والإنابةُ إلى دار الخُلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت" (١).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: النور الذي هو من عند اللَّه: نورُ اللَّوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ببيان الفَهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المُكاشفة بتجلِّي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصَّمَدية بحقائق التوحيد، فعند ذلك يتحقَّقُ الاصطلام، فلا وَجْدَ ولا قَصْد، ولا قُرْبَ ولا بُعْد، كلَّا بل هو اللَّه الواحد القهار (٢).
* * *
(٢٣) - ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾: أي: أوحى إلى محمد لِيُلَيِّنَ القلوب القاسية بذكر اللَّه، وليُطَيِّبَ قلوب الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾؛ أي: أحسنَ ما يُتَحَدَّثُ به؛ لأنَّه مُشتمل على مصالح أمور الدين والدنيا.
стр. 6337
﴿كِتَابًا﴾: أي: كلامًا مجموعًا يُكتب، وقيل: كتابًا مِن اللَّه تعالى إلى عباده.
﴿مُتَشَابِهًا﴾: أي: يُشبه بعضه بعضًا، فلا يختلف ولا يتناقض.
ولفظٌ آخر: يُصدِّقُ بعضُه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض.
وقيل: أي: كلُّه فاضلٌ مُعْجزٌ خارج عن صفات كلام الآدميِّين الذي لا يخلو عن تفاوت.
﴿مَثَانِيَ﴾: أي: ثنَّى فيه الأنباءَ والقصص والآياتِ المُكرَّرةَ في الوعد والوعيد للتقرير (١) والتأكيد.
وقيل: المثاني: خواتم الآيات؛ وذلك أنَّ القرآن بايَنَ سائر الكلام بخروجه عن طرق أصناف الكلام التي كانت العرب تتعاطاها نظمًا ونثرًا، فالمنظوم عندهم يُسمَّى: شِعْرًا، والمنثور يُسمَّى: خُطْبةً، والقرآن خارجٌ عما عليه هذان النوعان.
وكذلك أسماؤُه مُباينةٌ لأسمائها، فليس يُسمَّى: شعرًا، ولا: خُطْبةً، بل هو: قرآن، و: كتاب، وسمَّى كل قِطْعة منه: سورةً؛ كما سمَّت العرب كل قِطْعة مِن الشعر: قصيدةً وأُرْجُوزةً، وسمَّى كل فَصْل مِن السورة: آيةً، كما سمَّت العرب مثل ذلك مِن الشِّعر: بيتًا؛ أي: رجَزًا، وسمَّت العرب الأبيات لاتفاق أواخرها: قوافيَ، وسمى اللَّه القرآن لاتفاق خواتم الآي: مثانيَ.
وقولُه تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: أي: تنقبِضُ.
وقيل: هو اليَبَس والخُشونة، وذلك عند الخوف بوعيده.
﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: وذلك عند الرجاء بوعده.
стр. 6338
ومعنى ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: تَلين وتطمئنُّ إلى ذكر اللَّه.
وقال قُطْرُب: أي: مائلةً إلى ذكر اللَّه.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾: أي: ذلك القرآن إرشاد للخَلْق مِن (١) اللَّه.
﴿يَهْدِي بِهِ﴾: أي: يخلُق فعلَ الاهتداء بسبب القرآن.
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: وهو مَن علِمَ منه اختيار الاهتداء.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: أي: مَن يخلُقْ فيه صفة الضلال ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: إلى الحق.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿مَثَانِيَ﴾: ثنَّى فيه الأنباء والقصص (٢).
وقال مجاهد: الحلال والحرام، والأمر والنهي، والوعد والوعيد.
وقال الكلبي: أي: آيات الرَّحمة والعذاب، وصفة الجنة والنار، وصفة المؤمن والكافر وما ضاهاها.
وقال عبد اللَّه بن الزُّبير: سألتُ أمي أسماءَ: كيف كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا قُرئ القرآن بين أيديهم؟ قالت: كانت عيونهم تدمع، وقلوبهم تقشعِرُّ، قلت: فإن قومًا إذا قُرئ عليهم القرآن يخِرُّون مَغْشيًّا عليهم، فقالت: اللهم إني أعوذ بك مِن الشيطان الرجيم (٣).
стр. 6339
أي: هذا التكلُّف والإِراءة منهم ببَعْث الشيطان إياهم عليه.
وقال ابن مسعود ﵁: ملَّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ مَلَّةً، فقالوا: يا رسول اللَّه! حدِّثْنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، فقالوا: يا رسول اللَّه! فاقصص علينا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ السورةَ، قالوا: يا رسول اللَّه! فذكِّرْنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١).
* * *
(٢٤) - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: وهو الذي يُضلُّه اللَّه تعالى فما له مِن هادٍ، استفهام بمعنى النفي، وفي آخره مُضمر؛ أي: أفمَن يُلقى في النار يوم القيامة مغلولَ اليد لا يُمكنه أنْ يَتوقى العذاب إلا بوجهه، والوجه لا يُتوقَّى به، فهو إذًا لا يَتوقى العذاب الذي يُلقى فيه، فيحرِقُ بدنه كله، ولا يمكنه أنْ يرُدَّه عن وجهه الذي هو أعز شيء وأجلُّه في بدنه، أفهذا كمَن يدخل الجنة ويتنعَّم بها؟!
стр. 6340
وحذف أحد الطرفين للاختصار عند وضوح المراد؛ كما مرَّ في هذه السورة مرات.
ونظير قولِه: ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾: قولُه: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]، ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ [الأنبياء: ٣٩].
وقيل: إذا كان التَّوَقي بسائر الأعضاء لوقاية الوجه، فإذا كان الاتِّقاء بالوجه لم يكن اتِّقاءً، فصار الحاصل أنه لا يتَّقي العذاب (١)، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾، وهذا لا يقع به الإغاثة، فحصل المعنى: وإنْ يستغيثوا لا يُغاثوا، وقريب مِن هذا قول الشاعر:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفهم... بهنَّ فلولٌ مِن قِراع الكتائب (٢)
أي: لا عيبَ فيهم إلا هذا، وليس هو بعيب، فلا عيبَ فيهم إذًا بوجه.
وقولُه تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾: أي: لهذه الطَّبَقة مِن الظالمين: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾؛ أي: جزاء ذلك، وهو الذي أنتم فيه.
وقولُه: ﴿وَقِيلَ﴾: ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه مِن أمور الآخرة، فأُلحق بالكائن لتحقُّقه.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 6341
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: كذَّبَ الأممُ الذين مِن قَبْل هؤلاء المشركين رسلَهم.
﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أي: مِن حيث لم يكونوا يعلمون أنْ يأتيَهم منه، وفي وقت لم يتوهَّموا نزولَه بهم فيه.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾: أي: الفَضيحة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَر﴾: مِن عذاب الدنيا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لو كان عند هؤلاء المشركين مِن العلم ما يتدبَّرون به ويعلمون لصدَّقوا بهذا الوعيد ولآمنوا به، لكنهم لا يتدبرونه، فلا يعلمونه (١).
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: أي: ولقد وصَفْنا في هذا القرآن مِن كلِّ ما بالناس إليه حاجةٌ في أمور دينهم ومصالح دنياهم مثلًا، وهذا العموم كما في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ أي: مِن شيء يُحتاج إليه في الدِّين.
وقولُه تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: لِيتَّعظوا به.
وقولُه: ﴿قُرْآنًا﴾: نصبٌ على القطع؛ لأنَّه نكرة نُعِت به معرفة، أو نُصِب بإضمار فعل واقع عليه: أنزلناه أو جعلناه.
стр. 6342
﴿عَرَبِيًّا﴾: نعتٌ؛ أي: بلسان العرب ليفهموه ويعلموا حُسْن نَظْمه وصواب معانيه؛ لأنَّه بلسانهم.
وقولُه تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: أي: لا يوجد فيه اختلاف ولا خطأ يخرُج به عن الحكمة والصحة لفظًا ومعنًى، وفي ذلك ما يدل على أنه مِن عند اللَّه تعالى، فوجب التذكُّر به، ولزِم تقوى اللَّه في أنْ يوقِع بهم ما توعَّدَهم به مِن العذاب.
* * *
(٢٩) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: أي: وصَفَ اللَّه شبَهًا للمشركين والموحِّدين، ولم يقل: مثلين، وإنْ ذكَر بعده رجلين؛ لأن ذِكْرهما جملةً مثَلٌ واحد، وهو كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، ثم وصَفَ المثَل فقال:
﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾: أي: رجلًا يخدِم جماعةً هم في خدمته لهم شُركاءُ مُتعاسرون مُتشاحُّون، كل واحد منهم يحب أنْ ينفرد به، ولا يُعجبه خِدمتُه لغيره، ولا إشراكه مَن سواه في طاعته وتعظيمه.
وقد شكِسَ شَكاسةً فهو شكِسٌ مِن حدِّ علِمَ، وهو صعب الخُلُق.
فهذا مثَلُ مَن عبد آلهة، فلا شكَّ أنَّ تلك آلهة لو كانت أحياءً، فرأى كل واحد منها حُسْن طاعة هذا العابد له، لأَحبَّ أنْ يُخلص خدمته له، وأنْ ينقطع بها وحده إليه (١)، فإذا لم يجد هذا منه نبَتْ نفْسُه عنه، فلم يصْفُ له قلبه، ولا شك أنه لو أفرد واحدًا منهم بالخدمة كان أَرْوَحَ له، وأرضى لمخدومه عنه، خصوصًا إذا كان في
стр. 6343
الجماعة الذين يخدمهم رئيس يعترف الباقون برئاسته، وأنهم دونه في منزلته، وأنَّ سبيلهم أن يتشفَّعوا (١) لمن يخدمهم عند هذا الرئيس، فكلُّ عاقل يعلم أنه لا معنى في إِتْعاب هذا الخادم بدنَه في قسمة خدمته بينهم، وأنَّ الأَلْزَم له (٢) والأَرْوَحَ لبدنه أن يُفرد ذلك الرئيس بالخدمة، لا سيما إذا كان ذلك يدعوه إلى نفْسِه، ويضمن له بلوغ الأمل إذا أفرده لخدمته.
ثم ضرَبَ مثَل المُخْلِص الموحِّد، فقال:
﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿سالِمًا﴾، وقرأ الباقون: ﴿سَلَمًا﴾ (٣).
و"السَّلَم": الاستسلام، مصدر أُريد به النعت.
أي: رجلًا قد خلَصَ لرجل، فصار له بحيث لا يَشوب بخدمته خدمةَ غيره (٤)، ولا يوجِّه أمله إلى سواه، فقد تكامل حقُّه عليه، واجتمعت محبته وخدمته وعبوديته كلها له، ففي العقول السليمة أنَّ هذا المخدوم قد لزمه ذِمامُه، ووجب عليه حقُّه، وأنَّ هذا الخادم يفوز بكلِّ ما يؤمِّله مِن خدمته، خصوصًا إذا كان المخدوم كريمًا واسعًا لحقوق خدَمه، مع ما يُريح هذا الخادم مِن مُؤْنة كثرة التَّعَب في الخدمة، وتشعُّبِ الفكر في إرضائهم.
وقولُه تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾: أي: هل يستوي هذان الرجلان في الوصف؟!
стр. 6344
وكلُّ مَن تدبر بعقله علِمَ أنَّ المنفرد بالخدمة أحسنُ حالًا وأحمدُ عاقبةً مِن الذي يخدم جماعة.
وقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: على إيضاح الحُجَّة.
وقيل: على التَّخْصيص بالتوحيد.
وقيل: على جعله سالمًا خالصًا للَّه تعالى.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لا يستعملون عقولهم في النَّظر في الدلائل ليعلموا.
وقيل: أي: لا ينتفعون بعلومهم.
قال مُقاتل: إن المشركين دعوا رسول اللَّه ﷺ إلى ملة آبائه وعبادة الأصنام، فضرب اللَّه لهم ولآلهتهم مثلًا، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ الآية؛ أي: هل يستوي عبدٌ يَشترك فيه نفرٌ مُختلفون يملكونه جميعًا مع عبدٍ لا شِرْكة لأحد فيه؟! فخصَمَهم اللَّه بهذا، فقال: قل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيدَ ربهم (١).
وقال الإمام القُشَيري: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾: الذي يتجاذبه شُغُل الدنيا، وشُغُل الولد، وشُغُل العيال، وغير ذلك مِن الأشغال المختلفة والخواطر المُشتَّتة، والمؤمن خالصٌ للَّه ليس لأحد فيه نصيب (٢).
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾: نفى التَّسْوية بينه وبينهم، ووعد النُّصْرة
стр. 6345
له في الدنيا والآخرة عليهم، فقال في الدنيا: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، وقال في الآخرة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾: أي: إنَّك يا محمد تموت ويموت هؤلاء المشركون؛ لأنَّ آجال الجميع مُنقضيةٌ مُنقطعة.
وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾: أي: ثم يُحييكم اللَّه ويَبعثكم للحساب والجزاء والفَصْل بين المختلفين، فيختصم أهل الحق وأهل الباطل بحضرة الملائكة والمرسلين والصِّدِّيقين، ويَفْصِل اللَّه الخُصومة بينهم بالتمييز بين الفريقين، وذلك قولُه تعالى:
* * *
(٣٢) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾: فزعم أنَّ له شُركاء وأولادًا ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾؛ أي: بالقرآن لَمَّا جاءه، فهؤلاء فريق.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾: استفهام بمعنى التَّقْرير، وهو جزاء هؤلاء الفريق.
ثم قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: قيل: أي: بالصدق في اعتقاده ودينه فأخلَصَ للَّه ووحَّدَه.
﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: أي: حقَّقَ ذلك الصدق بالطاعة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: لم يظلموا أنفسهم كما ظلَم الأولون.
* * *
стр. 6346
(٣٤ - ٣٥) - ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: ما يشتهونه في الجِنان التي أعدَّها لهم مِن أنواع النِّعَم.
﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾: في اعتقادهم وأعمالهم.
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾: أي: يجزيهم هذا الجزاءَ ليكون كفارة -أي: سِتارةً- لِمَا سلَف منهم حالَ كفرهم.
﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بطاعتهم في الإسلام.
ثم قولُه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾: واحد، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: جمع؛ لأنَّه واحدٌ في لفظه جمعٌ في معناه؛ لأنَّه جنس، فصار كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فاستثنى، ولا يكون ذلك إلا مِن الجَمْع.
وقيل: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: هو رسول اللَّه ﵇، و (الصدق): هو القرآن -وقيل: هو التوحيد- و ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: هو أيضًا قبِلَه وحقَّقَه، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: وهو مَن اتَّبَعه.
وقيل: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: أي: ومَن صدَّق به، وهو أبو بكر الصديق، قاله الكلبي وأبو العالية (١)، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾: أي: هو وأتباعه.
وقيل: ومَن صدَّقَ به: هم المؤمنون، جميعًا مع النبي ومع الصِّدِّيق.
стр. 6347
وقال السُّدِّي: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: جبريل ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: محمد، يعني: تلقَّاه بالقَبول (١).
وقال مجاهد: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: أهل القرآن (٢).
وقال الشَّعبي: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: بـ (لا إله إلا اللَّه)، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: أقام على (لا إله إلا اللَّه) (٣).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾: هذا في بعض المواضع دون بعض (٤).
وقال أبو العالية: قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾: نزولُها في حق أهل القبلة، والتي في سورة (ق) قال: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾: هم أهل الشرك (٥).
وقال عكرمة: ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: محمد ومشركو قريش.
وقال أبو سعيد الخُدْريُّ: كنا نقول: ربنا واحد، وديننا واحد، ونبيُّنا واحد، فما
стр. 6348
هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صَفِّين، وشدَّ بعضنا على بعض بالسيف قلنا: هي هذا (١).
وقال إبراهيم النَّخَعي: إنَّ الصحابة قالوا: ما خصومتُنا ونحن إخوان؟! فلما قُتل عثمان قالوا: هذه خصومتنا (٢).
* * *
(٣٦) - ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾: أي: أليس اللَّه كافيًا عبدَه ورسولَه المصطفى أنْ يضُروه بما يوهن له حُجة، أو يصلوا إليه بمكروه؟! وهو استفهام على معنى التقرير؛ لأن جوابه: بلى.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿عِباده﴾ على الجمع (٣)، قيل: أراد به الأنبياء، وقيل: أراد به المؤمنين.
وأما التوحيد (٤)، فهو على النبي ﷺ .
وقال مقاتل: قالوا: يا محمد! إنا نخاف أنْ تخبِلك آلهتنا لأنك لا تزال تَعيبُها بسوء، وذلك قوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (٥).
стр. 6349
وقال الضحاك: قالوا له: لتَكُفَّنَّ عن ذِكْر آلهتنا أو لتَخْبِلَنَّكَ (١).
ورُوِي أنَّ النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد لِيكسِرَ العُزَّى، فقال له قيِّمُها: اتَّقِها، فإنَّ لها شِدةً لا تقوم لها الرجال، فضربها خالد ضَرْبةً أبان عنها رأسها، ويقال: هشَمَ أنفها (٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: قد بيَّنا في قولٍ أنه الأصنام.
وقيل: كانوا يُخوِّفونه بكثرة جموعهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، والكفاية في حق ذلك ما قال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وقال: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧].
فإذا حُمل على الأنبياء فقد كانوا يُخوِّفونهم بالأصنام أيضًا، قال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ [الأنعام: ٨١]، وقال في قصة هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤].
وإنْ كان التخويف بالجُموع، فقد كان ذلك في حق الأنبياء، حتى قال نوح: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، وقال هود: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥].
وإنْ كان هذا في حق المؤمنين، فهو كقوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠].
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: أي: هؤلاء الذين يُخوِّفونك قد أضلَّهم اللَّه؛ لعِلْمه باختيارهم الضلالة.
стр. 6350
(٣٧ - ٣٨) - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾: كالنبيِّ والمؤمنين.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾: استفهام بمعنى التقرير، وهو وعد للنبي ﷺ أنه مُنتقم له مِن أعدائه.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: فكيف يطمعون في خوفك مِن آلهتهم التي هي مخلوقة للَّه تعالى وأنت رسولُ مَن خَلَقها وخَلَق السماوات والأرض؟!
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: تدْعونه آلهةً.
وقيل: أي: تعبدونه.
وقيل: أي: تدْعونه بحوائجكم، وهي الأصنام.
﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾: أي: بسوء وبلاءٍ ومكروه مما تُخوِّفونني به ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾.
﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾: أي: بنعمة ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: هل هنَّ قادراتٌ على شيء مِن ذلك، والتأنيث على الجَمْع في هذا؛ لِمَا أنَّ الأصنام إناث في اللفظ عندهم، فإنهم سمَّوها: اللَّات والعُزَّى ومَناة، وكانوا يقولون في الملائكة أيضًا: هنَّ بنات اللَّه.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾: أي: فإنهم لا يدَّعون لأصنامهم شيئًا مِن هذا، بل
стр. 6351
يُقِرُّون أنَّ اللَّه لا يُعارَض ولا يُمانَع ولا يُغالَب ولا يُنازَع، فإذا قالوا: لا تَقْدِر أصنامنا على مُعارضة اللَّه في ذلك، فقل لهم: حسبي اللَّه إذًا، عليه توكلتُ و ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾؛ أي: ومَن أراد أنْ يتوكَّل على مَن يَكفيه ويُحقِّقُ توكُّله عليه فإنما يتوكَّلُ على اللَّه.
