← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أحدها: أنَّه كلمةُ تعجُّب، قال الشاعر: أقولُ لمَّا جاءَني فخرُه... سبحانَ مِن علقمةَ الفاخِرِ (١) ومعناه: عجَبٌ سؤالُنا عمَّا لا علمَ لنا به. والثاني: أنَّه تنزيهُ اللَّهِ تعالى عن أنْ يَخفى عليه ما خفيَ عن الملائكة، ونصبه على المصدر عند الخليل بنِ أحمد (٢)؛ أي: ننزِّهك تنزيهًا، وقال النقَّاشُ: هو على النداء؛ أي: يا سبحانك. والثالث: أنَّهم بدؤوا بالثناء على اللَّه تعالى قبل الجواب، وكذا يجب على العبد في كلِّ خطاب. والرابع: أنَّهم ذكروه على وجهِ التوبةِ عمَّا قالوا؛ فإنَّها كلمةٌ تقدَّم على التوبة، قال تعالى خبرًا عن موسى صلوات اللَّه عليه: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ أي: يا طاهرُ، طهِّرني عن العيب الذي وقعتُ فيه. والخامس: أنَّهم حقَّقوا ما وَعَدوا مِن أنفسهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. وقوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ قال ابنُ عباس وابنُ مسعود والحسن ومحمد بنُ إسحاق معناه: إنَّك أَعلمتنا أنَّهم يُفسدون في الأرض، فقلنا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ وما أَعلمتنا مِن هذه الأسماء فلا نَعلمها، ولو اكتَفوا بقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ لكان جوابًا تامًّا، لكن قالوا: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ليكون زيادةَ عبودةٍ، فإنَّ قولَهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ مِن باب العذر، وقولهم: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ مِن باب الشكر، وهما جماعُ كلِّ الخير.

стр. 667

وقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ وصفُ أنفسهم، وقولهم: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ وصفُ ربِّهم؛ أي: منَّا النقصُ ومنكَ الكمالُ، ومنَّا الطلب ومنكَ الإفضال (١). وأفادت الآيةُ أنَّ العبدَ ما ينبغي له أنْ يَغفُل عن نقصانه، وعن فضلِ اللَّهِ وإحسانه، ولا يَأنف أنْ يقولَ: لا علم لي، فيما لا يَعلم، ولا يَكتم فيما يَعلم. وسُئل الشعبيُّ عن مسألةٍ، فقال: لا أدري، فقالوا له: أَلا تستحي، وأنتَ إمامُ العراقَيْنِ؟! قال: إنَّ الملائكةَ كانوا في الحضرة وقالوا: لا علمَ لنا، فمَن أنا (٢)! وقالوا: لا أدري، نصفُ العلم (٣). وسُئل أبو يوسف القاضي عن مسألةٍ، فقال: لا أدري، فقيل (٤) له: تَرتزِق مِن بيت المال كلَّ يوم كذا كذا (٥)، ثم تقول: لا أدري؟! فقال: إنما أَرتزق (٦) بقَدْر علمي، ولو أُعطيت بقَدْر جهلي لم يُشبعني (٧) مالُ كلِّ الدُّنيا. وسُئل أبو بكر العياضيُّ (٨) في رِباط المُرَبَّعة (٩) عن مسألةٍ وهو فوق المنبر،

стр. 668

فقال: لا أدري، فقيل له: ليس المنبرُ موضعَ الجهَّال، فقال: إنَّما علوتُ بقَدْر علمي، ولو علوتُ بقَدْر جهلي (١) لبلغتُ السماء. وحُكي أنَّ عالمًا سُئل عن مسألةٍ، فقال: لا أدري، فقال السائلُ: ليس هذا مكانَ الجهَّال، فقال: المكانُ لمن يعلم شيئًا ولا يعلم شيئًا، فأمَّا الذي (٢) يَعلم كلَّ شيءٍ، فلا مكانَ له. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿إِنَّكَ﴾ هو تأكيدُ خطاب، ﴿أَنْتَ﴾ للمبالغة في التأكيد، لأنَّه تكرير، وفيه تأكيدٌ وتقريرٌ. و ﴿الْعَلِيمُ﴾ مرَّ تفسيرُه، و ﴿الْحَكِيمُ﴾: المُحكِم الصنعةَ والمصيبُ في القول والعمل. وقال ابنُ عباس ﵄: ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي يَبلغ في العلم غايتَه، و ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يَبلغ في الحكمة نهايتَه (٣). ومعنى قولِ الملائكةِ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾: فعِلْمُنا ناقصٌ، وأنتَ العالِمُ (٤) بالكمال، والمصيبُ في الأفعال، علمتَ ما لم نَعلم، ولك الحكمةُ البالغةُ في تفضيل آدم.

стр. 669

وصفَ اللَّهُ الملائكةَ بالعلم والحكمة فنالوا بذلك المِدْحة، ونفى إبليسُ الحكمةَ في أمره بالسجدة فاستحقَّ الطردَ واللعنةَ. وقيل في ﴿الْحَكِيمُ﴾: هو الذي سوَّى وقدَّر ولا يَنقض حكمَه البشرُ. وقيل: هو العالِم بعواقب الأمور، والمطَّلع على المكشوف والمستور. * * * (٣٣) - ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: رويَ أنَّه رُفعَ على منبرٍ وأُمرَ أنْ يُنبِّئ الملائكةَ بأسماء الأشياء، فأنبأهم بها وهم جلوس بين يديه، وقيل: قيامٌ حواليه. وقال وَهْب: سمَّاها لهم، وهو ما في الأرض (١) مِن الطير والبهائم والبقاع والنبات، وما في البَرِّ وما في البحر، ثم فُتحت له السماواتُ فسمَّى أهلَ كلِّ سماءٍ بأسمائهم. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾؛ أي: أَخبرهم بها، وعَلموا فضله، وعَرفوا عجزهم. فقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ ظاهرُه استفهامٌ ومعناه التقرير؛ أي: قد قلتُ لكم، وهو كقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [البقرة: ١٠٦] وكذا كلُّ استفهامٍ

стр. 670

دخل على جحدٍ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: ما غابَ عن (١) أهل السماوات وغابَ عن أهلِ الأرض. وقيل: أي (٢): أعلمُ سرَّ أهلِ السماوات في السماوات، وسرَّ أهلِ الأرض في الأرض. وقيل: غيبُ السماوات: هو أكلُ آدم وحوَّاء مِن الشجرة التي نُهي عنها وهو أولُ عصيانٍ كان في السماء، وغيبُ الأرض: قَتلُ قابيلَ أخاه هابيلَ، وهو أولُ عصيان كان في الأرض. وقيل: غيبُ السماوات: ما قضاهُ فيها مِن أمور خَلْقه، وغيب الأرض: ما فَعلوه فيها بقضائه السابق به. وقال الإمام القشيريُّ: أي: أعلمُ (٣) ما تقاصرَ عنه علومُ الخلق مِن أهل السماء والأرض. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: ما تبدون مِن الطاعات وتَكتمون مِن النيَّات (٤).

