وقيل: اُدْعُوني بلا غَفْلة، أستجِبْ لكم بلا مُهْلة.
وقال الإمام القُشَيري ﵀: اُدْعُوني بالسؤال، أستجِبْ لكم بالنَّوال، اُدْعُوني بالتنصُّل، أستجِبْ لكم بالتفضُّل، اُدْعُوني بحسب الطاقة، أستجِبْ لكم بكشفِ الفاقة (١).
* * *
(٦١) - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: مرَّ تفسيرُها مرات، وهي مِن الآيات التي تدلُّ على وحدانية اللَّه تعالى، ذكرَها بعد الأمر بالتوحيد، وهو مِن النِّعَم التي يجب الشكر عليها، فحثَّ على الشكر بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
* * *
(٦٢ - ٦٣) - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: الذي خلَقَ الليل والنهار لكم هو مُربِّيكم ومُصْلِحُ أموركم.
وقولُه تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا يستحِقُّ العبادةَ غيرُه.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: أي: فمِن أين تُصْرَفون عن توحيده؟!
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: أي: كما انصرفتم عن الحقِّ
стр. 6442
مع وضوحه، صُرِفَ مَن قبلكم مِن الأمم الجاحدة عن ذلك، ولم يكن ذلك لقُصور الأدلة، بل لِمَا في صدورهم مِن الكِبْر الذي ليسوا ببالغيه.
* * *
(٦٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: أي: مُستقَرًّا ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾؛ أي: مَبْنيَّةً مرفوعةً فوقكم لمصالحكم وحوائجكم.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: أي: الأغذيةِ الشَّهِيَّة مِن الأطعمة والأشربة.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: جلَّ اللَّهُ، ودامَتْ بركاتُه، وتتابعتْ خيراتُه، وهو حَثٌّ على وصفه به.
* * *
(٦٥) - ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿هُوَ الْحَيُّ﴾: الذي لا يموت أبدًا بحياةٍ أزَلِيَّةٍ.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: أي: فاعبُدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: العبادة والطاعة.
وقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: المُستحِقُّ للحمد هو.
ويجوز أنْ يكون حمِدَ نفْسَه تعليمًا للخَلْق.
ويجوز أنْ يكون أمرًا به، وقد شرَحْناه في أول الفاتحة.
* * *
стр. 6443
(٦٦) - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: قل يا محمَّدُ للمشركين: نهاني اللَّهُ تعالى أنْ أعبُدَ الأصنام التي تعبدونها مِن دون اللَّه لما جاءتني الدَّلائل (١) الواضحة على وحدانيَّة اللَّه تعالى، وأمرني (٢) أنْ أنقادَ لأمره، وأُخْلِصَ له في عبادتي، وأُسْلِمَ إليه نفْسي وأموري؛ إذ هو ربُّ العالمين، فلن أوافقَكم على ما تدعونني إليه.
وقال مقاتل: دعا كفارُ مكةَ رسولَ اللَّه إلى دينهم، وقالوا له: ما يحمِلُكَ على ما تتعاطاه مِن مُخالفة آبائك وأشراف قريش إلا الحاجةُ وقِلَّةُ المال، فنحن نجمَعُ لكَ ما يكفيكَ دهرَكَ، فأنزل اللَّه هذه الآية (٣).
* * *
(٦٧) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾: أي: أطفالًا، وقد فسَّرْنا هذه الآية مرات.
стр. 6444
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: أي: ثم يُرَبِّيكم لتبلغوا تَمامَ القوة، فتَصْلُحوا للتكليف والتعبُّد.
﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾: ثم يُدْرِجُكم إلى أنْ تصيروا شيوخًا.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾: أي: يُقبَضُ بالموت ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: قَبْلَ الشَّيْخُوخَة، وقبل (١) بلوغ الأشُدِّ، وقبل الخروج مِن بطن أمه طفلًا.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ فَعَل ذلك، هذا مُضْمَرٌ في آخره؛ أي: ولِيَبْلُغَ كل منكم أجَلًا قد سماه اللَّه تعالى له.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: ولِتَعْقِلوا ذلك، وتستعملوا عقولكم في معرفة ذلك، والعملِ بما خلقتكم لذلك.
* * *
(٦٨ - ٦٩) - ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾: أي: قدَّرَ شيئًا وأراد كونَه ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: كوَّنه سريعًا، فهو المُستحِقُّ للعبادة.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: أي: كيف ومِن أين يُعدَلُ بهم عن الحق؟! أي: فهل يُصْرَفون إلى شيء أوضحَ دلالةً وأحسنَ عاقبةً منه؟!
* * *
стр. 6445
(٧٠ - ٧٢) - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾: هو صفة المُجادلين.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾: أي: فسيعلمون بُطْلانَ ما هم فيه وسُوءَ عاقبته إذا أُدخِلوا (١) النارَ، وغُلَّتْ أيديهم إلى أعناقهم، وجُعِلَتْ فيها السلاسِل.
﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ﴾: أي: تجرُّهم خزَنة جهنم في الماء الذي تناهى حَرُّه.
وقال مقاتل: في حَرِّ النار (٢).
﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾: أي: يُطْرَحون فيها، فيكونون وُقودًا لها.
وسجَرَ التَّنُّورَ: أحماه بإيقاد الوُقود.
والجَرُّ إلى الحميم: هو ترديدُهم بين النار والماء الحارِّ، وهو كقوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠]، وقوله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧].
* * *
(٧٣ - ٧٤) - ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾.
стр. 6446
وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يُوَبَّخون في هذه الحالة زيادةً في إيلامهم: أين الأصنامُ التي كنتم تُشركون باللَّه رَجاءَ شفاعتهم؟!
﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: أي: هلَكوا وضاعوا.
﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾: أي: ما كنا نعبد شيئًا ينبغي أنْ يُعْبَدَ ويُدعى ويُرجى، بل كنا نرجو النَّفْع مما لا نَفْعَ فيه، وهو اعترافٌ منهم بأنهم لم يكونوا على شيء، وليس بإنكارٍ لعبادة الأصنام، بل اعترافٌ أنه لم يكن شيئًا يُعتبَر، وهو كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾: أي: كما أضلَّ هؤلاء المُجادلين يُضِلُّ سائر الكافرين الذين علِمَ منهم اختيار الضلالة عن الدِّين.
* * *
(٧٥ - ٧٦) - ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: أي: ذلك العذاب إنما نالَكم بسبب إظهاركم في الدنيا السُّرورَ بالشرك وبالباطل.
﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾: أي: بِمَرَحِكم؛ أي: بَطَرِكم وخُيَلائكم وتِيهِكم.
﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: أي: يُقال لهم يوم القيامة: اُدْخُلوا أبواب جهنم؛ أي: يدخُل كلُّ فريق البابَ الذي جُعِلَ له، قال تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤].
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي: في جهنم.
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: الذين تعظَّموا عن قبول الحق، وجادلوا بالباطل.
стр. 6447
(٧٧) - ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾: يا محمَّدُ، على أذى الكفار وجِدالهم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾؛ أي: بنَصْرِ الرسل والمؤمنين في الدنيا والآخرة.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: أي: أنتقِمُ لكَ منهم في الدنيا، وإنْ توفَّيْتُكَ قَبْل ذلك فإليَّ مَرْجِعُهم في الآخرة، فأُعذِّبُهم فيها وأُظْهِرُكَ عليهم به.
وظهر به (١) أنَّ النَّصْر المذكور في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] منه ما يقع في الدنيا بالإعلاء والإظهار، ومنه ما يقع في الآخرة بالانتقام والعذاب.
وقال مقاتل: كان النبي ﷺ أخبرَ كفار مكة أنَّ العذاب نازلٌ بهم فكذَّبوه، فأمرَه اللَّه تعالى بالصبر؛ أي: اصبرْ على تكذيبهم، إنَّ العذاب نازل بهم؛ يعني: ببَدْرٍ (٢).
* * *
(٧٨) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾: وإنَّ كلَّهم قد أتوا أُمَمَهم بآياتٍ أجراها اللَّه على أيديهم حُجَجًا لهم على صدقهم.
стр. 6448
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: فلم يكن مِن أولئك الرسل أحدٌ أتى قومه بآية مِن قِبَل نفْسه، بل إنما أتى بما آتاه اللَّه وأجراه على يده، فكذا أنتَ مع قومك إنما تأتيهم بالآيات مِن عند اللَّه، ولا معنى لجدالهم إياكَ في الآيات التي تأتي بها أنْ يقولوا: هي سِحْرٌ، وهي كذا، و ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ (١) [الإسراء: ٩٠]، وكذا وكذا، ويطلبون منكَ الآيات المُقترَحات.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: قيل: أي: جاء بما تسألونه اقتراحًا.
﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾: بينكَ وبينهم؛ أي: كان ذلك فَضْلًا لا بَقِيَّةَ بعده، إنْ (٢) كذَّبوا به استُؤْصِلوا؛ لأنَّهم مُبْطِلون.
وقولُه تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾: قيل: معناه: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقد جئتَهم بما أذِنَ اللَّه تعالى لكَ فيه بما فيه كفايةٌ ومَقْنَعٌ، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بإقامة القيامة قضى بالواجب فيها، فأَدخَلْتُكَ وأتباعَكَ الجنةَ، وأَدخلْتُ الكفارَ النَّارَ ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ مَن كان على الباطل.
* * *
(٧٩ - ٨٠) - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: أي: بعضها.
стр. 6449
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾: غير الركوب والأكل؛ مِن صُوفٍ ووَبَرٍ وشَعْرٍ وجِلْدٍ ولَبَنٍ ونحو ذلك.
﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾: مِن قَطْعِ المسافات البعيدة؛ كما قال: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ [النحل: ٧].
﴿وَعَلَيْهَا﴾: في البَرِّ.
﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾: في البحر ﴿تُحْمَلُونَ﴾.
ويتَّصِلُ هذا بالآيات التي مرَّتْ في آيات الوَحْدانِيَّة وأنواع النِّعَم مِن قول اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤]، و ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ [غافر: ٦١]، و ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية [غافر: ٦٧].
* * *
(٨١ - ٨٢) - ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: أي: هذه الأشياءَ وغيرَها.
﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾: مِن هذه الآيات، الاستفهامُ بمعنى التَّوْبيخ.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: فسَّرْناها في هذه السورة مرَّةً.
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي: فما نفَعَهم ولا دَفَعَ عنهم العذابَ كَسْبُهم الأموالَ والرِّجالَ، ونَصْبُهم الآثارَ مِن القُصور والبُيوت والحُصون في الجبال وغيرها.
стр. 6450
(٨٣) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقولُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أي: أُعجِبوا بما كان عندهم مِن تقليد آبائهم في الشرك، وقالوا في معجزات الأنبياء: هي تخابيل (١)، وذلك جهلٌ في الحقيقة توهَّموه عِلْمًا، وتمسَّكوا به مُغْتَبِطين بذلك.
وقيل: بما عندهم مِن عِلْم أمور الدنيا مِن الصناعات، ولم يُقْبِلوا على علوم الدِّين.
وقيل: هو في أهل الكتاب، فرحوا بما عندهم في كتابهم، فلم يَقْبَلوا غيره مِن الكتاب المُنْزَل، وخبَر النبي المُرْسَل.
وقولُه تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: يعني: ونزَلَ بهم ما كانوا يستهزئون به مِن العذاب الذي كان يتوعَّدُهم به.
وقيل: أي: نزَلَ بهم ضرَرُ استهزائِهم بالرسل والآيات.
* * *
(٨٤ - ٨٥) - ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: أي: عذابَنا ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾: أي: تبرَّأْنا مِن الشرك.
وقيل: أي: مِن الأوثان التي أشركناها باللَّه.
стр. 6451
﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: أي: فكان حُكْمي فيهم ألَّا ينتفعوا بالإيمان حالةَ البَأْس؛ لأنَّه حالَ زَوالِ الغَيْب، وفواتِ الاختيار، وتحقُّقِ الاضطرار.
﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾: أي: كَسُنَّةِ اللَّه تعالى في الكفار الذين مضَوا قبلهم أنَّ إيمانهم حالةَ البَأْس لم ينفعْهم، ولم يقبَلْه اللَّه تعالى منهم؛ كما قال في حقِّ فرعون: ﴿إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [يونس: ٩٠]، وغير ذلك.
﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾: أي: هلَكوا حينئذ.
وقيل: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: أي: العذابَ في القبر.
وقال مقاتل: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾: في الأمم الخالية أنَّ الإيمان لا ينفعُهم عند مُعايَنة العذاب (١).
وقال الكلبي: سُنَّة اللَّه أنَّ مَن كفَرَ باللَّه عذَّبَه اللَّه.
نعوذُ باللَّه مِن الكُفْر والكُفْران، ومِن اكتساب الذُّنوب والعِصْيان، ومن الفُرْقة والهِجْران، والغَفْلة والنِّسْيان، والذِّلَّة والهَوَان، والخِزْية والخُسْران، ونسألُه المغفرة والرِّضْوان، وعُلُوَّ الرُّتْبة والجِنان، والحُور والقُصور والوِلْدان والغِلْمان (٢).