* * *
(٣٩ - ٤٠) - ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ (١): أي اثْبُتوا على ما أنتم عليه بما اخترتُموه لأنفسكم.
وقال مجاهد: على ناحيتكم (٢).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: أي: منازلكم (٣).
وقيل: على رَسْمكم وعادتكم.
وقال مُقاتل: على وتيرتكم؛ أي: على طريقتكم (٤).
وقيل: على تمكُّنكم.
стр. 6352
وقيل: على دِيانتكم، وهو تهديد.
وقولُه تعالى: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾: أي: ثابت على ما أنا عليه مما قد اخترتُه لنفْسي، ينتظر كلٌّ منا ما يَؤول إليه أمره ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾؛ أي: يفضَحُه ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾؛ أي: يحِقُّ عليه ويجب عليه ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: دائم.
ثم في قوله: ﴿مَكَانَتِكُمْ﴾ وجهان:
أحدُهما: أنْ تكون مَفْعَلةً مِن الكون؛ أي: على موضع كونكم، والمكانةُ بمعنى المكان؛ كالمَقامة تكون بمعنى المقام.
والثاني: أنْ تكون فَعَالةً مِن التَّمكين (١)، ومعناه: اعملوا مُتمكِّنين.
وقال أبو العالية: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ في هلاكي إنْ قدِرْتُم عليه ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على هلاككم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مَن الغالبُ منا ومنكم.
* * *
(٤١) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾: أي: ببيان الحق.
وقولُه تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾: أي: فنَفْعُه له ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾؛ أي: ضرَرُه عليه.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾: أي: بمُسَلَّط على إكراههم على الإسلام، فإنه ليس ذلك بيدكَ، وإنما عليك البلاغ، وهو كقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢].
стр. 6353
وقيل: الوكيل: مَن يُجعل إليه الشيء لعَجْزِ مُوَكِّله عنه بنفْسِه.
يقول: لسنا بعاجِزين عن حَمْلهم على الإيمان فنكِلَ ذلك إليكَ، بل نحن قادرون على ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].
وقيل: نسَخَتْ هذه الآيةُ آيةَ الأمر بالقتال.
* * *
(٤٢) - ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾: أي: يقبِضُها ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾؛ أي: ويقبِضُ الأنفس التي لم تمُتْ ﴿فِي مَنَامِهَا﴾؛ أي: حالَ نومها.
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾: فلا يرسلها في أبدانها.
﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾: أي: الأنفسَ الأخرى في أجسادها.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: الموت.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: لَعلامات دالَّة على قدرة اللَّه على البعث بعد الموت.
والآية في مُحاجَّة المشركين في إثبات البعث بعد الموت؛ أي: مَن قدِرَ على هذا قدِرَ (١) على ذلك.
قال الإمام أبو منصور ﵀: قال سعيد بن جُبير ﵀: يُجمع بين
стр. 6354
أرواح الأحياء وبين أرواح الموتى، يتعارفُ منها ما شاء اللَّه أنْ يتعارف، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ إلى أجسادها (١).
قال: وبهذا لم يُفْهَمْ شيءٌ مِن تأويل الآية.
قال: وقال الكلبي: النائم مُتوفًّى حتى يرُدَّ اللَّه إليه نفْسَه، وأما التي يتوفاها حين موتها فإنه يقبِض الرُّوح والنَّفْس معًا، ويُرسل التي يتوفاها في منامها حتى تبلغ أجلَها المُسمَّى، وهو الموت.
ويقول: إنما يقبِض اللَّه مِن النائم النَّفْس لا الرُّوح.
قال: وهذا الذي ذكره الكلبي أقربُ إلى تأويل الآية مِن الذي ذكرَه سعيدٌ، وأصلُه: أنَّ اللَّه تعالى جعل في الأجساد أنفُسًا دَرَّاكةً بها تُدرِك الأجسادَ الأشياءَ، وأرواحًا بها تَحيا الأجساد؛ لأنك ترى الأجساد في حال نومها على الهيئة التي كانت مِن قَبْل، ليس بها أثَر الموت، لكنها لا تُدرِك شيئًا، فلا تَسمع، ولا تُبصر، ولا تَعقل شيئًا، وليس بها آثار الأحياء، فدلَّنا هذا على أنها في حال النوم قد ذهب منها وخرَجَ ما به تُدرَك الأشياء، وبقِيَ فيها ما به تَحيا، وهو الرُّوح، فإذا خرج الرُّوح منها ماتت، ألا تراها عند ذلك تتغيَّرُ؟! وكان قبل خروج الرُّوح منها وإنْ كانت لا تُدرِك شيئًا، فهي على الهيئة التي كانت مِن قَبْل، دلَّ ذلك على أنَّ الذي به تُدرَك الأشياء غيرُ الذي به تَحيا، واللَّه أعلم (٢).
* * *
(٤٣) - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾.
стр. 6355
وقولُه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾: وهذه في مُحاجَّة المشركين أيضًا، وكانوا يقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾.
و ﴿أَمِ﴾ بمعنى ألفِ الاستفهام، أو أُضمِر كلامٌ فيه ألفُ الاستفهام، ثم عُطف هذا عليه بـ ﴿أَمِ﴾، وتقديرُه على الانتظام: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أفلا يتفكرون فيعلموا وحدانية اللَّه تعالى فلا يُشركون به الأصنام، أم اتخذوها (١) شُفعاء.
ثم أبطل ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾: أي: أَتشفعُ لهم (٢) وهي لا تملك شيئًا، ولا تعقل، ولا تسمع، فلا يشفع مَن لا يعقل ولا يملك.
* * *
(٤٤) - ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم بيَّنَ وجهًا آخر لإبطال ذلك، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: عرِّفْهم أنَّ الشفاعة إنما يملكها (٣) مَن يملك السماوات والأرض.
أي: كلها للَّه تعالى؛ أي: لا يُقْدِم عليها أحد إلا بإذنه، وأنتم معاشرَ المشركين مُقِرُّون بذلك، فإياه فأفرِدوا بالعبادة، ودَعوا الإشراك به، وأخلِصوا له، فإنه لا تنفع عنده الشفاعة لِمَن أشرك به.
