﴿كَاظِمِينَ﴾: أي: ساكتين على امتلائهم مِن الغَمِّ، نصبٌ على الحال.
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾: أي: قريب ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؛ أي: ولا شافع يُجاب.
* * *
(١٩) - ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: أي: يعلم يوم القيامة ما كان منهم مِن خيانة الأعين وإخفاء الصُّدور.
والخائنةُ بمعنى المصدر؛ كالكاذبةِ في قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، واللَّاغِيَةِ في قوله: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١]، وكقولهم: سمعتُ راغِيَةَ الإبل وثاغِيَةَ الغنم (١).
وخائنةُ الأعين: هي ما ينظر إليه الإنسان مُسارَقةً مِن حيث يرى مَن حضرَه أنه ليس بناظر إليه.
وأصلُ الخيانة: الإخفاء لِمَا لا يحب الخائن إظهارَه.
وقيل: الخائنة: نعت للنَّظْرة، أو الإشارة، أو الغَمْزَة، ونحوِها.
وقيل في الجَمْع بين الكلامين: هو أنْ ينظر إلى أجنبية بشَهْوةٍ مُسارقةً، ثم يتفكَّرَ بقلبه في حالها وجمالها، ولا يعلمُ بنَظْرته وفِكْرته مَن بحضرته، واللَّه تعالى عالمٌ بذلك كله.
وقال ابن عباس ﵄: هذا رجل يكون في القوم، فتمُرُّ بهم المرأة،
стр. 6407
فيلحَظُها إذا غفَلوا، ويغُضُّ بصره إذا نظروا (١)، ويُريهم أنه لا يلحَظُها (٢).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: خائنةُ أعين المُحبين استحسانُهم شيئًا، ولذلك قالوا:
يا قُرَّةَ العين سَلْ عيني هل اكتحَلَتْ... بمَنْظَرٍ حسَنٍ مذْ غِبْتَ عن عيني (٣)
وقال آخر:
فقلت إذا استحسنَتْ غيركم... أمرتُ الدُّموعَ بتأديبها (٤)
ومنها (٥): أنْ يأخذهم السُّبَات في أوقات المناجاة؛ وفي الخبر: كذبَ مَن ادَّعى محبَّتي، فإذا جنَّه الليلُ نام عني (٦).
стр. 6408
ومنها: أنْ يكون لهم عِلْم بقلوبهم بما تقع عليه عيونهم، ينظرون ولكنْ لا يُبصرون.
ومنها: أن تخرج منها قَطْرَةُ دمعٍ تأسُّفًا على مخلوق يفوت في الدنيا والآخرة، وعلى أنفسهم (١).
* * *
(٢٠) - ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾: يُجازي العباد على العمل والنَّظْرة والفِكْرة في الخير والشر ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾؛ أي: والذين يعبدونهم مِن دون اللَّه لا يَقْدِرون أنْ يَقْضوا بشيء.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: أي: إنما يقوم بالجزاء على الأعمال مَن لا يخفى عليه شيء مِن المرئِيَّات والمسموعات، واللَّهُ تعالى سامعٌ كلَّ مسموع، ومُبْصِرٌ كلَّ مُبْصَر، فهو القائم بذلك، والأصنام ليست لها هذه الصفة، فليس لها هذا الاستحقاق.
* * *
(٢١) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا استفهام بمعنى الإثبات؛ أي: قد ساروا في الأرض.
стр. 6409
ثم خوَّفَهم عقوبة الدنيا بعد أنْ خوَّفهم عقوبة العُقْبى، فقال:
﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: وذلك أنهم كانوا يمرُّون بديار (١) عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم في جِوار بلادهم، وكان شأن بعضهم معلومًا عندهم عِيانًا وخَبَرًا.
وقولُه تعالى: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: في أبدانهم، وعلى أعدائهم بعُدَّتِهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: قيل: أي: وأكثرَ آثارًا مِن الأبنية ونحوها؛ كما قال في آية أخرى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]، وجمَعَ بينهما بوصف واحد، وما قلناه مُضْمَر، وهو نظير قول الشاعر:
علَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا (٢)
أي: وسقيتُها ماءً باردًا.
ويحتمِل الوصفَ بغير إضمار، ووصْفُ الآثار بالشِّدَّة لِمَا أنها كانت في الجبال ومِن الحجارة، ووحَّدَ القوَّةَ، وجمَعَ الآثار؛ لأنَّ القوةَ مصدرٌ، والأثرَ اسمٌ.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: عاقبَهم وأهلكَهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾: أي: ولم يكن لهم شيء مِن الأشياء يَقيهم عذاب اللَّه، وهو معنى ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنْ وَاقٍ﴾.
أي: فهؤلاء المشركون الذين هُم دونهم، فهم أولى ألا يقِيَهم شيء.
стр. 6410
(٢٢) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا﴾: هذا العذاب الذي أحلَّه اللَّه بهم؛ لأنَّهم كذَّبوا الرسل، وجحَدوا الآيات ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾.
﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ﴾: عزيزٌ قادرٌ على كل شيء ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: إذا عاقب.
* * *
(٢٣ - ٢٤) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: أي: ومِن الذين مِن قبلهم هؤلاء، وكان تكذيبهم كتكذيب هؤلاء.
﴿بِآيَاتِنَا﴾: أي: بالعلامات الدالَّة على صدقه، وهي المعجزات.
وقولُه: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: قيل: هي المعجزات أيضًا، ووُصِفَت المعجزات بوصفين: أحدهما: أنها ظاهرات، والثاني: أنها قاهرات.
وقيل: البيِّنات (١) أمور الشرع.
وقيل: الآيات: آيات التوراة، والسلطان المبين: المُعجزة إلى فرعون وهامان وقارون، خصَّهم بالذِّكْر؛ لأن فرعون كان ملِكَهم، وهامانَ وزيرَه، وقارونَ صاحبَ الأموال والكنوز، وكان موسى مبعوثًا إلى كل القوم، لكنهم مُدبِّرو أمورِهم، فكان خطابُهم خطابَهم.
стр. 6411
﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ﴾: أي: هو ساحر، موَّهوا بذلك على قومهم حين أتى بالمعجزات لئلَّا يتَّبِعوه، وقالوا أيضًا: ﴿كَذَّابٌ﴾: للتَّنْفير، يَعْنون: في دعوى الرسالة والدعاء إلى التوحيد.