* * *
стр. 6452
سورة فصلت
стр. 6453
سورة فصلت (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باسم اللَّهِ مُفَصِّلِ الآيات، الرَّحمنِ مُقَدِّرِ الأقوات، الرَّحيمِ مُنَزِّلِ البِشارات.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ: حم السجدة أُعْطِيَ بكلِّ حرف عشرَ حسناتٍ، ومُحي عنه عشرُ سيئات" (٢).
وهذه السُّورة مكِّيَّةٌ، وهي أربعٌ وخمسون آيةً، وقيل: ثلاثٌ، والاختلافُ في قوله: ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.
وكلماتُها: سبعُ مئة وأربعٌ وتسعون.
وحروفُها: ثلاثةُ آلاف ومئتان وخمسةٌ وثمانون.
وانتظامُ أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه ذُكِرَ في آخر تلك السورة خُسْرانُ الكافرين، وذُكِرَ في أول هذه السورة سببُ خُسْرانهم، وهو الإعراض عن تفهُّمِ الكتاب المبين.
وانتظامُ السورتين: أنهما في ذِكْر المؤمنين ومواعيدهم، والكفار ووَعيدهم.
стр. 6454
(١ - ٢) - ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿حم﴾: ذكَرْنا الأقاويل فيه.
﴿تَنْزِيلٌ﴾: مبتدأٌ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: خبرُه.
وقيل: ﴿حم﴾: مبتدأ، و ﴿تَنْزِيلٌ﴾: خبرُه؛ أي: هذه السورة مُنَزَّلةٌ مِن اللَّه تعالى، مصدرٌ في معنى المفعول.
* * *
(٣) - ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿كِتَابٌ﴾: أي: هو كتاب ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: بُيِّنَتْ.
وقيل: أي: جُعِلَتْ فُصولًا في معاني مُنْقَسِمةٍ؛ مِن الأمر والنَّهي، والوَعْد والوَعيد، والحلال والحرام، ونحو ذلك.
وقيل: أي: فُرِّقَتْ في النُّزول، فلم تَنْزِلْ جُمْلةً؛ تثبيتًا في القلوب، وتمكينًا مِن تدبُّرها بالعقول.
وقولُه تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: أي: مُنَزَّلًا بلسان العرب، ونصبُه مِن وجوه:
منها: فُصِّلَتْ قرآنًا عربيًا؛ أي: وقَعَ تفصيلُه بلسان عربي.
وقيل: نصبٌ على المدح.
وقيل: نصبٌ على القَطْع؛ لأنَّه نكرةٌ نُعِتَ به معرفةٌ.
وقولُه تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: لسانَ العرب، أو يُتَرْجَمُ لهم؛ أي: التَّفْصيل لهم.
يعني: لم يُكَلَّفْ فَهْمَه مَن لم يُعْطَ عِلْمَه.
* * *
стр. 6455
(٤) - ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
وقولُه تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: نعتُ قولِه: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؛ أي: فيه بشارةُ المُطيعين، وإنذارُ العاصين.
﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾: عن قبوله وتدبُّره مع تفْصيله وعلمهم بوجوه فَهْمِه.
﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: أي: يَنفِرون عن سماعه؛ كما قال: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦].
وقيل: أي: لا يَقْبَلون.
وقيل: أي: لا يُطيعون.
وقيل: أي: يتصامُّون ولا يُفكِّرون فيه، كأنهم لم يسمعوه.
وقيل: لا يسمعون حقيقةً؛ لإعراضهم عن التالي (١).
* * *
(٥) - ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾: قال مجاهد والسُّدِّي: أي: في أَغْطِيَةٍ (٢)، جَمْع: كِنان.
стр. 6456
قولُه: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾: أي: صَمَمٌ، وقَرَه اللَّهُ؛ أي: أصَمَّه، مِن باب: ضرَبَ، ووَقِرَ يَوْقَرُ؛ أي: صُمَّ، مِن باب عَلِمَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾: فلا نُبْصِرُكَ.
وقيل: أي: ساتِرٌ مِن جهة اختلاف الدِّين والتَّباين في العبادة، فلا تَطْمَعَنَّ في استماعنا منكَ (١).
وقولُه تعالى: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾: أي: فاعمل عمَلَكَ، فإنا نعمَلُ عملَنا، قالوا ذلك لِيُؤَيِّسُوه عن إيمانهم به واتباعهم له.
وقيل: ﴿فَاعْمَلْ﴾ في هلاكنا، ﴿إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ في هلاكِكَ. قاله الفراء (٢).
وقيل: أي: دع دعاءَنا إلى دينكَ، فإنا قد ترَكْنا دعاءكَ إلى ديننا.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: أي: فلا تدْعُ لذلك دُعاءهم، وقل لهم: إني بشر مثلُكم مُناسبٌ لكم في الخِلْقَة، وذلك مما يُوجب الإشفاقَ، كأنه قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أُريدُ الخير بكم، ولستُ أدَّعِي أني ملَكٌ أو ملِكٌ لِتنفِروا مني لِتَعَظُّمي عليكم، يوحي إليَّ اللَّهُ -الذي تُقِرُّون أنه خالقُكم- أنَّه إله واحد لا شريك له.
وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾: أي: وجِّهوا وجوهكم بالعبادة والدعاء
стр. 6457
والمسألة (١) والإخلاص إليه، ولا تَعْدِلوا عنه إلى غيره، وهو كقولك: استقِمْ إلى منزلك؛ أي: لا تُعَرِّجْ في طريقك على شيء غيرِ القَصْد والمُضِّيِّ إليه.
﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: أي: سَلُوه أنْ يغفِرَ لكم ما سلف مِن ذنوبكم.
وقيل: أي: آمنوا به، فإن اللَّه تعالى وعَدَ عليه مغفرةَ ما قد سلَفَ، فكان الإتيان به سؤالًا لِما وَعَدَ عليه.
﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: أي: لا يَقْبلونها.
وقيل: أي: لا يُعْطُون مِن أنفسهم الطَّهارةَ؛ فإن الزكاة هي الطهارةُ، قال تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١]؛ وذلك بالتَّنَقِّي عن دَنَس (٢) الكفر، قال تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: أي: جاحدون.
* * *
(٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: أي: غيرُ مَقْطوع.
وقيل: غيرُ مَنْقوص، وهو ثواب الآخرة.
وقيل: غيرُ مَقْطوع عنهم في مرضهم وضعفهم وهرَمهم.
وقيل: أي: بعد موتهم أيضًا.
