وقيل: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن أعمالٍ عمِلوها فصوَّبوها لهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما يترُكون مِن آثارهم بَعْدَهم.
وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: حسَّنوا إليهم (١) أعمالَ الذين كانوا مِن قبلهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: أعمالَ الذين حدَثوا معهم أو بعدهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: قيل: هو ما قال إبليس: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] وسائرُ ما قال أنه يفعل ببني آدمَ.
وقيل: هو ما قال اللَّه تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]؛ أي: تحقَّقَ هذا الوعيدُ فيهم.
وقولُه تعالى: ﴿فِي أُمَمٍ﴾: أي: مع أُمَمٍ ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: أي: عَمَّهم جميعًا في العقاب؛ لعُمومهم في الارتكاب، فهم جميعًا خاسرون، ترَكوا قُرناءَ الخير وهم الدُّعاة إلى الحق والدِّين، فعُوقبوا بالقُرَناء مِن الشياطين وذلك هو الخُسْران المُبين.
وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن طُول الأمَل، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: مِن نسيان الزَّلَل (٢).
* * *
(٢٦) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾: وذكَرَ بعد قَبائحِ أولئكَ قبائحَ مُشركي عصرِ النبي ﷺ فقال: وقال مُشْركو قريش: لا تُصْغَوا إلى ما يقرؤُه عليكم محمد مِن الكتاب الذي يزعُمُ أنه مُنَزَّلٌ عليه مِن ربه.
стр. 6477
﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾: أي: ائتوا فيه باللَّغْو مِن الكلام -وهو الباطل الذي ليس له معنًى مُفيدٌ- لِيختلِطَ عليه ما يقرأ، فلا يتمكَّنُ مِن قراءته، ولا يتمكَّنُ أصحابُه مِن سماعه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾: أي: لِتغلِبوه على القراءة فيَتْرُكَ، أو يتشوَّشَ عليه فيعجِزَ، أو يخفى (١) على السامع فلا يظهر.
قال ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾: كان يُوصي بعضهم إلى بعض: إذا رأيتم محمدًا فعارِضوه بالرَّجَز والأشعار (٢).
وقال مقاتل: ارفعوا أصواتَكم بالأشعار والكلام في وجهِه حتى تُلَبِّسوا عليه قوله فيسكُتَ (٣).
وقال مجاهد: بالمُكاء والصفير (٤).
وقال الضحاك: أكثِروا الكلامَ، فيختلِطَ عليه ما يقولُ (٥)
وقال السُّدِّي: صِيحُوا في وجهه (٦).
وقال أبو العالية: اطعَنوا فيه وعِيْبوه (٧).
стр. 6478
وقال مقاتل: قاله أبو جهل لقريش (١).
وقرأ عيسى بن عمرو: (وَالْغُوْا فِيهِ) بضمِّ الغين مِن باب: دخَلَ (٢).
وقال الأخفش: مَن فتَحَ الغين كان مِن باب: صنَعَ (٣).
وفي "ديوان الأدب" جعلَه مِن باب: علِمَ (٤).
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾: قيل: في الدنيا، وكان ذلك يومَ بدر.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: في الآخرة، فقد حبِطَ ما كان في صُورة الحسنات، وبقِيَت السيئات.
وقيل: كلاهما في الآخرة.
﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾: أي: ذلك الجزاءُ جزاءُ الكفار الذين هم أعداءُ اللَّه.
﴿النَّارُ﴾: ترجمة عن قوله: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾.
стр. 6479
﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾: أي: لهم في النار مَسْكَنُ الخُلود.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: في الدنيا، وهي آيات القرآن التي لغَوا فيها.
* * *
(٢٩) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: ويقول هؤلاء الكفار إذا صاروا في النار:
﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾: أي: كانا سببًا لضلالنا حتى وقَعْنا في هذا العذاب لذلك.
قال علي بن أبي طالب ﵁: يعني: إبليسَ الأبالسة، وابنَ آدم الذي قتلَ أخاه (١). وإنما خُصَّا بالذِّكْر لأنهما سَنَّا الضَّلال والقَتْل (٢).
وقولُه تعالى: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾: أي: في الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النار الذي أهلُه أشدُّ (٣) عذابًا.
وقيل: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾: قرينٌ مِن الأنس، وقرينٌ مِن الجن، وهو ما قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥]، يقولُ كلُّ كافرٍ ذلك، يُريد قرِينَيْه هذين.
والآثارُ على القول الأول.
стр. 6480
(٣٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾: أي: نطَقوا بالتوحيد.
﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أي: أخلَصوا الإقرارَ للَّه بالرُّبوبية، ولم يعدِلوا عنه إلى غيره، ولا استبدَلوا به دِينًا سواه، ولا عمِلوا ما يخرجُ به عنه.
ذكرَ المؤمنين المُستقيمين وثوابَهم بعد ما ذكَرَ الكفارَ وعقابَهم.
وعن أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال لَمَّا نزلت هذه الآية: "أمَّتي وربِّ الكعبة، استقاموا وثبَتوا على: لا إله إلا اللَّه" (١).
وقال أبو بكر الصديق ﵁: استقاموا فِعْلًا كما استقاموا قَوْلًا (٢).
وعنه في رواية أخرى أنه قال لأصحابه: ما تقولون في هذه الآية؟ قالوا: لم يُذنبوا، فقال: حمَلْتُم الأمر على أشَدِّه، قالوا له: فما تقول؟ قال معناه: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان (٣).
стр. 6481
وروى زيد بن أسلم عن عمر ﵁: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: لم يرُوغوا رَوَغانَ الثَّعالب (١)؛ يعني: لم يُنافقوا.
وقال عثمان ﵁: ﴿اسْتَقَامُوا﴾: أخلَصوا العمل للَّه تعالى (٢).
وقال علي بن أبي طالب: ﴿اسْتَقَامُوا﴾: أدَّوا الفرائضَ (٣).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على ما افترض اللَّه عليهم (٤).
وقال مجاهد: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: لم يُشْركوا بعد الإيمان حتى ماتوا (٥).
وقال الحسن وابن سيرين: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أي: لم يَعْوَجُّوا (٦).
وقال سفيان الثوري ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أي: عمِلوا على وِفاق ما قالوا.
стр. 6482
وقال الفُضيل بن عياض ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: زهِدوا في الفانية، ورغِبوا في الباقية (١).
وقال مقاتل بن سليمان ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على المعرفة ولم يرتدُّوا (٢).
وقال مقاتل بن حيان ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على أنَّ اللَّهَ ربُّهم (٣).
وقال الرَّبيع بن أنس: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أي: أعرَضوا عما سوى اللَّه مِن الأوثان وغيرها (٤).