* * *
(٢٥) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: وهو التوحيد الذي يحِقُّ أنْ يُعتقَدَ.
وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالصدق فيما أَخبرَ عنه.
وقيل: أي: بالمعجزة.
﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: لئلا يعتضِدوا بمَن ينشَأُ مِن ذُكْران (١) أولادهم.
﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾: أي ة واستَبْقُوا بناتهم؛ إذ لا يقع بهن اعتِضادٌ، ولأنَّا ننتفِعُ (٢) بخدمتهن.
وكان هذا قتلًا واستحياءً غيرَ الأول الذي كان قبل مجيء موسى.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: أي: فأبطلَ اللَّه كيدَهم، وما كيد الكافرين إلا في بُطْلان؛ أي: لم يحصل غرضهم بما دَبَّروا، بل حاق ذلك بهم ودُمِّروا.
* * *
стр. 6412
(٢٦) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾: أي: همَّ بقتل بموسى، فمنعَه مَن منَعَه مِن ذلك، فقال: دعوني أُمْضِ رأيي في موسى بقتله.
أي: ولا يهولنَّكم ما يذكُره مِن أمر ربه، وأنه يستجيب دعاءه، ويَصْرِف البلاء عنه.
﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾؛ أي: وليفعل ما يقول، فإنه لا حقيقةَ له، وأنا الرب الأعلى.
وقولُه تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾: إنْ لم أقتُلْه أنْ يكثُرَ مُستَجِيبوه بسِحْره وتمويهه، فيَغلبَ دينُه على دينكم.
﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم (١): ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ﴾؛ أي: أخافُ أحد أمرين: إما غلبَتهم عليكم في الدين، فيُصيِّروا أهل الأرض كلِّها على دينه، وإما التعارض بين الفريقين والتَّحارُب والتَّقاتُل، وهو الفساد.
وقرأ الباقون: ﴿وأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (٢): أي: وأخاف تبديل الدِّين، ووقوع الاختلاف بين الناس، وهو الفساد.
وقيل: هو فساد القلوبِ، وقطعِ الأرحام.
* * *
стр. 6413
(٢٧) - ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾: أي: ولمَّا سمع موسى قولَ فرعون هذا أو بلَغَه منه ذلك قال لقوم فرعون: إني استعذْتُ باللَّه الذي هو ربي وربكم، لا كما تقولون: إن فرعون ربكم.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾: وفرعون كذلك، فأعوذ باللَّه منه.
وعمَّ بقوله: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ استعاذة منه، ومِن آلهِ، ومِن كل عدوٍّ يكون في وقته أو بعده.
وفيه بيانُ أنَّ الواجب على العبد أنْ يستعيذَ باللَّه مِن كلِّ عدوٍّ، ويستعينَ به في دَرْك كل مَرْجُوً.
* * *
(٢٨) - ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾: قال ابن إسحاق ﵀: اسمه حبيب (١)، وقيل: سمعان (٢).
وقال الضحاك: هو خربيل (٣).
стр. 6414
وقال وهب: خربيال (١).
وكان خازنَ فرعون مئة سنة.
﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: قيل: مِن أهل بيته.
وقيل: ابن عمه، وهو قول مقاتل (٢).
وقيل: هو مِن آل موسى.
فأما قوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، فهو مؤخَّر، معناه: يكتُمُ إيمانه مِن آل فرعون.
وقال وهب ﵀: امرآتُه ماشطةُ بناتِ فرعون أظهرت الإيمان فقتلَها فرعون، وذبحَ أولادها قبل قتلها على وجهها، فتكلَّمَتْ أوداجُهم: يا أماه (٣)! أبشِري بجنة ربكِ، فاصبري إنكِ على الحق، واعلمي أنَّ عذاب ربك أشدُّ مِن عذاب فرعون وقومه (٤).
ثم أظهرت آسيةُ إيمانها، فقتلَها بعدما (٥) قتلَ الماشطة، وأظهر خربيل إيمانَه، وجادل فرعون وقومَه بعد كتمان إيمانه مدةً، وقتله فرعون مع السَّحَرة.
стр. 6415
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾: أي: بأنْ يقول، وهذا القول لا يُوجب القتل.
﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: بالحُجَج والمعجزات.
والحُجَج: ما ذُكِر في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] الآيات، وأما المعجزات: فهي اليد والعصا ونحو ذلك.
﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾: أي: وَبالُ كذِبِه.
قيل: أي: يُقتل إذا تبيَّنَ كذِبُه، فأما قبل التَّبيُّن فلا تقتلوه.
﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾: قيل: أي: كلُ الذي يعِدُكم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣]: أي: كلَّه، وهو كقول الشاعر:
قد يُدرِك المُتأنِّي بعضَ حاجتِه... وقد يكون مِن المستعجِلِ الزَّلَلُ (١)
وقال لَبيد:
تَرَّاكُ أمكنةٍ إذا لم أَرْضَها... أوْ يعتلِقْ بعضَ النُّفوس حِمامُها (٢)
أي: كلَّ النُّفوس.
وقد جاء كلٌّ في إرادة البعض؛ كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
وقيل: كان موسى ﵇ قال: إن العذاب على مَن كذَّب وتولَّى، وهذا
стр. 6416
عامٌّ، والذين خاطبهم خربيل ومَن آمن معه كانوا بعضَ الكل، فما يُصيبهم يكون بعضَ ما يُصيب الكل.
وقيل: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾: في الدنيا، وكمالُه في الآخرة، وهذا تخويفٌ لهم بالعاجل.
وقيل: كان يعِدُهم العذابَ إنْ كذَّبوه، والثوابَ إنْ صدَّقوه، فكان العذابُ بعضَ ما كان يعِدُهم، والوعدُ يقع على النوعين، قال تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢].
وقيل: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾: عاجلًا إذا قتلتُموه، ثم يترادف عليكم العذاب حتى يُصيبَكم كلُّ ما يعِدُكم.
