← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

وانتظامُ أوَّلىِ هذه السُّورة بآخر تلك السُّورة: أنَّ خَتْمَ تلك السُّورة باسم مِن أسماء اللَّه تعالى، وكذلك افتتاحُ هذه السُّورة. وانتظامُ السُّورتين: أنهما في ذِكْر الكفار وشِرْكِهم، وإقامةِ الدَّلائل على جهلهم، وإبطالِ قولِهم، وما يتَّصِلُ بوعيدهم ووعيدِ غيرِهم. * * * (١ - ٢) - ﴿حم (١) عسق﴾. وقولُه تعالى: ﴿حم﴾: مرَّتِ الأقاويلُ فيه. ﴿عسق﴾: هذه الحروف الخمسة اسمُ هذه السُّورة. وقال الضحاك: ﴿حم (١) عسق﴾؛ أي: قُضِيَ عذابٌ واقعٌ، وأرجو أنْ يكون قد مضى يوم بدر والسِّنونَ التي أصابَتْ أهلَ مكَّةَ (١). وقال ابن عباس ﵄: السِّينُ في ﴿عسق﴾ كلُّ فِرْقةٍ تكون، والقافُ كلُّ جماعةٍ تكون، وبها كان يَعْلَمُ عليُّ بن أبي طالب ﵁ حسابَ الفِتَنِ (٢). وعنه أنه قال: ليس مِن نبيٍّ صاحبِ شَرْعٍ أو صاحبِ كتابٍ إلا وقد أُوحِيَ إليه: ﴿حم (١) عسق﴾، يُبَيِّنُ ذلك قولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ (٣). وقال السُّدِّي: ﴿حم (١) عسق﴾: يعني: العذابَ، أوحى اللَّه تعالى إلى الرسل

стр. 6512

أنَّ العذاب نازلٌ بأُمَمهم كما أوحى إلى النبي ﷺ شأنَ يومِ بدرٍ وغيرِه (١). وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرقُ ابنَ عباس عن قوله: ﴿حم (١) عسق﴾، فقال: حاءٌ حِلْمُه، ميمٌ مَجْدُه، عَين عِلْمُه، سينٌ سَناؤُه، قافٌ قُدْرَتُه، أقسمَ اللَّه بها (٢). وفي رواية أبي الجَوْزاء: أنَّ ابن عباس ﵄ قال لنافع: عَينٌ عذابٌ، سينٌ مَسْخٌ، قافٌ قَذْفٌ (٣). ورُوِي أنَّ النبي ﷺ لَمَّا نزلت هذه الآية عُرِفَتِ الكآبةُ في وجهه، فقيل له في ذلك، فقال: "أُخْبِرْتُ ببلاءٍ ينزلُ بأُمَّتي مِن مَسْخٍ وخَسْفٍ وقَذْفٍ، ونارٍ تحشُرُهم، وريحٍ تقذِفُ بهم في اليمِّ، وآياتٍ مُتتابعاتٍ مُتَّصِلةٍ بنزول عيسى وخروج الدَّجَّال" (٤). وقال شَهْر بن حَوْشَب: حاءٌ: حربٌ يَعِزُّ فيها الذَّليل، ويَذِلُّ فيها العزيز في قريش، ثم تُفْضِي إلى العرب، ثم تُفْضِي إلى الحجم، ثم تمتَدُّ إلى خروج الدَّجَّال (٥). وقال عطاء بن أبي رباح: حاءٌ: حربٌ في أهل مكة تُجْحِفُ بهم حتى يأكلوا

стр. 6513

الجِيَفَ وعِظامَ الموتى، ميمٌ: مُلْكٌ يتحوَّلُ مِن قوم إلى قوم، عَينٌ: عدُوٌّ لقريش يقصِدُهم، سينٌ: سَبْيٌ يكون فيهم، قافٌ: قُدْرةُ اللَّهِ النَّافذةُ في خَلْقِه (١). وقال بكرُ بن عبد اللَّه المُزنيُّ: الحاءُ: حربٌ تكون بين قريش والموالي، فتكون الغلَبةُ لقريش على الموالي، ميمٌ: مُلْكُ بني أُمَيَّةَ، عينٌ: عُلُوُّ بني العباس، سينٌ: سَناءُ المهدي، قافٌ: قُدْرةُ عيسى حين ينزِلُ، فيقتُلُ النصارى، ويُخَرِّبُ البِيَعَ (٢). وقال محمد بن كعب: أقسَمَ اللَّه تعالى بحِلْمِه (٣) ومَجْدِه وعُلُوِّه وسَنائِه وقُدْرته ألَّا يُعذِّبَ مَن عاد إليه بلا إله إلا اللَّه، مُخْلِصًا مِن قلبه (٤). وقال سعيد بن جُبير وجعفرٌ الصادقُ ﵄: حاءٌ مِن رحمن، ميمٌ مِن مَجيد، عَينٌ مِن عالِم، سينٌ مِن قُدُّوس، قافٌ مِن قاهر (٥). * * * (٣) - ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: كالذي أوحَى إليكَ في هذه السورة يُوحِي إليكَ في سائر السُّوَر، وكذلك أوحى إلى الأنبياء المُتقدِّمين. وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يحتاجُ إلى شريك يتعزَّزُ به. ﴿الْحَكِيمُ﴾: المُصيبُ في أقواله وأفعاله، المُحْكِمُ دلائلَه، المُتْقِنُ خَلْقَه.

