← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

[آل عمران: ١٠٦]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] الآيات، ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧]، ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وقولُه تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾: استفهام بمعنى التقرير؛ أي: هذا جزاء وقَعَ لهم باستحقاقهم، يُقيمون فيها خالدين. وقولُه: ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾: إشارةٌ إلى ما سبق، وهو قوله: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾. والتَّكبُّر والاستكبار واحد؛ كالتعجُّل والاستعجال، والتَّيَقُّن والاستيقان، ومثْلُه في قصة إبليس: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقال: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣]. * * * (٦١) - ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: وهم على خلاف هؤلاء. ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿بمفازاتهم﴾ على الجَمْع، والباقون: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ على التوحيد (١). والمفازةُ: سبب الفوز؛ كقوله ﵊: "الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ" (٢)؛ أي: سببُ البُخْلِ والجُبْنِ والجهل. والمفازةُ على التوحيد: يُراد بها التقوى، وعلى الجمع: يُراد بها الطاعات.

стр. 6372

أي: ويُنجِّي اللَّه المتقين بتقواهم الشرك والمعاصي، أو بطاعاتهم. ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾: أي: المكروه وما يسوؤهم، أي: يُحزنهم، وهو كقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: بفَوْتِ محبوبٍ، وحاصلُه: لا يُصيبهم مكروه، ولا يفوتهم محبوب. * * * (٦٢ - ٦٣) - ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: هو مُنشئ الأشياء كلِّها. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: أي: وهو القائم على كلِّ شيء بحفظه وتصريفه (١) على ما يحب، وهو في معنى القيوم والقائمِ على كل شيء (٢). وقولُه تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: وهو المالك لمفاتيح خزائن السماوات والأرض، يحفظُها ويفتح على عباده منها ما يشاء. وذِكْرُ المفاتيح مَثَلٌ، وكذلك ذِكْر الخزائن في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]. ومعناه: وهو المكوِّن ما يريد كونَه، والحافظُ ما هو كائن منه والمُدبِّر له، والموصِل إلى عباده ما يشاء منه، وإذا كان هو المالكَ والمُصَرِّفَ كلَّ شيء، فهو المستحِقُّ للعبادة دون غيره مِن الأصنام، وهو في مُحاجَّة المشركين، وهذه

стр. 6373

الكلمة مُسْتعملة مفهومةُ المراد؛ يُقال: ألقى إليَّ فلان مقاليد الأمور، ومفاتيح الأمور، وأَزِمَّة الأمور. وقال الحُطَيئة يُخاطب عمر ﵁: أنتَ الأمينُ لها مِن بعد صاحبها... ألقى إليك مقاليدَ الهدى البشَرُ (١) فالمقاليد: جمع إِقْليد، على خلاف لفظ الواحد؛ كالمحاسن والمذاكير. قاله نِفْطَوَيْهِ والقُتَبِيُّ (٢). والإقليد أصلُه بالفارسية: كليد (٣)، فعرَّبَته العرب، وتُكُلِّم به فصار عربيًا. وقال المبرد: واحدها مِقْليد. وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: قيل: المغبونون. وقيل: الهالكون. وغَبْنَهُم: ذهابُ عبادتهم الأصنامَ هَدرًا لا نَفْعَ له، وهلاكُهم: عقوبتُهم في النار عليها. * * * (٦٤) - ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾.

стр. 6374

وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يَستميلونك بالإطماع في الأموال والنساء والرِّياسة والسَّناء إلى ما هُم فيه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الذي هو خالقُ كل شيء، وهو على كلِّ شيء وكيل، له مقاليد السماوات والأرض ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ أنْ أعبُدَ؟! وهذا توبيخٌ وتقريعٌ، وقطعٌ للأطماع، وإنكارٌ عليهم، وتجهيلٌ لهم. أي: فما أنا بفاعل ذلك، فإنكم جاهلون بموضع اختيار العبادة؛ إذ لا يجوز أنْ يُعْبَد ما لا يسمع ولا يُبصر ولا ينفع ولا يَضُرُّ. و ﴿أَعْبُدُ﴾: رُفِعَ حيث حُذِف الناصب، و ﴿الْجَاهِلُونَ﴾: هم الكفار، كما أنَّ أولي العلم هم المسلمون في قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]. * * * (٦٥) - ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: مِن الأنبياء ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ولم يقل: أشركتُم. قال أبو عُبيدة والأخفش: فيه تقديم وتأخير، وتقديرُه: ولقد أُوحي إليك لئن أشركْتَ -إلى آخره- وإلى الذين مِن قبلك (١). وقيل: أُوحي إليك وإلى كل واحد مِن الأنبياء: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾؛ أي: كلُّهم مأمورون بالتوحيد والإخلاص، منهيُّون عن الكفر والإشراك، ودينُ الكل في هذا واحد، وهذا مما لا يجوز عليه النَّسْخ والتبديل.

стр. 6375

﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾: أي: لَيَتَلاشيَنَّ ولَيَبطُلَنَّ ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: تفسيرُه وتقديرُه؛ لأنَّ عملَه إذا بطَلَ أثرُه وفات ثمرُه بقِيَ عناؤُه وخُسْرُه. وقيل: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: إشارةٌ إلى ما سبق ذِكْرُه مِن قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. * * * (٦٦) - ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾: أي: فاعْبُده ووحِّدْه ولا تُشركْ به غيرَه. ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: فإنه المُنعم بالحقيقة، وشكرُ المنعم واجب بتعظيمه وإخلاص العبادة له. ثم هذا الوعيد مع تحقُّق العصمة؛ لِما مرَّ مرات أنَّ العِصْمة هي الحفظ عن فعلِ ما عليه الوعيد، ولو زال النهي وارتفع الوعيد لبطَلت العِصْمة. * * * (٦٧) - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: قيل: أي: وما عظَّموا اللَّه حقَّ تعظيمه. وقيل: وما اعتقدوا في اللَّه ما يجب أنْ يُعتقَد فيه. وقيل: أي: وما وصفوا اللَّه بما يستحِقُّ أنْ يوصف به، يعني: المشركين، فإنهم وصفوا اللَّه بما لا يليق به، وعجَّزُوه عن البعث والجزاء، وجوَّزوا عليه بعث رسول ظنوا فيه أنه يُطابقهم على مُرادهم بما استمالوه به مِن الأموال وغيرها، وهو ظنُّ السَّفَهِ (١) باللَّه، تعالى اللَّه عنه عُلُوًّا كبيرًا.