وقيل: هو ترقيق الكلام؛ أي: إذا أصابكم البعض مما يقول ففيه كِفايةٌ، فلا تقومون له.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: يتَّصِل بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾؛ أي: يتبيَّنُ كذِبُه بالامتحان، إنَّ اللَّه لا يهدي إلى الصواب مَن هو مُسْرفٌ مُتَعَدٍّ لحدوده بالافتراء عليه والكذبِ فيما يُضيفه إليه.
* * *
(٢٩) - ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا﴾: أي: أنتم اليوم ملوك هذه البلاد، لكم الغلَبةُ على أهلها، تُصَرِّفونهم على ما تريدون، ويُطيعونكم فيما تأمرونهم، فهل فيكم وفيمَن تملكونهم مِن الناس
стр. 6417
مانعٌ مِن عذاب اللَّه إنْ جاءنا؟! أي: إنْ كان موسى صادقًا، فأصابنا ما وعدَنا، وهو قولُه:
﴿مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾: أي: فإذا لم يكن لكم ناصر، فلا معنى للتعرُّض لِمَا لا يُمكننا دَفْعُه.
هذا الرجلُ كتَمَ إيمانه مدةً حين خاف على نفْسه، فدلَّ ذلك على أنه يُباح إخفاءُ الإسلام وإظهارُ كلمة الكفر عند خوف الهلاك على نفْسِه (١).
وحين رأى قَصْدَهم قَتْلَ موسى أظهرَ اللَّه ذلك وحاجَّهم؛ لأنَّه رجا أنْ يكون في ذلك نجاةُ موسى وإنْ كان فيه هلاكُ نفْسِه، وذاك واجب، وهو السَّعْي في دفع الهلاك عن الأنبياء.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾: أي: ما أُبَصِّرُكم (٢) صوابَ قَتْلِ موسى إلا وهو صوابٌ عندي في رأيي.
وقيل: أي: ما أختارُ لكم إلا ما أختارُ لنفْسي.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: وهو ما أقول مِن قَتْل موسى، وكَذَبَ عدوُّ اللَّه، فإنه لم يختَرْ لهم ما يختارُ لنفْسه، فإنه اختار لنفْسِه أنْ يكون معبودًا لهم، واختار لهم أنْ يكونوا عابدين له، وهداهم سبيلَ الضلال دون سبيل الرَّشاد، قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩].
* * *
стр. 6418
(٣٠ - ٣١) - ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾: أي: يومًا ينزِلُ عليكم فيه العذابُ المستأصِل بتكذيبكم رسولَه، مثلَ يوم الكفار الذين تحزَّبوا على الأنبياء وتجمَّعوا عليهم بالتكذيب.
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾: أي: مِثْلَ سُنَّة اللَّه في هؤلاء بإنزال العذاب عليهم لَمَّا كذَّبوا رسلَه.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: مِثْلَ قوم لوطٍ وقوم شعيبٍ والأُمَم بعدهم.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾: أي: وما يريد اللَّه أنْ يظلِمَ عباده، فيُعذِّبَهم بغير ذنب، وهذه الآية في عذاب الدنيا.
* * *
(٣٢) - ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾.
ثم قال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾: أي: وأخاف عليكم -إنْ أصررتُم على الكفر ومتُّم عليه- عذابَ يوم الآخرة.
و ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾: يوم التَّنادي، وهو مِن النِّداء، وحُذِفَت الياء تخفيفًا؛ كما في ﴿التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] و ﴿الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقرأ الحسن: ﴿يوم التنادي﴾: بالياء على الأصل (١).
مما تُعايِنون مِن العذاب، فلا تجدون مِن عذاب اللَّه مانعًا، وهو كقوله: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١٠]، ﴿فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣].
وقيل: يوم تنصرفون مِن الحساب مُدْبِرين عنه إلى النار، لا يعصِمُكم مِن عذابها عاصم.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: قيل: مَن يُضلِلْه عن الدِّين فلا مُرْشِدَ له إليه.
وقيل: ومَن يُهْلِكْه فما له مِن مُخْلِّص.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: وقال هذا المؤمن: ولقد أتاكم يوسفُ النَّبيُّ ﵇ مِن قَبْلِ موسى بالبينات؛ أي: بالآيات مِن عند اللَّه الدالَّة على أنَّ دِين بني إسرائيل هو الحقُّ دون دين القِبْط.
وقال ابن عباس ﵄: وهو تعبير الرُّؤيا، وقدُّ القميص (١).
﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾: أي: فبَقِيَ أسلافُكم طُولَ مدةِ يوسف في شك مما جاء به، يتوهَّمون أنَّ ذلك ليس مِن عند اللَّه، مع علمهم بقُصور قوى البشر عنه؛ لعَجْزهم عن الإتيان بمثله.
﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾: أي: فلما مات يوسف ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾؛ أي: مَن يدَّعي الرسالة؛ لأنَّه لا يأتي أحدٌ بمِثْل ما أتى به يوسفُ مِن
стр. 6421
الشُّبَه والمخاريق، وقد استرحنا مِن مُدَّعي الرِّسالات (١)، فقد أعرضتُم عن الاستدلال وقبول الحق، وأسرفتُم في التَّمادي، وأصررتم على العِناد، فأدَّى ذلك منكم إلى قَصد قتْلِ موسى الآن.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾: أي: يَخذُلُ مَن أسرف وارتاب، ولا يوفِّقُه إذا علِمَ منه اختيار الضلالة ولُزومَ الجَهالة.
وقيل: ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾: كان تمنِّيًا منهم بعثَ رسولٍ، وتأسُّفًا على فَوْت يوسف ﵇، يقول: فأنتم الآن كذلك تفعلون بموسى ﵇، ولعلكم تتمنَّونه بعد فَوْته.
ويؤكِّدُ هذا التأويلَ قراءةُ ابن مسعود ﵁: (قلتُم ألن يبعث اللَّه) بألف الاستفهام (٢).
* * *
(٣٥) - ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾.
قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾: قيل: هو ترجمةٌ عن قوله: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ﴾، وهذا جَمْعٌ، وذاك واحدٌ، لكنه اسمُ جنسٍ، فصلَح للجَمْع معنًى.
وقيل: هو مبتدأ، وللابتداء وجهان:
أحدُهما: أنه كلام ذلك المؤمن.