стр. 6514

(٤) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: مِلْكًا ومُلْكًا. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾: المُمْتَنِعُ بعُلُوِّه أنْ يُغالَبَ. ﴿الْعَظِيمُ﴾: الجليلُ سُلْطانُه أنْ يُعارَضَ. وقيل: ﴿حم (١) عسق﴾: أي: هي وجميعُ حروفِ التَّهَجِّي مما أوحى اللَّه بها كُتُبَه إلى أنبيائِه؛ أي: بها كان نَظْمُها. وقيل: ﴿حم (١) عسق﴾: سِرٌّ لم يَطَّلِعْ عليه غيرُ محمد، وكذا كان وَحْيُ اللَّهِ تعالى إلى أنبيائه، كان في بعض الكتب (١) سِرٌّ تفرَّدَ به الرسول (٢). * * * (٥) - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: قرأ أبو عمرو وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿تَكَادُ﴾ بتاء التأنيث، (يَنْفَطِرْن) بالنون مِن الانفطار، وهو الانشقاق. وقرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ وحمزةُ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿تَكَادُ﴾ بتاء التأنيث، ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ مِن التَّفَطُّر، وهو التَّشَقُّق. وقرأ نافعٌ والكسائيُّ: ﴿يكاد﴾ بياء التذكير، ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾: مِن التَّفَطُّر (٣). قيل: تكاد السماوات تتشقَّقْنَ لِعظمة اللَّه وهَيْبَته.

стр. 6515

وقيل: معناه: تُقارِبُ السماوات أنْ تتشقَّقْنَ فوق الأرَضين. وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: أي: مِن أعلى سماءٍ منها (١)، فلا تبقى سماءٌ إلا وقد سقَطَتْ على الأخرى كالسَّقْفِ فوق السَّقْف؛ خَشْيةً للَّه لو كُنَّ يَعْقِلْنَ، وإجلالًا له، وانقطاعًا إليه بالرَّهْبة والرَّغْبة؛ كما قال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]. وقيل: تتشقَّقْنَ لِفَظاعةِ قولِ المشركين؛ كما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (٢) [مريم: ٩٠ - ٩١]. وقيل: تتشقَّقْنَ لِكَثْرة ما على السماوات مِن الملائكة، قال النبي ﷺ : "أطَّتِ (٣) السماء وحُقَّ لها أنْ تَئِطَّ، ما فيها موضِعُ قدَمٍ إلا وعليه ملَكٌ قائمٌ أو راكعٌ أو ساجدٌ" (٤). وقيل: تكاد السماوات يَنْفَطِرْنَ لقيام القيامة (٥) لِتعجيلِ عقابِ هؤلاء المشركين، فإنَّ انفطارَ السماء وانشِقاقَها لِقِيام يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١].

стр. 6516

وقيل: يَنْفَطِرْنَ للسُّقوط على الكفار؛ كما قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩]. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: يُنزِّهونه ويحمَدونه بمَحامِده. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: مِن المؤمنين ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لهم. وقيل: يستغفرون لكلِّ مَن في الأرض، يسألون تَرْكَ مُعاجلَتِهم بالعذاب؛ لِأجْل مَن فيها مِن أهل الإيمان. * * * (٦) - ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: أي: أصنامًا يتولَّونها. ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أي: يحفَظُ عليهم أعمالَهم وأقوالَهم وعقائدَهم، ويُوفِّيهم يوم القيامة. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾: أي: بمُسَلَّطٍ عليهم تُدخِلُهم في الإيمان جَبْرًا، ولا بمَنْصوب عليهم بحفظ أعمالهم ومُجازاتهم عليها شَرًّا، إنما عليك البلاغُ فبَلِّغْ، ولا تضِقْ بنُفورهم صَدْرًا. * * * (٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: بلسانِ قومِكَ؛ كما أرسَلْنا كلَّ رسول بلسان قومه.