وقولُه: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي: إلى جزائه تَصيرون، وهذا ترغيب وترهيب.
стр. 6356
(٤٥) - ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: أي: وإذا ذُكِر عندهم التوحيد ووجوبُه، وعرفوا أنَّ اللَّه واحد لا شريك له، اشمأزَّتْ قلوبهم؛ أي: انقبضت واعترَتها الوَحْشة، فصاروا إلى النِّفار عن التدبر لانقباضها وضِيقها.
قال ابن عباس ﵄: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: أي: انقبضت (١).
وقال قتادة: كفرت واستكبرت (٢).
وقال الضحاك: نفرت (٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: أي: وإذا ذُكِر ما يعبدونه مِن دون اللَّه ظهَرَ في وجوههم البِشْرُ، وهو أثَر السُّرور.
* * *
(٤٦) - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: يا خالقَ السماوات والأرض.
стр. 6357
﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: أي: يا عالمَ السرِّ والعلانية.
﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أي: قد علِمْتَ حالي وحالَ قومي هؤلاء، وإني قد بلَّغْتُهم واجتهدتُّ في النُّصْح لهم، وأوضحتُ بينهم دلائلكَ، فأعرضوا واشمأزُّوا، فاحْكُمْ بيني وبينهم، فإنكَ أنتَ تحكم بين جميع عبادكَ فيما كانوا فيه يختلفون مِن أديانهم.
وهذا الحُكْم: قد يكون في الدنيا بإنجاز وعده في دُعائه (١) على قومه، وهو كدعاء نوح ﵇: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].
وقد يكون في الآخرة بأنْ يجزيَ كُلًّا على عمله، وتحت هذا الأمر بشارةٌ له بذلك كلِّه.
ويجوز أنْ يكون قوله: ﴿أَنتَ﴾ لا على وجه الدعاء، بل إظهار الثقة مِن نفْسه على الانتقام له منهم في الدنيا، والتمييزِ بين الكل بالجزاء في العُقْبى.
ويجوز أنْ يكون هذا وعدًا (٢) له بالشهادة بالبعث، وأنه حق، وأنَّ اللَّه يُحاسب عباده فيه، ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وهو بإدخال الكفار النار، وإدخال المؤمنين الجنة، وقد مرَّ في السورة الأمران جميعًا.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾.
стр. 6358
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: كفروا، فوضعوا العبادة غيرَ موضعها، وظلموا أنفسهم بذلك، ونقصوها (١) حقَّها.
وقولُه تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: مِن الأموال ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾: وعلِموا أنَّ الفدية تُغني عنه ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ليتخلَّصوا منه، ولكنَّ الفدية لا تُغني، كما أنَّ الشفاعة لا تُغني.
﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾: أي: وظهر لهم مِن أمر اللَّه ما لم يكونوا يظنونه ولا يَعُدُّونه (٢) في جملة ما يجري عليهم؛ لأنَّهم كانوا مُنكِرين لهذا اليوم.
وقيل: أبطل اللَّه عليهم أعمالًا كانوا عمِلوها في الدنيا يحسبون أنها تنفعهم، وأنها حسنات، فبدا لهم أنها سيئات.
* * *
(٤٨) - ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: أي: وظهرت لهم يوم القيامة أعمالهم السيئة مِن أمور الكفر.
وقيل: معناه: بدا لهم جزاء ذلك، وهو كقوله: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٣٥]؛ أي: جزاء ما كنزتم (٣).
وقيل: ظهرتْ أعمالهم لهم مُثْبَتةً في كتبهم.
وقيل: ظهر لهم سوء عملهم بعذابٍ كان خفِيَ عليهم لتقادُمه.
стр. 6359
وقيل: بدا لهم بشهادة جوارحهم عليهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: فنزل بهم عذابُ استهزائِهم في الدنيا بآيات اللَّه وأنبيائه.
وقيل: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أي: أحاط بهم.
وقال السُّدِّي: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾: ظنوا أنها حسنات، فبدت لهم سيئات (١).
وقال سفيان حين قرأ هذه الآية: ويل لأهل الرِّياء، ويل لأهل الرِّياء (٢).
ونظيره: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤].
* * *
(٤٩) - ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾: قال مقاتل: يعني: أبا حذيفة بن المغيرة (٣).
وقيل: هو عامٌّ، ومعناه: إذا نال المشركَ بلاءٌ في بدنه وأمرٌ كان يخافه دعانا؛ أي: التجأَ إلينا، وأخلصَ الاستغاثة بنا.
وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾: أي: ملَّكْناه وموَّلْناه ووسَّعْنا عليه ﴿نِعْمَةً مِنَّا﴾:
стр. 6360
قال ابن عباس ﵄: يعني: إذا بدَّلْناه بالسَّقَم الصحةَ، وبالفقر الغنى (١).
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾: أي: لِفَضْلي.
وقيل: أي: لم ير ذلك مِن عندنا، ولم يعُدَّه مِن عطائنا، ويقول (٢): إنما أُعطيتُه على علمٍ علِمَه اللَّه مني، فأعطاني ما أعطاني لاستحقاقي ذلك بفضلي.
وقيل: على علم مني بجَمْعه واكتسابه، فأُعطيته بجُهْدي وتصرُّفي واكتسابي، لا مِنَّةَ لأحد عليَّ فيه يستحق فيها شكري.
وقيل: على علم مني قبل أنْ أُعطاه (٣) أني أُعطاه لاستحقاقي ذلك بعقلي وكفايتي.
فردَّ اللَّه تعالى عليه ذلك، فقال: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾: أي: عَطِيَّةٌ مِن اللَّه امتحنه بالشكر له عليها، والاستعانة على إقامة الدين بها، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١].
وقال الحسين بن الفَضْل ﵀: أي: كلِمَتُه هذه التي قالها فتنةٌ له (٤).
وقيل: إن هذه النعمة بَلِيَّةٌ ابتليتُه بها.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لا عِلْمَ لهم ولا تمييز لهم، يقولون ذلك بجهل، ولو تدبروا لعلموا أن اللَّه تعالى لو أراد لسلَبَهم قوة الاكتساب، فلم يُمكِنْهم جمع شيء، ولو أراد أتلَفَها، ولعلموا أن كثيرًا ممن يُخالفهم في دينهم أوتوا أكثر منهم، وأنَّ كثيرًا مِن الناس أكثرُ اجتهادًا منهم في الاكتساب ولا شيء لهم.
стр. 6361
(٥٠ - ٥١) - ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: هذه المقالةَ بهذه الجهالة.