стр. 6376

﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: مع أنه قادر على قَبْض الأرض كلها بسعَتها وطُولها وعَرْضها وعِظَم جُرْمها، وعلى تبديلها، وعلى طَيِّ السماوات بأَسْرها، ومَن قَدِر على ذلك كلِّه قَدِر على إحياء الموتى، ولم يَجُزْ عليه غيرُ الحكمة والصواب. وذِكْرُ القَبْضة (١) واليمين مِن المُتشابه. ولَا يُفهَمُ مِن ذلك ما يُفهَم مِن أيدي الخَلْق وقَبْضتهم؛ لأنَّه تشبيه، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، بل يُفهَم منه التصرُّف فيها والقُدرة على تغييرها، وهو مُستعمل في كلام الناس على هذا المراد، يُقال: هذه الولاية في يد السلطان وفي قبضته، ويُراد به: الاستيلاءُ والقدرةُ، دون حقيقة إثبات اليد عليها وإدخالها في قبضتها. وقيل: معنى قوله: ﴿قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أنه تَزول دعاوى المُدَّعين عنها، وهو كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وقيل: ذِكْرُ اليمين تحقيقُ المُلك؛ كقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. وقال ابن عباس ﵄، وبه قال الكلبي مِن المفسرين، وقُطْرُب مِن أئمة الأدب: ﴿بِيَمِينِهِ﴾: أي: بقُوَّته (٢). وأنشد الشَّمَّاخُ:

стр. 6377

إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ... تلقَّاها عَرَابةُ باليمين (١) أي: بالقوة. وقيل في قوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾: أي: يقبِضها ويبسُطها. وروى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "يأخذ اللَّه السماوات والأرض فيقبِضُها ويبسُطها، ثم يقول: أنا الجبَّار، أين الجبَّارون؟ أنا المتكبِّر، أين المتكبِّرون؟ " (٢). وفي رواية أبي هريرة ﵁: "أين الملوك؟ لِمَن المُلْك اليوم؟ " (٣). وقيل: ليس الإِدْراج على الطَّيِّ فقط (٤)، بل له معانٍ في اللغة: منها: الإخفاء، تقول العرب: طويتُ فلانًا عن أعين الناس، و: اطوِ هذا الحديثَ عني؛ أي: استُره. ومنها: الإعراض، يقول الرجل (٥): طوى فلان عني كَشْحًا؛ أي: أعرضَ عني. ومنها: الإفناء، تقول العرب: طويتُ فلانًا بسيفي؛ أي: أَفْنَيتُه، فيَحتمِل أنْ يكون معناه: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾؛ أي: مَفْنِيَّاتٌ بقسَمه؛ لأنَّه أقسمَ أنْ يفنيَها (٦).

стр. 6378

وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: جاء رجل مِن أهل الكتاب إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد! إنَّ اللَّه يُمسك السماوات على إِصْبَع، والأرَضين على إِصْبَع، والجبالَ على إِصْبَع، والبحارَ على إِصْبَع، والأشجار على إِصْبَع، فضحك رسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي: ما عرَفوه حقَّ معرفته، ولا عظَّموه حقَّ تعظيمه مما لا يحتمله وُسْعُ الخَلْق، فهو لم يُكلِّفْهم ذلك، وإنما كلَّفَهم ما احتمله وُسْعُهم، والمُشَبِّهةُ -خذَلهم اللَّه- حيث وصَفوه بما يوصف به الخَلْق، فلم يعرِفوه المعرفة التي يحتملها وُسْعُ الخَلْق، ولا عظَّموه التعظيم الذي يحتمله وُسْعُهم (٢). * * * (٦٨) - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: أي: وقد كان نُفِخ في الصُّور قبل قَبض الأرض وطَيِّ السماوات. ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: أي: فمات. قال السُّدِّي: أي: إلا جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ وملكَ الموت، وهو في حديث مرفوع (٣).

стр. 6379

وقال سعيد ابن جُبير ﵁: أي: إلا الشُّهَداء، فإنهم أحياءٌ عند ربهم (١). وقيل: إلا مَن سبَقَ موتُهم النَّفخةَ الأولى؛ لأنَّهم كانوا في السماوات والأرض أيضًا، فصحَّ استثناؤُهم منهم. وقيل: هم حملة العرش. وقيل: الحُور العِين، والغِلْمان، والوِلْدان، وخزَنة الجنة في الجنة (٢)، وخزنة النار في النار. ومنهم مَن أبهَمَه لإبهام النَّصِّ. ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾: أي: في الصُّور نَفْخة أخرى، وهي نَفْخة البعث، ودلَّت هذه الآية على نَفْختين. وقيل: هي ثلاث نفَخات: نَفْخة الفَزَع؛ كما قال: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل: ٨٧]، ثم نَفْخة الصَّعْق وهو الموت، ثم نَفْخة البعث، وكذا في حديث مرفوع (٣). وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾: يعني: فإذا الأموات قِيام مِن قبورهم وهُم ينظرون.