стр. 6517

﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾: لِتُخَوِّفَ أهلَ مكَّةَ التي هي أصْلُ كلِّ بَلْدةٍ، فإنَّ الأرضَ منها دُحِيَتْ. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: مِن بلاد العرب؛ لِيكونوا أعوانًا لكَ على غيرهم. وقيل: سُمِّيَتْ أمَّ القرى لأنها أجلُّها شَأْنًا؛ لِكون الكعبةِ فيها، ومناسكِ الحجِّ. ويُقال للقصيدة المُختارة: هذه مِن أُمَّهاتِ قصائدِ فلانٍ، وعِظامُ المسائل تُدعى: أُمَّهاتِ المسائل؛ لكونها أصولًا لأحكامٍ مُرَتَّبةٍ عليها مُتَشعِّبَةٍ منها. وقولُه تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾: أي: ولِتُخَوِّفَ بيوم القيامة الذي هو يومُ جَمْعِ الخلائق مِن الأوَّلين والآخِرين للحساب والجزاء. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: أي: لا شَكَّ في كونه ومجيئه. ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾: أي: وإذا جُمِعوا ليوم الحساب، فمنهم فريقٌ يدخُلون الجنة، وهم الذين خافوا بتخويفِكَ فآمَنوا، ومنهم فريقٌ يدخُلون النار، وهم الذين لم يُجيبوكَ وكذَّبوكَ. * * * (٨) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: مُجْتَمعين على الإيمان، مُسْتَحِقِّين للجِنان. وقيل: أي: فريقًا واحدًا: إما ضالِّين مِن أهل السَّعِير، وإما مُهْتَدين مِن أهل الجنة. وقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: أي: يهدي مَن عَلِمَ منه اختيارَ الهُدى، فيُدخلُه بذلك في الجنة.

стр. 6518

﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: أي: والواضعون الأمرَ غيرَ موضعِه، والظالمون أنفسَهم الذين علِمَ منهم اختيارَ الضَّلالِ، يُضِلُّهم ويجعلُهم بذلك مِن أهل النار، فما لهم أحدٌ يتولَّى أمورَهم فيُعينَهم، ولا مَن ينصرُهم فيدفعَ العذابَ عنهم. * * * (٩) - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾: قيل: ﴿أَمِ﴾ بمعنى ألف الاستفهام، وهو للتَّوْبيخ. وقيل: ألفُ الاستفهام مُقَدَّرةٌ أوَّلًا، وهذا عطفٌ على ذلك بـ (أم)؛ كأنه قال: قد عرَّفْناهم أنَّ الظالمين لا وليَّ لهم، أفيؤمنون بهذا أم قد اتَّخذوا عند أنفسهم أولياءَ مِن دونه يمنعونهم مِن عذاب اللَّه؟! وليس كذلك، فاللَّهُ هو الوليُّ يومئذٍ لا ولايةَ لغيره، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]. ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾: يومَ القيامة للحساب والجَزاء. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مِن التَّنْعيم والتَّعْذيب وغيرِ ذلك. * * * (١٠) - ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: اليومَ مِن أَمْرِ الدِّين يا معاشرَ المسلمين والمشركين. ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾: يومَ الدِّين، فإنه يَفْصِلُ (١) بالجزاء بين المختلِفِين.

стр. 6519

وقيل: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: إلى كتابِه اليومَ، وسنَّةِ نبيِّه، وإجماعِ الأُمَّة، والقياسِ، فإنها قوانينُ الشرع، ومأخذُها مِن كتاب اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾: أي: قل يا محمد: هذا الموصوف بهذه الصِّفاتِ ربِّي. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: أي: اعتمدتُّ في أموري كلِّها. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أي: أرجِعُ في أحوالي كلِّها (١). قال مقاتل بن سليمان: نزل قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ في خُزاعة، قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، وعبَدوها مِن دون اللَّه (٢). وقال ابن عباس ﵄: يعني: مُشْرِكي العربِ، وعبدةَ الأصنامِ (٣). وكذلك قولُه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: على القولين. * * * (١١) - ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ذلكم اللَّهُ ربي خالِقُ السماواتِ والأرضِ مُبْتدِئًا مِن غير شيء. ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أي: زوجاتٍ مِن الإنس، وهو مِن قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].

стр. 6520

﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾: أي: ذُكورًا وإناثًا لتتناسلَ (١) فتبقى، فيقومَ بها مصالحُ الخَلْقِ (٢) مِن الحَرْث والحَمْل والرُّكوب في الأَسْفار، والضَّرْب في الأمصار لمُخْتَلَف الأقطار. ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾: أي: يخلُقُكم مِن هذه الأزواج (٣) نَسْلًا بعد نَسْلٍ. وقيل: أي: في زمان التَّزاوُج. وقيل: أي: يذرؤُكم في العالَم. وقال القُتَبيُّ: أي: في الرَّحِم (٤). وقيل: في البَطْن. وقيل: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: به؛ أي: بالتَّزاوج؛ كما يُقال: الزَّرعُ ينمو في الغَيْث؛ أي: بالغَيْث. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: قال الزَّجَّاج: الكاف زوائدةٌ مَؤَكَّدةٌ، وتقديرُه: ليس مِثْلَه شيءٌ (٥). وهو كما قال أَوْسُ بنُ حُجْرٍ: وقتلى كمِثْلِ جُذوع النَّخِيلِ... تَغَشَّاهُمُ سَبَلٌ مُنْهَمِرْ (٦)