стр. 671

وقيل: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ مِن فضل آدمَ الآن، ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مِن رؤيتكم فضلَ أنفسِكم عليه فيما كان. وقيل: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ مِن (١) قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مِن رؤيتكم فضلَكم عليه. وقال الحسن البصريُّ وقتادةُ رحمة اللَّه عليهما: (ما تكتمون) هو (٢) هاهنا ما أَضمروه في أنفسهم: لن يَخلُق اللَّهُ تعالى خَلْقًا إلَّا ونحنُ أكرمُ عليه منه (٣). وقال ابنُ عباس وابنُ مسعود وسعيد بنُ جبير: هو ما أسرَّه إبليسُ -لعنه اللَّه- مِن الكِبْر والعصيان (٤). فعلى الأول الخطابُ بالجمع لكلِّ الملائكة في الإبداء والكتمان جميعًا، وعلى هذا الأخير خطابُ الكتمان لإبليسَ؛ أي: ما تكتم يا إبليسُ، وهو وعيدٌ له، والأول خطابٌ للملائكة وهو وعدٌ لهم، وخطابُ الواحد بصيغة الجمعِ مستقيمٌ، كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ١٩٩]، أو هو خطابُ كلِّ الملائكة بكتمانِ الواحد منهم ذلك في نفسه. وقوله: ﴿مَا﴾ يجوز أن يكون اسمًا للمفعول الذي يقعُ عليه الإبداءُ والكتمانُ، ويجوز أن يكون مع الفعل مصدرًا؛ أي: يعلم إبداءكم وكتمانكم. * * *

стр. 672

(٣٤) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ نَظْمُها (١) بما قَبْلها مِن ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه لمَّا أَظهر فضلَه عليهم بالعلم، أَمرَهم بتعظيمه بسجود التحية. والثاني: أنَّه كشف بأوَّل هذه الآية ما أُجمل في ختم تلك الآية: (وأعلم ما كنتم تكتمون) وهو قصدُ إبليس. والثالث: أنَّه عطفٌ على كلِّ ما مَنَّ اللَّهُ علينا بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ إلى أن قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ وخلق أباكم وفضَّله وعلَّمه وأَمر الملائكة بالسجود له (٢). وقوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: اختلف فيهم: قيل: هم ملائكةُ الأرض الذين كانوا مع إبليسَ، طهَّر اللَّهَ تعالى بهم الأرضَ ممَّن أَفسد فيها مِن بني الجانِّ الذين أَفسدوا (٣). وقيل: هم ملائكةُ السماواتِ السبعِ. وقيل: كلُّ الملائكة؛ فقد أكَّده بقوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا﴾ فالسجودُ في اللغة: التَّطامُنُ والانقيادُ، قال سلَامة بنُ جَندلٍ:

стр. 673

هل رابنا معشرٌ (١) ممَّن نحاربهم... إلَّا أقرُّوا لنا بالفَضْل أو سجدوا وقال أبو عمرو: يقال: أَسْجد (٢): إذا طأطأَ رأسَه وانحنى، قال الشاعر: فضولَ أَزمَّتها أَسْجَدَت... سجودَ النصارى لأَربابِها (٣) وأَسجد البعيرُ: طأطأَ رأسَه، قال الشاعر: فقلنَ له أسْجِدْ للَيْلى فأَسْجَدا (٤) وسجدتِ النخلةُ: إذا تدلَّت أغصانُها ومالَت إلى الأرض. واختُلف في هذا السجود الذي أُمروا به: قيل: هو الإيماءُ دون السجود المستوفي المشروعِ في الصلاة، كالذي يَفعله الناسُ في لقاء عظمائهم مِن الخضوع والتواضع لهم؛ تشريفًا لهم (٥) وتعظيمًا.

стр. 674

وقيل: -وهو قول الجمهور-: كان بوضع الوجهِ على الأرض كما هو في الصلاة، ودليلُه قولُه تعالى في آية أخرى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]. ثم اختُلف في أنَّه كان لآدم أو للَّه تعالى (١): قيل: كان عبادةً للَّه تعالى، ومعنى قوله: ﴿لِآدَمَ﴾؛ أي (٢): إلى آدم، فكان هو قبلةً أُمروا بالتوجُّه إليها، والسجودُ كان عبادةً للَّه تعالى. وقيل -وهو الصحيح-: بل كان لآدمَ؛ ولو كان للَّه تعالى ما امتنع إبليسُ مِن العبادة للَّه تعالى، ولا فرقَ بين كون آدمَ قبلةً وبين غيرِه. ثم اختُلف أنَّه كان له على الخصوص، أو كيف كان؟: قال قتادة: كان خدمةً للَّه تعالى، حرمةً لآدم، كصلاة الجنازة عبادةٌ للَّه تعالى دعاءٌ للميت (٣). والصحيحُ أنَّه كان تحيةً لآدمَ على الخصوص، ولذلك امتَنع إبليسُ عنه، فلم يرَ آدمَ مستحِقًّا لتعظيمه فأَبى واستكبر، ولم يكن عبادةً لآدمَ؛ لأنَّ العبادةَ لا تكون (٤) إلَّا للَّه تعالى، وكان سجودُ التحية جائزًا فيما مضى ثم نُسخَ، قال اللَّهُ تعالى في قصَّة يوسف: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] ولمَّا أراد سلمانُ أن يسجدَ لرسول اللَّه ﷺ

стр. 675

مَنَعَهُ، وقال: "لا ينبغي لمخلوق أنْ يسجدَ لأحدٍ إلَّا للَّه تعالى، ولو أَمرتُ أحدًا أنْ يسجدَ لأحدٍ لأَمرتُ المرأةَ أنْ تسجدَ لزوجها" (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دليلٌ أنَّ الكتابَ يُنسَخ بالسُّنَّة، وأنَّ جوازَ السجود لغير اللَّه تعالى ثبت بقصَّة آدم وقصةِ يوسف، ثم نُسخَ ذلك بالخبر (٢). وتكلَّموا في الحكمة في الأمر بالسجود له: قيل: هو بيانُ فضلِ العلم، واستحقاقِ العالِم خدمةَ غيرِه له. وقال الإمام أبو منصور ﵀: امتحَنَهم بوجهٍ يُظهِر قَدْرَ الطاعة؛ لأنَّ الخضوعَ لمن يَعلو أمرُه ويَجِلُّ قَدْرُه أمرٌ سهلٌ، عليه طُبعَ الخلقُ، فإذا كان في نفسِ المأمور (٣) بالخضوع أنَّه دونَه في الرُّتبة، أو شكلُه فيها، اشتدَّت المحنةُ في مثله بالطاعة له والخضوع، فامتَحَنهم اللَّهُ به حتى ظهرَ الخاضعُ للَّه والمستسلِمُ لحقِّه، والمستكبِرُ في نفسه وهو إبليسُ، وعلى ذلك كان امتناعُ المستكبرين الماضين عن اتِّباع المرسلين (٤). وقيل: هو لبيانِ (٥) استغنائِه عن عبادتهم إيَّاه، أو إنكارِه (٦) عليهم قولَهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فقال لهم: لا حاجةَ لي إلى عبادتكم

стр. 676

وخدمتكم، فاخدموا عبدًا مِن عبادي لم يَخدمني كثيرَ خدمةٍ. وقالوا: قالت الملائكة: لنا فضلُ الطاعة والخدمة، وقال إبليسُ: لي فضلُ الأصل والنسبة (١)، وقال آدمُ: لي حياءُ الخطأ والزَّلَّة، فقال اللَّهُ تعالى للملائكة: إن كان لكم فضلُ الطاعة والخدمة، فلي المُلْك والغُنْية، وقال لإبليس: إنْ كان لك الأصلُ والنسبةُ، فبكِبْرك وإبائِك عليك اللعنُ والسخطةُ، وقال لآدم ﵇: إن كان منك الخطأُ والزَّلة، وبسببِ ذلك الحياءُ والهيبة، فلكَ المغفرة والرحمة. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بيَّن ﷻ أنَّ قدسَه بجلاله لا بأفعالهم، وأنَّ التجمُّل بالتسبيح والتقديس عائد إليهم، فهو الذي يُجِلُّ مَن أَجَلَّه بإجلاله، ويُعزّ مَن أعزَّه بإعزازه، جلَّ عن إجلالِ الخلق قَدْرُه، وعزَّ عن إعزازِ الخلق ذِكرُه (٢). وعن وهب بنِ مُنبِّه قال: أوَّلُ مَن سجد جبريلُ، ثم ميكائيلُ، ثم إسرافيلُ، ثم عزرائيلُ، ثم سائُر الملائكة. وقيل: أوَّلُ مَن سجد جبريلُ، فأُكرم بإنزال الوحي على النبيِّين، وخصوصًا على سيِّد المرسلين. وقيل: أوَّلُ مَن سجد لآدم (٣) إسرافيلُ، فرفع رأسه وقد ظهر كلُّ القرآن مكتوبًا على جبهتة؛ كرامةً له على سبقه إلى الائتمار. وقيل: كان هذا في الأرض.