стр. 6380

قيل: هو نظَر العَين. وقيل: هو الانتظار؛ أي: ينتظرون بماذا يُؤمرون، وأين يُحشرون، وبماذا يُعاملون. * * * (٦٩ - ٧٠) - ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾: أي: أضاءت أرض القيامة ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾؛ أي: بعَدْل ربها وقضائه بالحق بين عباده، وهي كلمة مُستعمَلة في هذا المعنى. قال العباس بن عبد المطلب في رسول اللَّه ﷺ : وأنتَ لمَّا وُلِدتَ أشرقتِ الأر... ضُ وضاءَتْ بنورك الأُفُقُ فنحن في ذلك الضياء وفي النْـ... نُور وسُبْلِ الرَّشاد نَخْترِقُ (١) وقال الإمام أبو منصور ﵀: يجوز أن يخلق اللَّه نورًا فتنوَّر به أرض الموقف (٢). والإضافة إلى اللَّه إضافةُ تخصيصٍ؛ كبيت اللَّه، وناقة اللَّه، وشهر اللَّه، ورُوح اللَّه، لا أنْ يُفهمَ منه نور هو صفة قائمة بذات اللَّه تعالى.

стр. 6381

وقولُه تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: اسمُ جنسٍ بمعنى الجَمْع؛ أي: ووُضِعَت الكتب في أيدي الناس ليقرؤوها، وهي صحائف الأعمال المكتوبة عليهم. وقولُه تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾: أي: وأُحْضِر موقفَ الحساب النبيون لِيُسألوا عما أجابتهم به أممُهم. و ﴿الشُّهَدَاءِ﴾: هم المؤمنون يشهدون على الكفار. وقيل: هُم هذه الأمة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: هُم الملائكة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]، أي: ملَكٌ يسوقه إلى الموقف، ويشهد عليه بما عمل، وهُم الحَفَظة. وقيل: هُم الشُّهداء في سبيل اللَّه. ويجوز أنْ يكون الجميع مُرادًا به. وقولُه تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: وتفسيرُه ما قال بعده: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾؛ أي: مِن خير وشر، فلا يُزاد في شرٍّ، ولا يُنقَصُ مِن خير. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: أي: واللَّهُ أعلمُ بما كانوا يعملون مِن غير كتاب ولا شاهد. * * * (٧١) - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.

стр. 6382

وقولُه تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾: وهذا تفصيلُ ما أُجمِلَ في قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾. والسَّوْقُ: الحَثُّ على السَّير، والزُّمَرُ: الجماعات، والواحدة: زُمْرة. وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾: وهي سبعة. ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: أي: حفَظةُ جهنم، وهم الملائكة الموكَّلون بتعذيب أهلها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾: وهذا توبيخ وتقريع، وفيه زيادةُ إيلامٍ وتوجيع. يقولون: أوَ ليس قد جاءكم مِن عند اللَّه رسُلٌ آدميُّون مثلُكم، تعرفونهم وتألفونهم، وتعرفون شفقتهم عليكم، وصيانتهم فيما بين يديكم (١)، فقرَؤوا عليكم كتابَ ربكم الذي كان علَمًا (٢) على درَكِ الحق، وأنذروكم ما تَلْقَونه في يومكم هذا، وخوَّفوكم المصير إليه؟! ﴿قَالُوا بَلَى﴾: أي: قد أتَوْنا وأنذرُونا ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: تحقَّقَ وعيدُ اللَّه، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]. وقولُه: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أي: على مَن كفر به منا ومِن سائر أهل جهنم. * * * (٧٢) - ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: أي: فتقول لهم الخزَنة: فادخلوا إذًا أبوابَ جهنم

стр. 6383

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لاستحقاقكم ذلك بكُفركم على ما قُسِمَ لكم مِن درَكاتها، فهي مَثْواكم، وبئس المَثْوى، وهو قولُه: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: الذين لم ينقادوا لرُسُل اللَّه، فلم يؤمنوا. * * * (٧٣) - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾: أي: ويُسرَعُ بالمؤمنين أيضًا إلى الجنة، وبيَّنَ اختلافهما في هذه الحالة في آية أخرى، فقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦]، فالمُتَّقون يجيئون إليها مُكْرَمين رُكْبانًا، والمجرمون يُدَعُّون إليها دعًّا. و (سِيق): ظاهرُه ماضٍ، ومعناه مستقبل؛ لأنَّه أمرٌ كائنٌ لا محالةَ، فأُلْحِق بالموجود. وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾: قيل: الواو: مُقْحَمةٌ زائدة (١)؛ كما في قوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، وفي قوله: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥]. وقيل: هي عاطفة، وجواب ﴿حَتَّى إِذَا﴾ مُضْمَر في آخرها. قال الزجاج: قال المبرد: جوابُه المُضْمَر في آخر الآية: سُعِدوا، ونحو ذلك. قال: وقيل: معناه: حتى إذا جاؤوها وقد فُتِحَت أبوابها.

стр. 6384

قال: وعندي: الجوابُ عند قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ دَخَلوها (١). ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: أي: حفَظة الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ يتلقَّوْنهم بتحيَّةٍ مِن عند اللَّه. وقيل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: سلامةٌ لكم مِن كلِّ مكروه. ﴿طِبْتُمْ﴾: أي: كنتم في الدنيا طيِّبين غير خبيثين؛ أي: مؤمنين مُطيعين غير كافرين عاصين. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال: ﴿كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]. أي: صلُحتم لهذه الدار بذلك الطِّيب. وقيل: هو دعاءٌ لهم منهم للحال؛ أي: لازِلتم طيبين، وهو تمامُ قولهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ومعناه: لا زال يحسُنُ على الأسماع ذِكْرُكم، وعلى الأبصار مناظرُكم، ويدومُ لكم الثناء والذِّكْر الجميل مِن ربكم. وقيل: هو دعاءٌ بطِيب العَيش؛ أي: طاب لكم دخولُها والعيشُ فيها. وعن عليٍّ ﵁ قال: إذا جازوا (٢) الصراط أُتي بهم إلى باب الجنة، فإذا هُم بشجرة تحتها عَينان مِن الماء، فيشربون مِن إحداهما، فتطهُرُ قلوبهم مِن الغِلِّ والغِشِّ والآفات، ثم يغتسلون مِن الأخرى، فتطهُر أبشارُهم، فحينئذ تقول لهم خزَنة الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (٣).