стр. 6521

وقال آخر: سعدُ بنُ زيدٍ إذا أبصَرْتَ فَضْلَهُمُ... ما إنْ كمِثْلِهِمُ في الناس مِن أحدِ (١) وقال القُتَبيُّ: المِثْلُ صِلَةٌ، معناه: ليس كهو، وهو كما يقول الرجل: لا يُقال هذا لِمِثْلي؛ أي: لي (٢). وهو وجهٌ لا يجوزُ في العقل غيرُه؛ لأنَّه لو حُمِلَ هذا على ظاهرِه ونُفِيَ التَّشبيهُ عن مِثْله لا عنه، كان في تصحيحه إبطالُه؛ لأنَّه لو كان له مِثْلٌ لكان لِمِثْلِه مِثْل، وهوَ هوَ، فلم يصِحَّ نَفْيُ التَّشبيه، فدلَّ على أنه لِحقيقةِ نَفْيِ المِثْلِ عنه ﷻ . وهذه الآية أقوى عُدَّةٍ لأهل السُّنَّة والجماعة على أهل الأهواء والبِدَع؛ لأنَّه إذا نُفِيَ التَّشْبيةُ بطَلَ قولُ المُجَسِّمَةِ والمكانيَّةِ، والقائلين بالجوارحِ وحُلولِ الحوادث في الذَّاتِ، وكثيرٌ مِن قواعدهم الفاسدة، وباللَّه العِصْمَةُ. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾: كلَّ المسموعات بسَمْعٍ أزَليٍّ، لا بجارحةٍ. ﴿الْبَصِيرُ﴾: بكل المُبْصَراتِ ببَصَرٍ أزَليٍّ، لا بجارحةٍ (٣). * * * (١٢) - ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

стр. 6522

﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: بيده مفاتيحُ الأرزاقِ التي تَنْزِلُ مِن السماء مِن المطر وغيرِه، وما يخرُجُ مِن الأرض مِن النبات، وهو المالكُ كلَّ ذلك، وهو عنده كالشيء المَخْزون. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: أي: يُوَسِّعُ على مَن يشاء مِن عباده، ويُضَيِّقُ على مَن يشاء. ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: مِن المصالح والعَواقب وغيرِ ذلك. قال ابن عباس ﵄ ومقاتل: المقاليدُ: المفاتيح (١). وقد فسَّرْناه وكشَفْنا عن حقيقته في سورة الزُّمَر. وقال مقاتل بن حيان ومجاهد والسُّدِّي: يعني: خزائنَ السماوات والأرض (٢). وقال الضحاك ﵀: أي: القضاء في ذلك كلِّه إلى اللَّه تعالى (٣). وروى عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "هي سبحانَ اللَّه، والحمدُ للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّه العليِّ العظيمِ، فإنها مِن كنوز الجنة".

стр. 6523

وفي رواية زاد في آخِره: "الأوَّلُ، الآخِرُ، الظاهِرُ، الباطِنُ، بيده الخيرُ، وهو على كلِّ شيء قديرٌ، مَن قالها حين أصبَحَ عشر مرات أُعْطِيَ ستَّ خِصالٍ، أُولاهنَّ: يُحرَسُ عن إبليسَ وجنودِه، والثانية: يُعطى قِنْطارًا مِن الأجر، والثالثة: تُرْفَعُ له درجةٌ في الجنة، والرابعة: يُزَوَّجُ مِن الحُور العِين، والخامسة: تستغفر له الملائكةُ، والسادسة: يُعطى مِن الأجر كمَن قرأ القرآنَ مِن أوَّلِه إلى آخره" (١). * * * (١٣) - ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾: يقول: شرَعَ اللَّهُ لكم مِن الدِّين ما شرَعَ لقوم نوح وقوم إبراهيم وموسى وعيسى،

стр. 6524

ووصَّاهم بلُزومه وإلزامِه قومَهم، وهو الذي أوحى إليكَ ووصَّاكَ به، وجُمْلتُه الثَّباتُ على الطاعة للَّه تعالى بالإخلاص، وبالانقياد له، والعملِ بما أمَرَ به، والتَّآلُفِ على هذا، وتَرْكِ التَّفَرُّقِ فيه، فإنَّ الأمر إذا انتظمَ على هذا زالَ الفسادُ، وظهَرَ العَدْلُ، وتَكافَّ الناس عن التَّظالُم، فتفرَّغوا لعِمارة دنياهم، وتبلَّغوا بها إلى إقامة دينهم، فاجتباهم اللَّهُ تعالى حينئذٍ إليه، واستخلَصَهم لعبوديته، وهداهم إلى الازدياد مما هم فيه. ومعنى ﴿شَرَعَ﴾: بيَّنَ المَسْلَكَ، وفتَحَ الطريق إلى مرضاته. و ﴿الدِّينِ﴾: هو الطاعة والانقياد. وإقامةُ الدِّين: الدَّوامُ عليه بإحياء شروطه وحدوده. وقيل: هو تقويمُه، وهو التوحيد والإخلاص. وتخصيصُ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى هاهنا بالذِّكْر؛ لِمَا أنهم أصحابُ الشرائع. وقولُه تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: شَقَّ عليهم دعاؤُك يا محمد إلى التوحيدِ، وتَرْكِ ما هم فيه مِن الشِّرْك. والاجتباءُ: الاختيار، وأصلُه: الضمُّ، ومنه: جِبايةُ الخَرَاج، وجِبايةُ الماءِ في الحوض. وقد وصلَه بـ (إلى)، فقال: ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، فدلَّ على إرادة هذا الأصل؛ أي: يضمُّه ويُقَرِّبُه إلى كنَفِه، وكذلك قولُه: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾، وهو كقول النبي ﷺ خبَرًا عن اللَّه تعالى: "مَن تقرَّبَ إليَّ شِبْرًا تقرَّبْتُ إليه ذراعًا" الحديث (١).