стр. 6422
وقيل: هو ابتداءٌ مِن كلام اللَّه تعالى.
﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾: أي: بغير حُجَّةٍ أتتْهم مِن عند اللَّه تعالى.
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: مَن كان كذلك فهو مُبْغَضٌ عند اللَّه وعند المؤمنين أشدَّ بُغْض.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾: أي: كما فعَلَ بهؤلاء المجادلين يَفعلُ بقلبِ كلِّ مُتعظِّمٍ مُترَفِّعٍ لا ينقاد للحق.
وتَرْكُ التنوين على الإضافة (١)، والنَّعتُ بالمتكبِّر والجبَّار لصاحب القلب، والتنوينُ على أنهما مِن نعت القلب، وهو نفورُ القلب عن اعتقاد الحق وقبوله وتصديقه.
والطَّبْع: هو الخَتْم على القلب بالإضلال، وهو مِن اللَّه تعالى في حق مَن علِمَ منه اختياره (٢)، وعلى الكفر إصرارَه.
والتنوينُ قراءةُ أبي عمرو، وتَرْكُ التنوين قراءةُ الباقين (٣).
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾.
стр. 6423
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾: أي: بِناءً عاليًا طويلًا على هيئة القَصر؛ أي: قال فرعون -حين حاجَّه خربيل بهذه المحاجَّة، وخاف على القوم اتِّباعَه، وأراد تلبيس الأمر على الضَّعَفة- لوزيره هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾: أي: قصرًا عاليًا.
﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾: ترجمة عنه؛ أي: أبوابَ السماء وطرُقَها الموصِلةَ إليها.
﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾: قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنَّصْب بالفاء في جواب التمني، وقرأ الباقون بالرفع عَطْفًا على قوله: ﴿أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (١)؛ أي: فأنظر إليه نظَرَ مُشْرِفٍ عليه توَهُّمًا منه -أوْ إيهامًا- أنه جسم تحويه الأماكن، حتى تكونُ بعض الأماكن فوقه، تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا.
إذ كان فرعون موصوفًا بهذا، ويدَّعي مع ذلك إلهيَّةَ نفْسِه، وكان أراد بما أضافه إلى اللَّه تعالى تقريبَ معنى إلهيَّةِ نفْسِه مِن نفوس الجهَلة مِن قومه؛ أي: فإنْ وجدتُّه هناك نظرْتُ في أمري وأمره، وهل هو كما يصِفُه موسى أم لا؟ وإنْ لم أجِدْه فهو معدوم ليس بموجود؛ لخُلُوِّ السماوات والأرض منه، وكفى خِزْيًا للمُجسِّمة أنْ يكون اعتقادهم في اللَّه كاعتقاد فرعون.
وقيل: كان هذا إيهامًا لضَعَفة قومه (٢) الذين لا تمييزَ لهم أنه تمكَّنَ مِن صعود السماء -وإنْ كان عند نفْسِه عالمًا بامتناع ذلك عليه- إرادةَ التَّسْكين منهم، فإنْ لم يكن هذا، فقد كان فرعون في غاية الجهل والغِواية والغَباوة.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾: أي: وإني لأتيقَّنُ بكون موسى كاذبًا فيما يدَّعيه، ولكنْ أفعل هذا لإزالة الشُّبهة عمن لا يتيقَّنُ تيقُّني.
стр. 6424
قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: أي: وكالذي ذكَرْناه ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: في الشرك والتكذيب والجدال في آيات اللَّه.
﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الصاد؛ أي: مُنِعَ، وقرأ الباقون بفتحها؛ أي: أعرَضَ (١).
والسَّبيلُ: هو الطريق الحق إذا أُطلِق؛ لأنَّه ما يُفْضي بسالكه إلى المقصود، فما لا يُفْضي بسالكه إلى الصواب فليس بسبيل.
﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾: قيل: في بُطلان. وقيل: في خَسار. وقيل: في هلاك. وقيل: في ضلال.
وقال وهب بن مُنبِّه ﵁: فجمَعَ هامان العمال والفَعَلَة، فلم يتركْ أحدًا بيده مِهْنة مِن عمل البنيان إلا جمَعَ لذلك الصَّرْح، حتى اجتمع فيه خمسون ألف بنَّاء يبنون، سوى مَن يطبُخُ الآجُرَّ والجَصِّ، وينجُرُ الخشب، ويُصوِّر الأبواب، ويضرِبُ المسامير، فأولئك عِدَّةٌ يُحصيها إلا اللَّه، فلم يزَلْ كذلك، ويرفع اللَّه بُنيانه، ويُملي له ويستدرجه، حتى إذا ارتفع بُنيانه على ما أراد ارتفاعًا لم يبلُغْه بُنْيانُ أحدٍ منذُ يومِ خَلَق اللَّه السماوات والأرض، لا يزداد بُنْيانه إلا شدةً وارتفاعًا في السماء (٢)، ولا يأمرُ فيه بأمر ولا يُشارُ عليه فيه بأمر إلا أمضاه اللَّه تعالى له، يَكيدُه بذلك ويستدرجُه وهو لا يشعُرُ، وكلما همَّ موسى بجهاده أوحى اللَّه تعالى إليه: أنْ دَعْه وما يريد، فإني أوشك أنْ أفجعَه في ساعة واحدة، وأُبطِلَ كل شيء عمِلَه، فكفَّ موسى ينتظر أمرَ اللَّه ووحيَه، حتى إذا كان يومٌ مِن الأيام، وقد بلَغ الصرْح مبلغًا لم يبلُغْه بُنْيانٌ قطُّ، كان إذا
стр. 6425
طلَع قَرْن الشمس ضرَبَ ظِلُّ ذلك الصَّرْح مَيْلًا نحو المغرب، وإذا غرَبت ضرَب ظِلُّه ميلًا نحو المشرق، وكان أساسه على جبل، فزلزل اللَّه تعالى ذلك الجبل والصَّرْح مِن قواعده، والناس في أعلاه وأسفلِه وأوسطِه وحولَه، فانهدم بهم مِن غير وَهْن ولا ضَعْف في عمله، فدمر اللَّه تعالى أهلَه، حتى لم يُبْقِ منهم أحدًا إلا أهلكَه، فلم يَبْقَ أحد مِن خَلْق اللَّه عمِلَ فيه عملًا بشيء مِن أرض مصر إلا أصابه موت أو حريق أو عاهة، فأما مَن كان مِن نجَّار أو حدَّاد فيَبِست أيديهم، وأما الذين يطبُخون الآجُرَّ والجَصَّ فاحترقوا، وأما القَهارمة (١) والعُمَّال فماتوا، فدمر اللَّه تعالى ذلك كله فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وكانوا يعملون فيه بالنهار، والليل بالسُّرُج لا يفتُرون، حتى أهلكهم اللَّه تعالى على شرِّ حال (٢).