وقيل: أي: غيرُ ممنون عليهم به، فيتكدَّرَ بالمِنَّة.
стр. 6458
وقال الأخفش: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾: (مِن) للتوكيد، وهي زائدةٌ (١).
وقال الحسن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾: علَّمَه التواضعَ (٢).
وقال السُّدِّي: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾: يعني: بالتوحيد، ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: يعني: مِن الشرك (٣).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: أي: لا يقولون: لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه (٤)، وهي زكاة الأَنْفُس.
وقال الضحاك: أي: لا يُنفقون في الطاعة (٥).
وقال ابن كيسان: لا يرون إيتاءها خيرًا (٦).
* * *
(٩) - ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: استفهام بمعنى التَّوْبيخ؛ أي: أتُنْكِرون وحدانية اللَّه تعالى وقد خلَقَ الأرض؟!
стр. 6459
أو: أتُنْكِرون قُدْرة اللَّه على البعث وقد خلَقَ اللَّه الأرض على سَعَتها وبُعْدِ أطرافها؟!
أو: أتكفرون بنِعَم اللَّه وتتركون الشكرَ للَّه تعالى وقد أنعَمَ عليكم بخَلْق السماء والأرض، وتهيئة الأسباب بينهما؟!
﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قيل: مِن أيام الدنيا.
وقيل: مِن أيام الآخرة، كلُّ يوم ألفُ سنة، وهو قول الكلبي ﵀ (١).
وكذلك الأيام المذكورة بعدها على هذا الاختلاف.
وكان قادرًا على أنْ يخلُقَ السماء والأرض وأضعافَ ذلك في لحظة، لكن علَّمَ الناسَ تَرْكَ الاستعجال، والتثبُّتَ في الأفعال.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾: أي: أَشْباهًا وأَشْكالًا، وهي الأصنام.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: الذي خلَقَ الأرض في يومين هو مالِكُ الخَلْق ومُرَبِّيهم ومُصْلِحُهم.
* * *
(١٠) - ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾: أي: جبالًا ثوابتَ لاستقرارها.
﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾: قيل: في الرَّواسي بالمياه والأشجار والثِّمار والذهب والفضة وما يكون في الجبال.
стр. 6460
وقيل: في الأرض بنباتها وأشجارها، وما يخرُجُ منها مِن الأغذية والمعادن وغيرها.
﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: قال قتادة: أي: أرزاقَها (١)، ومعناه: الأرزاقَ التي فيها، أو: أرزاقَ أهلِها.
وقال مجاهد: أقواتَها مِن المطر (٢).
وقال عكرمة: في هذه الأرض ما ليس في هذه مِن معاشها.
وعنه أيضًا قال: كلُّ قريةٍ فيها عمَلٌ لا يصلُحُ في الأخرى (٣).
وقال حيَّان: قال الكلبي: قدَّرَ الخُبْز لأهل قُطْر، والتَّمْرَ لأهل قُطْر، والذُّرَة لأهل قُطْر، والسمك لأهل قُطْر، وكذلك أخواتُها (٤).
وعلى هذا معناه: أسبابَ أقواتِها.
وقولُه تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾: أي: في يومين آخَرين مع اليومين الأوَّلَين، كان نَصْبُ الرَّاسِيات وتقديرُ الأقوات وإتمامُ العِمارات في يومين بعد خَلْق الأرض في يومين.
وفي الخبر: خلَقَ اللَّه الأرضَ يوم الأحد ويوم الاثنين، وخلَقَ الجبالَ يوم الثلاثاء، وخلَقَ الشَّجَرَ والماء والعِمْران والخَراب يوم الأربعاء، وخلَقَ يوم الخميس السماء، وخلَقَ يوم الجمعة النجومَ والشمسَ والقمرَ والملائكةَ وآدمَ (٥).
стр. 6461
﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾: قرأ يعقوبُ: ﴿سواءٍ﴾، بالخفض نعتًا لأربعة أيام؛ أي: مُستَوِياتٍ.
وقرأ أبو جعفر: ﴿سواءٌ﴾، بالرفع؛ أي: هن سواءٌ؛ أي: مُستوياتٌ.
وقراءةُ العامة: ﴿سَوَاءً﴾، بالنصب على المصدر، وتقديرُه: استوَتْ استواءً للسائلين (١).
قال قتادة والسُّدِّي: هو سؤالُ الاستخبار (٢).
وقال ابن زيد: هو سؤال الاستعطاءِ؛ أي: الخبر هكذا على الصِّدْق لِمَن سأل، والأقوات مَبذولةٌ على الوجه لِمَن استبدلَ (٣).
* * *
(١١) - ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: هو مَجازٌ عن إيجاد اللَّه تعالى السماءَ على ما أراد، مِن قول العرب: فعَلَ فلان كذا ثم استوى إلى عمَلِ كذا، يُريدون به أنه أكمَلَ الأول، ثم ابتدأ الثاني، فقرَّرَ اللَّه تعالى هذا في أفهام الخَلْق أنه أكملَ خَلْق الأرض ثم رتَّبَ عليه خَلْق السماء.
ولا يُفْهَم منه ما يُفْهَمُ مِن ترتيب فعل البشر أنَّ الأول ينقضي ثم الثاني يأتي؛ لأنَّ فِعْل اللَّه تعالى أزَلِيٌّ أبَدِيٌّ، لكنْ رتَّبَ ذِكْرَ الأشياء لترتُّبِ ظُهور الآثار في الأعيان.
стр. 6462
ويُفهَمُ مِن ظاهر هذه الآية أنَّ خَلْق السماء كان بعد خَلْق الأرض، وبه قال ابن عباس ﵁ (١).
وقولُه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ يدلُّ على أنَّ خَلْق الأرض كان بعد خَلْق السماء، وبه قال قتادة والسُّدِّي (٢).
وقولُه تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾: يدلُّ على خَلْقهما معًا، وبه قال قوم.
وقد شرَحْنا الأقاويل الثلاثة بدلائلها في سورة البقرة.
﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾: قال ابن عباس: أوَّلُ ما خلَقَ اللَّه تعالى جَوْهَرةً طولُها وعرضُها مَسِيرةَ ألف سنة في مَسيرة عشرة آلاف سنة، فنظَرَ إليها بالهَيْبة فذابَتْ واضطربَتْ، ثم ثارَ منها دُخان فارتفع، واجتمع زبَدٌ فقام فوق الماء، فجعَلَ الزَّبَدَ أرضًا والدُّخانَ سماءً (٣).
﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: قال مجاهد: قال: يا سماءُ، أَبْرِزي شمسَكِ وقمرَكِ ونجومَكِ، ويا أرضُ، أَخْرِجي نباتكِ، وكذا (٤).