وقال القُشَيري ﵀: ﴿ثُمَّ﴾: تقتضي التراخي؛ أي: أقرُّوا بوحدانية اللَّه تعالى للحال، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: استداموا ذلك إلى المآل.
وقال أيضًا: لم يكتفوا بالمقالة دون صَفاء الحالة.
وقال: المُستقيمون قسمان:
مُستقيم في أصل التوحيد والمعرفة، وهذه صفةُ جميعِ المؤمنين.
ومستقيمٌ في الفروع مِن غير معصية، وهو للأقلِّين.
ثم الاستقامة لهم على حسَبِ أحوالهم: فمُسْتقيمٌ في عَقْده، ومُستقيمٌ في
стр. 6483
عَهْده، ومُستقيمٌ في جُهْده ومُراعاةِ حدِّه، ومُستقيمٌ في قَصْده، ومُستقيمٌ في وُدِّه.
وقال أيضًا: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: في تصفية العَقْد، ثم في تَوْفية العَهْد، ثم في صحَّة القَصْد.
وقال أيضًا: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: بأقوالهم، ثم بأعمالهم، ثم بأحوالهم.
وقال أيضًا: أقاموا على طاعته، فاستقاموا في معرفته، وهاموا في محبَّتِه، وقاموا بشرائط خِدْمَتِه.
وقال أيضًا: استقامةُ الزاهدِ: أنْ لا يرجعَ إلى الدنيا، واستقامةُ العابدِ: أنْ لا يعودَ إلى الفَتْرة واتِّباعِ الشَّهوة، ولا يتداخلَ عملَه رياءٌ وسُمْعةٌ، واستقامةُ العارفِ: أنْ لا يشوبَ معرفتَه حظٌّ في الدارين، فيحجِبَه عن مولاه، واستقامةُ المُحبِّ ألا يكونَ له أرَبٌ مِن محبوبه، يكتفي مِن جُوده بوجوده، ومِن عطائه ببقائه (١).
وقولُه تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أي: عند الموت بالبشارة مُترادِفين.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾: أي: بألَّا تخافوا؛ أي: ينزلون بهذه البشارة: لا تخافوا ما بين أيديكم مِن هَوْل المَطْلِع، والمُسائلةِ في القبر، والأَفْزاعِ يوم القيامة.
﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: أي: ولا تهتمُّوا، فلا يفوتكم (٢) ما أُمِّلْتُم (٣).
وقيل: لا تخافوا ما أنتم قادمون عليه، فلن تروا مَكْروهًا، ولا تحزنوا على ما خلَّفْتُموه مِن أهلٍ وولدٍ، فإنَّ اللَّه يخلُفُكم عليهم بخير.
وقيل: لا تخافوا ما أمامكم، فإنكم ستُكْفَون هَوْلَه، ولا تحزنوا على ما تركتموه
стр. 6484
وراءكم في الدنيا مِن نعيمٍ وأهلٍ وولدٍ، فإنَّ اللَّه يُعطيكم في الجنة أكثرَ مِن ذلك وأحسنَ، ويجمَعُ اللَّه بينكم وبين أهاليكم وأولادكم المسلمين في الجنة.
وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم، فإني أغفِرُها لكم (١).
وقيل: لا تخافوا الوقوعَ في العُقوبة، ولا تحزنوا فلن تفوتَكم المثُوبة.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾: في الدنيا، فإنكم ستَصيرون إليها.
وقال حاتم الأصَمُّ: إنما يُقال عند الموت: لا تخَفْ ولا تحزَنْ، للخائف الحَزين، فأما الفرِحُ الآمِنُ فإنه يُقال له: خَفْ واحزَنْ (٢).
وقال أبو بكر الوَرَّاق: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ ملائكةُ الرِّعاية: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ عَزْلَ الوِلاية، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما مضى مِن الجناية، ﴿وَأَبْشِرُوا﴾ بصدق العِناية ﴿بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾: في البداية (٣).
وقال محمد بن علي التِّرْمِذيُّ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ ملائكةُ الرحمن عند مُفارقةِ الأرواحِ الأبدانَ، ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾: سَلْبَ الإيمان ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما كان مِن العِصْيان ﴿وَأَبْشِرُوا﴾: بدُخول الجِنان ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في سالف الأزمان (٤).
وقال الإمام القُشَيريُّ ﵀: لا تخافوا مِن العذاب، ولا تحزنوا على ما خلَّفْتُم مِن الأسباب، وأبشروا بحُسْن المآب وجزيلِ الثَّواب.
стр. 6485
وقال أيضًا: لا تخافوا مِن الذِّلَّة، ولا تحزَنوا بالزَّلَّة، وأبشروا بدوام الوُصْلَة (١).
وقال وكيع بن الجراح: هذه البُشْرى تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وفي البعث (٢).
وقال قتادة: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: إذا قاموا مِن قبورهم (٣).
وقال الحسن (٤): تستقبلُهم إذا خرجوا مِن قبورهم في الموقف (٥).
وقال مقاتل: إنَّ المؤمن إذا خرج مِن قبره رأى ملَكًا قائمًا على رأسه، فيقول له: أنا الذي كنتُ أرفعُ عملَكَ الصالح، فلا تخَفْ ولا تحزَنْ وأبشِرْ بالجنة (٦).
وهذا يدلُّ على أنَّ الملائكة المذكورين في الآية هم الحَفَظة، وبه قال جماعةٌ، منهم عكرمةُ (٧)، وذلك قولُه:
стр. 6486
(٣١) - ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾.
﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: نحفَظُ الأعمال.
وقيل: ملائكةُ قَبْضِ الأرواح يقولون لهم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١): أي: الآن إلى أنْ تخرُجوا مِن الدنيا نُعينُكم ونُقَوِّيكم، وندفعُ الشيطانَ عنكم.
وقيل: الملائكة أنواع، وهم مُوَكَّلون بالبشر مِن وقت تصوير الإنسان في الرَّحِم إلى الموت، وبعده إلى الجنة، وفيها إلى الأبَد يقومون بأمورهم، وهو قولهم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
وقيل على تفسيرهم بالحفَظة: نحن أولياؤكم تولَّيْنا كتابةَ أعمالِكم، ونشهدُ بها في القيامة لكم.
ثم ذكْرُ الملائكةِ في هذه الآية بمقابلةِ ذِكْرِ الشياطين في الآية المتقدمة: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾، فالشياطينُ قُرَناءُ الكفار في الدنيا والآخرة، والملائكةُ أولياءُ المؤمنين في الدنيا والآخرة.
وقيل: هذا خطاب اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾؛ كما قال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهو في مُقابلة ما قال في الكفار: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ (٢) [فصلت: ١٩].
وقولُه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾: أي: في الجنة.