стр. 677

وقيل: بل (١) كان في السماء. وقيل: كان كما نُفخَ فيه الرُّوحُ مِن غير تأخيرٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] والفاءُ للتعقيب. وقيل: بل كان بعد تعليمِ الأسماء وإنباءِ الملائكة بأسماء الأشياء، ودلَّ عليه نظمُ آيات هذه السورة. وذكر أبو بكرٍ النقَّاش في تفسيره الملقَّب بـ "شفاء الصدور" عن بعضِهم: أنَّ سجودَهم له كان مرَّتين: مرَّةً كان عند نفخِ الروح فيه، لتلك الآية، ومرَّة بعد إنبائهم بالأسماء؛ لنَظْم هذه السورة. وقال: هذا قولٌ مِن هذا القائلِ لم يُوافقه عليه أحدٌ، والأظهرُ أنَّه كان بعد إنبائهم بالأسماء، فأمَّا الفاء في تلك الآية، فقد تكون للتعقيب مع التراخي، كما في قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] وقولهِ تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] وكان (٢) هذا التلقِّي بعد مئتي (٣) سنةٍ أو أكثر. ومن لُطف اللَّهِ تعالى بنا أنْ أَمَرَ الملائكةَ بالسجود لأَبينا، ونهانا عن السجود لغيره، فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] نَقلَ الملائكة المقرَّبين (٤) إلى آدم وسجدَتِه، ونَقَلنا إلى سجدته وخدمته. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾ كلمةُ استثناء، واختُلف أنَّ إبليسَ أكان مِن الملائكة، أم لا؟

стр. 678

قال عليٌّ وابنُ عباس وابنُ مسعود وسعيد بنُ المسيب وابنُ جُريجٍ: كان مِن الملائكة، وكان اسمه: عزازيل، وكان مِن أشراف الملائكة، ثم أُبلس. وقال الحسن البصريُّ وقتادةُ ومقاتلٌ وشهر بنُ حَوْشبٍ وابنُ زيد: كان مِن الجنِّ لا من الملائكة؛ خُلق مِن نارِ السَّموم، وله نسلٌ وذريةٌ، وهو أبو الشياطين (١). واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] وإنَّما دخل في الأمر بالسجود مع الملائكة لا لأنَّه منهم، ولكن لأنَّه كان فيهم، وكلمة ﴿إِلَّا﴾ استثناءٌ منقطعٌ، وهو مِن خلاف الجنس، وذلك شائعٌ (٢) في اللغة، قال الشاعر: ليسَ عليك عطشٌ ولا جوعْ... إلَّا الرُّقادَ والرُّقادُ ممنوعْ (٣) وفي القرآن: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]. وقالوا أيضًا: إنَّه قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] كما قال في الجانِّ: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]. ولأنَّه أَبى واستكبر وعصى وكفر، واللَّه تعالى يقول في صفة الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. قالوا: ولأنَّه قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ٥٠] ولا نسلَ للملائكة.

стр. 679

ودليل الأوَّلين قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ كان الأمرُ بالسجود مقتصرًا على الملائكة، ثم استُثني منهم إبليسُ، والمستثنى مِن جنس المستثنى منه في الأصل، فلا يُصرَف عنه إلَّا بدليلٍ، ودليلُ دخوله في هذا الأمر قولُه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]. فأمَّا قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾: قيل: أي: صار مِن الجنِّ، كما قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]؛ أي: صار. وقال ابنُ عباس ﵄: الجنُّ قومٌ مِن الملائكة، أشدُّ الملائكةِ اجتهادًا (١). وقال ابنُ إسحاق: الجنُّ اسم للملائكة أيضًا؛ لاجْتِنانهم؛ أي: استتارِهم عن أَعيُن الناس، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وأراد به الملائكةَ، وقال أعشى بني ثعلبة في سليمانَ ﵇: وسخَّر مِن جنِّ الملائكِ تسعةً... قيامًا لديه يَعملون بلا أجر (٢) وقيل: الجنُّ: صنفٌ مِن الملائكة لا تراهم الملائكة، كما نحن لا نرى عامَّةَ الجنِّ والملائكة (٣). وقال ابنُ مسعود ﵁: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: كان خازنَ الجنَّة (٤).

стр. 680

وقولهم (١): إنَّه خُلق مِن النار. قلنا: المارجُ مِن النار: اللَّهبُ، وهو النُّورُ، والملائكةُ خُلقوا مِن نور، والنارُ اسمٌ للنُّور أيضًا، قال تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠]. وقولهم: له نسلٌ وذريةٌ. قلنا: صار له ذلك بعدما مُسخَ، ثم الممسوخ وإن كان لا يكون له نسلٌ، لكنْ لمَّا سأل النَّظِرةَ وأُنظِر، صار له نسلٌ، كما أنَّ سائرَ الممسوخات لا تبقى بعد ثلاثة أيام، وبقيَ هو لإنظاره إلى قيام الساعة، فكذا النسلُ. فأمَّا (٢) وصفُ الملائكةِ بأنَّهم لا يَعصون ولا يَستكبرون، فذلك (٣) دليلُ تصوُّر العصيان منهم، ولولا التَّصوُّرُ لَمَا مُدحوا به، لكن طاعتهم طبعٌ، وعصيانهم تكلُّفٌ، وطاعةُ البشر تكلُّفُ، ومتابعةُ الهوى منهم طبعٌ، ولا يُستنكر مِن الملائكة تصوُّر العصيان، فقد ذُكر مِن هاروت وماروت ما ذُكر. وقوله: ﴿إِبْلِيسُ﴾ قيل: هو (٤) اسمٌ أعجميٌّ ولا اشتقاقَ له، وجوازُ كون غيرِ العربي في القرآن قد مَرَّ القولُ فيه في ذِكر آدمَ. وقيل: هو مشتقٌّ مِن أَبْلَسَ يُبلس: إذا يَئِسَ (٥)، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]؛ وأَبلسَ أيضًا بمعنى: سكت (٦)، قال الشاعر:

стр. 681

يا صاحِ هل تعرفُ رسمًا مُكْرَسًا قال: نَعَم أَعْرِفُه وأَبْلَسا (١) وأَبلستِ الناقةُ؛ أي: لم تَرْع (٢) مِن شدَّة شهوةِ الفحل، وهي ناقةٌ مِبْلاسٌ. فإبليسُ يَئس بكفره وإصراره مِن رحمة اللَّه تعالى، وامتنعَ عن السجود لآدمَ كما يَمتنع الساكتُ عن الكلام، ولم يُقبل على العمل، كما لا تُقبل تلك الناقةُ على المرعى (٣). ونُصب ﴿إِبْلِيسَ﴾ على الاستثناء في الإثبات، وتُرك تنوينه لأنَّه غيرُ منصرفٍ، ومُنع صرفه للعُجمة والتَّعريف. وقوله تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ الإباء -بكسر الهمزة-: الامتناعُ، والأباء -بنصبها- مِن الأدواء، يقال: أَصابه أباءٌ، إذا كان يأبى الطعامَ. وتفسير ﴿أَبَى﴾: عتى، وقيل: امتنع، وقيل: كَره، وقيل: رَدَّ. والاستكبارُ: الاستعظام، والإكبارُ: الإعظام، والتَّكبُّر: التعظُّم، والتكبيرُ: التعظيم، والكبرياءُ: العظمة، والكبيرُ: العظيم، والكُبارُ -بضمِّ الكاف وتشديدِ الباء وتخفيفها- التعظيم (٤).

стр. 682

وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾؛ أي: واستعظم نفسَه، وقيل: استعظمَ أمرَ اللَّهِ بذلك إيَّاه، وهو كالاستنكار. وقيل في مجموع الكلمتين: ﴿أَبَى﴾ (١)؛ أي: كره السجودَ في حقِّه، واستعظمه في حقِّ آدم. وقيل: أي: امتنعَ عن الفعل، وعظَّم نفسَه عن الالتزام. وقيل في ﴿وَاسْتَكْبَر﴾: أي: عدَّ نفسَه أكبرَ مِن أنْ يخدمَ غيرَه. وقيل: أي: عدَّ نفسَه أكبرَ مِن أنْ يُؤمَر بهذا، ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ [الحجر: ٣٣] وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْ﴾ [الأعراف: ١٢]. وقالوا: لمَّا أُمروا بالسجود وسجد الملائكةُ، وامتنع إبليسُ ولم يتوجَّه إلى آدمَ، بل ولَّاه ظهَره وانتصبَ هكذا إلى أنْ سجدوا، وبقوا في سجودهم مئةَ سنةٍ، وقيل: خمس مئةِ سنةٍ، ورفعوا رؤوسَهم وهو قائمٌ مُعرِضٌ لم يَندم مِن الامتناع، ولم يَعزم على الاتِّباع، فلمَّا رَأَوه خذلَ ولم يَسجد، وهم وفِّقوا للسجود فسجدوا، سجدوا للَّه تعالى ثانيًا، فصار لهم سجدتان: سجدةٌ لآدم، وسجدةٌ للَّه تعالى، وإبليسُ يَرى ما فعلوا ولا يفعل هو (٢)، وهذا إباؤه، فغيَّر اللَّهُ تعالى صفته وحالته وصورته وهيئته وصوته ونغمته (٣)، فصار أقبحَ مِن كلِّ قبيحٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قد مرَّ القولُ في ﴿وَكَانَ﴾ وأقسامِه، ومعناه

стр. 683

هاهنا: وصار مِن الكافرين بإبائه واستكباره، وهو ردُّ الأمر لا تركُ العمل بالأمر. وقيل: أي: وكان مِن الكافرين بإبائه واستكباره في علم اللَّه؛ أي: كان في علم اللَّه عزَّ وعلا أنَّه يَكفر بعد إيمانه، لا أنْ يكون: عَلم اللَّهُ كونه كافرًا أبدًا. وهاهنا مسائلُ أصوليَّة: إحداها: أنَّ تركَ السجود لم يكن كفرًا عند أهل السُّنَّة والجماعة، وكذا كلُّ كبيرة. وقالت الخوارج: مَن ارتكب كبيرةً كَفَر واستحقَّ التخليدَ في النار. وقالت المعتزلةُ: مَن ارتكب كبيرةً خرج مِن الإيمان، ولا يَدخل في الكفر، لكن يستحقُّ التخليدَ في النار. وقلنا: لا يَصير العبدُ بصغيرة ولا كبيرة كافرًا، ولا يَخرج به (١) عن الإيمان إذا لم يستحلَّه ولم يَردَّ الأمرَ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى سمَّى المذنبين مؤمنين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] وقال عزَّ وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]. والحاصلُ: أنَّ قَبولَ الأمر إيمانٌ، والعملَ به طاعة، وتركَه معصيةٌ، وردَّه كفرٌ. ومنها: أنَّ الجبريَّةَ يقولون: لا ينفع إيمانٌ ولا طاعةٌ، ولا تَضرُّ معصيةٌ ولا كفرٌ؛

стр. 684

فإنَّ اللَّهَ تعالى لَعنَ إبليسَ مع كثرة الطاعات، وأَكرَمَ سحرةَ فرعون مع كثرة الجَفَوات، إنَّما العبرةُ لسابق العناية (١). وقلنا (٢): هذا باطلٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما لعنَ إبليسَ بكفرِه بردِّ أمرِه، وأَكرَمَ سحرةَ فرعون بالإيمان به وبذِكره. ومنها: أنَّ إبليسَ صار كافرًا بعد أنْ كان مؤمنًا عندنا. وقالت الأشعريَّة: كان كافرًا أبدًا، وهي مسألة السعادة والشقاوة، أنَّهما يتبدَّلان ويتغيَّران عندنا؛ لأنَّهما صفتا المخلوق، والإسعادُ والإشقاء لا يتبدَّلان؛ لأنَّهما مِن صفة الخالق، ولا تغيُّر على ذاته ولا على صفاته. وقالت الأشعريَّة: لا يصير السعيد شقيًّا، ولا الشقيُّ سعيدًا، وهي مسألةُ الموافاة، وعلى هذا الأصل مسألةُ إحباط العمل بالرِّدَّة، ومسألة الاستثناء في الإيمان، ودليلُ أهلِ الحقِّ قولُ اللَّهِ ﷻ : ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] وقال عزَّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٧] أثبتَ الصِّفتين على التعاقب، فلم يَجز نفيُ الأول (٣) حال وجوده بوجود الثاني في وقته. وعندهم مَن خُتم له بإيمان أو بكفر (٤) وُصف بما خُتم له به، ولا يُسمَّى بما كان قبله، ولا تحقُّق له، وهذا إنكارُ العيان وإبطالُ الحقائق.

стр. 685

فأمَّا قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فمعناه: وصار، كما في قوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]. ثمَّ إنَّما قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ولم يكن حينئذٍ كافرٌ آخر؛ لأنَّه كان في عِلم اللَّه أنَّه يكون بعده كافرون، فذكر أنَّه صار مِن الكافرين؛ أي: مِن الذين يكفرون بعده، وهذا كما في قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقولهِ خبرًا عن إبراهيم صلوات اللَّه عليه: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]. وقال الإمام أبو الحسن (١) محمد بن يحيى البشاغري (٢) ﵀: كان في علمِ اللَّهِ الأزليِّ أنَّه يَكتم عصيانَ آدم (٣) ويردُّ الأمرَ، فيصير كافرًا عند اللَّه تعالى مِن وقت الإضمار، ويصير (٤) كافرًا عند آدم والملائكة وقتَ الإباء والاستكبار. * * * (٣٥) - ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا﴾ هو عطف على قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ وفيه إضمارٌ؛ أي: خلقنا له زوجه وقلنا لهما ذلك.

стр. 686

قوله تعالى: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: ﴿اسْكُنْ﴾ أمرٌ مِن سَكَنَ الدارَ يَسكُنها سُكْنَى: إذا أقامَ فيها، ويُقال: سَكَن المتحرِّك سُكونًا، وسكَن القلبُ المُضطرِب سكينةً، والسَّكَن -بفتح الكاف-: ما يسكن إليه القلبُ، وامرأةُ الرجلِ سَكَنُه، والسكِّين يسكِّن حركة المذبوح، وسُكَّان السفينةِ: مَن يَسكنها، والمسكينُ: الفقيرُ الساكنُ عن التقلُّب. وتفسيره: ﴿يَاآدَمُ﴾ استَقرَّ، وقيل: أي: أَقِمْ، وقيل: أي: انزِل. وقوله: ﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: ﴿أَنْتَ﴾ ضميرُ المخاطب بقوله: ﴿اسْكُنْ﴾، وإنَّما أظهره ليصحَّ عطفُ اسمٍ آخَرَ عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَزَوْجُكَ﴾ لأنّ المعطوفَ لا بُدَّ له مِن معطوفٍ عليه. وقوله: ﴿وَزَوْجُكَ﴾ أي: زوجتك وهي حوَّاء. قال كعبٌ ووهبٌ وجماعةٌ: خَلَقها اللَّهُ تعالى خارجَ الجنَّة. ثم عند بعضهم كان خَلقُها في الأرض وآدمُ بين مكَّة والطائف، ثم حُملا على سرير مرصَّع إلى السماء. وقيل: بل حُمل آدمُ وحده إلى السماء، فلمَّا وصل إلى باب الجنَّة وُضعَ السرير وأُلقي عليه النُّعاس، وخُلقت حوَّاء مِن ضِلَعه اليسرى، ثم أُمرا بدخول الجنَّة. وقال ابنُ عباس وابنُ مسعود وجماعةٌ ﵃: خَلَقها اللَّه تعالى في الجنَّة بعد دخولِ آدمَ فيها، خلقها اللَّهُ مِن ضِلَع آدم (١) اليُسرى القصرى، وكان بين النائم واليقظان، ولو كان في النَّوم لم يَعلم أنَّها منه، فلم يَعطف عليها، ولو كان يقظانَ

стр. 687

تألَّم بذلك، فلم يَعطف عليها أيضًا، ولمَّا هبَّ مِن نومه، قال لها: مَن أنتِ؟ قالت (١): أنا زوجتك، خلقني اللَّهُ تعالى لك لتَسكن إليَّ وأَسكنَ إليكَ، فقالت الملائكة عند ذلك: يا آدمُ، مَن (٢) هذه؟ قال: امرأةٌ، قالوا: ولمَ؟ قال: لأنَّها (٣) خُلقت مِن المرء، لعلها قالوا: وما اسمُها؟ قال: حوَّاء، قالوا: لِمَ سُمِّيت حوَّاءَ؟ قال: لأنَّها خُلقت مِن حَيٍّ، قالوا: أَتحبُّها؟ قال: نعم، قالوا لحوَّاء: أَتحبِّينه؟ قالت: لا، وفي قلبها أضعافُ ما في قلبِه، فلهذا (٤) قالوا: فلو صدقت امرأة في حبِّها زوجَها، لصدَقت حوَّاء (٥). ولَمَّا استَحيَت عن إظهارِه بقيَ ذلك ميراثًا بين بناتها. ومن الناس مَن قال: لا يجوز أنْ يُقال: خُلقت حوَّاء مِن ضِلَع آدم؛ لأنَّه يكون نقصانًا منه، ولا يجوز القولُ بنقص الأنبياء. قلنا: هذا نقصٌ منه صورةً، وتكميلٌ له معنًى؟ لأنَّه جعلها سَكَنَه، وأَزال بها وحشتَه وحزنَه. وعن ابنِ عباس ﵄: أنَّ اللَّه تعالى أَخرج آدمَ مِن الجنَّة حين أَدخله؛ لأنَّ الأمرَ كان بالسُّكنى، والسُّكنى عاريَّةٌ، والعاريَّةُ مردودةٌ (٦) مُستردَّة.

стр. 688

ثم هذه الجنَّة كانت جنّةَ الخلد، وهي مخلوقةٌ اليوم عندنا، وقالت المعتزلة: هي غيرُ مخلوقة، والنصوصُ تُبطِل مقالتَهم. وقالوا: هذه الجنَّة كانت بستانًا بين فارسَ وكِرمان مِن أرض فلسطين. وقالوا: لا يجوز أن تكون هذه جنّةَ الخلد؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أَمرهما ونَهاهما فيها، وجنَّة الخلد لا يكون فيها أمرٌ ولا نهيٌ، ولأنَّهما أُخرجا منها، وداخلُ جنَّة الخلد لا يَخرج منها، ولأنَّهما زلَّا فيها، وجنَّة الخلد لا يقع الزَّلل فيها، ولأنَّ الشيطانَ وسوسَ إليهما فيها، ولا وسوسةَ في جنَّة الخلد. وقلنا: قد قال اللَّهُ تعالى لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] وذاك صفةُ جنَّة الخلد، وقال: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ [البقرة: ٣٨] والهبوطُ يكون مِن عُلوٍ إلى سُفلٍ، ولا يَستقيم ذلك في بستانٍ مخلوق (١) على الأرض. فأمَّا الأمرُ والنهيُ: فذاك تكليفٌ، وهو لا يَزول عن أهل الجنَّة، فإنَّهم مكلَّفون بالمعرفة والتوحيد. وأمَّا الإخراجُ منها: فإنَّ الإدخالَ كان للابتلاء لا للجزاء، وقد دخلها النبيُّ ﷺ ليلةَ المعراج ثم خرج منها. وأمَّا الزَّلل: فلهذا المعنى أنَّه كان للابتلاء لا للجزاء. وأمَّا وسوسةُ الشيطان: فلم يكن منه وهو فيها، على ما نبيِّن إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾: هذا أمرٌ لآدمَ وحوَّاء.

стр. 689

وقوله: ﴿مِنْهَا﴾، قيل (١): أي: من الجنَّة، وهي كنايةٌ راجعةٌ إلى الظاهر، وصحَّت لأنَّ المأكولَ ثمارُها، وهي مِن أشجارها وهي مِن الجنَّة. وقيل: أي: مِن الثمار، وهي كنايةٌ راجعةٌ إلى المعنى دون المذكور. وقوله تعالى: ﴿رَغَدًا﴾: يقال: رَغُدَ عيشُهم رَغَدًا، فهو رغيدٌ ورَغِدٌ ورَغَدٌ، أي: طيِّبٌ واسعٌ، وأَرْغَدَ القومُ؛ أي: أَخْصَبوا، وأَرْغدَ الرجلُ الماشيةَ؛ أي: سوَّمها، والرَّغيدة: الزُّبدة. وأمَّا تفسيره: فقد قال ابنُ عباس وابنُ مسعود ﵃: أي: هنيئًا (٢). وقال أبو عبيدة والضحاك: أي: واسعًا (٣). وقال مجاهد: أي: حلالًا لا حسابَ فيه (٤). وقيل: أي: كثير. وقال الزجَّاج: الرَّغَدُ: الكثيرُ الذي لا يُعنِّيك طلبُه (٥). وهو نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، ولذلك نُصب؛ أي: وكُلا أَكلًا رغَدًا. قوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ أي: في أيِّ بقعةٍ شئتُما مِن الجنَّة. وقيل: يعني: مِن أيِّ ثمارها شئتُما. و (حيث) اسمٌ للمكان، وأصله: حَوْث، ولذلك ضُمَّت ثاؤها لواوٍ كانت قبلها،

стр. 690

فيجوز أن يكون أراد المكانَ الذي هما فيه للأكل، ويجوز أن يكون أراد عينَ الثمر، فإنَّه مكانُ الأكل ومحلُّه، فكان تعميمُ المشيئة في ذلك. والآية ردٌّ على المتقشِّفة الذين يُحرِّمون تناولَ الأطعمة الشهيَّة، ولُبسَ الثياب السَّنيَّة، واللَّه ﷻ يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]. ثم معنى الأمرِ بهذا والشُّغلِ به -مع أنَّه اختصَّه واصطفاه وللخلافة أبداه- أنَّه مخلوقٌ، والذي يَليق بالمخلوق (١) هو السُّكون بالخلق والقيامُ باستجلاب الحظِّ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: القِربان -بكسر القاف-: إتيانُ الشيءِ، والقربُ منه: الدنو منه (٢)، يقال مِن الأول: قَرِبْتُه أَقْرَبُه قِربانًا مِن حدِّ: عَلِمَ، وهو متعدٍّ بغير صلةٍ، ويقال: قَرُبتُ منه أَقرُبُ قُرْبًا، مِن حدِّ: شَرُفَ، وهو لازمٌ ويَتعدَّى (٣) بـ (مِن). وتفسيره: لا تأكُلا مِن هذه الشجرة، فالنهيُ كان عن الأكل دون الدُّنوِّ مِن الشجرة، وإنَّما أضاف النهيَ إلى القِربان؛ لأنَّه سببُ الأكل (٤)، ويُسمَّى الشيءُ باسمِ سببِه مجازًا، ودليل أنَّ النهيَ كان عنه: أنَّ زلَّتهما كانت به (٥)، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: ١٢١] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ٢٢]. ﴿الشَّجَرَةَ﴾ واحدة: الأشجار، والشجر يكون جمعًا وواحدًا، والأرضُ

стр. 691

الشجراء (١): الكثيرةُ الشجَر، وكذا الشَّجِرة بكسر الجيم، ووادٍ شجيرٌ: كثيرُ الشجر. وأصلُ الكلمة مِن التداخل، يقال: شَجَرَ ما بين القوم: إذا اختلفَ الأمرُ بينهم، واشتَجروا: تنازَعوا، وتَشاجَر وابالرِّماح؛ أي: تطاعَنوا، والشَّجْر: مَفْرجُ الفَمِ، وهو: مدخلُ الطعام والشراب وغيرهما، والشِّجَار: خشبُ الهودج المُدخَلُ فيه، والشَّجِيرُ: الغريبُ الداخلُ بين قومٍ، فكذلك الشَّجَرةُ يتداخل أغصانُها. واختُلف في ماهية (٢) تلك الشجرة: قال ابنُ عباسٍ ومحمد بنُ كعب القرظي والحسن البصريُّ وعطية العوفيُّ (٣) وقتادةُ ومحاربُ بنُ دثارٍ ومقاتل: هي شجرة البر، وفي بعض الألفاظ: السُّنبلة التي جعلها اللَّه تعالى رزقَ أولاده في الدُّنيا. وقال السدِّيُّ وابنُ مسعودٍ وسعيد بنُ جبير وجَعْدةُ بنُ هبيرة: هي الكَرْمة؛ لافتتان أولاده بها. وقال ابنُ جُريجِ -وحكاه عن بعض الصحابة-: إنَّها التِّين. وقال عليٌّ ﵁: هي شجرةُ الكافور. وقال الكلبيُّ والدِّينوري: هي شجرةُ العِلْم؛ وهو علمُ الخير والشَّرِّ، مَن أكلها علمَ الأشياءَ التي كان لا يعلمها.

стр. 692

وقيل: عَلِما بالأكل منها ظهورَ عورتهما؛ قال تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ وما كانا يَعلمان بذلك قبل ذلك. وقال محمد بنُ إسحاق: هي شجرةُ الحَنظل. وقال أبو مالكٍ: هي شجرةُ النخلة. وقال ابنُ جُدعانَ (١): هي شجرةُ الخُلْد التي كان يتناول منها الملائكة. وقال ابنُ عباسٍ ﵄ في روايةٍ: هي شجرةُ الفردوس، وكانت في وسط الجنَّة، وفيها مِن الثمار كلِّها، وكانت أرفعَ الأشجار وأزينَها وأكملَها (٢)، وكانت ثمرتُها أحلى الثمار وأطيبَها. وقال الربيع بنُ أنس: كانت شجرةً مَن أكَلَها أحدث، والجنَّةُ لم تكن موضعَ الحدث (٣). وقال محمد بنُ عليٍّ الترمذيُّ ﵀: كان أصلُها السنبلةَ، وعليها مِن كلِّ لونٍ، وثمرها أحلى مِن العسل، وألينُ مِن الزُّبْد، وأشدُّ بياضًا مِن الثلج، كلُّ حبةٍ مِن حنطتها ككُلية البقرة. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ليس في بيانِ ماهيَتها نصٌّ قاطعٌ، ولا نعرف حقيقةَ ذلك إلَّا بالوحي (٤).

стр. 693

ولا حاجةَ بنا إلى معرفة ماهيَتها على التعيين (١)، وحاجتُنا إلى معرفة أنَّهما نُهيا عن الأكل مِن شجرةٍ. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا﴾ يجوز أن يكون نصبًا بالفاء في جواب النهي، ويجوز أن يكون جزمًا لعطفه على النهي الأول، وتقدير الأول: إنْ قَرِبتما كنتُما مِن الظالمين. وتقدير الثاني: لا تَقْرَبا ولا تكونا مِن الظالمين. والنون تسقط في تثنية الفعل وجمعِه في النصب والجزم، وعلى الوجه الأول قولُه: ﴿فَتَكُونَا﴾؛ أي: فتصيرا، وعلى الوجه الثاني على حقيقته: ولا تكونا (٢). وقوله: ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: الظُّلْمُ: وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعه، والظُّلْمُ: الجَور، والظُّلْمُ: النَّقصُ، والظُّلْمُ: الضَّررُ بالنَّفس، والأرضُ المظلومةُ: التي لا يُمكِن الحفرُ فيها إلَّا بشَّدةٍ (٣)، فكأنَّ الحفرَ وُضعَ في غيرِ موضعه، قال الشاعر: والنُّؤي كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ (٤) النُّؤي: الحُفيرةُ حول الخِباء، والجَلَد: الأرض الصُّلبة، والمظلومة: الجارية المفترَعةُ (٥) قبلَ الأوانِ. وأمَّا التفسير:

стр. 694

فقد قيل: أي: مِن الضارِّينَ لأنفسكما (١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨]. وقيل: أي: مِن الناقصينَ حظوظَكما، كما في قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]. وقيل: أي: مِن الواضعِين أنفسَكما في غيرِ موضعهما. * * * (٣٦) - ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾: زلَّ عن المكان زَلَلًا وزَليلًا؛ أي: زَلِقَ، وأَزلَّه (٢) غيرُه؛ أي: أزلقه، والزَّلزلة: التحريكُ مِن ذلك، وأَزَلَّ (٣) إلى فلانٍ صنيعَةً، أي: أَسداها إليه، والزُّلال: الماءُ العذبُ الذي يَسْهلُ جرَيانُه إلى الحَلْق، والزَّلل: الخطأ، والزَّلَّة: الخطيئة، وهي الزَّوال عن الصواب مِن غير قصدٍ. وتفسيرُه هاهنا: حمَلهما على الزَّلَّة؛ أي: بطريق التسبُّب، وهو (٤) بالوسوسة وبالغرور وبالدُّعاء، قال اللَّهُ تعالى خبرًا عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢].

стр. 695

وقرأ حمزة: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ مِن الزوال (١)؛ أي: سبَّب سَبَب (٢) خروجهما عنها. وقيل: أي: دعاهما إلى الزَّلل وإلى إتيان ما أَوجب خروجَهما عنها. وقوله: ﴿عَنْهَا﴾ قيل: عن الجنَّة، وقيل: عن الشجرة، وقيل: عن الطاعة. وذلك كلُّه على قراءة حمزةَ ظاهرٌ (٣). وأمَّا على قراءة العامَّة، فالإزلالُ عن الجنَّة والشجرة يكون تنحيةً عنها بالتسبُّب (٤) الذي قلنا، وعن الطاعة يكون بالزَّلَّة، وهي: التنحِّي عن الطاعة مِن غير قصدٍ، ومعناه: أنَّهما وقعا في زلَّةٍ بدعوته وهي الأكلُ مِن الشجرة. وقصَّتُه: ما ذَكر الكلبيُّ في تفسيره، قال: لمَّا نظر إبليسُ -لعنهُ اللَّهُ- إلى ذلك حَسَدهما، وكان أُهبط إلى الأرض، فاحتال أنْ يَفتنَهما، فعرَض نفسَه على كلِّ دابَّةٍ أنْ تَدخلَ به في صورتها، فأَبَت عليه إلَّا (٥) الحيَّة، وكانت أحسنَ دابَّةٍ في الجنَّة خَلْقًا، وكانت كهيئة البعير؛ تمشي على أربعِ قوائم، ليس في الجنَّة دابَّةٌ أحسنَ منها، فيها مِن كلِّ لونٍ، فلم يَزل إبليسُ يَستدرجها حتى أطاعَته، فدخل بين لحييها وقام في رأسها، ثم أتى بابَ الجنَّة، فقام عنده (٦) فنادى: يا آدم ويا حوَّاء، فأجاباه (٧)، فقال: ماذا أَمَركما ربُّكما، وماذا نهاكما عنه في الجنَّة؟ قالا: أَمَرنا أنْ نأكلَ مِن شجرةِ الفردوس كلِّها

стр. 696

غيرَ هذه الشجرة الواحدة. فقال: ما نَهاكما ربُّكما عنها (١) إلَّا أْن تكونا مَلَكين تَعلمان الخيرَ والشَّرَّ، أو تكونا من الخالدِين لا تموتان، وإنِّي أُقسِم لكما إنِّي لكما لمن الناصحين، مَن أكل منها لم يَمُت، مَن أكل منها لم يَمُت (٢)، وأيُّكما أكلَ قبل صاحبه كان هو المسلَّطَ على صاحبه. وكذبَ عدوُّ اللَّهِ في ذلك، وسبقت حوَّاء إلى الشجرة، فقالت: يا آدم (٣) خُذ، فقال: ويحكِ! أَمَا تعلمينَ أنَّ اللَّه قد نهانا عنها وأَوعد العقوبة عليها؟ فقالت: يا آدم، أَلم (٤) تَعلم سعةَ رحمة اللَّه تعالى، فأَكلت منها وأَطعمتْ آدمَ فأكل (٥)، فلمَّا وصل إلى بطونهما تَهافَتَ عنهما لباسُهما، وكان لباسُهما النور، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢] فأَبصرَ كلُّ واحدٍ منهما مِن صاحبه ما وُوريَ عنه مِن عورته قبل ذلك. كذا ذكر هاهنا، لكن الصحيح أنَّ كلَّ واحدٍ منهما رأى عورةَ نفسه لا غير (٦)؛ فقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١] وقال تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠]، ومقابلةُ الجمعِ بالجمع يقتضي مقابلةَ الفرد بالفرد، كقولهم: ركبَ القومُ (٧) دوابَّهم، ولَبسوا ثيابَهم، ونحو ذلك. قال الكلبيُّ عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ﵄: دخل آدمُ وحوَّاءُ الجنّةَ ولباسُهما النور، وعليه إكليلٌ مِن ذهبٍ مكلَّلٌ بالدُّرِّ والياقوت، ومِنْطَقة مكلَّلةٌ

стр. 697

بالدُّرِّ والياقوت، وخلخالان مكلَّلان بالدُّرِّ والياقوت، وسواران مِن ذهبٍ مكلَّلان بالدُّرِّ والياقوت، وسواران مِن لؤلؤٍ، ودُمْلجان (١) مكلَّلان، فلمَّا أكلا مِن الشجرة ذهب عنهما ذلك، فاستَحْيَيا وهربا إلى ورقِ التين يُلْزِقان بعضَه ببعضٍ يغطِّيان عورتَهما (٢)، فذلك قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٢]. وقال الإمام القشيريُّ: لا مكانَ أفضلُ مِن الجنَّة، ولا بشرَ أكيسُ مِن آدم، ولا نصحَ أبلغُ مِن نصح اللَّه، ولا عزمَ أشدُّ مِن عزيمة آدم، لكنَّ القَدَر لا يكابَر والحُكمَ (٣) لا يعارَض. وقال: لمَّا (٤) كان آدمُ وحده، كان بكلِّ خيرٍ وعافيةٍ، فلمَّا جاء الشَّكْل ظَهر بابُ الفتنة وفُتح بابُ المحنة، وحين ساكَنَ حوَّاءَ أطاعها فيما أشارت إليه مِن الأكل، فوقع فيما وقع، ولقد قيل: داءٌ قديمٌ في بني آدمَ... صبوةُ إنسانٍ بإنسان (٥) ثمَّ الكلامُ هاهنا في كيفيَّة الإزلال مِن إبليس لعنه اللَّه، وفي صفة زلَّة آدمَ ﵇:

стр. 698

أمَّا الأول: فقد قيل: ناداهما وهو في الأرض. وقيل: ناداهما وهو على باب الجنَّة لا فيها -فإنَّه لم يكن مِن أهل دخول الجنَّة؛ لأنَّها محرمةٌ على الكفَّار، واللَّهُ تعالى أوصل صوتَه إليهما- وقال لهما: ماذا أَمركما ربُّكما، إلى أنْ قال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]. وقال هؤلاء: وقول إبليس: ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ -وهي إشارةٌ إلى بعض الشجرة- لا يدلُّ على أنَّه كان في الجنَّة بحضرة الشجرة، بل هي إشارةٌ إلى الشجرة التي ذكَرا؛ أي: عن هذه الشجرة التي قُلْتُما. وقال جماعةٌ: دخل في رأس الحيَّة، والحيَّة دخلت الجنَّة كما روينا، ولا يكون هذا دخولًا منه الجنَّة، كما كان الكفار مِن ذرِّيّة آدمَ في صُلْب آدم وهو في الجنَّة، ولم يكن ذلك دخولَ الكفار الجنَّة، واحتجَّ هؤلاء أنَّه خاطَبَهما وقاسَمَهما وراجعهما الكلامَ، وذاك لا يكون إلَّا بالحضرة. وسُئل أبو الحسن الرُّسْتُغْفَنيُّ (١) عنه فقال: لا نَشهد (٢) بدخوله فيها؛ لعدم الدليل القطعي، فإنْ ثبت لم يَبعُد؛ إذ دخولُه كان يزيد له في التلهُّف والحسرة. وقال الحسن البصريُّ ﵀: أَوصَلَ إليهما الوسوسةَ مِن الوجه الذي جُعل له (٣).

стр. 699

وقالوا: هذا كوَسْوسته (١) اليومَ في قلوب جميعِ أهلِ الدُّنيا في حالةٍ واحدةٍ، ولو لم يكن ذلك إلَّا بالحضرة لم يكن في حالةٍ واحدةٍ يقع ذلك في جميع القلوب. وقالوا: هو كقبض عزرائيل الأرواحَ مِن بني آدم، وهم (٢) في مواضع مختلفةٍ وهو في مكانٍ واحدٍ. واختلف أيضًا في كيفيَّة وسوسته في قلوب الناس: فقيل: يجري منهم مجرى الدم (٣) كما روي. وقيل: هو واقعٌ (٤) في صدورِهم منه على ما شاء اللَّه مِن غيرِ دخولٍ منه أو حضورٍ. والإمام أبو منصورٍ ﵀ يقول: نقل إلينا أنَّه يوسوس ولم يُنقل إلينا كيفيتها. فنقول: يوسوسُ، فنتحرَّز (٥) منه ولا نبحث عن كيفيته، ولا نقطع القولَ بشيءٍ فيه بلا دليلٍ. قال: وكلُّ معنًى يدعو إلى الباطل ويَحجب عن الحقِّ فهو عمل الشيطان يجب التعوُّذ منه والفزعُ إلى اللَّه تعالى وإنْ لم نعلم حقيقةَ كيفيته، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِمَّا

стр. 700

يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] (١). وأمَّا صفةُ زلَّة آدمَ ﵇؛ فقد ذكر الإمام أبو منصورٍ ﵀ أنَّ الحسنَ البصريَّ قال: إنَّه تعمَّد ذلك، وقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ كان نسيانَ تضييعٍ لا نسيانَ ذكرٍ؛ لأوجُهٍ: أحدها: ما جرى في حكمِ اللَّه تعالى مِن العفو عن النسيان الذي هو تَركُ الذِّكر، وأنْ لا يَلحقَ صاحبَه اسمُ العصيان، وقد أُخذ هو به ووُصف بأنَّه عصَى وغوى، وقد تقدَّم في خطابهما: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ولأنَّ عدوَّه قد ذكَّره لو كان ناسيًا، حيث قال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠]، ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢١]، ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُور﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولو كان نسيانَ ذِكرٍ لَمَا اغترَّا بالقَسَم، وهو كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وفسَّر هو قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]؛ أي: لم نَجده مِن أولي العزم والثبات على حفظ الأمر والنهي (٢). وهذا كلُّه وحشٌ مِن الكلام لا يجوز أنْ يُوصف بمثله (٣) الأنبياءُ؛ فإنَّ اللَّه تعالى اصطفاهم واختارهم على علمٍ بهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وفي حقِّ آدمَ ذكَر خصائصَ وكراماتٍ ومراتبَ ومقاماتٍ يجب تَنزيهُه

стр. 701

معها عن مثلِ هذه الصفات، والنسيانُ حقيقتُه (١): زوالُ الذِّكْر، والتضييعُ مجازٌ. ويقرِّرُ هذه الحقيقةَ قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وهو القصدُ وضعًا. وما يقول: إنَّ العدوَّ ذكَّره ذلك؟ قلنا: لكثرة ما جرى بينه وبين عدوِّه مِن التراجع اشتغل قلبُه بوجود الدِّفاع له، والفكرِ في أسباب نجاته، والتخلُّصِ من (٢) مكائده، حتى أنساهُ ذلك ذكرَ العهد. ثم إنَّما (٣) كان النسيانُ في حقِّ غيرِه عذرًا، وهو عُوتب بذلك ولم يُعذَر به؛ لأنَّ آدمَ -صلوات اللَّه عليه- لم يكن امتُحنَ بأنواعٍ مختلفةٍ يتعذَّر عليه وجهُ الحفظ في ذلك، وإنَّما امتُحن بالانتهاء عن شجرةٍ واحدةٍ بالإشارة (٤) إليها، فجائزٌ أنْ لا يُعذر في مثله. وغيرُه لهم أشغالٌ كثيرةٌ يتعذَّر عليهم التحفُّظ، فعُذروا بها، وكذلك فيما بيننا إنَّما يُعذر الإنسان به فيما يَكثر به النوازل، أَلا ترى أنَّه يُعذر بالسلام في الصلاة، وتركِ التسمية في الذبيحة، والأكل والشربِ ناسيًا في الصوم، ولا يُعذر بالأكل (٥) في الصلاة ولا بالجماع (٦) في الحجِّ لهذا.

стр. 702

والثاني (١): أنَّه جائزٌ أخذُ الأخيار ومعاتبةُ الكبار بالأمر الخفيف اليسير الذي لا يُؤخذ (٢) بمثله غيرُه؛ لكثرة نِعَمِ اللَّهِ تعالى عليهم وعظيمِ منَّته عندهم، كما أُوعدوا بتضاعُف العذاب على ما كان لغيرهم، وهو كحالِ يونسَ النبيِّ ﷺ ؛ فارق قومَه لِمَا عاين (٣) مِن المناكير فيهم، وفعلُه مِن غيره أَحمدُ ما يوصَف به. وكذلك عُوتب نبيُّنا محمدٌ ﷺ بما خطر بباله مِن تقريب رؤساء الكفرة إشفاقًا عليهم وحرصًا على إسلامهم، ويُعدُّ ذلك مِن غيره مِن خصال الخير. والثالث: أنَّه إنَّما عُوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به ولمثْلِه خلَقه، حيث قال: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [البقرة: ٣٠] لكنَّه بكرمه عوَّد خَلْقه تقديمَ إحسانه وإيلائه (٤) على محنته وبلائه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. ثم في ذلك أبلغُ زجرٍ لغيره، وفيه تعظيمُ خَطَر الذنوب في القلوب، فإنَّ أبا البشر، والمخصوصَ بالخلافة وسجودِ الملائكة، والمخصَّصَ بالعلم، عُوتب بهذا القَدْر مِن الزَّلَّة؛ ليَعلَمَ [الخلقُ] أنَّه ليس في أمر اللَّه تعالى هَوادةٌ، ولا في حُكمه محاباةٌ، فيكونوا (٥) أبدًا على حذرٍ وخِيفةٍ، ويفزعوا (٦) إليه بالعصمة عمَّا يُوجب المقتَ والعقوبة.

стр. 703

ويحتمِل أن يكون حَفِظ النهيَ، لكن خَطَر بباله أنَّه ليس بنهي تحريم، فإنَّه يكون على وجوهٍ، وذلك النهيُ وإنْ كان مقرونًا بقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وذلك دلالةُ التحريم، لكن يحتمِل أنَّه حَفِظ النهيَ لكن نسيَ هذا الأمر (١)، فاشتَبه عليه وجهُ النهي، فإنَّه قد يكون للتحريم، وقد يكون لإيثار غيره عليه مع حلِّه، وقد يكون لداءٍ فيه وضررٍ عليه، فيكون نهيَ رحمةٍ لا نهيَ حرمةٍ، فسبق إلى وهمه ذلك، وتَحمَّل الضررَ لنفعٍ رجاهُ وطَلَبه. ويحتمل أنَّه حفظ قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ولكن وقع عنده أنَّه ليس بظلمِ التعدِّي، بل هو ظلمُ نقصانٍ وإضرارٍ بأنفسهما، وتَحمَّل ذلك؛ لِمَا ذكرنا. وإيقاعُ بعض هذه الوجوه في قلبه كان مِن وسوسة الشيطان، لكن ظنَّه إلهامًا لا وسوسةً؛ لانه كان لا يعاينُه، فصار كالناسي للنهي وإن كان حافظًا (٢). ووجهٌ آخر مِن تأويله: أنَّ النهيَ كان مضافًا إلى الشجرة (٣) بعينها، والمرادُ هي وأجناسُها، كما رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ خرج وفي يده حريرٌ وذهبٌ، وقال: "هذان حرام (٤) على ذكور أمتي حِلٌّ لإناثهم" (٥)، وكما يقول الطبيبُ للمريض: لا تَأكُل مِن هذا الطعام فإنَّه يضرُّك، ويريد به عينَه وأمثالَه، فوقع عنده أنَّ النهي عن عينه لا غيرُ.

стр. 704

وانضاف إلى هذا أشياءُ أُخَرُ؛ مِن طول المدَّة، وميلِ الطبع إلى المأكول، وزيادةِ زينةٍ (١) ولطافةٍ كانت في الشجرة، فكانت داعيةً إليها. وسبقت (٢) حوَّاءُ إلى الأكل ولم يَظهر عليها شيءٌ، ولم يُرَ قبلها عاصيًا إلَّا إبليس وقد عوقب كما عصى، فاجتهد فوقع اجتهاده على أنَّ حكم النهي مقتصرٌ على هذه الشجرة، أو أنَّ النهيَ قد ارتفع، ولم يَجز له هذا الاجتهاد؛ لأنَّه كان في موضعِ وجودِ النص، فإنَّ الوحي (٣) لم يكن منقطِعًا، وعُذر فيه لأنَّه لم يكن سَبق له النَّهيُ عنه، ولم يُعذر في الأكل لأنَّ النهيَ كان سَبق عنه. ثم أئمَّة سمرقندَ ﵏ لا يُطلِقون اسمَ الزَّلَّة على أفعال الأنبياء؛ لأنَّها نوعُ ذنبٍ، ويقولون: فعَلوا الفاضل وتركوا الأفضل، فعُوتبوا عليه. وأئمَّة بُخارى ﵏ أَطلقوا هذه اللفظةَ لقضيَّةِ قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ أي: استزلَّهم، وفسَّروها بأنَّها فعلٌ يقع مخالفًا للأمر مِن غير قصدٍ إلى الخلاف منهم قبل الفعل، ولا علمٍ لهم بأنَّه خلافٌ حالةَ الفعل، ولا إصرارٍ منهم عليه بعد الفعل (٤)، كزلَّة الماشي في الطين لا يقع عن قصدٍ منه إليها ولا ثباتٍ منه عليها. وقال القشيريُّ ﵀: أصبح آدمُ محمودَ الملائكة، مسجودَ الكافَّة، على رأسه تاجُ الوُصلة، وفي وسطه نطاقُ القُربة، وفي جِيده قلادةُ الزُّلفة، لا أحدَ فوقه في الرُّتبة، ولا شخص مثلُه في الرِّفعة، يتوالى عليه النداءُ في كلِّ لحظةٍ: يا آدم يا آدم،

стр. 705

فلم يُمْسِ حتى نُزعَ عنه لباسُه، وسُلب استئناسُه، وتبدَّل مكانُه، وتشوَّش زمانُه، قال الشاعر (١): فأَمِنتُه فأتاح لي مِن مَأْمَني... مَكْرًا كذا مَن يأمن الأحبابا (٢) وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾: أي: سبَّب الشيطانُ (٣) خروجَهما؛ وهو الوسوسةُ التي بها زلَّا، فأُمرا بالخروج، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وقولهِ تعالى: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: ١١٠] وقولهِ تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥]. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا كَانَا﴾ قال محمد بنُ قيسٍ: أي: مِن اللباس الذي كانا فيه حتى بَدَت لهما سوآتُهما. وقيل -وهو قول الأكثر-: أي: مِن الجنَّة، وإنَّما قال: ﴿فِيهِ﴾، ولم يقل: فيها؛ صرفًا إلى قوله: (ما). وقيل: أي: مِن الحال الذي كانا فيه، يعني: مِن النِّعمة والراحة إلى البلاء والشِّدَّة. وقيل: أي: مِن الطاعة إلى الذلَّة (٤). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾: الهُبوطُ: الانحدارُ، والهَبوط -بالفتح-: الحُدور، وهَبَطَ لازمٌ ومتعدٍّ، ودلَّت الكلمةُ أنَّهما كانا في جنَّة الخُلد حيث أُمرا بالانحدار؛
следующие страницы →