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي: فما نفَعَهم شيئًا ما جمعوه مِن الأموال، وظنوا ذلك لفَضْل فيهم، وأنه يعصِمهم مِن عذاب اللَّه تعالى، وما دَفع العذابَ عنهم.
ويجوز أنْ تكون (ما) للاستفهام، ويجوز أنْ تكون للنفي.
قولُه: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: أي: فنالَهم جزاءُ سيئاتِ أموالهم التي كسبوها، وتلك السيئات هي ما استعانوا به في إماتة دِين اللَّه، وأنفقوه في معاصي اللَّه، وقوَّوا بها أعداء اللَّه.
وقيل: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: مِن الآثام.
وقيل: السيئات: هي عقوبات ما كسَبوه مِن المعاصي؛ سُمِّي بذلك للمقابلة؛ كما في قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، أو لأنها تسوؤهم، أو هم يكرهونها، فوُصِفت بالسوء لذلك.
وحاصلُه: أنَّ أموالهم لم تنفعهم، بل عُذِّبوا بها وانتُقِمَ منهم كما فُعِل بقارون، فخُسِف به وبداره الأرض، ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١].
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: كما أصاب الأولين ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي: بفائتين.
* * *
стр. 6362
(٥٢) - ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يُوسِّع ﴿وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يُضيِّق.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: فيما ذكرناه علاماتٌ لِمَن كان همُّه التصديقَ بالحق على أنَّ التفاوُت في النِّعَم مِن عند اللَّه مِن غير علةٍ بفضل أو اجتهاد في كَسْب.
وقال مُقاتل: إنَّ أهل مكة قُحِطوا سنين، ثم مُطِروا بعدها سبع سنين، فأنزل اللَّه تعالى إظهارًا لقُدرته: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (١).
* * *
(٥٣) - ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: فجاوَزوا حدودها ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا تيأسوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾:
قال القَفَّال: أي: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين عني: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾؛ أي: يا خَلْقًا أنا مالكُهم، أُصرِّفهم في حُكْمي كيف أشاء ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فجاوَزوا حدود ما أُمروا به، وتعدَّوا إلى ما نُهوا عنه، واستكثروا (٢) في ذلك، وانهمكوا فيه، وركِبوا العظائم منهم؛ لأن الإسراف يشتمل على ذلك كله، ولا إسرافَ أشنَعُ مِن الكفر باللَّه،
стр. 6363
وتكذيبِ رسله، والصدِّ عن دينه، وقَتْلِ المؤمنين ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يحمِلنَّكم إسرافُكم على أنفسكم على أنْ تظنُّوا أنَّ رحمة اللَّه تَضيق عنكم، حتى لو تُبْتُم لم تُقبل توبتكم، ولم يزُلِ الوعيد عنكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾؛ أي: يسترُها كلَّها على العباد إذا تابوا منها كفرًا كان أو ما دونه، فرحمتُه واسعةٌ، فلا تقنطوا منها.
وقال ابن عباس ﵄: دعا اللَّهُ تعالى إلى مغفرته مَن قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، ومَن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، ومَن قال: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ومَن قال: الملائكة بنات اللَّه، بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وبقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية (١).
وقال مقاتل: يعني: الذين أسرفوا بالدماء والأموال، وذلك هُمُ المشركون ظنوا أنْ لا يُتابَ عليهم، منهم: وَحْشِيٌّ قاتلُ حمزة، وذلك أنَّ اللَّه أنزل فيه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]، فأسلم وَحْشِي، فقال المشركون: قُبِلت توبته، وأُنزِلت فيه آية، ولم ينزل فينا شيء، فأنزل اللَّه هذه الآية (٢).
وقال قتادة: ذُكِر لنا أنَّ أناسًا أصابوا ذنوبًا عِظامًا في الجاهلية، وظنوا (٣) أنهم مأخوذون بها لا توبةَ لهم فيها، فأنزل اللَّه هذه الآية (٤).
стр. 6364
وقرأ ابن مسعود ﵁: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَن يشاء) (١).
وروت أسماء بنت يزيد: أنَّ النبي ﷺ قرأ: " ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يبالي، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ " (٢).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: التَّسميةُ بـ ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ مدحٌ، والوصفُ بأنهم أسرفوا ذمٌّ، فلما قال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ﴾ طمِع المطيعون أنْ يكونوا هم المقصودين بالخطاب، فرفعوا رؤوسهم، ونكَّسَ العاصي رأسه، وقال: مَن أنا حتى يقول لي هذا؟! فقال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، فانقلبت القصة، فالذين نكَّسوا رؤوسهم انتعشوا، وزالت ذِلَّتهم، والذين رفعوا رؤوسهم أطرقوا وزالت صَوْلتهم، ثم أزال الأُعْجُوبة عن القصة بما قوَّى رجاءهم بقوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، يعني: إِنْ أسرفْتَ فعلى نفْسِكَ أسرفْتَ، ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: أي: بعدما قطَعْتَ اختلافَكَ إلى بابنا، فلا ترفعْ قلبَكَ عنا.
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: الألف واللام للاستغراق والعموم، و ﴿الذُّنُوبَ﴾ جمع، و ﴿جَمِيعًا﴾ تأكيد، فكأنه قال: أغفِرُ ولا أتركُ، وأعفو ولا أُبقي (٣).
* * *
(٥٤) - ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾: أي: ارجعوا بالانقطاع إليه بالعبادة.
стр. 6365
وذِكْرُ الربِّ على معنى التنبيه على وجوب الإنابة إليه؛ إذ كان هو المالكَ والمدبِّرَ والمُربِّيَ، فهو الأحقُّ بالانقطاع إليه بالعبادة والتعظيم مِن جماد لا يضُرُّ ولا ينفع.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾: أي: انقادوا له، واجعلوا أنفسكم سالمةً له؛ أي: خالصةً مُسْلِمةً إليه لا ممنوعة، مسالِمةً له لا مُنازِعة.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾: في الدنيا والآخرة بعد الموت.
﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾: أي: وإذا أتاكم (١) العذاب لم ينصُرْكم ناصر، ولم يمنعْكم مِن عذاب اللَّه مانع.
وقال الإمام القُشَيري: الإنابة: الرجوع بالكُلِّيَّة، والفَرْق بين الإنابة والتوبة: أنَّ التائب يرجع مِن خوف العقوبة، والمُنيبَ يرجع استحياءً لكرَمه، ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾؛ أي: أخلِصوا، والإخلاصُ بعد الإنابة أنْ يعلَم أنَّ نجاته بفضله لا بإنابته، فبفضله وصلَ إلى إنابته، لا بإنابته وصلَ إلى فضله (٢).