* * *
(٣٨ - ٣٩) - ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: أي: قال ذلك هذا الذي آمنَ مِن آل فرعون.
﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾: أي: لا يغُرَّنكم ما أنتم فيه مِن المُلْك في الدنيا، والظُّهور في الأرض، فيَشغلكم ذلك عن تدبر آيات اللَّه، فإن اللَّه تعالى خلَقَ الدنيا دار نُقْلة يُتمتَّع بها قليلًا ثم تنقضي.
стр. 6426
﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: قال قتادة: استقرت الجنة بأهلها والنار بأهلها (١).
وقيل: أي: الدنيا لا ثباتَ لها، والآخرةُ دار الثبوت والخلود، مَن استقرَّ أمرُه فيها على شيء خُلِّدَ فيه ودام له.
* * *
(٤٠) - ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: أي: بالسيئة، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: وهذا واحد بظاهره.
ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾: على الجَمْع؛ لأنَّه جنس، فصلَح للجَمْع معنًى.
﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: بلا تقديرٍ عليهم ولا تقتير، وله وجوهٌ أُخَر مرَّ بيانها مرات.
وقيل: يُجزى بالسيئة الواحدة مِثْلَها، وبالحسنة الكثيرَ الذي لا يحصرُه حساب.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾.
стр. 6427
وقولُه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾: بقولي (١): ﴿اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد﴾.
﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾: وهو قول فرعون: ﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾، وكان ذلك دعاءً إلى الكفر.
﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾: هو تفسير قوله: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾، وليس شيئًا آخر؛ لأنَّه لا عاطِفَ بينهما.
﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾: أي: لا علم لي بأن له شريكًا، بل أنا عالم أنه لا شريك له.
﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: أي: إلى دين اللَّه ﴿الْعَزِيزِ﴾: المنيع الذي لا يُغالَب إذا عاقب الكفار ﴿الْغَفَّارِ﴾: الذي يغفر للمؤمنين بالتوبة والاستغفار.
وقيل: ﴿الْعَزِيزِ﴾: الغنيِّ بعِزَّته عن الشركاء والأنداد ﴿الْغَفَّارِ﴾: المُتفضِّلِ بعفوه ومغفرته على العباد.
* * *
(٤٣) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾
﴿لَا جَرَمَ﴾: كلمة تحقيق، وقد مرَّ تفسيرها في سورة النحل بوجوهها.
﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾: إلى عبادته مِن دون اللَّه.
﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾: أي: لا يُنتفع بها في الدنيا ولا في الآخرة،
стр. 6428
فوجودها كعدمها، وهو كقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المائدة: ٦٨].
وقال السُّدِّي وقتادة: أي: الصَّنم لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة (١).
وقال الزجَّاج: أي: ليس له استجابةُ دعوةٍ (٢).
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: مَرْجِعَنا إلى جزائه.
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾: المُجاوزين حدودَ الشرع (٣) بتكذيب الأنبياء، والجدال في آيات اللَّه، ودعاءِ الناس إلى عبادة غير اللَّه.
﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: الدائمون فيها.
* * *
(٤٤) - ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾: إذا رُدِدْنا إلى اللَّه. وقيل: في الدنيا.
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾: أي: أُسَلِّمُ أموري كلَّها إلى اللَّه (٤) الآن، إني توكَّلْتُ عليه، وقطعتُ الرَّجاء عمن دونه.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: بما يُظهرونه وما يُضمرونه.
* * *
(٤٥) - ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾: أي: حفِظَه اللَّه تعالى عن مكاره
стр. 6429
مَكْرِ فرعون وقومه، فلم ينفُذْ عزمُهم في قتل أبناء الذين آمنوا معه واسترقاقِ بناتهم.
وظاهرُه يدلُّ على أنهم لم يَقْدِروا على قتل هذا المؤمن.
قال الضحاك: أرادوا قتله، فتراءى له جبل فصعِده، فكان مَن يأتيه مِن جنود فرعون تأكله السِّباع، أو يرجع عنه، حتى مات خربيل هناك (١).
وقال ابن عباس ﵄: بعَثَ في طلَبه قريبًا مِن ألف، فمنهم مَن أكلَتْه السِّباع، ومنهم مَن رجع إلى فرعون فصلَبه (٢).
وقد رَوَيْنا عن وهْب أنهم قتلوه مع السَّحَرة، وعلى هذا يكون قوله: ﴿فَوَقَاهُ﴾ إشارةً إلى موسى ﵇، وهو تحقيق قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [غافر: ٥١].
وقولُه تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾: أي: نزل وأحاط بأشياع فرعون مع فرعون مكروهُ عذابِ اللَّه تعالى وشِدَّتُه، وما يَسوءُ منه.
* * *
(٤٦) - ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾: قال ابن عباس ﵄: تُعرَضُ أرواحُهم على النار (٣).
стр. 6430
﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: قَدْرَ الغُدُوِّ وقَدْرَ العَشِيِّ في الدنيا، وهذا في القبر.
وقال ابن مسعود ﵁: أرواحُهم في صُوَرِ طير سُودٍ يرَون منازلهم منها غُدْوةً وعَشِيَّةً (١).
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: قُرِئ بقطع الألف، وهو مِن الإدخال؛ أي: يُقال للملائكة: أَدْخِلوا فرعونَ وآلَه أشدَّ العذاب.
وقُرِئ: ﴿اُدْخُلوا﴾: بضم الألف مِن الدخول (٢)؛ أي: ويُقال لفرعون وآله: اُدْخُلوا آلَ فرعون؛ أي: يا آلَ فرعون.
﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: أي: أغلظَه وأشقَّه، وإنما استحقوا ذلك لشِدَّة عِنادهم ومُكابرتهم بعد ظهور الآيات الحِسِّيَّة، وزوال الشُّبَه بالكُلِّيَّة.
* * *
(٤٧) - ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾: أي: يُقال لآل فرعون (٣) ذلك يوم القيامة، وحين يتخاصم أهل النار فيها.
стр. 6431
﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾: جمعُ تابع؛ كالخَدَمِ: جمعُ خادم، والسَّلَف: جمعُ سالف، والغَيَب: جمعُ غائب.
أي: كنَّا أتباعًا لكم فيما دعوتُمونا إليه مِن الشرك وتكذيب الأنبياء لاستضعافِكم إيانا.
وقولُه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾: أي: مُتحمِّلون عنا مِقْدارًا مِن النار التي نحن فيها، فيلحقَنا تخفيفٌ مِن جِهتكم؛ إذ لا أحدَ أحقُّ بالتحمُّل عنا منكم؛ لأنكم كنتم سببَ دخولنا النارَ بقولكم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، والغَناءُ: الكفايةُ.
* * *
(٤٨ - ٤٩) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾: أي: إنَّا مَجموعون جميعًا في النار بحُكْم اللَّه، لا يَجري لنا على أنفسنا ولا عليكم حُكْمٌ.
وقولُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾: أي: إذا يئسوا مِن كُبرائهم طلَبوا الفَرَجَ مِن عند خزَنَة جهنم؛ ظنًّا منهم أنهم يرِقُّون لهم لِمَا يرون مِن قِلَّة صبرهم وشدة جزَعِهم، وقالوا لهم: سَلُوا ربكم أنْ يُخفِّفَ عنا؛ أي: يُزيلَ العذاب عنا مقدارَ يومٍ مِن أيام الدنيا لنستريحَ في مقدار هذه المدة.
* * *
(٥٠) - ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
стр. 6432
﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾: اعترفوا بمجيئهم، وزاد في آية أخرى: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٩].
﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾: أي: فادْعوا أنتم إذًا، فقد لزِمَتْكم الحُجَّة، ووقَعَ الإعذار، وحقَّتْ كلمة العذاب، ولا تبديلَ لكلمات اللَّه، ولن ندعوَ لكم؛ إذ لا سبيلَ لنا إلى الشفاعة إلا بإذن اللَّه، واللَّهُ لا يأذَن لنا بالدعاء لكم، فادعوا أنتم لأنفسكم.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: أي: وما دعاء الكافرين لأنفسهم في الآخرة بتخفيف العذاب عنهم إلا في بُطْلانٍ ومَيْلٍ عن الصواب، وهو في مُقابلة قولهم للأنبياء في الدنيا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩].
وقولُه تعالى: ﴿فَادْعُوا﴾: ليس بأمرٍ حقيقةً، لكن معناه: إنْ دعوتم لنْ ينفعَكم، وهو كقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦].
* * *
(٥١) - ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ذَكَرَ نَصْرَ موسى ﵇ ومؤمنِ آلِ فرعون على فرعون وآله، وأخبَرَ أنه ينصر أيضًا جميعَ رسُلِه، وجميعَ المؤمنين.
والنَّصْرُ: المَعونةُ على العدو بالاستعلاء عليه، وهو على وجوه:
نصرٌ بالحُجَّة (١)، ونصرٌ بالغلَبَة والمُحاربة، ونصرٌ بعِقاب العدو، ونصرٌ بإكرام الولي بالثواب.
стр. 6433
وقد نصَرَ اللَّه الأنبياء بإنجائهم وإهلاك أعدائهم (١)، وما جرى على زكريا ويحيى وبعضِ الأنبياء مِن القتل، فقد نصرَهم اللَّه تعالى بعد قتلهم بالانتقام منهم على يد بُخْتَ نَصَّرَ، فهذا كله نصرٌ؛ لأنَّه إِعانةٌ (٢) وانتقامٌ ومعونةٌ.
وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧]؛ أي: فنحن ننتقم لكَ منهم إذا رجعوا إلينا، وقال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢ - ٢٤].
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾: وهو جَمْع شهيد؛ كشريف وأشراف.
وقيل: جَمْعُ شاهد؛ كصاحب وأصحاب.
وقيل: هو جمعُ جمعٍ: شاهدٌ، وشُهَّدٌ، وأشهاد.
وقال مجاهد: هم الملائكة (٣).
وقال قتادة: هم الأنبياء (٤).
وقيل: هم الخوارج.
وقيل: هم أهل الموقف، شهِدوه قائمين لرب العالمين، ونصرتُهم يومئذ للمؤمنين بالتمييز بين المُحِقِّ والمُبْطل (٥) والوليِّ والعدوِّ بالثواب والعقاب.
﴿فَاصْبِرْ﴾: يا محمَّدُ على الدعاء للدِّين، وعلى أذى المشركين.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: بنَصْرِ (١) الأنبياء والمؤمنين.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾: أي: وإنْ خطَرَ بقلبك مِن وَسْواس الشيطان استبطاءُ النَّصْر (٢) لتأخُّره عنكَ، فاستغفرِ اللَّه تعالى مِن ذلك.
وقيل: إذا أتاكَ النَّصْر وخطَرَ بقلبكَ أنه بقوةٍ منكَ، فاستغفرْ مِن ذلك.
وقولُه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: أي: ودُمْ على التسبيح للَّه في الصلوات وخارج الصلوات بالغَدَوات والعَشَايا، فتنقطِعَ وساوس الشيطان عنكَ.
والعَشِيُّ: مِن زوال الشمس إلى الليل، والإبكار: مِن طلوع الفجر؛ أي: إلى طلوع الشمس.
* * *
(٥٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾: أي: إنَّ هؤلاء المشركين الذين يُخاصِمون في آيات اللَّه بالتكذيب والرَّدِّ بغير حُجَّة عندهم آلتْهم مِن عند اللَّه في عَقْل أو كتاب، ليس جدالُهم لأمرٍ وضَحَ عندهم يُجادلون لذلك، بل للحسَد والتَّعَظُّم الذي في صدورهم مِن التكبُّر عن الانقياد للحق، وما هُم ببالغي هذا الكِبْر الذي في صدورهم.