стр. 6463
وقيل: هو كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي: إذا أراد تكوينَ شيءٍ كوَّنَه، وهو عبارة عن سرعة الإيجاد ونُفوذِ الإرادة في المراد.
﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: أي: أتينا مع أهلنا، ولذلك جُمِعَ مع سَبْق ذِكْر التَّثْنية؛ لأن الأهل مُضْمَر فيه، فصار الكلُّ جَمْعًا.
وقيل: هو ظهورُهما على ما أراد مِن غير امتناع، لا على حقيقة القول، وهو كقول القائل:
امتلأَ الحوضُ وقال: قَطْني... مَهْلًا رُوَيْدًا قد ملَأْتَ بَطْني (١)
* * *
(١٢) - ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾: أي: فأتمَّ خَلْقَهُنَّ سَبعًا طِباقًا بعضُها فوق بعضها في يومين بعد تلك الأربعة الأيام، فتمَّ في ستة أيام؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨].
وقولُه تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾: قال السُّدِّي: أي: فعَلَ فيها ما أرادَه مِن مَلَك وغيره (٢).
وقال قتادة: أي: خلَقَ فيها شمسَها وقمرَها ونجومَها وصلاحَها (٣).
стр. 6464
وقيل: أي: وأمرَ أهلَ كلِّ سماء بما أَمَرَ.
والأول على مجازِ قولِه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ الآية [يس: ٨٢]، فذلك على التكوين، فكذا في هذه الآية.
وقيل: الإيحاءُ في الأصل: هو الإلقاء، فكان مَجازًا عن إظهار ما أرادَ في كل سماء.
﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾: أي: التي تدنو مِن أهل الأرض.
﴿بِمَصَابِيحَ﴾: أي: بسُرُجٍ، وهي النجوم.
﴿وَحِفْظًا﴾: أي: وحفِظْناها عن السُّقوط، وقيل: عن استراق السمع بالرُّجوم.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾: أي: ما ذُكِرَ مِن خَلْق السموات والأرضين وغير ذلك تقديرٌ منه على ما عَلِمَ فيه اتِّصالَه بمصالح عباده ومنافعهم، أمضاه على ما أرادَ؛ لأنه عزيز مَنيع لا يُغالَبُ ولا يُنازَعُ، عليمٌ بالعواقب ومَقادير الأمور وحوائج الخَلْق.
وقال مقاتل بن حَيَّان: نزلت هذه الآيات في أبي جهل وأبي سفيان وعُتْبة وشَيْبة ابنَي ربيعةَ، اجتمعوا في دار أبي طالب، وخاصموا رسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات (١).
* * *
(١٣) - ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾: أي: فإنْ تولَّوا عن التوحيد مع قيام هذه الأيام فقل يا محمد: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾؛ أي: خوَّفْتُكم ﴿صَاعِقَةً﴾؛ أي: عذابًا مُهْلِكًا هائِلًا يُزيلُ العقول قبل زُهوق الرُّوح.
﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾: أي: مِثْلَ عذابٍ على هذه الصفة حَلَّ بعاد وثمود.
стр. 6465
(١٤) - ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾: أي: جاء عادًا هودٌ النَّبيُّ، وثمودَ صالحٌ النبيُّ، ﵉، وكلُّ رسول يُخبر بسائر الرسل، فمجيئُه مجيءُ الرسل معنًى، وكذلك قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وما جاءهم ظاهرًا إلا نوحٌ ﵇ وحدَه، وكذا قال: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]، وقال: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩].
وقيل: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أي: جاءهم بيانُ حَقِّيَّةِ أمرِ (١) الرسل مِن كل جِهة حين أحاطَ بهم البَيانُ مِن كل جانب، فحيثما انصرفوا (٢) وجدوا بيانَهم قائمًا لهم.
وقيل: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: الرسل المبعوثون في آبائهم ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: الذين بعد أولئك الرسل.
وقيل: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أي: مُنذِرين بعذاب الدنيا والآخرة، وهو كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقيل: أي: داعين إلى العمل في الدنيا، والإيمان بالآخرة.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾: أي: إذ جاءتهم الرسل بألا تعبدوا إلا اللَّه تعالى وحده لا شريك له، ولا تشركوا به شيئًا.
وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: أي: لو أراد اللَّه
стр. 6466
تعالى أنْ يُرسلَ رسولًا إلى عباده لأَنزلَ عليهم الملائكة رسلًا مِن عنده؛ إذ هم سُكَّان السماوات التي منها يَنزل الوحيُ، دون أنْ يجعلَهم مِن أهل الأرض، فإنا لهذا جاحدون لِمَا ادَّعيتم مِن الرسالة، وهذا جهل منهم بمواقع الحكمة على ما بيَّنَّاه في قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾.
ثم بيَّنَ ما ذَكَرَ مِن صاعقة عاد وثمود، فقال:
* * *
(١٥) - ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: أي: فتعظَّموا على نبيهم، وأفسدوا في بلادهم بغيرِ أنْ حُقَّ لهم ذلك.
﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾: استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا أقوى منا في الأجسام والعدد.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: أي: أوَلمْ يعلموا عِلْمًا يقوم مَقامَ العِيان أنَّ اللَّه هو أوسعُ منهم قُدْرةً؛ لأنه قادرٌ على كل شيء بقُدْرة نفْسِه، وهم قادرون على بعض الأشياء بإِقْدار اللَّه تعالى إياهم، ولو شاء لَسَلَبهم ذلك؟ وهو استفهام بمعنى التوبيخ.
﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: يتَّصِلُ بقوله: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.
* * *
(١٦) - ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
стр. 6467
قولُه تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾: أي: باردةً مُهْلِكةً ببَرْدِها.
وقيل: شديدةَ الهُبوب.
وقيل: شديدةَ الصَّوت.
وقولُه تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾: أي: مشؤومات. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿نَحْسات﴾: بتسكين الحاء، والباقون بكسرها (١)، وكلاهما نعت، وهي ما قال: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧].
ونُحوسَتُها: دوامُ تلك الريح فيها على حالة واحدة لا تفتُرُ.
﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾: أي: الفضيحة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ﴾: أي: أشدُّ فضيحةً ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾: أي: لا يُدْفَعُ عنهم عذابُ الآخرة.
وعن محمد بن كعب القُرَظي: أنَّ عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس قال ذاتَ يومٍ وهو جالس في نادي قريش: ألا أقومُ إلى هذا الرجل فأكلِّمَه فأعرضَ عليه أمورًا لعلَّه يقبلُ منها (٢) بعضَها، فنعطيَه أيَّها شاء ويكُفَّ عنا، وذلك حين رأوا أصحاب محمد رسول اللَّه ﷺ يزيدون ويكثُرون، قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عُتْبة حتى جلس إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا ابن أخي، إنكَ مِنَّا حيث قد علِصْتَ مِن المكان في النَّسَب، وإنكَ قد أتيتَ قومكَ بأمر عظيم، فرَّقْتَ جماعتَهم، وعِبْتَ آلهتَهم ودِينَهم، وكفَّرْتَ مَن مضى مِن آبائهم، فإنْ كنتَ إنما تريد بما جئتَ به مالًا جمَعْنا لكَ مِن أموالنا حتى تكونَ أكثرَنا مالًا، وإنْ كنتَ تريد شرفًا شرَّفْناكَ علينا حتى لا نقطعَ أمرًا دونكَ، وإنْ
стр. 6468
كنتَ تريد به مُلْكًا ملَّكْناكَ علينا، وإنْ كان هذا الذي يأتيك رِئْيًا تراه -يعني: جِنِّيًّا- لا تستطيع أنْ ترُدَّه عن نفْسِكَ طلَبْنا لكَ الطبَّ، وبذَلْنا فيه أموالَنا حتى نُبْرِئَكَ منه، فإنه ربما غلَبَ التابعُ على الرجل حتى يُداوى منه، فلما فرَغَ منه قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ الآية، فقام عُتْبة إلى أصحابه (١)، فقال بعضهم لبعض: باللَّهِ لقد جاءكم أبو الوليد بغير وجهه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءَكَ؟ قال: سمعتُ قولًا ما سمِعْتُ بمِثْلِه قطُّ، واللَّهِ ما هو بشِعْرٍ ولا سِحْرٍ ولا كَهانةٍ، يا مَعْشَرَ قريش، أطيعوني وخَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فقالوا: واللَّهِ سحَرَكَ بلسانه، فقال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم (٢).
وعن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ أبا جهل والملأَ مِن قريش بعثوا عُتْبة بن ربيعة إلى النبي ﷺ ، فقال له: أنتَ يا محمد خيرٌ أم هاشمٌ؟! أنتَ خيرٌ أم عبد المطلب؟! فبِمَ تَشْتِمُ آلهتنا وتُضَلِّلُ آباءنا؟! فإنْ كنتَ تريد الرياسة عقَدْنا لكَ فكنتَ رأسًا ما بقِيتَ، وإنْ كنتَ تريد الباءةَ زوَّجْناكَ عشرَ نِسْوةٍ تختارها مِن أيِّ بنات قريش شئتَ، وإنْ كنتَ تريد المال جمعنا لكَ مِن أموالنا ما تستغني (٣) به أنتَ وعقِبُكَ مِن بعدكَ، فلما فرَغَ قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ الآية، فأمسَكَ عُتْبة على فيه وناشدَه بالرَّحِمِ أنْ يكُفَّ، فرجَعَ إلى أهله ولم يخرُجْ إلى قريش، واحتبَسَ عنهم، فقال أبو جهل: يا
стр. 6469
مَعْشَرَ قريش، واللَّهِ ما نرى عتبة إلا وقد صبَأَ، فأتوه، فقال أبو جهل: واللَّهِ يا عُتْبةِ ما حبَسَكَ عنا إلا وأنَّكَ قد صَبَوْتَ إلى محمد وأعجبَكَ أمرُه، فغضِبَ وأقسَمَ ألا يُكلِّمَ محمدًا أبدًا، وقال: إني أتيتُه فقصَصْتُ عليه القصة، فأجابني واللَّهِ بقولٍ ليس بشِعْرٍ ولا بسِحْرٍ ولا كَهانةٍ، فأمسكْتُ على فيه وناشدتُه بالرَّحِمِ على أنْ يكُفَّ، وقد علِمْتُم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذبْ، فخِفْتُ أنْ يَنْزِلَ بكم العذاب (١).
وقال الكلبي: إنَّ قريشًا قالت لعُتْبة بن ربيعة -وكان مِن أحسن الناس حديثًا-: إئتِ محمدًا فكلِّمْه، وانظرْ ماذا يردُّ عليكَ فأعلِمْنا به، فأتاه وهو في الحَطِيم، فلم يترُكْ شيئًا إلا قال له، ثم أجابه النبي ﷺ ، وقرأ عليه: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ الآية، فوثَبَ عُتْبة فَزِعًا مَخافةَ أنْ يُصَبَّ عليه العذابُ الذي خوَّفَه به، فأتى قومه مَذْعورًا، فأخبرَهم بما قال لمحمد ﷺ ، وبما ردَّ عليه محمد، فقالوا له: فما فهِمْتَ منه كلمةً واحدة؟ قال: لا، ولم أَهْتَدِ لجوابه، قال عثمان بن مَظْعون: ذلك واللَّهِ لتعلَموا أنه مِن رب العالمين، فلا تستطيعون جوابَه، وتابعَه رجالٌ مِن المسلمين على ذلك حين عَلَتْ أصواتُهم، ثم تفرَّقوا يلعَنُ بعضهم بعضًا، فقال الحارث بنُ عَلْقمة بنِ عبد الدار بنِ قصي بنِ كِلاب عند ذلك: لقد أفسدَ هذا الرجل -يعني: محمدًا- ذاتَ بينِنا، وفرَّقَ كلمتَنا، وايمُ اللَّهِ، لئِنْ بَقِيَ وبقِيتُم لَيكونَنَّ بطنُ الأرض خيرًا لكم مِن ظَهْرها، وإنما يتبيَّنُ لكم ذلك إذا خرَجَ مِن عندكم فانتهى إلى غيركم، فعند ذلك تنقطِعُ سبيلُ غزاتكم (٢)، فذروه ما تركَكم.
* * *
стр. 6470
(١٧) - ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: أي: فبيَّنا لهم الرُّشْد ودلائله.
﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾: أي: فآثروا الضلال على الرَّشاد.
﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي: فنزَلَ بهم العذاب المُهْلِكُ المُهين بكَسْبهم، وهو شركُهم ومعاصيهم.
والهُوْن: الهَوان، وهو مصدر أُريدَ به النعت، أو هو بدل عن الأول؛ لأن العذابَ هو الهُون، والهُونُ هو العذاب، وتقديرُه: صاعقةُ العذابِ صاعقةُ الهُونِ.
وإضافةُ الصاعقة إلى العذاب إضافةُ النَّوع إلى الجنس على تقدير إضمار: مِن؛ أي: الصاعقة مِن العذاب.
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: الكفرَ والمعاصيَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ (١): قرأ نافع: ﴿نحشر﴾ بالنون، ﴿أَعْدَاءُ﴾ بالنصب، إخبارًا مِن اللَّه تعالى عن نفْسِه أنه يفعل ذلك، وقرأ الباقون: ﴿يُحْشَرُ﴾ بالياء مضمومةً وفَتْحِ الشين، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ هو بالرفع على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٢)، ذكَرَ عذابَهم في الدنيا، ثم عذابهم في الآخرة.
стр. 6471
ونصَبَ ﴿يومَ﴾ على إضمار: واذكُرْ يومَ يُجْمَعُ (١) أعداءُ اللَّه، وهم هؤلاء وسائرُ الكفار، ويُساقون إلى النار.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: قال الكسائي (٢): أي: يُدْفَعون (٣).
وقيل: أي: يُحبَسُ أوَّلُهم على آخرهم، وقد وَزَعْتُ الجيش.
وقيل: أصلُه الكَفُّ، قالت عائشة ﵂: ما يزَعُ السُّلطانُ أكثرُ مما يزَعُ القرآنُ (٤).
وفي الخبر: لا بُدَّ للناس مِن وَزَعةٍ (٥)؛ أي: وُلاةٍ يكُفُّونهم عن التَّظالُم (٦).
يعني: أنَّهم يُدَعُّون إلى نار جهنم دَعًّا باستعجال، فينقطع أوَّلُهم عن آخرهم، فيُحْبَسُ الأوَّلون لِيلحقَ بهم الآخِرون.
* * *
стр. 6472
(٢٠) - ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾: أي: النار ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾؛ أي: آذانُهم، ووحَّدَ لأنه مصدر.
﴿وَأَبْصَارُهُمْ﴾: أي: عيونُهم ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾؛ أي: التي على سائر الأعضاء بسائر المعاصي.
وقيل: هي كناية عن الفُرُوج؛ أي: تشهد فروجُهم بزِناهم.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بهذه الأعضاء، وذلك إذا جحَدوا بألسنتهم وقالوا: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقالوا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨].
* * *
(٢١) - ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا﴾: أي: الجُلود ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾؛ أي: بالشهادة عليكم ﴿الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: كلَّ شيءٍ ناطقٍ.
﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: نُطْفةً ثم عَلَقةً ثم مُضْغةً ثم كذا وكذا حتى صِرْتُم ناسًا ناطقين.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي: ثم أنتم الآن راجعون إلى حُكْمه لا امتناعَ لكم منه، فمَن قدِرَ على هذا كلِّه قدِرَ على إنطاقنا.
* * *
(٢٢) - ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 6473
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾: قيل: هو خطابُ اللَّهِ لهم حينئذٍ.
وقيل: هو مِن كلام الجوارح في خطابهم؛ أي: وما كنتم تتَّقون شهادةَ الجوارحِ عليكم.
وقيل: ما كنتم تَسْتَخْفون مِن أنفسكم حذَرًا مِن أن تشهدَ عليكم الجوارح، أو لئلا تشهدَ عليكم الجوارحُ.
والاستخفاءُ مِن الأنفُس: هو تَرْكُ الذنوبِ أصلًا؛ كما يُقال: استَحْيِ مِن نفْسِك.
وقيل: معناه: ما كنتم لِتستتروا فتعملوا بغير مَشْهَد مِن جوارحكم؛ أي: هذا مما لا يُمكن، تستَّرْتُم عن الناس ولم (١) يمكنْكُمُ التستُّرُ عن الجوارح، فهي شهودٌ (٢) عليكم لا يُمكنُكم تكذيبَها.
﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: كانت طائفةٌ مِن الكفار بلَغَ جهلُهم أنْ ظنُّوا أنَّ اللَّه يعلم بعض الأمور ويخفَى عليه بعضُها.
قال ابن مسعود ﵁: اجتمَعَ صَفْوانُ بن أمية وربيعةُ وعبدُ يَالِيلَ الثَّقَفيان في الحَطِيم، فقال أحدهم: أترى أنَّ اللَّه يسمَعُ ما نقول؟ فقال الآخر: إذا رُفِعَتِ الأصواتُ سَمِعَ، وإذا خَفَضْنا لم يسمعْ، فقال الثالث: لئن كان يسمع النَّجْوى لقد يسمع السِّرَّ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٣).
стр. 6474
وقولُه تعالى: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: كلَّ ما تعملون، وهو كقوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]؛ أي: كلُّه.
وقيل: معناه: ولكنْ عمِلْتُم الذنوب (١) عمَلَ مَن ظنَّ أنَّ اللَّه لا يعلم ما يَعمل، وهو كقوله: ﴿أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]؛ أي: فما أعمَلَهم بعمَل مَن يصبر على النار.
* * *
(٢٣ - ٢٤) - ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾: أي: أهلكَكم؛ يعني: سهَّلَ عليكم المعاصي فعمِلْتُموها وهلَكْتُم بها.
﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: ويجوز أنْ يكون نفْسُ الظنِّ هو المُهْلِكَ، فإنَّ ظنَّه أنَّ اللَّه لا يعلم ما عمِلَه كفرٌ منه، وهو مُهْلِكٌ.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾: أي: إنْ صبَروا أو لم يصبِروا فلا مَخْلَصَ لهم منها، فإن قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾: معناه: وإنْ لم يصبروا واستَعْتَبوا، وهو كقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦].
وقيل: هو على قوله: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؛ أي: لو التمَسوا الكَفَّ عنهم وإزالةَ ما هم فيه بمسألة العُتْبى -وهو إظهار الرِّضا بأنْ يضمَنوا أنْ لا يعودوا إلى ما كانوا عليه- لم يُعْتَبوا؛ أي: لم يُجابوا إلى ذلك، وقد استعتبتُه فأعتبَني؛ أي: استرضيتُه فأرضاني.
стр. 6475
وقرأ عمرو بن عبيد: (وإنْ يُسْتَعْتَبوا) على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، (فما هم مِن المعتِبين): بكسر التاء (١)؛ أي: إنْ سُئِلوا بأنْ يعملوا بما يُرْضون به ربَّهم لم يفعلوا؛ أي: لم يُمكنهم ذلك ولم يَقْدِروا عليه؛ لأنَّهم فارَقوا دار المِحْنَة والعمل.
ويُقال: عتِبَ على فلان؛ أي: وجَدَ عليه مَوْجِد، فعاتبَه؛ أي: خاطبَه بإظهار المَوْجِدَةِ، فاستعتبَه؛ أي: استرضاه، فأعتبَه؛ أي: أرضاه، والعُتْبى: الرِّضى إذا زال سببُ المَوْجِدَةِ.
* * *
(٢٥) - ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾: وهذا قَبْل إنزالِ العذاب المستأصِلِ.
أي: قدَّرْنا. وقيل: هيَّأْنا. وقيل: سلَّطْنا. وقيل: أبدَلْنا.
﴿قُرَنَاءَ﴾: جَمْعُ قرين، وهم مِن الشياطين؛ كما قال: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]؛ أي: اختاروا الضلالة فسلَّطْنا عليهم شياطين يُضِلُّونهم ويُزِلُّونهم.
﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: أي: زيَّنوا لهم ارتكابَ المعاصي والملاذِّ المحظورة، فهوَّنوا عليهم أمرَ الآخرة والحساب والجزاء، فقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الآخرة؛ لأنَّهم يأتونها، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: الدنيا؛ لأنَّهم يتركونها.
وقيل: هو على القلب، ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا؛ لأنَّها حاضِرةٌ لهم؛ كما يُقال: قدَّمْتُ المائدةَ بين يديه، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: الآخرة؛ لأنَّها مِن بَعد هذا تأتيهم.
стр. 6476
وقيل: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن أعمالٍ عمِلوها فصوَّبوها لهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما يترُكون مِن آثارهم بَعْدَهم.
وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: حسَّنوا إليهم (١) أعمالَ الذين كانوا مِن قبلهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: أعمالَ الذين حدَثوا معهم أو بعدهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: قيل: هو ما قال إبليس: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] وسائرُ ما قال أنه يفعل ببني آدمَ.
وقيل: هو ما قال اللَّه تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]؛ أي: تحقَّقَ هذا الوعيدُ فيهم.
وقولُه تعالى: ﴿فِي أُمَمٍ﴾: أي: مع أُمَمٍ ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: أي: عَمَّهم جميعًا في العقاب؛ لعُمومهم في الارتكاب، فهم جميعًا خاسرون، ترَكوا قُرناءَ الخير وهم الدُّعاة إلى الحق والدِّين، فعُوقبوا بالقُرَناء مِن الشياطين وذلك هو الخُسْران المُبين.
وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن طُول الأمَل، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: مِن نسيان الزَّلَل (٢).
* * *
(٢٦) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾: وذكَرَ بعد قَبائحِ أولئكَ قبائحَ مُشركي عصرِ النبي ﷺ فقال: وقال مُشْركو قريش: لا تُصْغَوا إلى ما يقرؤُه عليكم محمد مِن الكتاب الذي يزعُمُ أنه مُنَزَّلٌ عليه مِن ربه.
стр. 6477
﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾: أي: ائتوا فيه باللَّغْو مِن الكلام -وهو الباطل الذي ليس له معنًى مُفيدٌ- لِيختلِطَ عليه ما يقرأ، فلا يتمكَّنُ مِن قراءته، ولا يتمكَّنُ أصحابُه مِن سماعه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾: أي: لِتغلِبوه على القراءة فيَتْرُكَ، أو يتشوَّشَ عليه فيعجِزَ، أو يخفى (١) على السامع فلا يظهر.
قال ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾: كان يُوصي بعضهم إلى بعض: إذا رأيتم محمدًا فعارِضوه بالرَّجَز والأشعار (٢).
وقال مقاتل: ارفعوا أصواتَكم بالأشعار والكلام في وجهِه حتى تُلَبِّسوا عليه قوله فيسكُتَ (٣).
وقال مجاهد: بالمُكاء والصفير (٤).
وقال الضحاك: أكثِروا الكلامَ، فيختلِطَ عليه ما يقولُ (٥)
وقال السُّدِّي: صِيحُوا في وجهه (٦).
وقال أبو العالية: اطعَنوا فيه وعِيْبوه (٧).
стр. 6478
وقال مقاتل: قاله أبو جهل لقريش (١).
وقرأ عيسى بن عمرو: (وَالْغُوْا فِيهِ) بضمِّ الغين مِن باب: دخَلَ (٢).
وقال الأخفش: مَن فتَحَ الغين كان مِن باب: صنَعَ (٣).
وفي "ديوان الأدب" جعلَه مِن باب: علِمَ (٤).
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾: قيل: في الدنيا، وكان ذلك يومَ بدر.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: في الآخرة، فقد حبِطَ ما كان في صُورة الحسنات، وبقِيَت السيئات.
وقيل: كلاهما في الآخرة.
﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾: أي: ذلك الجزاءُ جزاءُ الكفار الذين هم أعداءُ اللَّه.
﴿النَّارُ﴾: ترجمة عن قوله: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾.
стр. 6479
﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾: أي: لهم في النار مَسْكَنُ الخُلود.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: في الدنيا، وهي آيات القرآن التي لغَوا فيها.
* * *
(٢٩) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: ويقول هؤلاء الكفار إذا صاروا في النار:
﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾: أي: كانا سببًا لضلالنا حتى وقَعْنا في هذا العذاب لذلك.
قال علي بن أبي طالب ﵁: يعني: إبليسَ الأبالسة، وابنَ آدم الذي قتلَ أخاه (١). وإنما خُصَّا بالذِّكْر لأنهما سَنَّا الضَّلال والقَتْل (٢).
وقولُه تعالى: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾: أي: في الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النار الذي أهلُه أشدُّ (٣) عذابًا.
وقيل: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾: قرينٌ مِن الأنس، وقرينٌ مِن الجن، وهو ما قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥]، يقولُ كلُّ كافرٍ ذلك، يُريد قرِينَيْه هذين.
والآثارُ على القول الأول.
стр. 6480
(٣٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾: أي: نطَقوا بالتوحيد.
﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أي: أخلَصوا الإقرارَ للَّه بالرُّبوبية، ولم يعدِلوا عنه إلى غيره، ولا استبدَلوا به دِينًا سواه، ولا عمِلوا ما يخرجُ به عنه.
ذكرَ المؤمنين المُستقيمين وثوابَهم بعد ما ذكَرَ الكفارَ وعقابَهم.
وعن أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال لَمَّا نزلت هذه الآية: "أمَّتي وربِّ الكعبة، استقاموا وثبَتوا على: لا إله إلا اللَّه" (١).
وقال أبو بكر الصديق ﵁: استقاموا فِعْلًا كما استقاموا قَوْلًا (٢).
وعنه في رواية أخرى أنه قال لأصحابه: ما تقولون في هذه الآية؟ قالوا: لم يُذنبوا، فقال: حمَلْتُم الأمر على أشَدِّه، قالوا له: فما تقول؟ قال معناه: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان (٣).