* * *
(٥٥) - ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: اتَّبعوا طاعة اللَّه فيما أَمر ونهى مِن أصل الإيمان وفروعه، فإنه أحسن ما أنزل اللَّه في الكتاب؛ لموافقتها دلائلَ العقول، ولحُسْن عاقبتها، والثوابِ الجزيل عليها، ويُقابلها الكفر والمعاصي؛ لقُبْحها في دلائل العقول، ولسوء عاقبتها، والعذابِ الأليم عليها.
стр. 6366
وقيل: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ مِن أخبار الأمم الماضية، فإنما (١) ذكَرْنا لكم أفعالَها: محاسنَها ومساوئَها، فاتَّبعوا محاسنها.
وقيل: أي: اتَّبِعوا القرآن، فإن اللَّه أنزلَ على رسوله القرآنَ وغيرَه، والقرآنُ أحسن ما أنزل، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: المُحْكَمات، وكِلُوا عِلْمَ المتشابهات إلى عالِمها (٢).
وقيل: معناه: إنَّ العدلَ حسَنٌ، والفضلُ أحسنُ منه، وطلبَ الحق حسَنٌ، والعفوُ أحسنُ منه، والبدايةَ بالنَّفْس حسَنٌ، والإيثارُ أحسنُ منه.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: أي: فجأةً مِن حيثُ لا عِلْمَ لكم أنه يجيئُكم.
وقيل: العذابُ المذكور في الآية الأولى عذابُ الدنيا، والمذكورُ في هذه الآية عذابُ الآخرة بدليل ما بعدها.
* * *
(٥٦) - ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾: أي: لئلَّا تقولَ نفْس؛ كما في قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠]؛ أي: لئلَّا تميدَ بكم.
وقيل: حذَرًا.
стр. 6367
وقولُه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾: كلمةُ تأسُّفٍ وتلهُّفٍ، والألف في آخرها للنُّدْبة، وقد يُقال: يا حسرتاه، وكذلك: (يا ويلا ويا ويلاه)، و: (يا ويلتا ويا ويلتاه).
﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾: ﴿مَا﴾ مع الفعل مصدرٌ؛ أي: على تفريطي، وهو التقصير.
﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾: قال ابن عباس والحسن وأبو عُبيدة وقُطْرُب: أي: في ذات اللَّه (١).
وقال أبو عُبيدة في قول: في دِين اللَّه.
وقال الضحاك: في نعمة اللَّه (٢).
وقال ثعلب: في أمر اللَّه، وأنشدَ:
خليليَّ كُفَّا واذكرا اللَّه في جَنْبي... فقد لمتُما (٣) في غير شيء ولا ذَنْبِ (٤)
وقال القَفَّال: أي: فيما يتَّصِل بطاعة اللَّه ورضاه، ومجازُ الكلمة: في جَنْبٍ يُمال إلى اللَّه تعالى، وكذلك الجانب والجَنْبة والجَناب.
وقيل: هي صلة زائدة، ومعناه: في اللَّه، وأنشدوا لكُثَيِّر:
стр. 6368
ألا تَتَّقِينَ اللَّهَ في جَنْبِ عاشقٍ... له كبِدٌ حرَّى عليك تَقَطَّعُ (١)
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾: له وجهان: وما كنتُ إلَّا مِن الساخِرين، وقد كنتُ مِن الساخِرين؛ أي: في لعِبٍ مِن أمري في الدنيا وباطلٍ.
وقيل: أي: مع تفريطي في أمر اللَّه كنتُ أسخَرُ ممَّن لا يُفَرِّط في أمر اللَّه، ونظيرُه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] الآيات، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]؛ أي: الشرك والمعاصي.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا الكافر أعرَفُ بهداية اللَّه مِن المعتزلة، وكذا ما قال أولئك الكفرةُ لأتباعهم: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١]، يقولون: لو وفَّقَنا اللَّه للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكنْ علِمَ منا اختيار الضلالة والغِواية، وتَرْكَ الرَّغْبة في الهدى، والاستخفافَ به، فأضلَّنا وخذَلَنا ولم يُوفِّقْنا، والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا (٢).
* * *
(٥٨) - ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾: أي: رَجْعةً إلى الدنيا.
﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: نصبٌ بالفاء في جواب التَّمَنِّي.
стр. 6369
قال قتادة: وهذه مقالاتٌ ذكرَت أنَّ الكافر يقول ذلك يوم القيامة، ويحتمل أنْ يكون كلُّ قول لكلِّ صنف (١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويجوز أنْ يكون كلُّ كلام مِن كلِّ كافر (٢).
* * *
(٥٩) - ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿بَلَى﴾ لرَدِّ ما قبلها، وإثباتِ ما بعدها.
وفي هذه الآيات إشارات (٣) إلى أنهم أضافوا التَّفريط، وذهاب العُمُر على اللَّهْو، وعدمَ هداية اللَّه، وتمنيَ الرجوع ليُحسنوا باختيارهم، أضافوا ذلك إلى عدم إتيان البيان على الإيضاح والإعلان، فردَّ اللَّه عليهم بهذا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: بلى، بيَّنَتْ لكَ الآياتُ الهدايةَ مِن الغِواية، والحقَّ مِن الباطل، والخيرَ مِن الشر، والصدقَ مِن الكذب، ومكِّنْتَ مِن اختيار الهداية على الغواية، والحقِّ على الباطل، والصدقِ على الكذب، لكنْ تركْتَ ذلك وضيَّعْتَ واستخفَفْتَ به واشتغَلْتَ بضده، فإنما جاء التضييع مِن قِبَلِكَ (٤).
وأكثرُ القراء على التذكير في قوله: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾: على إرادة خطاب الإنسان، وقرأ بعضهم بتأنيثِ كلِّها؛ لسبق ذِكْر النَّفْس (٥).
стр. 6370
(٦٠) - ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾: ويُقرأ: "وجوهَهم مسودةً" بالنصب على الترجمة والبدل (١).
وكذِبُهم على اللَّه بوصفه بما لا يليق به، وسوادُ الوجوه قد يكون قبل دخول النار علامةً لهم، وقد يكون في النار بتغيير النار، وقد يكون عبارةً عن الخَيْبة والذِّلَّة والفضيحة.
وإسفارُ الوجه على خلافه، وعلى هذا قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾
стр. 6371
[آل عمران: ١٠٦]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] الآيات، ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧]، ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
وقولُه تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾: استفهام بمعنى التقرير؛ أي: هذا جزاء وقَعَ لهم باستحقاقهم، يُقيمون فيها خالدين.
وقولُه: ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾: إشارةٌ إلى ما سبق، وهو قوله: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾.
والتَّكبُّر والاستكبار واحد؛ كالتعجُّل والاستعجال، والتَّيَقُّن والاستيقان، ومثْلُه في قصة إبليس: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقال: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣].
* * *
(٦١) - ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: وهم على خلاف هؤلاء.
﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿بمفازاتهم﴾ على الجَمْع، والباقون: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ على التوحيد (١).
والمفازةُ: سبب الفوز؛ كقوله ﵊: "الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ" (٢)؛ أي: سببُ البُخْلِ والجُبْنِ والجهل.
والمفازةُ على التوحيد: يُراد بها التقوى، وعلى الجمع: يُراد بها الطاعات.
стр. 6372
أي: ويُنجِّي اللَّه المتقين بتقواهم الشرك والمعاصي، أو بطاعاتهم.
﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾: أي: المكروه وما يسوؤهم، أي: يُحزنهم، وهو كقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: بفَوْتِ محبوبٍ، وحاصلُه: لا يُصيبهم مكروه، ولا يفوتهم محبوب.
* * *
(٦٢ - ٦٣) - ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: هو مُنشئ الأشياء كلِّها.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: أي: وهو القائم على كلِّ شيء بحفظه وتصريفه (١) على ما يحب، وهو في معنى القيوم والقائمِ على كل شيء (٢).
وقولُه تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: وهو المالك لمفاتيح خزائن السماوات والأرض، يحفظُها ويفتح على عباده منها ما يشاء.
وذِكْرُ المفاتيح مَثَلٌ، وكذلك ذِكْر الخزائن في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١].
ومعناه: وهو المكوِّن ما يريد كونَه، والحافظُ ما هو كائن منه والمُدبِّر له، والموصِل إلى عباده ما يشاء منه، وإذا كان هو المالكَ والمُصَرِّفَ كلَّ شيء، فهو المستحِقُّ للعبادة دون غيره مِن الأصنام، وهو في مُحاجَّة المشركين، وهذه
стр. 6373
الكلمة مُسْتعملة مفهومةُ المراد؛ يُقال: ألقى إليَّ فلان مقاليد الأمور، ومفاتيح الأمور، وأَزِمَّة الأمور.
وقال الحُطَيئة يُخاطب عمر ﵁:
أنتَ الأمينُ لها مِن بعد صاحبها... ألقى إليك مقاليدَ الهدى البشَرُ (١)
فالمقاليد: جمع إِقْليد، على خلاف لفظ الواحد؛ كالمحاسن والمذاكير. قاله نِفْطَوَيْهِ والقُتَبِيُّ (٢).
والإقليد أصلُه بالفارسية: كليد (٣)، فعرَّبَته العرب، وتُكُلِّم به فصار عربيًا.
وقال المبرد: واحدها مِقْليد.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: قيل: المغبونون.
وقيل: الهالكون.
وغَبْنَهُم: ذهابُ عبادتهم الأصنامَ هَدرًا لا نَفْعَ له، وهلاكُهم: عقوبتُهم في النار عليها.
* * *
(٦٤) - ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾.
стр. 6374
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يَستميلونك بالإطماع في الأموال والنساء والرِّياسة والسَّناء إلى ما هُم فيه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الذي هو خالقُ كل شيء، وهو على كلِّ شيء وكيل، له مقاليد السماوات والأرض ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ أنْ أعبُدَ؟!
وهذا توبيخٌ وتقريعٌ، وقطعٌ للأطماع، وإنكارٌ عليهم، وتجهيلٌ لهم.
أي: فما أنا بفاعل ذلك، فإنكم جاهلون بموضع اختيار العبادة؛ إذ لا يجوز أنْ يُعْبَد ما لا يسمع ولا يُبصر ولا ينفع ولا يَضُرُّ.
و ﴿أَعْبُدُ﴾: رُفِعَ حيث حُذِف الناصب، و ﴿الْجَاهِلُونَ﴾: هم الكفار، كما أنَّ أولي العلم هم المسلمون في قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨].
* * *
(٦٥) - ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: مِن الأنبياء ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ولم يقل: أشركتُم.
قال أبو عُبيدة والأخفش: فيه تقديم وتأخير، وتقديرُه: ولقد أُوحي إليك لئن أشركْتَ -إلى آخره- وإلى الذين مِن قبلك (١).
وقيل: أُوحي إليك وإلى كل واحد مِن الأنبياء: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾؛ أي: كلُّهم مأمورون بالتوحيد والإخلاص، منهيُّون عن الكفر والإشراك، ودينُ الكل في هذا واحد، وهذا مما لا يجوز عليه النَّسْخ والتبديل.
стр. 6375
﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾: أي: لَيَتَلاشيَنَّ ولَيَبطُلَنَّ ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: تفسيرُه وتقديرُه؛ لأنَّ عملَه إذا بطَلَ أثرُه وفات ثمرُه بقِيَ عناؤُه وخُسْرُه.
وقيل: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: إشارةٌ إلى ما سبق ذِكْرُه مِن قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
* * *
(٦٦) - ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾: أي: فاعْبُده ووحِّدْه ولا تُشركْ به غيرَه.
﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: فإنه المُنعم بالحقيقة، وشكرُ المنعم واجب بتعظيمه وإخلاص العبادة له.
ثم هذا الوعيد مع تحقُّق العصمة؛ لِما مرَّ مرات أنَّ العِصْمة هي الحفظ عن فعلِ ما عليه الوعيد، ولو زال النهي وارتفع الوعيد لبطَلت العِصْمة.
* * *
(٦٧) - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: قيل: أي: وما عظَّموا اللَّه حقَّ تعظيمه.
وقيل: وما اعتقدوا في اللَّه ما يجب أنْ يُعتقَد فيه.
وقيل: أي: وما وصفوا اللَّه بما يستحِقُّ أنْ يوصف به، يعني: المشركين، فإنهم وصفوا اللَّه بما لا يليق به، وعجَّزُوه عن البعث والجزاء، وجوَّزوا عليه بعث رسول ظنوا فيه أنه يُطابقهم على مُرادهم بما استمالوه به مِن الأموال وغيرها، وهو ظنُّ السَّفَهِ (١) باللَّه، تعالى اللَّه عنه عُلُوًّا كبيرًا.