стр. 6385

وقال قتادة: رُوِي أنهم إذا ورَدوا النار حُبِسوا على قَنْطَرة، فيَقْتَصُّ بعضهم مِن بعض، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا قيل لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (١). * * * (٧٤) - ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾: بإدخال الجنة ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾: أي: أرض الجنة ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾: لِسَعتها وكثرتها نتمكَّن منها (٢) ونتقلَّبُ فيها حيث نشاء، لا نُمنَع مِن ذلك، ولا يضيقُ عنا ذلك. ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: بالطاعة. وقال الإمام القُشَيري: قيل لقوم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾، وقيل لقوم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، وقيل لقوم: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]، وفَرْقٌ بين مَن يُساق إلى الجنة، وبين مَن تُقَرَّبُ إليه (٣) الجنة، فالأول للظالمين، والأوسط للمُقتصِدين، والآخِر للسابقين (٤).

стр. 6386

(٧٥) - ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ﴾: أي: ﴿وَتَرَى﴾ يا محمد يوم القيامة عند فَصْل القضاء ﴿الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ﴾؛ أي: مُحْدِقين بالجوانب. وقد حفَّ به القومُ: إذا صاروا في حِفافه؛ أي: جانبه مِن حول العرش. ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾: ﴿مِنْ﴾ صِلةٌ زائدةٌ؛ كقولكَ: جئتُ مِن قَبْل فلان؛ أي: قَبْله. والعرشُ يحضُرُ عرَصَةَ القيامة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]. وقولُه تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: يُنزِّهون اللَّه تعالى ويحمدونه. وقيل: معنى الباء في قولِه: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: أي: بتوفيق اللَّه تعالى يُسبِّحونه، وله الحمد. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾: أي: بين الخَلْق. ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: ويقول أهل الموقِف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقيل: يقولُه أهل الجنة إذا دخلوها؛ كما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. وقال قتادة: بدأ اللَّه تعالى خَلْق العالَم بالحَمْد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآيةَ [الأنعام: ١]، وختَمَ القضاء بينهم بالحَمْد، فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).

стр. 6387

سورة غافر

стр. 6388

سورة غافر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه غافر الذَّنْب وقابل التَّوْب شديد العِقاب، الرَّحمنِ الذي يُدخِل المؤمنين الجنة يُرزَقون فيها بغير حساب، الرَّحيمِ الذي أنزل الكتاب هُدى وذكرى لأولي الألباب. وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ ﴿حم﴾ المؤمن لم يبقَ رُوح نبي ولا صِدِّيق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلَّوا عليه واستغفروا له" (١). وهذه السورة مكية، وهي خمس وثمانون آيةً، وقيل: أربع. وكلماتُها: ألف ومئتان وسبع عشرة. وحروفُها: خمسة آلاف وسبعة. وانتظامُ خَتْمِ تلك السورة وافتتاحِ هذه السورة: أنهما في ذِكْر أسماء اللَّه تعالى. وانتظامُ السورتين: أنهما في ذِكْر المشركين، والاحتجاج عليهم في إبطال شِرْكهم، وفي إثبات البعث والحساب، وفيهما الترغيبُ والترهيبُ، وتسليةُ النبي ﷺ والمؤمنين.

стр. 6389

وقال النبي ﷺ : "لكلِّ شيء ثمَرةٌ، وإنَّ ثمَرةَ القرآن ذواتُ ﴿حم﴾، هُنَّ روضاتُ حسناتٍ مُخَصِباتٌ مُتجاورات، فمَن أحبَّ أنْ يرتَعَ في رياض الجنة فليقرأ الحواميمَ" (١). وقال: "مثَلُ الحواميم في القرآن مثَلُ الحِبَرات في الثياب" (٢). وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: إذا وقعتُ في آل ﴿حم﴾ وقعتُ في رياضٍ دَمِثاتٍ أتأنَّقُ فيهن (٣). وقال مجاهد: آلُ ﴿حم﴾ دِيباج القرآن (٤).

стр. 6390

وقال أبو الدرداء ﵁: كنا نُسمِّي الحواميمَ العرائسَ (١). وقال محمد بن سيرين ﵀: رأى رجل في المنام سبعَ جَوارٍ حِسانٍ في مكان واحد لم يرَ أحسن منهن، فقال لهن: لِمَن أنتنَّ؟ قلن: لِمَن قرأ آل ﴿حم﴾ (٢). وقال الحسن ﵀: الحواميم رياض الجنة (٣). وقال محمد بن الحنفية وابن عباس ﵃: الحواميم كلُّها مكية (٤). * * * (١) - ﴿حم﴾. قولُه تعالى: ﴿حم﴾: قال مجاهد: ﴿حم﴾: فواتح السُّوَر (٥).

стр. 6391

وقال قتادة: اسم القرآن (١). وقال محمد بن كعب: هذا قسَمٌ أقسمَ اللَّه بحِلْمه (٢) ومُلْكه أنْ لا يُعذِّبَ أحدًا عاد إليه بقول: لا إله إلا اللَّه، مُخلِصًا مِن قلبه (٣). وقال عكرمة وسعيد بن جُبير ﵄: ﴿الر﴾ ﴿حم﴾ ﴿ن﴾ هي الرحمن (٤). وقال السُّدِّي ﵀: الحواميم أسماء اللَّه تعالى (٥). وقال الشَّعْبي ﵀: شِعار السورة (٦). وقال الضحاك ﵀: ﴿حم﴾: أي: قضى ما هو كائن، وقال الكسائي كذلك (٧)، وأنشد (٨): وليس لأمرٍ حمَّهُ اللَّهُ دافِعُ (٩)