стр. 6436
أي: إنَّ هذا لا يتِمُّ لهم على ما يُضمِرونه، بل أُعْلِيكَ عليهم، فينقادوا لكَ أو أبيدَهم بسيفكَ.
وقيل: أي: يتوهَّمون أنهم إذا أصرُّوا عليه نالوا به الرِّفْعة، واستداموا به الرِّياسة، وما هُم ببالغي ذلك، بل أُعْلِيكَ عليهم وأُصيِّرُهم إلى الهَوان في الدنيا والآخرة.
وقيل: أي: في قلوبهم حسَدٌ لكَ على نبوتكَ، وما هُم ببالغي النبوة، إنما يُؤتيها اللَّه تعالى مَن يشاء، والكِبْرُ على هذا التأويل أمرٌ كبيرٌ؛ كما قال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١].
وقيل: (في صدورهم كِبْرٌ)؛ أي: أمر كبير، وهو قصدُهم قَتْلَكَ، ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ بل لا يُميتُكَ اللَّه (١).
وقيل: هو تمنِّيهم موتَكَ قَبْل أنْ يُكمِلَ اللَّه بكَ الدِّين، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]، ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾، بل لا يُميتكَ اللَّه حتى يُكمِلَ بكَ الدِّين، ويقمَعَ بكَ المشركين.
وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: أي: فاستعذ مِن شرِّهم باللَّه، إنه هو السميع بما يقولون، والبصير بما يعملون.
* * *
(٥٧) - ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾: أي: إنَّ المشركين مُقِرُّون بأن اللَّه خلَقَ السماوات والأرض على كِبَرِهما وعِظَمِهما
стр. 6437
والعجائب التي فيهما، وذلك أعظم شأنًا مِن خَلْق الناس، فكيف وصفوني بالقُدْرة على خَلْقهما وعجَّزُوني عن القُدْرة على خَلْق الناس بعد موتهم؟!
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لا يتدبَّرون، ولا يستدلُّون بالآيات فيعلموا ذلك.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾: هُمُ اليهود يُخاصمون في القرآن بغير حُجَّة ولا عُذْر أتاهم مِن اللَّه، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾: أي: ما في صدورهم إلا الكبر ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ يعني: بِنائِلي ذلك الكِبْر الذي في قلوبهم، وهم اليهود قالوا: يخرُجُ الدجال، ويخوض في البحر، وتسير معه الأنهار، وتطلُعُ الشمس فوقه إلى مغربها، ويرُدُّ إلينا المُلْك، فردَّ اللَّه عليهم فقال: ما هُم ببالغي ما قالوا، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن فتنة الدجال ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم، ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأعمالهم (١).
وقال مقاتل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: اليهود، قالوا للنبي ﷺ : إنَّ صاحبنا -يَعْنون: الدجال- يخرُجُ في آخر الزمان وله السلطان، ماءُ البحر إلى ركبته، والسَّحابُ دونه، وما هم ببالغي ذلك، ثم قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ يعني: الدجال (٢).
* * *
стр. 6438
(٥٨) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾: أي: مَن عمِيَ عن رؤية الآيات والاستدلالِ بها ومَن أبصرَها فاستدلَّ بها، ولا يستوي الذين آمنوا والذين كفروا.
والمسيءُ: هو الكافر؛ لأنَّ المؤمن مُحْسِنٌ، وهو واحد لفظًا وجمع معنًى، و (لا) زائدة في قوله: ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾.
وقيل: معناه: ولا يُساوي المؤمنُ الكافرَ، ولا الكافرُ المؤمنَ، وقد شرحناه بأتمَّ مِن هذا في سورة الملائكة.
وقولُه: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: لا تتذكَّرون أصلًا، وهو كقولك: فلانٌ قليلُ الحياء؛ أي: لاحياءَ له.
* * *
(٥٩) - ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾: أي: إنَّ القيامة لَقائمة ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أي: لا شكَّ في إتيانها، وله ثلاثةُ أوجهٍ ذكَرْناها في أول سورة البقرة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لا يُصدِّقون بكونها، وفيها تمييزٌ بين هذين الفريقين.
* * *
(٦٠) - ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
стр. 6439
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾: قال الضحاك: أي: اعبُدوني (١)؛ كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، ويدلُّ عليه قوله: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾.
وقال الكلبي: وحِّدوني (٢).
وقال مقاتل: هو نفْسُ الدعاء (٣).
﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: في سؤال المغفرة؛ لأن الإيمان طلَبُ المغفرة.
فإذا حُمِل الدعاء على التوحيد، كانت الاستجابة مغفرةً وتحقيقًا لقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وإنْ حُمِل على نفْس الدعاء، فالاستجابةُ هي الإجابة إلى ما سأَلَ.
والحاصل: أنَّ الآية إنْ حُمِلت على خطاب الكفار، فمعناها: وحِّدوني وأجيبوني في الدعاء إليه، أستجِبْ لكم في سؤالكم مغفرةَ ما قد سلَفَ.
стр. 6440
وإنْ حُمِلت على العصاة، فمعناها: اُدْعُوني بالتوبة والاستغفار، أستجِبْ لكم في قَبول التوبة، والعَفْو عن الجِناية.
وإنْ حُمِلتْ على المُطيعين، فمعناها: سَلوني بحوائجكم أُعْطِكم ما سألتم.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾: أي: يتعظَّمون عن توحيدي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾: للخُلود فيها ﴿دَاخِرِينَ﴾: صاغرين، هذا على الأول.
وعلى الثاني: إن الذين يمتنعون عن التوبة وعن دعاء اللَّه -تفسُّقًا لا استحلالًا واستخفافًا- سيدخلون النار للتعذيب فيها مدةً إنْ لمْ يَعْفُ اللَّه عنهم بفضله.
ثم إجابةُ الدعوة؛ قيل: هي قولُ اللَّه: لبَّيْكَ، لعبدِه إذا قال: يا ربِّ! وهذا لكل داعٍ، فأما إعطاء المراد فذاكَ مُعلَّق بالمشيئة، قال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، وهو موعود أيضًا بشرائطَ مِن العبد:
منها: إجابتُه اللَّهَ تعالى فيما دعا إليه؛ قال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦].