﴿مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾: ما تنزِعُ إليه شهواتُكم مِن الطَّيِّبات والملاذِّ.
стр. 6487
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾: أي: ما دعوتُم به؛ أي: ما التمستُموه.
وقيل: أي: ما أضفتُموه إلى أنفسكم.
وقيل: أي: ما تمنَّيْتُموه بدَلًا عما خلَّفْتُم في الدنيا مِن القليل المُنْقَطِع الفاني.
* * *
(٣٢ - ٣٣) - ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقولُه: ﴿نُزُلًا﴾: أي: رِزْقًا أقامَه اللَّه تعالى لكم لإنزالِكم (١) الجنةَ.
وقولُه: ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾: أي: ممَّن غفَرَ لكم ورحِمَكم.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي، وهو تعجيب مِن المشركين الذين لغَوا في قراءة النبي ﷺ وهو يدعو إلى اللَّه تعالى ويعملُ صالحًا، ويقولُ: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
يقول: كيف يجوزُ لكم مَعاشِرَ قريشٍ مع ادِّعائِكم رَجاحةَ العُقول أنْ تتواصَوا باللَّغْو في قراءة النبي ﷺ ؟! وأيُّ قولٍ أحسَنُ مِن قوله؟! وأيُّ قائلٍ أحسنُ قولًا منه وهو يدعو إلى اللَّه تعالى ولا تُهْمةَ فيه؟! فإنه يعملُ بما يقول، ويُظهِرُ دينَ الإسلام الذي هو دينُ أبيكم إبراهيم ﵇.
وتتَّصِلُ هذه الآية أيضًا بقوله: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ هو كقوله: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، وقولُه تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ هو كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾.
стр. 6488
وقالت عائشة ﵂: ما أُراها إلَّا نزلَتْ في المؤذِّنين (١). وبه قال مجاهد (٢).
وقال أبو أمامة الباهلي ﵁: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: صلَّى السُّنَّةَ والتَّطوُّعَ بعد الأذان (٣).
وقال مقاتل: جميعُ الأئمة والدُّعاة إلى اللَّه تعالى (٤)؛ نظيرُه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة: ٢٤].
وقال الإمام القُشَيري ﵀: الدَّاعي إلى اللَّه هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاءِ باللَّه، وترْكِ طلَبِ العِوَض مِن اللَّه، بأنْ يكِلَ أمرَه إلى اللَّه، ويرضى مِن اللَّه بقِسْمة اللَّه.
وقولُه تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أي: كما يدعو إلى اللَّه، فلا يتخلَّفُ هو عن اللَّه.
ويُقال: هم الذين عرَفوا طريقَ اللَّه، ثم سلكوا طريقَ اللَّه، ثم دعوا الناسَ إلى اللَّه (٥).
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾: أي: لا يستوي ما أنتَ عليه يا
стр. 6489
محمد مِن التوحيد والاستقامة والدعاء إلى اللَّه تعالى، وما عليه المشركون مِن الشِّرْك باللَّه، والصَّدِّ عن سبيل اللَّه، والتَّواصي بتَرْك الاستماع لكلام اللَّه تعالى.
أي: فأنتَ على حقٍّ وهم على باطل، وأنتَ في حِكْمة وهم في سفَهٍ، فاعملْ بما يَليقُ بمحَلِّكَ، ودعْهم وما يليقُ بمحَلِّهم.
وتكرارُ: ﴿وَلَا﴾ ذكَرْنا معناه.
وقيل: لأن كل واحدة منها تصلُحُ أنْ يلِيَها (لا) لو ابتُدِئَ بها.
وقولُه تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي: ادفَعْ بحقِّكَ باطِلَهم، وبحِلْمِكَ (١) سفهَهم.
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾: أي: فإذا استعملْتَ هذا لانَتْ لكَ جوانبُ أعدائِكَ المشركين، ومالتْ قلوبُهم إليكَ بالمودَّة، فأقبَلوا على ما تدعوهم إليه، واستمعوا له، ورُجِيَ بذلك أنْ يستجيبوا لكَ، ويصيرَ مَن يُعاديكَ منهم بالكُفْر بإسلامه كالوليِّ القَريب.
وحميمُكَ: قريبُكَ الذي يهتَمُّ لأمرِكَ.
حثَّه على مُلاطفتِهم ومُجادلتِهم بالأحسن، ثمَّ ليس هذا بقَطْعِ القول على أنهم يؤمنون إذا فعَلَ ذلك بهم، فقد فعَلَ، لكنَّه تنبيهٌ على أنهم يَلينون له، فيستمعون ويتدبَّرون، ثم بعد ذلك يقعُ له الرَّجاءُ في إسلامهم، لكنْ يُنْصفُ بعضٌ فيُسْلِمُ، ويُعانِدُ بعضٌ فيُصِرُّ على كفره، وهو إطماعٌ له كما في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، هذا لإطماعِ موسى وهارون، لا لتحقيق وجودِ الإيمان مِن فرعون.
стр. 6490
(٣٥) - ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾: أي: وما يُعطى هذه الخَصْلةَ، وهي دَفْعُ السيئة بالحسنة، وما يُوَفَّقُ لتلَقِّيها؛ أي: قبولِها واستقبالِها وأخْذِها.
وقيل: أي: الموعظة.
وقيل: أي: الكلمة.
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: ووطَّنوا أنفسَهم على الصبر للَّه على المَكاره.
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: أي: ذو نصيبٍ وافرٍ مِن العقل والعلم.
قال قتادة: أي: ذو حَظٍّ عظيمٍ مِن ثواب اللَّه (١).
وقيل: هي مِن قولهم: رجلٌ مُلَقًّى؛ إذا كان تكثر عليه المكارهُ؛ أي: لا يَحْمِلُ هذا الحِمْلَ إلا كذا.
* * *
(٣٦) - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: (إنْ) شرطٌ، و (ما) صِلَةٌ، والنون توكيا وقسَمٌ؛ أي: وإنْ يُخطِرِ الشيطانُ بقلبكَ وسوسةً، ويصدَّكَ بها عن تلَقِّي هذه الموعظة ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: يسمعُ استعاذتَكَ، ويَعلمُ إرادةَ الشيطان استزلالَكَ، ويَعلمُ ما يربطُ به جأشَكَ.
والنَّزْغُ: الإفسادُ.
стр. 6491
وقيل: نزلت هذه الآيات في إيذاء أبي جهل -لعنَه اللَّه- رسولَ اللَّه ﷺ ، أمرَه بمُداراته، ثم أمرَه بقِتاله (١).
وقال قتادة: ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾: يعني: أبا سفيان بنَ حَرْب، صار وليًّا بعد ما كان عدوًّا (٢).
* * *
(٣٧) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: أي: العلاماتِ الدَّالَّةِ على وحدانيَّته.
﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾: خلَقَها لمنافع خَلْقِه ومصالحِ عِبادِه.
﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾: فإنهما مخلوقان.
﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾: أي: خلَقَ النَّهارَ واللَّيلَ والشَّمسَ والقمرَ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: لأنَّ شرطَ عبادةِ اللَّه تعالى ألَّا نسجدَ لِمَن دونه، فمَن عبَدَ معه غيرَه لم يكن له عابدًا.
قال السُّدِّي ﵀: ولما نزل هذا قال المشركون: لا نسجُدُ إلا للَّاتِ والعُزَّى (٣)، فنزلَ قولُه:
* * *
(٣٨) - ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾.
стр. 6492
﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾: أي: هؤلاء المشركون عن إخلاص العبادة للَّه، فليس ذلك بمُقَلِّلٍ عددَ مَن يُخْلِص للَّه العبادةَ.
وقولُه: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: أي: الملائكةُ الذين هم سُكَّان السماوات، ومُقرَّبون عند اللَّه بالدَّرَجات والكرامات.
﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي: يُنَزِّهونه.
وقيل: يسجدون (١) ويسبحون فيه.
وقيل: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾: أي: يُصَلُّون، وفيها السجودُ وغيرُه.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾: أي: لا يمَلُّون ولا يفتُرون، وهم أكثرُ عددًا ممَّن في الأرض، فلا يُخْطِرَنَّ الشيطانُ بقلبكَ أنَّ في الموحدين للَّه قِلَّةً.
* * *
(٣٩) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: أي: ومن علاماته الدَّالَّة على كمال قُدْرته.
﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: مَيِّتَةً (٢).
وقال الضحاك: أي: ذَليلةً (٣).
وقال قتادة: أي: غَبْراءَ مُتَفَتِّتةً (٤).
стр. 6493
وقال مقاتل: غَبْراءَ مُتَهَشِّمَةً لا نباتَ بها (١).
وأصلُ الخشوعِ: السُّكونُ والخُضوعُ، قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾، وهذا كقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾: أي: تحرَّكَتْ بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي: ازدادتْ وانتفخَتْ بنُمُوِّ النبات في جَوْفها إلى أنْ يخرُجَ منها بانصداعها عنه.
وقيل: اهتزازُها: تحرُّكُ نباتِها، وكذا رُبُوُّها: رُبُوُّ نباتِها.
وقيل: هو مِن قولكَ: اهتزَّ فلانٌ ببِشارةِ كذا؛ أي: استبشرَ، وهذا مجازٌ عن تزيُّنِ الأرض في الربيع، ولذلك يُقال: ضحِكَتِ الأرضُ ببُكاءِ السَّماء.
﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾: لا فَرْقَ بين الموتين والحَياتين في التدبُّرِ.
﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مِن هذا وغيرِه.
وقال الإمام القُشَيري ﵀ في الآيتين: إنَّ الشمسَ وإنْ علَتْ، والقمرَ وإنْ حسُنَ، فلأجلكم خلَقْناهما، فلا تسجدوا لهما واسجُدوا لنا.
وقال أيضًا: خلَقَ الملائكة وقرَّبَهم ورفعَ منزلتَهم، ثم أمرَهم بالسجود لأبيكم آدم، فامتنَعَ أحدُهم، فلُعِنَ على الأبد.
وقال لكم: يا أولادَ آدمَ، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر والملائكةِ ولا لشيءٍ دُوني.
وقال: أمرَكَ بصِيانة وجهِكَ عن الشمس والقمر والملائكة والبَشَر، ثم تبذُلُ وجهَكَ لكل خسيسٍ لأجلِ حظٍّ خَسيسٍ؟!
стр. 6494
وقال في الآية الثانية: الأرضُ إذا صحِبَتْها جُدُوبةُ الشتاء، ففي وقت الربيع إذا أُنْزِلَ عليها المطرُ اهتزَّتْ بالثبات واخضَرَّتْ؛ كذلك القلوبُ إذا خشَعَتْ وتماوتَتْ بما ألمَّتْ به مِن الذُّنوب، ونظَرَ إليها الحقُّ سبحانه، فاهتزَّتْ وتحرَّكَتْ للنَّدَم، يُعْفى عنها ما قصَّرَتْ في صِدْق القَدَم، وكذلك إذا وقعَ للعبد فَتْرٌ في مُعاملتِه، وغَيبةٌ عن بِساط خِدْمَتِه، فإذا تعهَّدَه الحقُّ سبحانه بما أدخَلَ عليه مِن التَّذَكُّر عادَ عُودُ رَشادِه غضًّا طَرِيًّا، وشجَرُ وِفاقِه بعد ما أَجْدَبَ بماء العِناية مَسْقِيًّا (١).
* * *
(٤٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾: أي: إنَّ الذين يَميلون عن الحق في آياتنا، فيقولون: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾، ويكفُرون بالقرآن، ويزعُمون أنه ليس مِن عند اللَّه، وأنَّ محمدًا تَقَوَّلَه على اللَّه، وأنه أساطيرُ الأولين، ويُعرِضون عن تدبُّره.
وقيل: أي: الذين يُلحِدون في آيات وحدانيَّتِنا مما سبَقَ ذِكْرُه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ بتركِ تدبُّرِها والاستدلالِ بها على ما هي علامةٌ دالَّةٌ عليه.
﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾: بل نعلَمُ بهم، فنُجازيهم على وَفْقِ أعمالِهم، وهو تهديدٌ بليغٌ.
وقيل: إنَّ المُنجِّمين داخلين في هذا الوعيد؛ لأنهم يُلْحِدون في هذه الآيات، فإن الشمس والقمر والنجوم جعلَها اللَّه تعالى دلائلَ على وحدانيَّته، وهم يجعلونها دلائلَ على السَّعادة والشَّقاء والغِنى والفقر ونحوِ ذلك.
стр. 6495
وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: قيل: هاهنا مُضْمَرٌ: فلا يخفون علينا وقد أعدَدْنا لهم الجزاءَ، وهو إلقاؤُهم في النار، أفهؤلاء خيرٌ أم مَن لم يُلْحِدْ في آياتنا، فيأتي آمنًا يوم القيامة مِن هذا؟!
وهذا استفهامٌ بمعنى التَّوْبيخ؛ لأنَّ جوابَه: بل مَن يأتي آمنًا يوم القيامة، فكان هذا تقريرًا لهم على قُبْحِ أعمالِهم.
وقولُه تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾: أي: فلْيختَرِ امرؤٌ لنفْسِه ما شاء مِن هذين، وهما الوُقوعُ في النار، والأمنُ منها، وليعمَلْ ما يراه، فإنه إنْ عمِلَ بعمَلِ أهلِ النار أُلقِيَ فيها، وإنْ عمِلَ غيرَ ذلك أَمِنَها.
وهي كلمةُ زَجْرٍ وتهديدٍ، وعُرِفَ بما بعده وما قَبْله أنه زَجْرٌ لا أَمْرٌ.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فيَجزي كلَّ عاملٍ جزاءَ عمَلِه.
* * *
(٤١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: أي: بالقرآن؛ لأنَّ فيه ذِكْرَ جميع (١) ما يُحتاجُ إليه، وجوابه محذوفٌ، وهو ثابتٌ تقديرًا (٢): هلَكوا به وشَقُوا به.
وقيل: خبرُه: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾: أي: لا يَقْدِرُ أحدٌ مِن العِبَاد بمِثْلِه.
وقيل: أي: كريمٌ، مِن حَقِّه أنْ يُعَزَّ وأنْ يُجَلَّ، فلا يُلْغى فيه ولا يُعْرَضَ عنه ولا يُلْحَدَ في آياته.
стр. 6496
وقال ابن عباس ﵄: ﴿عَزِيزٌ﴾: أي: كريم على اللَّه (١).
وقيل: ﴿عَزِيزٌ﴾: لا يوجد مِثْلُه في نَظْمه وكثرة فوائدِه.
وقال مقاتل: مَنيعٌ أنْ يُبْطِلَه مُبْطِلٌ (٢).
وقال السُّدِّي: أي: غيرُ مخلوق (٣).
وقيل: أي: غالبٌ لِشُبَهِ المُبتدعين والكافرين، مِن قولهم: مَن عَزَّ بَزَّ (٤).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿عَزِيزٌ﴾: لأنه كلامُ ربٍّ عزيزٍ إلى رسولٍ عزيزٍ بسَفارةِ ملَكٍ عزيزٍ إلى أُمَّةٍ عَزيزةٍ.
وقيل: عزيزٌ على المؤمنين لأنه كتابُ حبيبِهم، وكتابُ الحبيبِ إلى الحبيبِ عزيزٌ (٥).
* * *
(٤٢) - ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾: أي: لا يعترِضُ عليه الباطلُ مِن شيء أُنْزِلَ مِن الكُتُبِ قبله، ولا ينزِلُ كتاب بَعْدَه، بل هو الحُجَّةُ إلى قيام الساعة.
وقيل: أي: لا يقع فيه الكذِبُ مِن أخبار ما كان، ولا مِن أخبار ما يكون.
стр. 6497
وقيل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾: أي: المُبْطِل، وأنشَدوا فيه:
كِلِيني لهَمٍّ يا أُميمةُ ناصبِ... وليلٍ أُقاسيه بَطِيءِ الكواكبِ (١)
أي: مُنْصِب.
وقيل -وهو قولُ الكلبي ومقاتل رحمهما اللَّه-: لا يأتيه التَّكذيبُ مِن الكِتَاب الذي قَبْلَه، ولا يجيءُ مِن بعده كتابٌ يُكَذِّبُه (٢).
وقال قتادة: أي لا يستطيع الشيطان أنْ يُبطِلَ منه حقًّا، أو يزيدَ فيه باطلًا (٣).
ومجازُ هذا: أنَّ ما بين يدَيِ الشيء هو ما حضرَه، والحقُّ في القرآن كذلك، وما خَلْفَ الشيء ما ليس فيه، وكذلك الباطلُ ليس في القرآن.
ووجهٌ آخَرُ: أنَّ الحقَّ مِن حَقَه أنْ يُقَدَّمَ، والباطلَ مِن حَقِّه أنْ يُخلَّفَ.
وقيل: مجازُه: أنَّه مُمتنِعٌ مِن أنْ يلحقَه تحريفٌ أو تبديلٌ أو زيادةٌ أو نُقْصانٌ أو إبطالٌ بجِهةٍ مِن الجهات.
وقولُه تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾: مصدر بمعنى المفعول؛ أي: هو مُنزَلٌ مِن ربِّ حكيمٍ مُصيبٍ في أقواله وأفعاله.
﴿حَمِيدٍ﴾: محمودٍ بكل صفاته، مُستَحِقٍّ لحَمْد خَلْقِه.
стр. 6498
(٤٣) - ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: كفَرَ المشركون بهذا الكتاب، وألحَدوا في آياته، ونسَبُوكَ إلى افترائه، ولكنْ ما قالوا لكَ إلا وقد قالت الأممُ السَّالفةُ لأنبيائهم كذلك، فاصبِرْ كما صبَروا تَظْفَرْ كما ظَفِروا، وهو معنى قولِ قتادة والسُّدِّي (١).
وقيل: يعني: ما يُوحى إليك إلا ما أُوحِيَ إلى الرسل المُتقدِّمين مِن إخلاص العبادة للَّه.
وقيل: قولُه تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وهو قولُه:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾: للمؤمنين، ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾: للكافرين.
* * *
(٤٤) - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾: العَجَمِيُّ: المنسوبُ إلى العجَمِ، وهم غيرُ العرب، فصيحًا كان أو غير فصيح، والأعجميُّ المنسوبُ إلى الأَعْجَم، وهو الذي لا يُفْصِحُ عربيًّا كان أو غيرَ عربيٍّ.
وقولُه تعالى: ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: أي: هلَّا بُيِّنَتْ (٢) آياتُه: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾؟!
стр. 6499
أي: أيكونُ كتابٌ أعجميٌّ ورسولٌ عربيٌّ؟!
يقولُ: لو أنزَلْنا هذا الذِّكْرَ قرآنًا؛ أي: كتابًا يُقرأ ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾؛ أي: بلُغةٍ غيرِ فَصيحةٍ مِن لُغات الأعاجم، ﴿لَقَالُوا﴾: أي: لقالَ هؤلاء المشركون: هلَّا بُيِّنَتْ آياتُه باللغة الفَصيحة، فيتحقَّقَ لنا فَهْمُها، ويقرُبَ مِن قلوبنا وعقولنا الوقوفُ على المراد بها.
﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾: أي: فكيف يكون هذا أنْ يكون كتابٌ أعجميٌّ ورسولٌ عربيٌّ وإنما أُرْسِلَ بالكِتاب ليكون بيانًا لقومه وآيةً له على صِدْق دعواه؟!
وكيف يكون (١) آيةً على قوم وهو شيءٌ لا يعرِفونه ولا يقِفون (٢) على جنسه لِيمتحِنوا قُواهم في مُعارضته، حتى إذا عجِزوا علِموا أنه سماويٌّ خارجٌ عن قوى البشر؟!
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾: أي: مُرْشِدٌ مِن الضلالة ﴿وَشِفَاءٌ﴾ أي: شافٍ مِن الجَهالة.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾: أي: ثِقلٌ وصَمَمٌ عن سماعه وفَهْمه.
﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾: أي: عمًى لقلوبهم لتركِهم تدبُّرَه.
﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أي: هم كمن يُنادى مِن مسافةٍ بعيدةٍ، فينقطعُ صوتُ المُنادي عنه فلا يسمعُه.
وقال مجاهد: لبُعْدِه عن قلوبهم (٣).
стр. 6500
وقال الضحاك: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: في القيامة؛ أي: كما يُنادى المُبعَدون عن الكرامة بأقبح الأسماء (١).
وقرأ ابن عباس: (وهو عليهم عمٍ) بكسر الميم؛ أي: مُلْتَبِسٌ (٢).
* * *
(٤٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ، كما آتيناكَ القرآن.
﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾: أي: اختلَفوا في كتابه، فقالوا: سِحْرٌ، ونحوَ ذلك؛ كما اختلَفَ المشركون عليكَ في كتابكَ، فقالوا ما قالوا.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: وليس تأخيري العذابَ عنهم لعَجْزٍ، ولا لتَسْويةٍ بين المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ولا لإهمالِ الفريقين، ولكنْ سبَقَ قولي أنِّي لا أُعاجِلُ هذه الأمةَ بالعذاب المستأصِل؛ لِعِلْمِي بمَن يخرُجُ مِن المؤمنين مِن أصلابهم.
﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾: أي: وإنَّ الكفار لا يكفُرون به لتيقُّنِهم ببُطْلانه، لكن يشُكُّون فيه لتَرْكِهم التأمُّلَ في الدلائل.
﴿مُرِيبٍ﴾: مُوقِعٍ للرِّيبَة؛ أي: التُّهْمة.
стр. 6501
(٤٦) - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾: أي: فلنفْسِه نَفْعُه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾: أي: فعليها ضرَرُ إساءتِه.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: أي: لا يُعَذِّبُ أحدًا بغير ذنب، ولا يُنْقِصُ أحدًا ثوابَ طاعتِه، ولا يزيدُ في العذاب على معصيته.
أي: يقضي بين هؤلاء المُخْتلِفين في القيامة على هذا.
* * *
(٤٧) - ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾.
ولَمَّا سألوا عن وقت القيامة قال: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: أي: لا يَعْلَمُ متى تقوم الساعةُ غيرُه، وكلُّ عبدٍ سُئِلَ عنها ردَّ عِلْمَها إليه؛ كما قال لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] (١).
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾: جَمْعُ: كُمٍّ، وهو غِلافُ الثَّمَر.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿مِن ثَمَرَاتٍ﴾: على الجمع، وقرأ الباقون: ﴿من ثَمَرَةٍ﴾: على التوحيد (٢).
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾: ﴿مِن﴾ للتأكيد.
﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾: أي: كلُّ ذلك بعِلْم اللَّه وتقديرِه، يجري ذلك كلُّه على
стр. 6502
عِلْمِه وقُدْرته، وكذلك الساعةُ، وهو كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [الرعد: ٦] إلى أن قال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾: أي: وفي هذا اليوم يُخاطِبُ اللَّه هؤلاء، فيقول: أين الذين كنتم تُشْرِكونهم بي، ويقولون: هؤلاء شفعاؤُنا، وإنما نعبُدهم ليُقَرِّبونا إلى اللَّه زُلْفى.
وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾: قيل: أي: يقول المشركون: نُؤذِنُكَ -أي: نُعْلِمُكَ- ما مِنَّا مِن أحدٍ يشهَدُ (١) بأنَّ لك شَريكًا، أو بأنه كان لكَ شريكٌ.
ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه مِن أمور الآخرة، وهو كائنٌ لا محالةَ فأُلْحِقَ بالموجود.
ويَحتملُ أنَّهم كانوا قالوا ذلك قَبْل هذا الخطاب، فقد أخبَرَ أنهم يتبرَّؤون مِن ذلك يومَ القيامة، فيكون قوله: ﴿آذَنَّاكَ﴾: أي: قلنا قبل هذا: ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾.
ثم هذا الإعلامُ لا يجوز أنْ يُفْهَمَ منه إيقاعُ العِلْم، لكنْ طريقُه طريقُ قولِه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١]، وقد فسَّرْناه في تلك الآية.
وقال القُتَبيُّ: هذا قول المعبودين، يقولون: ما مِنَّا مِن شهيد للمشركين على ما قالوا (٢).
* * *
(٤٨ - ٤٩) - ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾.
стр. 6503
وقولُه تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: بطَلَ ﴿كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: في الدنيا.
﴿وَظَنُّوا﴾: أي: علِموا وأيقَنوا ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: أي: مَعْدِلٍ مِن النار.
ويجوز أنْ يكون الظنُّ على غلَبة الظنِّ، فإنهم يطمَعون في الخروج، ولذلك يسألونه.
وقولُه تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾: قال مقاتل: نزلت في أبي حُذيفة بن المُغيرة (١).
يقول: لا يمَلُّ هذا المشركُ الجاحدُ بالقيامة مِن مسألة اللَّه الذي هو مُقِرٌّ بأنه خالقُه ورازقُه السَّعَةَ في المال، والسَّلامةَ في النَّفْس، والظَّفَرَ بكل محبوب.
﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: أي: نالَه المكروه.
﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾: أي: يَيْأَسُ مِن زوال ما به، ويظُنُّ أنْ يدومَ عليه، ويقنَطُ مِن رحمة اللَّه.
* * *
(٥٠) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا﴾: أي: نِعْمةً.
стр. 6504
﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾: أي: شِدَّةٍ أصابَتْه.
﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾: أي: أنا أهلُه ومُسْتَحِقُّه.
وقيل: أي: بسببِ خيرٍ عندي.
وقيل: أي: بعملي (١).
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: أي: وما أحسَبُ القيامةَ كائنةً.
﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾: أي: ولئن كان ما يقول محمد وأصحابُه حقًّا مِن قيام الساعة.
﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾: يعني: الجنَّةَ وكلَّ حالةٍ حسنةٍ، ولا يُعذِّبُني اللَّه؛ لأنَّه إنما يُعَذِّبُ مَن يَهونُ عليه، لا مَن يَكْرُمُ عليه، وأنا كريم عليه، فقد أكرمَني بالنِّعَم في الدنيا.
﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾: وأُجازيهم عليه، فيعلمون أنَّ الساعةَ قائمةٌ، وأنَّ الحُسْنى لغيرهم.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: شديدٍ دائمٍ.
* * *
(٥١) - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾: أي: على هذا الكافر.
﴿أَعْرَضَ﴾: أي: عن ذِكْرنا والتدبُّرِ في آياتنا.
وقال مقاتل: أعرضَ عن الدعاء (٢).
стр. 6505
وقال الكلبي: عن الإيمان (١).
﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: أي: بعُدَ وولَّى جانِبَه.
وقال أبو عَوْسجَةَ: تباعدَ عما أُمِرَ به (٢)؛ أي: تكبَّرَ، وهو كتصعير الخَدِّ، وهو إمالتُه.
وقال نِفْطَوَيْهِ: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: أي: امتنَعَ بقوَّتِه وحالِه (٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾: أي: فهو ذو دُعاءٍ كثيرٍ.
والطُّولُ والعَرْضُ يُستعملُ في الكَثْرة والكِبَر مجازًا.
وقيل: العريضُ أبلَغُ مِن الطويل؛ إذ العَرْضُ يدلُّ على الطُّول، والطُّول لا يدلُّ على العَرْض؛ إذ قد يصِحُّ طويلٌ ولا عَرْضَ له، ولا يصِحُّ عريضٌ ولا طُولَ له؛ لأنَّ العَرْضَ انبساطٌ في خِلاف جِهة الطُّول، والطُّولَ امتدادٌ في أيِّ جِهةٍ كانت.
* * *
(٥٢) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: أي: قل يا محمد: إنْ كان ما يُخبِرُ به محمد مِن الوَعْد والوَعيد صِدْقًا مِن عند اللَّه ثم كذَّبْتُموه في ذلك، كنتم مُشاقِّين للَّه؛ أي: مُعادِين له مُخالِفين.
стр. 6506
وقولُه تعالى: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: أي: خِلافٍ بعيدٍ عن الوِفاق، ومُعاداةٍ بعيدةٍ عن الموالاة، استفهامٌ بمعنى النفي.
* * *
(٥٣) - ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾: يعني: علاماتِ عذابِنا في البلاد، وهو ما كان نزَلَ بعادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ، وهم يَرون ذلك إذا سافروا.
وقولُه تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: يُبْتَلون في أنفسهم بالبَلايا.
ويُقال: قَتْل أصحابِهم مِن الكفار في الحروب.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾: الذي قلْتَ هو الحق (١)، فيُصَدِّقونك.
وقال مجاهد: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾: يعني: ما يفتَحُ اللَّهُ على محمد مِن القُرى، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: فتحُ مكةَ (٢).
وقال الضحاك: إنَّ أبا جهل -لعنَه اللَّه- قال للنبي ﷺ : ائتنا بعلامة، فأشارَ إلى القمر، فانشَقَّ نِصْفَين، فقال أبو جهل: يا مَعْشَرَ قُرَيشٍ، إنَّ محمدًا قد سحَرَ القمر، وجَّهوا رسُلَكم في الآفاق: هل عايَنوا القمرَ كذلك؟ فإنْ عايَنوه كذلك فهو آيةٌ، وإلَّا
стр. 6507
فهو سِحْرٌ، فوجَّهوا فإذا أهلُ الآفاق تحدَّثوا بانشقاق القمر، فقال أبو جهل لعنَه اللَّه: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، فنزلَتِ هذه الآيةُ (١).
وقيل: معناه: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ آياتِ وحدانيَّتِنا، ﴿فِي الْآفَاقِ﴾: مِن سَيْرِ النُّجوم وجَرَيان الشمس والقمر بحُسْنِ التَّدبير، وكذلك ما في الأرض، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: ما يُشاهدون فيها مِن آثار الحدَثِ والتَّنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ أي: يظهَرَ لهم البيانُ الذي ينقطِعُ به العُذْرُ.
وقولُه تعالى: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ أي: أنَّ اللَّهَ هو المعبودُ الحقُّ الذي لا شريكَ له، وأنَّ البعثَ حقٌّ لا شُبْهةَ فيه، فإنَّ مَن قدِرَ على ذلك قدِرَ على إحياء الموتى.
وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: أي: شاهدٌ، ويشهد أنَّ القرآنَ مِن عند اللَّه، وأنَّكَ رسولُه.
وقيل: يشهدُ بهذا كلِّه.
قال الكلبي: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ أنه أخبرَهم بذلك وشهِدَ به لِيعلموا (٢) وإنْ لم يُسافروا في الآفاق (٣).
وقيل: أي: عالمٌ بفِعْلِكَ يا محمد وبأفعالهم، فيَجزي كُلًّا على وَفْق عمَلِه، وهو مِن قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣].
* * *
سورة الشورى (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باسم اللَّه الذي ليس كمِثْلِه شيءٌ وهو السميع البصير، الرَّحمنِ الذي وعَدَ المؤمنين روضاتِ الجَنَّات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفَضْل الكبير، الرَّحيمِ الذي لا يُؤاخذُنا إلا بما كسبنا (٢) ويعفو عن كثير.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿حم (١) عسق﴾ كان ممن تُصلِّي عليه الملائكةُ ويَسْتَرْحِمون له" (٣).
وهذه السُّورة مكِّيَّةٌ.
وهي ثلاثٌ وخمسون آيةً، وقيل: خمسون، الاختلافُ في: ﴿حم﴾ و ﴿عسق﴾، وفي: ﴿الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾.
وكلماتُها: ثماني مئةٍ وستون.
وحروفُها: ثلاثةُ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وأربعون.
стр. 6511
وانتظامُ أوَّلىِ هذه السُّورة بآخر تلك السُّورة: أنَّ خَتْمَ تلك السُّورة باسم مِن أسماء اللَّه تعالى، وكذلك افتتاحُ هذه السُّورة.
وانتظامُ السُّورتين: أنهما في ذِكْر الكفار وشِرْكِهم، وإقامةِ الدَّلائل على جهلهم، وإبطالِ قولِهم، وما يتَّصِلُ بوعيدهم ووعيدِ غيرِهم.
* * *
(١ - ٢) - ﴿حم (١) عسق﴾.
وقولُه تعالى: ﴿حم﴾: مرَّتِ الأقاويلُ فيه.
﴿عسق﴾: هذه الحروف الخمسة اسمُ هذه السُّورة.
وقال الضحاك: ﴿حم (١) عسق﴾؛ أي: قُضِيَ عذابٌ واقعٌ، وأرجو أنْ يكون قد مضى يوم بدر والسِّنونَ التي أصابَتْ أهلَ مكَّةَ (١).
وقال ابن عباس ﵄: السِّينُ في ﴿عسق﴾ كلُّ فِرْقةٍ تكون، والقافُ كلُّ جماعةٍ تكون، وبها كان يَعْلَمُ عليُّ بن أبي طالب ﵁ حسابَ الفِتَنِ (٢).
وعنه أنه قال: ليس مِن نبيٍّ صاحبِ شَرْعٍ أو صاحبِ كتابٍ إلا وقد أُوحِيَ إليه: ﴿حم (١) عسق﴾، يُبَيِّنُ ذلك قولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ (٣).
وقال السُّدِّي: ﴿حم (١) عسق﴾: يعني: العذابَ، أوحى اللَّه تعالى إلى الرسل
стр. 6512
أنَّ العذاب نازلٌ بأُمَمهم كما أوحى إلى النبي ﷺ شأنَ يومِ بدرٍ وغيرِه (١).
وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرقُ ابنَ عباس عن قوله: ﴿حم (١) عسق﴾، فقال: حاءٌ حِلْمُه، ميمٌ مَجْدُه، عَين عِلْمُه، سينٌ سَناؤُه، قافٌ قُدْرَتُه، أقسمَ اللَّه بها (٢).
وفي رواية أبي الجَوْزاء: أنَّ ابن عباس ﵄ قال لنافع: عَينٌ عذابٌ، سينٌ مَسْخٌ، قافٌ قَذْفٌ (٣).
ورُوِي أنَّ النبي ﷺ لَمَّا نزلت هذه الآية عُرِفَتِ الكآبةُ في وجهه، فقيل له في ذلك، فقال: "أُخْبِرْتُ ببلاءٍ ينزلُ بأُمَّتي مِن مَسْخٍ وخَسْفٍ وقَذْفٍ، ونارٍ تحشُرُهم، وريحٍ تقذِفُ بهم في اليمِّ، وآياتٍ مُتتابعاتٍ مُتَّصِلةٍ بنزول عيسى وخروج الدَّجَّال" (٤).
وقال شَهْر بن حَوْشَب: حاءٌ: حربٌ يَعِزُّ فيها الذَّليل، ويَذِلُّ فيها العزيز في قريش، ثم تُفْضِي إلى العرب، ثم تُفْضِي إلى الحجم، ثم تمتَدُّ إلى خروج الدَّجَّال (٥).
وقال عطاء بن أبي رباح: حاءٌ: حربٌ في أهل مكة تُجْحِفُ بهم حتى يأكلوا
стр. 6513
الجِيَفَ وعِظامَ الموتى، ميمٌ: مُلْكٌ يتحوَّلُ مِن قوم إلى قوم، عَينٌ: عدُوٌّ لقريش يقصِدُهم، سينٌ: سَبْيٌ يكون فيهم، قافٌ: قُدْرةُ اللَّهِ النَّافذةُ في خَلْقِه (١).
وقال بكرُ بن عبد اللَّه المُزنيُّ: الحاءُ: حربٌ تكون بين قريش والموالي، فتكون الغلَبةُ لقريش على الموالي، ميمٌ: مُلْكُ بني أُمَيَّةَ، عينٌ: عُلُوُّ بني العباس، سينٌ: سَناءُ المهدي، قافٌ: قُدْرةُ عيسى حين ينزِلُ، فيقتُلُ النصارى، ويُخَرِّبُ البِيَعَ (٢).
وقال محمد بن كعب: أقسَمَ اللَّه تعالى بحِلْمِه (٣) ومَجْدِه وعُلُوِّه وسَنائِه وقُدْرته ألَّا يُعذِّبَ مَن عاد إليه بلا إله إلا اللَّه، مُخْلِصًا مِن قلبه (٤).
وقال سعيد بن جُبير وجعفرٌ الصادقُ ﵄: حاءٌ مِن رحمن، ميمٌ مِن مَجيد، عَينٌ مِن عالِم، سينٌ مِن قُدُّوس، قافٌ مِن قاهر (٥).
* * *
(٣) - ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: كالذي أوحَى إليكَ في هذه السورة يُوحِي إليكَ في سائر السُّوَر، وكذلك أوحى إلى الأنبياء المُتقدِّمين.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يحتاجُ إلى شريك يتعزَّزُ به.
﴿الْحَكِيمُ﴾: المُصيبُ في أقواله وأفعاله، المُحْكِمُ دلائلَه، المُتْقِنُ خَلْقَه.
стр. 6514
(٤) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: مِلْكًا ومُلْكًا.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾: المُمْتَنِعُ بعُلُوِّه أنْ يُغالَبَ.
﴿الْعَظِيمُ﴾: الجليلُ سُلْطانُه أنْ يُعارَضَ.
وقيل: ﴿حم (١) عسق﴾: أي: هي وجميعُ حروفِ التَّهَجِّي مما أوحى اللَّه بها كُتُبَه إلى أنبيائِه؛ أي: بها كان نَظْمُها.
وقيل: ﴿حم (١) عسق﴾: سِرٌّ لم يَطَّلِعْ عليه غيرُ محمد، وكذا كان وَحْيُ اللَّهِ تعالى إلى أنبيائه، كان في بعض الكتب (١) سِرٌّ تفرَّدَ به الرسول (٢).
* * *
(٥) - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: قرأ أبو عمرو وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿تَكَادُ﴾ بتاء التأنيث، (يَنْفَطِرْن) بالنون مِن الانفطار، وهو الانشقاق.
وقرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ وحمزةُ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿تَكَادُ﴾ بتاء التأنيث، ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ مِن التَّفَطُّر، وهو التَّشَقُّق.
وقرأ نافعٌ والكسائيُّ: ﴿يكاد﴾ بياء التذكير، ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾: مِن التَّفَطُّر (٣).
قيل: تكاد السماوات تتشقَّقْنَ لِعظمة اللَّه وهَيْبَته.
стр. 6515
وقيل: معناه: تُقارِبُ السماوات أنْ تتشقَّقْنَ فوق الأرَضين.
وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: أي: مِن أعلى سماءٍ منها (١)، فلا تبقى سماءٌ إلا وقد سقَطَتْ على الأخرى كالسَّقْفِ فوق السَّقْف؛ خَشْيةً للَّه لو كُنَّ يَعْقِلْنَ، وإجلالًا له، وانقطاعًا إليه بالرَّهْبة والرَّغْبة؛ كما قال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].
وقيل: تتشقَّقْنَ لِفَظاعةِ قولِ المشركين؛ كما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (٢) [مريم: ٩٠ - ٩١].
وقيل: تتشقَّقْنَ لِكَثْرة ما على السماوات مِن الملائكة، قال النبي ﷺ : "أطَّتِ (٣) السماء وحُقَّ لها أنْ تَئِطَّ، ما فيها موضِعُ قدَمٍ إلا وعليه ملَكٌ قائمٌ أو راكعٌ أو ساجدٌ" (٤).
وقيل: تكاد السماوات يَنْفَطِرْنَ لقيام القيامة (٥) لِتعجيلِ عقابِ هؤلاء المشركين، فإنَّ انفطارَ السماء وانشِقاقَها لِقِيام يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١].