стр. 6392

وقال آخر: ألا ليتني حُمَّتْ لنفْسي مَنِيَّتي... ولم تتعلَّقْني لحِينٍ عَلُوقُها (١) وقال أنس ﵁: سأل أعرابي رسول اللَّه ﷺ : ما ﴿حم﴾؟ فإنا لا نعرفها في لغتنا، فقال ﵇: "بَدْءُ أسماء، وفواتحُ سورة" (٢). وقال عطاءٌ الخُراساني ﵀: الحاء: افتتاحُ اسمه حليم، حميد، حي، حنَّان، حكيم، والميم: افتتاح أسمائه: ملك، مجيد، منَّان، ونحوها (٣). * * * (٢) - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾: قيل: ﴿تَنْزِيلُ﴾: مبتدأ، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: خبره، وعلى هذا هو مصدرٌ، ولا إضمارَ فيه. وقيل: ﴿حم﴾ اسم للسورة أو القرآن، وهو مبتدأ، و ﴿تَنْزِيلُ﴾ إلى آخره: خبرُه،

стр. 6393

وهو مصدر بمعنى المفعول؛ أي: مُنزَّلٌ مِن اللَّه العزيز العليم؛ أي: المنيع سلطانُه عن أنْ يتقوَّلَ عليه مُتَقَوِّل، العليم بمَن صدَّقَ به وكذَّبَ، وهي تبرئةٌ للنبي ﷺ ، وتهديدٌ للمشركين، وبِشارةٌ للمؤمنين. * * * (٣) - ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. قولُه تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾: نعته ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: نعتٌ آخر. والتَّوْبُ مصدر كالتوبة، وهي الرجوع إلى اللَّه عن المعصية. وقال أبو عبيدة: التَّوْبُ: جمع التوبة، ووصْلُ النعت بالنعت بالواو وبدون الواو جائزٌ (١). ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: لِمَن يُصِرُّ ولا يتوب. وقولُه تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: أي: ذي الفَضْل على كلِّ عباده بالخَلْق والرِّزْق والبَيان وكلِّ وجوه الإحسان. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: إلى جزائه رجوعُ الخَلْق. وقال ابن عباس ﵄: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: لِمَن قال: لا إله إلا اللَّه، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: لِمَن لا يقول: لا إله إلا اللَّه (٢).

стр. 6394

وقال أيضًا: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: للمؤمنين، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: للكافرين. وقال أيضًا (١): ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: أي: ذي الغِنى عمَّن لا يُوَحِّدُه (٢). وقال الضحاك: ذي المَنِّ (٣). وقال قتادة ﵀: ذي النِّعَم (٤). وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾: للظالمين، ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: للمُقْتصِدين، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: للمشركين، ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: للسابقين (٥). * * * (٤) - ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: ما يُخاصِمُ في كتاب اللَّه الذي هو تنزيلُ الكتاب مِن اللَّه العزيز العليم لِيدفعَه بالأباطيل، فيقول مرَّةً: هو سِحْر، ومرَّةً: هو قول الكَهَنة، ومرَّةً: هو أساطير الأولين، ومرَّةً: يُعَلِّمُه بشَر، وأشباه ذلك = إلَّا الذين كفروا نِعَمَ اللَّه مِن سلامة البُنْية وتمام العقل، فلا يُقابلونه بالشكر.

стр. 6395

وقولُه: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾: أي: فلا تغترَّنَّ بإمهالي إياهم سالِمين في أموالهم وأبدانهم، يتصرَّفون في البلاد كيف يشاؤون للتِّجارات والمَعاش، فتتوهَّمَ أنَّ ذلك لخفاء أحوالهم عليَّ أو لرِضايَ بكفرهم، فإني وإنْ أمهلتُهم سآخذُهم وأنتقِمُ لكَ منهم، كما فعلتُ بأشكالهم مِن الأولين. * * * (٥) - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾: أي: نبيَّهم ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: والأمم المُتحزِّبة على الكفر؛ أي: المجتمِعة؛ كقوم عاد وثمود وغيرهم. وقولُه تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾: أي: وعزَمَتْ ﴿بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾: وقيل: لِيحبِسوه وليُعذِّبوه. وقيل: ليقتلوه. وقولُه تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾: أي: خاصموا رسلهم بما لا حقيقةَ له، وبما لا فائدةَ فيه. ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾: أي: لِيُبطلوا به الحق، ويُزيلوه عن موضعه، وهو ما يَحِقُّ اعتقادُه واستعمالُه، وما له ثَباتٌ في العقول. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾: بالعذاب المستأصِل ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾: أليس كان فظيعًا في الذِّكْر، واقعًا موقع الاعتبار لأولي الفِكْر؟! فأنا أفعلُ بقومكَ كذلك إنْ أصرُّوا على خِلافكَ وإيذائك. * * * (٦) - ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.

стр. 6396

وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: أي: وجبَ وتحقَّقَ وعيدُ ربك ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: على هؤلاء الذين كفروا بك بمِثْل ذلك العذاب المستأصِل الذي كان لمَن قبلهم. وقولُه تعالى: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أي: لأنهم أصحاب النار كأولئك. وقيل: معناه: كذلك تحقَّقَ وعيد ربكَ على الذين كفروا مِن المُتقدِّمين والمُتأخِّرين أنهم جميعًا يدخلون جهنم بعد الهلاك في الدنيا. وقيل: نزل قولُه: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: في الحارث بن قيس السَّهْمِي (١). وقال أبو العالية: ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: ثلاث قبائل مِن قريش: بنو أمية، وبنو مَخْزوم، وبنو عبد الدار. ثم ذكَرَ وعْدَ المؤمنين والتائبين مِن الكفر؛ تحريضًا لهؤلاء على الإسلام، فقال: * * * (٧) - ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾: أي: الملائكةُ الذين يحملونه ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾؛ أي: والملائكةُ الذين هم حول العرش يطوفون به ويُعظِّمونه ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: يُنزِّهونه عما يُضِيف إليه هؤلاء المشركون المجادلون، فيحمَدونه بمحامده.

стр. 6397

﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: أي: ويُصدِّقون به مُخْلِصين في ذلك. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: يسألون اللَّهَ لهم المغفرة: ﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يقولون: يا ربَّنا ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾؛ أي: ما مِن شيء إلَّا وقد نالَه رحمتُكَ، وأحاط به عِلْمُكَ. قال الإمام أبو منصور ﵀: أمَّا في الدنيا، فالرحمةُ تسَعُ المؤمن والكافر، وأمَّا في الآخرة، فلا تنالُ إلا المؤمن، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآيةَ [الأعراف: ١٥٦] (١). قدَّموا الثَّناء على اللَّه تعالى ثم اشتغلوا بالدعاء، فقالوا: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾: أي: عن الشرك ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾؛ أي: الإسلامَ، فهو الطريق المؤدِّي إلى رِضْوان اللَّه ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: واحفظهم. * * * (٨) - ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: أي: إقامة ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾: أي: في القرآن. ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: أي: وأَتمِمْ سرورهم بأنْ تجمَعَ بينهم وبين آبائهم ونسائهم وأولادهم. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾: أي: المَنيعُ بسلطانكَ، فلا يُعترَضُ عليك فيما تُؤتيه عبادَكَ، ﴿الْحَكِيمُ﴾: المُصيبُ في أفعالكَ وأقوالكَ. وإنما قالوا: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾؛ لأن مَن أشركَ منهم لم يستحِقُّوا ذلك.

стр. 6398

ثم يجوز أنْ يكون ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ عطفًا على قولِه: ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾، فإنه قال: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، ويجوز أنْ يكون عطفًا على قوله: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾. * * * (٩) - ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾: أي: واصرِفْ عنهم العقوباتِ والمكارهَ التي تسوء صاحبَها. وقيل: هي الأهوال قبلَ دخول النار. وقيل: هي العقوبات في النار. وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: بدؤوا بوصف اللَّه تعالى بالرَّحمة، وختَموا بذلك؛ ليُعلِموا (١) أنَّ الأدب في الدعاء هو البدايةُ بالثناء والختمُ به، وأنَّ كل ذلك برحمة اللَّه. وقيل: لَمَّا اختار الملائكةُ هاروتَ وماروتَ، ووقع لهما ما وقع، أشفقوا على عُصاة البشَر، فالتزموا لهم هذا الدعاء (٢). وقال الإمام القُشَيري ﵀: لئن سلَّطَ اللَّه عليكَ أراذل خَلْقه -وهم الشياطينُ- بالإغواء، فقد أمز بشفاعتكَ أفاضلَ خَلْقه -وهم الملائكةُ- بالدعاء (٣). وقال يحيى بن معاذ الرازيُّ ﵀: هذه الآية أرجى آيةٍ في كتاب اللَّه للمذنبين.

стр. 6399

(١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾: ثم عاد الكلام إلى وعيد الكافرين المُجادلين: ﴿يُنَادَوْنَ﴾؛ أي: تُناديهم الملائكة يوم القيامة إذا دخلوا النار فمقَتوها؛ أي: أبغَضوها أشدَّ بُغْضةٍ، فيقولون لهم: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ وهو لام قسَمٍ؛ أي: بُغْضُ اللَّه تعالى لكم على كفركم ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ في الدنيا ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ في النار، فيكون فيه تقديم وتأخير. وقيل: هو على ظاهر نَظْمِه (١)؛ أي: أكبر مِن بُغْضكم أنفسَكم في الدنيا، فإنكم بتَرْك الإيمان فعلتُم بأنفسكم فِعْلَ الأعداء، وكان مَقْتُ اللَّه لكم وقتَ كفركم أكبرَ مِن بُغْضكم أنفسَكم حينئذ. وقيل: أي: بُغْض اللَّه لكم في الدنيا حالةَ الكفر أكبرُ مِن بُغْض بعضكم لبعض الآن، وهو مِن قوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وطريقُه طريقُ قولِه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: لا يفعلْ ذلك بعضكم ببعض. * * * (١١) - ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ

стр. 6400

مِنْ سَبِيلٍ﴾: كانوا مُنكِرين البعثَ بعد الموت، فاعترفوا به، وقالوا: أمتَّنا مرَّتين، وأحيَيْتَنا مرَّتين. قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومقاتل والسُّدِّي في رواية: كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم، فأحياهم اللَّه تعالى في الدنيا، ثم أماتهم عند انقضاء أعمارهم، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهُما حياتان وموتتان، وهو كقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] (١). وروى أَسْباطٌ عن السُّدِّي رحمهما اللَّه: أنَّ إحدى الموتتَين هي التي تنقضي فيها آجالُهم، ثم يُحييهم في القبر، ثم يُميتهم، ثم يُحييهم للبعث يوم القيامة (٢)، فهما موتتان وحياتان، ويدل هذا على عذاب القبر. قال الإمام أبو منصور ﵀: وهو الأشبه والأقرب؛ لأنهم وإنْ كانوا أمواتًا حيث كانوا نُطَفًا، ففي الغالب لا يُسمَّى ذلك ميِّتًا، ولا يقال فيه: ﴿أَمَتَّنَا﴾ (٣). وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ ﵀: أحدُ مَوْتَيِ الكافر: حياتُه في الدنيا على الكفر، والثاني: موتُه عند انقضاء عمره، فهما موتتان، وإحدى الحَياتين: حياتُه في قبره بعد موته للمُسائلة، والثانية: حياتُه للبعث (٤). وقولُه تعالى: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾: في إنكار البعث بعد الموت ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ أي: فهل يَجعَلُ اللَّه لنا سبيلًا إلى الخروج مِن النار، والرجوعِ

стр. 6401

إلى الدنيا؟ كما قال في آية أخرى: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤]. وقيل: أي: فهل لنا بتوبتنا خروجٌ مِن النار، ودخولٌ في الجنة؟ * * * (١٢) - ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾: أي: لا تُجابون إلى الخروج، ويُقال لهم: ذلك الخُلودُ في النار بأنكم كنتم إذا دُعِيَ اللَّهُ وحده جحدتُم وحدانيَّةَ اللَّه تعالى. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾: أي: فإذا أُضيفَ إلى اللَّه الشُّرَكاءُ قلتُم: إنه الحقُّ، وصدَّقْتُم قائله، فكان هذا دينكم في دار الدنيا، وهي دار العمَل، فأما اليوم فأنتم في دار الجزاء ﴿فَالْحُكْمُ﴾ فيه ﴿لِلَّهِ﴾ تعالى ﴿الْعَلِيِّ﴾: وهو الذي يتعالى عن الشُّرَكاء ﴿الْكَبِيرِ﴾: وهو الذي كل شيء يتصرَّفُ على حُكْمه، وهو لا يتصرَّفُ على حُكْم أحد، فالحُكْمُ له. ومِن حُكْمه: تخليدُ الكفار في النار، وتخليدُ المؤمنين في الجنة، فلا يُنازعه في هذا الحُكْم أحد، وفيه بيان أنَّه لا سبيلَ لهم إلى الخروج. * * * (١٣) - ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: أي: علاماتِه الدالَّةَ على وحدانيته لإقامة الأديان.

стр. 6402

﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾: لإقامة الأبدان، و بهيا يُتمكَّنُ مِن التأمُّل في البرهان. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾: أي: وقد جعلتُ لكم عقولًا تُعرِّفُكم هذه الدلائلَ لِمَن تفكَّرَ وتذكَّرَ، وما يتذكَّرُ إلا مَن يرجع إلى اللَّه؛ أي: يتدبَّر بعقله، فيُدرك الآيات، ويعلم أنَّ اللَّه واحد لا شريك له، فيرجع إليه وحده. * * * (١٤ - ١٥) - ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾. قولُه تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: أي: الطاعة والانقياد والعبادة ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: أي: وإنْ كرِهَه مَن خالف هذا مِن الجُهَّال الذين لا يتذكَّرون. وقولُه تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾: أي: هو عالي الصفات. وقيل: أي: هو رافعُ درجاتِ عباده المُطيعين له على حسب مساعيهم. وقولُه تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: أي: ذو المُلْك والسُّلْطان. وقيل: مالك السَّريرِ الأعظم الذي هو فوق السماوات. وقولُه تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾: أي: يُنزِّلُ الوحي. قاله قتادة والضحاك وابن زيد ﵏ (١)؛ سُمِّيَ به لأنه يَحيا به القلبُ بخروجه عن الحَيْرة إلى المعرفة. وقيل: أي: يُنزِّلُ جبريل؛ كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣].

стр. 6403

وقولُه تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: أي: بأمره. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: فيختاره للرسالة. ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: أي: لِيُخوِّفَ هذا المبعوثُ بالرسالة الخَلْقَ بيوم القيامة الذي هو يوم اجتماع أهل السماوات وأهل الأرض، واجتماع الأوَّلِين والآخِرين، ويوم يَلقى الإنسانُ عملَه وجزاء عمله، ويَلقى ملائكة البِشارة وملائكة العذاب. * * * (١٦) - ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ﴾: أي: الخَلْقُ ﴿بَارِزُونَ﴾: أي: خارجون مِن قبورهم، ظاهرون لا يسترُهم شيء؛ لأن الأرض يومئذ قاعٌ صَفْصَفٌ، لا عِوَجَ فيه ولا أَمْتَ. والبُروز: الخروج. وقولُه تعالى: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾: ممَّا عمِلوه على كثرتهم، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، وقال: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾: أي: فيُنادى فيهم ذلك اليوم: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فيُجيب العبادُ كلُّهم مؤمنهم وكافرهم: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: لزوال الشُّكوك عنهم، ووقوع الضرورة بهم إلى المعرفة بوحدانيَّته. وهو إخبار بأن المُلْك يوم القيامة للَّه وحده؛ لأنَّه لا تفلُّتَ يومئذ ولا توثُّبَ كما يكون في الدنيا، ولا يُفوَّضُ إلى أحد حُكْم كما يكون في الدنيا، وهو كما قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩].

стр. 6404

والقهار: هو الذي يُصرِّفُ العباد على ما يريد، لا يمتنع عليه أحد مما أراد به. وقال ابن عباس ﵄: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: يُخاطب أهل مكة إذا سافروا في الأرض، فرأوا آثار الأمم السالفة ومنازلهم. وقال مقاتل: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: يعني: السماوات والأرض والشمس والقمر والجبال والرياح والسَّحاب والليل والنهار والفُلْك في البحار والنبات عامًا بعد عام (١). وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾: لأبدانكم: وهو توفيق المُجاهدات، ولقلوبكم: وهو تحقيق المُشاهدات، ولأسراركم: وهو فنون المواصلات، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾؛ أي: يرجع مِن العادة إلى العبادة، ومِن الشك إلى اليقين، ومِن الخَلْق إلى الحق (٢). وقولُه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾: قال السُّدِّي: أي: رافعُ درجاتِ أهل الجنة (٣)، قال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠]. وقيل: درجات الغُزاة، قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥]. وقيل: درجات العلماء والمؤمنين، قال اللَّه تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وقيل: درجات أهل الدنيا، قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥].

стр. 6405

وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: قال ميمون بن مِهْران: يوم يلتقي الظالم والمظلوم (١). وقيل: يوم يلتقي العابد والمعبود. وقيل: تلتقي الخُصوم بين يدي اللَّه تعالى. قال قتادة: يوم لقاء اللَّه تعالى (٢). وقال مجاهد: يوم التقاء البَرِّ بالبَرِّ، والفاجر بالفاجر. * * * (١٧ - ١٨) - ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: تفسيرها ظاهر. وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: أي: يوم القيامة التي هي قريبة، وقد أزِفَ أُزوفًا؛ أي: قرُبَ، وجعلَها قريبةً؛ لأنَّها آتية لا محالةَ ولو بعد حِينٍ. وقولُه: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾: أي: الحلاقم؛ أي: ينتهي إليها لغلَبة الخوف.

стр. 6406

﴿كَاظِمِينَ﴾: أي: ساكتين على امتلائهم مِن الغَمِّ، نصبٌ على الحال. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾: أي: قريب ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؛ أي: ولا شافع يُجاب. * * * (١٩) - ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: أي: يعلم يوم القيامة ما كان منهم مِن خيانة الأعين وإخفاء الصُّدور. والخائنةُ بمعنى المصدر؛ كالكاذبةِ في قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، واللَّاغِيَةِ في قوله: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١]، وكقولهم: سمعتُ راغِيَةَ الإبل وثاغِيَةَ الغنم (١). وخائنةُ الأعين: هي ما ينظر إليه الإنسان مُسارَقةً مِن حيث يرى مَن حضرَه أنه ليس بناظر إليه. وأصلُ الخيانة: الإخفاء لِمَا لا يحب الخائن إظهارَه. وقيل: الخائنة: نعت للنَّظْرة، أو الإشارة، أو الغَمْزَة، ونحوِها. وقيل في الجَمْع بين الكلامين: هو أنْ ينظر إلى أجنبية بشَهْوةٍ مُسارقةً، ثم يتفكَّرَ بقلبه في حالها وجمالها، ولا يعلمُ بنَظْرته وفِكْرته مَن بحضرته، واللَّه تعالى عالمٌ بذلك كله. وقال ابن عباس ﵄: هذا رجل يكون في القوم، فتمُرُّ بهم المرأة،

стр. 6407

فيلحَظُها إذا غفَلوا، ويغُضُّ بصره إذا نظروا (١)، ويُريهم أنه لا يلحَظُها (٢). وقال الإمام القُشَيري ﵀: خائنةُ أعين المُحبين استحسانُهم شيئًا، ولذلك قالوا: يا قُرَّةَ العين سَلْ عيني هل اكتحَلَتْ... بمَنْظَرٍ حسَنٍ مذْ غِبْتَ عن عيني (٣) وقال آخر: فقلت إذا استحسنَتْ غيركم... أمرتُ الدُّموعَ بتأديبها (٤) ومنها (٥): أنْ يأخذهم السُّبَات في أوقات المناجاة؛ وفي الخبر: كذبَ مَن ادَّعى محبَّتي، فإذا جنَّه الليلُ نام عني (٦).

стр. 6408

ومنها: أنْ يكون لهم عِلْم بقلوبهم بما تقع عليه عيونهم، ينظرون ولكنْ لا يُبصرون. ومنها: أن تخرج منها قَطْرَةُ دمعٍ تأسُّفًا على مخلوق يفوت في الدنيا والآخرة، وعلى أنفسهم (١). * * * (٢٠) - ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾: يُجازي العباد على العمل والنَّظْرة والفِكْرة في الخير والشر ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾؛ أي: والذين يعبدونهم مِن دون اللَّه لا يَقْدِرون أنْ يَقْضوا بشيء. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: أي: إنما يقوم بالجزاء على الأعمال مَن لا يخفى عليه شيء مِن المرئِيَّات والمسموعات، واللَّهُ تعالى سامعٌ كلَّ مسموع، ومُبْصِرٌ كلَّ مُبْصَر، فهو القائم بذلك، والأصنام ليست لها هذه الصفة، فليس لها هذا الاستحقاق. * * * (٢١) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا استفهام بمعنى الإثبات؛ أي: قد ساروا في الأرض.

стр. 6409

ثم خوَّفَهم عقوبة الدنيا بعد أنْ خوَّفهم عقوبة العُقْبى، فقال: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: وذلك أنهم كانوا يمرُّون بديار (١) عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم في جِوار بلادهم، وكان شأن بعضهم معلومًا عندهم عِيانًا وخَبَرًا. وقولُه تعالى: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: في أبدانهم، وعلى أعدائهم بعُدَّتِهم. وقولُه تعالى: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: قيل: أي: وأكثرَ آثارًا مِن الأبنية ونحوها؛ كما قال في آية أخرى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]، وجمَعَ بينهما بوصف واحد، وما قلناه مُضْمَر، وهو نظير قول الشاعر: علَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا (٢) أي: وسقيتُها ماءً باردًا. ويحتمِل الوصفَ بغير إضمار، ووصْفُ الآثار بالشِّدَّة لِمَا أنها كانت في الجبال ومِن الحجارة، ووحَّدَ القوَّةَ، وجمَعَ الآثار؛ لأنَّ القوةَ مصدرٌ، والأثرَ اسمٌ. وقولُه تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: عاقبَهم وأهلكَهم. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾: أي: ولم يكن لهم شيء مِن الأشياء يَقيهم عذاب اللَّه، وهو معنى ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنْ وَاقٍ﴾. أي: فهؤلاء المشركون الذين هُم دونهم، فهم أولى ألا يقِيَهم شيء.

стр. 6410

(٢٢) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا﴾: هذا العذاب الذي أحلَّه اللَّه بهم؛ لأنَّهم كذَّبوا الرسل، وجحَدوا الآيات ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾. ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ﴾: عزيزٌ قادرٌ على كل شيء ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: إذا عاقب. * * * (٢٣ - ٢٤) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: أي: ومِن الذين مِن قبلهم هؤلاء، وكان تكذيبهم كتكذيب هؤلاء. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: أي: بالعلامات الدالَّة على صدقه، وهي المعجزات. وقولُه: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: قيل: هي المعجزات أيضًا، ووُصِفَت المعجزات بوصفين: أحدهما: أنها ظاهرات، والثاني: أنها قاهرات. وقيل: البيِّنات (١) أمور الشرع. وقيل: الآيات: آيات التوراة، والسلطان المبين: المُعجزة إلى فرعون وهامان وقارون، خصَّهم بالذِّكْر؛ لأن فرعون كان ملِكَهم، وهامانَ وزيرَه، وقارونَ صاحبَ الأموال والكنوز، وكان موسى مبعوثًا إلى كل القوم، لكنهم مُدبِّرو أمورِهم، فكان خطابُهم خطابَهم.
следующие страницы →