ومنها: أكلُ الحلال: قال النبي ﷺ : "إنَّ الرجل لَيرفع يديه، فيقول: يا ربِّ يا ربِّ! ومَطْعَمُه حرامٌ، ومَشْرَبُه حرامٌ، ومَلْبَسُه حرامٌ، فأنى يُستجاب لذلك" (١).
وفي الحديث: "إنَّ الداعي لا يخلو عن إحدى ثلاث: إما أنْ يُعَجَّل له ما سأل، وإما أنْ يُدَّخَرَ له في الجنة ما هو خير منه، وإما أنْ يُصْرَفَ عنه مِن السوء ما هو أعظمُ منه" (٢).
стр. 6441
وقيل: اُدْعُوني بلا غَفْلة، أستجِبْ لكم بلا مُهْلة.
وقال الإمام القُشَيري ﵀: اُدْعُوني بالسؤال، أستجِبْ لكم بالنَّوال، اُدْعُوني بالتنصُّل، أستجِبْ لكم بالتفضُّل، اُدْعُوني بحسب الطاقة، أستجِبْ لكم بكشفِ الفاقة (١).
* * *
(٦١) - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: مرَّ تفسيرُها مرات، وهي مِن الآيات التي تدلُّ على وحدانية اللَّه تعالى، ذكرَها بعد الأمر بالتوحيد، وهو مِن النِّعَم التي يجب الشكر عليها، فحثَّ على الشكر بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
* * *
(٦٢ - ٦٣) - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: الذي خلَقَ الليل والنهار لكم هو مُربِّيكم ومُصْلِحُ أموركم.
وقولُه تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا يستحِقُّ العبادةَ غيرُه.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: أي: فمِن أين تُصْرَفون عن توحيده؟!
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: أي: كما انصرفتم عن الحقِّ
стр. 6442
مع وضوحه، صُرِفَ مَن قبلكم مِن الأمم الجاحدة عن ذلك، ولم يكن ذلك لقُصور الأدلة، بل لِمَا في صدورهم مِن الكِبْر الذي ليسوا ببالغيه.
* * *
(٦٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: أي: مُستقَرًّا ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾؛ أي: مَبْنيَّةً مرفوعةً فوقكم لمصالحكم وحوائجكم.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: أي: الأغذيةِ الشَّهِيَّة مِن الأطعمة والأشربة.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: جلَّ اللَّهُ، ودامَتْ بركاتُه، وتتابعتْ خيراتُه، وهو حَثٌّ على وصفه به.
* * *
(٦٥) - ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿هُوَ الْحَيُّ﴾: الذي لا يموت أبدًا بحياةٍ أزَلِيَّةٍ.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: أي: فاعبُدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: العبادة والطاعة.
وقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: المُستحِقُّ للحمد هو.
ويجوز أنْ يكون حمِدَ نفْسَه تعليمًا للخَلْق.
ويجوز أنْ يكون أمرًا به، وقد شرَحْناه في أول الفاتحة.
* * *
стр. 6443
(٦٦) - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: قل يا محمَّدُ للمشركين: نهاني اللَّهُ تعالى أنْ أعبُدَ الأصنام التي تعبدونها مِن دون اللَّه لما جاءتني الدَّلائل (١) الواضحة على وحدانيَّة اللَّه تعالى، وأمرني (٢) أنْ أنقادَ لأمره، وأُخْلِصَ له في عبادتي، وأُسْلِمَ إليه نفْسي وأموري؛ إذ هو ربُّ العالمين، فلن أوافقَكم على ما تدعونني إليه.
وقال مقاتل: دعا كفارُ مكةَ رسولَ اللَّه إلى دينهم، وقالوا له: ما يحمِلُكَ على ما تتعاطاه مِن مُخالفة آبائك وأشراف قريش إلا الحاجةُ وقِلَّةُ المال، فنحن نجمَعُ لكَ ما يكفيكَ دهرَكَ، فأنزل اللَّه هذه الآية (٣).
* * *
(٦٧) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾: أي: أطفالًا، وقد فسَّرْنا هذه الآية مرات.
стр. 6444
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: أي: ثم يُرَبِّيكم لتبلغوا تَمامَ القوة، فتَصْلُحوا للتكليف والتعبُّد.
﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾: ثم يُدْرِجُكم إلى أنْ تصيروا شيوخًا.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾: أي: يُقبَضُ بالموت ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: قَبْلَ الشَّيْخُوخَة، وقبل (١) بلوغ الأشُدِّ، وقبل الخروج مِن بطن أمه طفلًا.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ فَعَل ذلك، هذا مُضْمَرٌ في آخره؛ أي: ولِيَبْلُغَ كل منكم أجَلًا قد سماه اللَّه تعالى له.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: ولِتَعْقِلوا ذلك، وتستعملوا عقولكم في معرفة ذلك، والعملِ بما خلقتكم لذلك.
* * *
(٦٨ - ٦٩) - ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾: أي: قدَّرَ شيئًا وأراد كونَه ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: كوَّنه سريعًا، فهو المُستحِقُّ للعبادة.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: أي: كيف ومِن أين يُعدَلُ بهم عن الحق؟! أي: فهل يُصْرَفون إلى شيء أوضحَ دلالةً وأحسنَ عاقبةً منه؟!
* * *
стр. 6445
(٧٠ - ٧٢) - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾: هو صفة المُجادلين.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾: أي: فسيعلمون بُطْلانَ ما هم فيه وسُوءَ عاقبته إذا أُدخِلوا (١) النارَ، وغُلَّتْ أيديهم إلى أعناقهم، وجُعِلَتْ فيها السلاسِل.
﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ﴾: أي: تجرُّهم خزَنة جهنم في الماء الذي تناهى حَرُّه.
وقال مقاتل: في حَرِّ النار (٢).
﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾: أي: يُطْرَحون فيها، فيكونون وُقودًا لها.
وسجَرَ التَّنُّورَ: أحماه بإيقاد الوُقود.
والجَرُّ إلى الحميم: هو ترديدُهم بين النار والماء الحارِّ، وهو كقوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠]، وقوله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧].
* * *
(٧٣ - ٧٤) - ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾.