِن إحياء الأرض بعد موتها دِلالةً على إحياء الخَلْق بعد موتهم، وهذا وعد مِن اللَّه تعالى لا يُخْلِفُه. * * *

стр. 6335

(٢٢) - ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾: هو نعتُ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: أَفمَن فتح اللَّه قلبه فاتَّسعَ للتدبر والعلم والإيمان ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾؛ أي: على هداية ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: فهو يمضي على استبصارٍ في طريق الحقِّ (١)؛ أي: هو أفضل وأهدى سبيلًا، أمْ مَن هو مُخالف له ممن قد قسا قلبه عن ذكر اللَّه تعالى، فهو مُتحيِّرٌ مُتردِّدٌ في الظلمات ليس بخارج منها؟! وحذف هذا اختصارًا؛ لوضوح المراد بما تقدم وما تأخر. وقولُه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: والقاسي القلب: هو الذي ألِفَ الكفر والإعراضَ عن استماع ذِكْر اللَّه، فرانَ على قلبه سوءُ كَسْبه، فقسا قلبه؛ أي: صلُبَ، فصار كالشيء المُصْمَت الذي لا يتخلَّله شيء، ولا ينفُذُ إليه شيء. ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: هو ما ذكَرَ اللَّه ورسو له مِن الترغيب والترهيب وضَرْب الأمثال. ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: غِواية ظاهرة. وقال مقاتل: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾: يعني: النبيَّ ﷺ ، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: يعني: أبا جهل وذَوِيه (٢). ورُوِي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دخل النورُ القلبَ انفسحَ وانشرحَ"، قيل: يا رسول اللَّه! وهل لذلك مِن علامة؟ فقال: "نعم، التَّجافي عن دار الغُرور،

стр. 6336

والإنابةُ إلى دار الخُلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت" (١). وقال الإمام القُشَيري ﵀: النور الذي هو من عند اللَّه: نورُ اللَّوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ببيان الفَهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المُكاشفة بتجلِّي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصَّمَدية بحقائق التوحيد، فعند ذلك يتحقَّقُ الاصطلام، فلا وَجْدَ ولا قَصْد، ولا قُرْبَ ولا بُعْد، كلَّا بل هو اللَّه الواحد القهار (٢). * * * (٢٣) - ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾: أي: أوحى إلى محمد لِيُلَيِّنَ القلوب القاسية بذكر اللَّه، وليُطَيِّبَ قلوب الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾؛ أي: أحسنَ ما يُتَحَدَّثُ به؛ لأنَّه مُشتمل على مصالح أمور الدين والدنيا.

стр. 6337

﴿كِتَابًا﴾: أي: كلامًا مجموعًا يُكتب، وقيل: كتابًا مِن اللَّه تعالى إلى عباده. ﴿مُتَشَابِهًا﴾: أي: يُشبه بعضه بعضًا، فلا يختلف ولا يتناقض. ولفظٌ آخر: يُصدِّقُ بعضُه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض. وقيل: أي: كلُّه فاضلٌ مُعْجزٌ خارج عن صفات كلام الآدميِّين الذي لا يخلو عن تفاوت. ﴿مَثَانِيَ﴾: أي: ثنَّى فيه الأنباءَ والقصص والآياتِ المُكرَّرةَ في الوعد والوعيد للتقرير (١) والتأكيد. وقيل: المثاني: خواتم الآيات؛ وذلك أنَّ القرآن بايَنَ سائر الكلام بخروجه عن طرق أصناف الكلام التي كانت العرب تتعاطاها نظمًا ونثرًا، فالمنظوم عندهم يُسمَّى: شِعْرًا، والمنثور يُسمَّى: خُطْبةً، والقرآن خارجٌ عما عليه هذان النوعان. وكذلك أسماؤُه مُباينةٌ لأسمائها، فليس يُسمَّى: شعرًا، ولا: خُطْبةً، بل هو: قرآن، و: كتاب، وسمَّى كل قِطْعة منه: سورةً؛ كما سمَّت العرب كل قِطْعة مِن الشعر: قصيدةً وأُرْجُوزةً، وسمَّى كل فَصْل مِن السورة: آيةً، كما سمَّت العرب مثل ذلك مِن الشِّعر: بيتًا؛ أي: رجَزًا، وسمَّت العرب الأبيات لاتفاق أواخرها: قوافيَ، وسمى اللَّه القرآن لاتفاق خواتم الآي: مثانيَ. وقولُه تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: أي: تنقبِضُ. وقيل: هو اليَبَس والخُشونة، وذلك عند الخوف بوعيده. ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: وذلك عند الرجاء بوعده.

стр. 6338

ومعنى ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: تَلين وتطمئنُّ إلى ذكر اللَّه. وقال قُطْرُب: أي: مائلةً إلى ذكر اللَّه. وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾: أي: ذلك القرآن إرشاد للخَلْق مِن (١) اللَّه. ﴿يَهْدِي بِهِ﴾: أي: يخلُق فعلَ الاهتداء بسبب القرآن. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: وهو مَن علِمَ منه اختيار الاهتداء. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: أي: مَن يخلُقْ فيه صفة الضلال ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: إلى الحق. وقال ابن عباس ﵄: ﴿مَثَانِيَ﴾: ثنَّى فيه الأنباء والقصص (٢). وقال مجاهد: الحلال والحرام، والأمر والنهي، والوعد والوعيد. وقال الكلبي: أي: آيات الرَّحمة والعذاب، وصفة الجنة والنار، وصفة المؤمن والكافر وما ضاهاها. وقال عبد اللَّه بن الزُّبير: سألتُ أمي أسماءَ: كيف كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا قُرئ القرآن بين أيديهم؟ قالت: كانت عيونهم تدمع، وقلوبهم تقشعِرُّ، قلت: فإن قومًا إذا قُرئ عليهم القرآن يخِرُّون مَغْشيًّا عليهم، فقالت: اللهم إني أعوذ بك مِن الشيطان الرجيم (٣).

стр. 6339

أي: هذا التكلُّف والإِراءة منهم ببَعْث الشيطان إياهم عليه. وقال ابن مسعود ﵁: ملَّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ مَلَّةً، فقالوا: يا رسول اللَّه! حدِّثْنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، فقالوا: يا رسول اللَّه! فاقصص علينا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ السورةَ، قالوا: يا رسول اللَّه! فذكِّرْنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١). * * * (٢٤) - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: وهو الذي يُضلُّه اللَّه تعالى فما له مِن هادٍ، استفهام بمعنى النفي، وفي آخره مُضمر؛ أي: أفمَن يُلقى في النار يوم القيامة مغلولَ اليد لا يُمكنه أنْ يَتوقى العذاب إلا بوجهه، والوجه لا يُتوقَّى به، فهو إذًا لا يَتوقى العذاب الذي يُلقى فيه، فيحرِقُ بدنه كله، ولا يمكنه أنْ يرُدَّه عن وجهه الذي هو أعز شيء وأجلُّه في بدنه، أفهذا كمَن يدخل الجنة ويتنعَّم بها؟!

стр. 6340

وحذف أحد الطرفين للاختصار عند وضوح المراد؛ كما مرَّ في هذه السورة مرات. ونظير قولِه: ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾: قولُه: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]، ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ [الأنبياء: ٣٩]. وقيل: إذا كان التَّوَقي بسائر الأعضاء لوقاية الوجه، فإذا كان الاتِّقاء بالوجه لم يكن اتِّقاءً، فصار الحاصل أنه لا يتَّقي العذاب (١)، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾، وهذا لا يقع به الإغاثة، فحصل المعنى: وإنْ يستغيثوا لا يُغاثوا، وقريب مِن هذا قول الشاعر: ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفهم... بهنَّ فلولٌ مِن قِراع الكتائب (٢) أي: لا عيبَ فيهم إلا هذا، وليس هو بعيب، فلا عيبَ فيهم إذًا بوجه. وقولُه تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾: أي: لهذه الطَّبَقة مِن الظالمين: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾؛ أي: جزاء ذلك، وهو الذي أنتم فيه. وقولُه: ﴿وَقِيلَ﴾: ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه مِن أمور الآخرة، فأُلحق بالكائن لتحقُّقه. * * * (٢٥ - ٢٦) - ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
следующие страницы →