стр. 6525

(١٤) - ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: أي: وما كان تَفَرُّقُ هؤلاء المشركين -وقيل: يعني: أهلَ الكتابِ- في الدِّين لِقُصور البيان وخَفاء الحق، فقد جاءهم البيانُ وحصَلَ به العلمُ، لكنهم حسَدوا محمدًا وتطاولوا، فلم يُتابعوه ولم يُصَدِّقوه، فاستحقُّوا به العذابَ. وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: ولولا ما سبَقَ مِن حُكْمِه بتوقيت (١) عذابهم بأجلٍ مُسَمًّى، وهو قد يكون في الدنيا، وقد يكون يوم القيامة. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: قيل: بالتمييز بين المُحِقِّ والمُبْطِلِ بالثواب والعقاب. وقيل: أي: لَأُتِمَّ هَلاكُهم. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: مِن بعد نوح وإبراهيم وقومهما، وهذا على تأويل مَن حمَلَ المُتَفَرِّقين على مُشْركي العرب. ومَن قال: هم المُتَفَرِّقون مِن الأمم الماضية، فقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: مِن بَعْد الذين تفرَّقوا، و ﴿الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾: هم اليهود والنصارى. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾: أي: ممَّا وصَّيْنا به نوحًا وإبراهيمَ. وكذا: ﴿مُرِيبٍ﴾: مُوقِعٍ في الرِّيبة؛ أي: التُّهمة. وقيل: المُتَفَرِّقون هُمُ اليهود والنصارى، و ﴿الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: العربُ أُنْزِلَ القرآنُ على نبيِّهم.

стр. 6526

وقال أبو العالية: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾: يعني: شهادةَ أنْ لا إلهَ إلا اللَّه (١). وقال قتادة: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾: قولُكم: لا إله إلا اللَّه (٢). وقيل: كبُرَ على المشركين أنَّكَ رسولُ اللَّه. وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يختار لرسالته ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾: مَن علِمَ أنه يرجِعُ إليه. * * * (١٥) - ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾: أي: فإلى ما شرَعه اللَّه لكم فادْعُ الخَلْقَ، واللامُ بمعنى إلى؛ كما في قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]. ﴿وَاسْتَقِمْ﴾: أنتَ عليه ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾: أي: ولا تنظُرْ إلى خِلافِ مَن خالفَ ذلك بهواه مِن أهل الكتاب والعرب. ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾: على الأنبياء قَبْلي وعليَّ؛ لأنَّ كلَّه مِن عند اللَّه، وكلَّه حقٌّ.

стр. 6527

﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾: أي: لأنْ أعدِلَ؛ كما قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؛ أي: أنْ يُبَيِّنَ لكم. أي: أُسَوِّيَ (١) بين شريفكم ووَضِيعكم، فلا أُحابيَ أحدًا، ولا أخُصَّ البعضَ بأمرٍ أو نهيٍ، فإنَّ الدَّعوةَ واحدةٌ، والدِّينَ واحدٌ. ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾: ونحن كلُّنا عبيدُه. ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: أي: يُؤاخَذُ كلٌّ منا بعمَل نفْسِه دون عمَلِ غيرِه. ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾: أي: لا مُحاجَّةَ؛ أي: لم تبقَ خُصومةٌ بَعْد ظُهور الحق، فالحُجَّةُ لنا عليكم لِظُهورها، وليست بيننا بالاشتباه والالتباس. وقيل: المُحاجَّةُ إنما تنفعُ إذا كان قَصْدُ المتجادلِين طلَبَ (٢) الحق، فإذا كانت مخاصمَتُكم للحسَد والبَغْي لم تنجَعْ فيكم الحُجَّة، فلم يَبْقَ إلا انتظارُ أمرِ اللَّه، وذلك إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة. وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾: في القيامة ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: إلى جزائِه المَرْجِعُ. وقيل في قوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾: أي: فلِمَا أوحيتُ إليكَ وعرَّفْتُكَ مِن اتِّفاقِ الشرائعِ فادعُ؛ أي: مِن أجْل ذلك. وقيل: أي: مِن أجْل (٣) ما أعلمتُكَ مِن تفرُّقِ أهل الكتاب، فادْعُهم إلى الاستقامة، واستقِمْ أنتَ.

стр. 6528

(١٦) - ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾: أي: يُخاصِمون في دين اللَّه. قيل: هم أهل الكتاب؛ كانوا يقولون: ديننُا أقدَمُ، ونحن أولادُ الأنبياء. وقيل: هم المشركون؛ كما قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]،. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾: أي: يُحاجُّون مَن استجابَ للَّه (١)، فدخَل في الإسلام. ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾: أي: شُبْهَتُهم باطلةٌ، سمَّاها حُجَّةً لِزَعْمِهم أنها حُجَّةٌ. والدَّاحِضَةُ: المُزالَةُ الزَّائِلة. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: فإنه يُبَيِّنُ بُطْلانَها؛ كما قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) الآية [البقرة: ١٤٠]. ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: في الدنيا والآخرة. وذِكْرُ الغَضَبِ في حقِّ اليهود والنصارى في القرآن كثيرٌ. وقال ابن عباس ﵄: ﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾: أي: لِأُسَوِّيَ بينكم بـ (لا إله إلا اللَّه) (٣)، قال تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].

стр. 6529

وقال أبو العالية في قوله: ﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾: أي: لأومِنَ بكلِّ كتابٍ وكلِّ رسولٍ (١)، هذا هو العَدْلُ، والإيمانُ بالبعض والكفرُ بالبعض جَوْرٌ. وقال ابن حيان: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: نسخَتْها آيةُ القتال (٢). وقال مجاهد: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾: يعني: مِن بَعْد ما أسلَمَ الناسُ (٣). وقال الحسن (٤): أي: مِن بعد ما أقرُّوا بالميثاق، وقبِلوا عهدَه على الطاعة، فأجابوا اللَّهَ فيما دعاهم إليه. وقال الفراء: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾: يعني: النبيَّ ﷺ ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ تعالى استجابَ له دعاءَه في أهل بدر فعذَّبَهم (٥). * * * (١٧) - ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾: أي: اللَّهُ هو الذي أنزلَ

стр. 6530

هذه الكتبَ كلَّها بالحق؛ أي: ببيان (١) ما يجِبُ على الناس في دينهم، وأنزل الميزان؛ أي: العَدْلَ. قالَه مجاهد وقتادة (٢). وهو في المُعاملات والأَخْذ والإِعْطاء أكثرُ ذلك في الكَيْلِيِّ والوَزْنِيِّ. والوَزْنُ أصلٌ؛ لأنَّ المكاييلَ مُسَوَّاةٌ بالوَزْن، ثم اتَّسَعَ الكلام حتى سُمِّيَ كلُّ عَدْلٍ ميزانًا. والمُقَدَّراتُ كلُّها موزونةٌ، قال تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقال: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩]، ومَرْجِعُ هذه الآية إلى قوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾: وهي (٣) يومُ الوَزْنِ، والجزاءُ على العَدْلِ والجَوْرِ في هذا الوَزْن. * * * (١٨) - ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾: ويقولون: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] ويقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]، يقولون ذلك هُزُوًا. ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾: أي: خائفون؛ لِعِلْمِهم بما يكون فيها مِن الحساب والجزاء.

стр. 6531

﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾: أي: الصِّدْقُ الذي لا كَذِبَ فيه، والقضاءُ يقع فيها بالحق الذي لا باطلَ فيه. ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾: أي: يُجادلون فيها ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الرَّشاد. * * * (١٩) - ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: أي: رحيمٌ بهم، حسَنُ النَّظَرِ لهم. وقولُه تعالى: ﴿بِعِبَادِهِ﴾: أي: بعباده المؤمنين. ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يُكَثِّرُ له الرِّزْقَ، ويُوَسِّعُ عليه في دنياه إذا رأى مَصْلَحَتَه فيه؛ قال النبي ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: إنَّ مِن عبادي مَن لا يُصْلِحُه إلا الغِنى، ولو أفقرْتُه لأفسَدَه ذلك، وإنَّ مِن عبادي مَن لا يُصْلِحُه إلا الفقرُ، ولو أغنيتُه لأفسدَه ذلك، أُدَبِّرُ أمورَ عبادي بعلمي فيهم" (١).

стр. 6532

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الشورى: ٢٧]. وقيل: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: أي: عالمٌ بغوامض أمورهم التي تعودُ إليها عواقِبُ أحوالِهم، فلا يخفى عليه شيء مِن مصالحهم، فيُوَسِّعُ على مَن يشاء إذا رأى صلاحَه فيه. ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾: القادرُ على أنْ يرزُقَ مَن يشاء ما يشاء؛ أي: يُكَثِّرَ له الرِّزْقَ. ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ فلا يُغالَبُ فيما يُؤتيه عبادَه وفيما يمنعُهم. وقال ابن عباس ﵄: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: أي: حَفِيٌّ بهم (١)؛ أي: بارٌّ بهم. وقال مقاتل: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: البَرِّ منهم والفاجر، حيث لم يقتُلْهم جُوعًا بمعاصيهم (٢). وقال محمد بن كعب القُرَظي: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: في العَرْض والمُحاسبة (٣)، وهو فيما رُوِيَ: "أنَّ اللَّه تعالى يقول للعبد: سترتُها عليكَ في الدنيا، وأنا أغفِرُها لكَ اليوم" (٤). وقيل: اللَّطيفُ: هو الذي يُوَفِّقُ ويُثيبُ ويَقْبَلُ ثم يشكرُكَ عليه. وقال جعفرٌ الصادق: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: في الرزق؛ مِن وَجْهَين:

стр. 6533

أحدُهما: أنْ جعَلَ رِزْقَكَ مِن الطَّيِّبات، ورِزْقَ غيرِكَ بخِلافه. والثاني: أنه لم يَدْفَعْ إليكَ رِزْقَكَ بمرَّة واحدة (١). وقال ابنُ حَبيبٍ ﵀: الحِكْمةُ في ذلك مِن وجوه: أحدُها: أنه لو دفَعَ إليكَ رزقكَ جُمْلةً لفسَدَ عملُكَ (٢). والثاني: أنه لو كان كذلكَ فقد يسرِقُه سارقٌ، ويغصِبُه غاصب، فتبقى بلا شيء. والآخر: حتى إذا احتجْتَ إليه رجعْتَ إليه فدعوتَه وسألتَه. والآخر: أنه لو أجملَ رزقكَ لوقَفْتَ على مُدَّة عُمركَ، فيُنَغَّصُ عليكَ عيشُكَ (٣)، فاستأثرَ اللَّهُ تعالى بهذا العِلْم دون خَلْقِه. وقال الحُسين بن الفَضْل ﵀: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: في تيسير القرآن (٤). وذلك مِن وجوه: أحدُها: اختصارُه. والثاني: سهولتُه في القراءة بخِلاف سائر الكتب. والثالثُ: تيسيرُ الشرائع فيه. وقال علي بن موسى الرضا: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: بأمة محمد في الإضعاف (٥).

стр. 6534

وسُئِلَ جُنَيدٌ ﵀ عن اللطيف، فقال: لطَفَ بأوليائه حتى عرَفوه فعبَدوه، ولو لطَفَ بأعدائه كما لطَفَ بأوليائه لَمَا جَحَدوه (١). وقال ابن المبارك: اللطيف الذي لا تخفى عليه خافيةٌ (٢). وقال محمد بن علي الكَتَّاني: معنى اللطيف: أنَّ العبد إذا أيِسَ مِن خَلْقِه فلجأَ إليه قَبِلَه وأقبلَ عليه (٣). وقيل: اللطيف: هو الذي يُعْطِي فوق الكِفاية، ويُكَلِّفُ العبدَ دونَ الطَّاقة. وقيل: مِن لُطْفِه بالعبد عِلْمُ العبد بأنه لطيف، ولولا لُطْفُه لَمَا عرَفَ أنه لطيف. وقيل: مِن لُطْفِه إبهامُ عاقبةِ العبد عليه؛ لأنَّه لو علِمَ سعادتَه لاتَّكَلَ عليه وتعطَّل، ولو علِمَ شقاوتَه لترَكَ العملَ وتبَطَّل. وقيل: مِن لُطْفِه بالعبد خفاءُ أجَلِه عليه، لئلا يستوحِشَ مِن قُرْب أجلِه. وقيل: مِن لُطْفِه بالعبد أنه يُنسيه في الجنة ما عمِلَه في الدنيا مِن الزَّلَّة؛ لئلَّا يتنغَّصَ عليه عَيْشُه. * * * (٢٠) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾: قيل: يتَّصِلُ بقوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: مَن طلَبَ بما رزقناه مِن المال ووسَّعْنا عليه في الحال حَرْثًا

стр. 6535

لآخرته؛ أي: تقديمَ ما يجعلُه ذُخْرًا ليوم الجزاء، فيُؤدِّي حقوقَ اللَّه تعالى مِن ماله، فإنا نُعطيه زيادةً على ما أعطاه مِن ماله، بأنْ نُضاعِفَ له نفقَتَه بالواحدة عشرًا إلى سبع مئة وأكثرَ، كأنَّه حرَثَ شيئًا وحرَثَ له غيرُه أشياءَ زائدةً عليه، وقد مثَّل اللَّهُ النَّفَقَةَ في سبيله بمَن بذَرَ حبَّةً، فأنبتتْ سبعَ سنابل، في كلِّ سُنْبُلةٍ مئةُ حبَّةٍ، واللَّهُ يُضاعف لمَن يشاء. ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: أي: ومَن كان طلَبُه بما رُزِقَ مِن المال رياءَ الناس، والمُكاثرةَ به، والتَّوَسُّعَ في الملاذِّ المحظورة، فإنما نُؤْتِه منها؛ أي: لا نحرِمُه الرزقَ أصلًا، بل نُعطِيه ما قدَّرْناه له ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، وهو كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]. وقيل: الآيةُ في قوم كانوا يُجاهدون مع رسول اللَّه ﷺ ، فبيَّنَ أنَّ مَن كان منهم يُريدُ الآخرةَ بذلك ونعيمَها يُعطى زيادةً على ما يستحِقُّه بعمَلِه، ومَن أراد به الدنيا ومَنافِعَها مِن الغنائم نُؤْتِه منها، ولكنْ لا نَصيبَ له في الآخرة. وقيل: عُنِيَ به المنافقون. وقال قتادة: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾: هم اليهود والنصارى، قالوا: أُنْزِلَ كتابنُا قَبْل كتابِكم، ونبيُّنا قَبْل نبيِّكم، فنحن أَولى باللَّه منكم، فنزَلَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ الآية (١). ومعناه: أنَّ المَنْزِلَةَ عند اللَّه تعالى ليست بتقديمِ كتابٍ ولا نبيٍّ، إنما هي على الأعمال الصالحة، فمَن طلَبَ بما أُوتي مِن الكتابِ المُتقَدِّمِ والنبيِّ المُتقَدِّمِ رياسةَ

стр. 6536

الدنيا، حتى أدَّاه ذلك إلى أكل السُّحْتِ وتحريف الكلِمِ، لم يكن له في الآخرة نصيبٌ، ومَن طلَبَ بذلك ما عند اللَّه، وأقامَ شرائعَ الكتابِ، وبيَّنَ للناس أحكامَه، أجزَلَ اللَّهُ تعالى إكرامَه. قال القُتَبيُّ: الحَرْثُ: هو الكَسْبُ (١). قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: احرِثْ لدُنياكَ كأنك تعيشُ أبدًا، واعملْ (٢) لآخرتكَ كأنك تموت غدًا (٣). * * * (٢١) - ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾: ﴿أَمْ﴾ بمعنى ألف الاستفهام، وهي للتَّوبيخ. أي: ألهؤلاء المشركين شركاءُ -أي: آلهةٌ- شرَعوا لهم الشرك الذي لم يأذنِ اللَّهُ تعالى به؟!

стр. 6537

يعني: ليس كذلك، وإذا كان شركاؤُهم هؤلاء لا يعقلون فيَشْرَعوا، وكان اللَّه تعالى لم يَشْرَعِ الشركَ، فمِن أين يَدينون به؟! وكيف جعلوه لأنفسهم شريعةً مِن غير أنْ يرجعوا في ذلك إلى مَن يجوز أنْ يكون حُجَّةً وعُذْرًا في اعتقاده؟! وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: ولولا القولُ السابق مِن اللَّه الذي قطَعَ الحُكْمَ به -وهو صِدْقٌ لا تبديلَ له ولا رجوع عنه- أنه لا ينزِلُ بهم العذاب الذي استحقُّوه بشركهم إلا في الآخرة لَقُضِيَ بينهم به في الدنيا. والفَصْلُ: قَطْعُ الحُكْمِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]. والفَصْلُ: القولُ الحقُّ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: المشركين ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الآخرة، وإنْ أُخِّرَ عنهم في الدنيا. * * * (٢٢) - ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾: في الآخرة ﴿مُشْفِقِينَ﴾: خائفِين ﴿مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾؛ أي: نازِلٌ بهم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾: قال الكسائي: الرَّوْضةُ: العُشْبُ حولَ الغَدير (١). وقيل: هي الأرض الخَضِرَةُ الحسَنةُ النبات.

стр. 6538

وقولُه تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في الجنة. ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: مِن اللَّه تعالى لهم؛ إذ آتاهم على العملِ القليلِ المُنقطِعِ الجزاءَ الكثيرَ الدائمَ. وقيل: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾: أي: في الرِّياض التي تحُفُّ بها البساتينُ، وذلك أحسَنُ ما يكون وأجْمَعُه للنُّزْهة؛ لأنَّه يجمَعُ الثِّمار والزَّهْر والرَّياحين، فيحصُلُ لصاحبه غِذاءُ البَدَن بالطُّعْم، وغِذاءُ الرُّوح بطِيب الرائحة، ونُزْهَةُ العَينِ بألوان الزَّهر. * * * (٢٣) - ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (يَبْشُر) بالتخفيف بضمِّ الشين، وهي قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ، والباقون بالتَّشديد (١). قال أبو معاذ: بالتخفيف مِن قولكَ: بشَرْتُ الأديمَ أَبْشُرُه؛ معناه: يُنَوِّرُ اللَّهُ وجوهَهم، وبالتشديد مِن البُشْرى (٢). وعن أبي عمرو أنه قال: إنما قرأتُ هاهنا بالتخفيف دون سائرِ المواضع؛ لأنَّه ليس فيه: يبشر اللَّه به، ليكون مِن البِشارة (٣).

стр. 6539

وقال غيره (١): (به) مُضْمَرٌ؛ كما في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: أي: تُؤمَرُ به؛ أي: ذلك الفَضْلُ الكبيرُ وما تقدَّمَ ذِكْرُه يُبَشِّرُ اللَّهُ به عبادَه. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: لِيتَعَجَّلوا السُّرورَ به. ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾: قيل: على الدِّين. وقيل: على الكتاب. وقيل: على الفَضْل الكبير. وقيل: على التَّبْشير. وقيل: على التَّبْليغ. وبعضُ ذلك مَذْكورٌ، وبعضُه مَدْلولٌ. وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: قيل: أي: لا أطلُبُ منكم أجرًا، لكنْ أصِلُ أرحامَكم بدُعائكم إلى السَّعادة في الدَّارَين، وهو ردٌّ لِمَا قالوا: إنَّه جاء بقَطْع الأرحام، يُفَرِّقُ بين مَن آمنَ به وبين أرحامه. وقيل: إلا أنْ تَوَدُّوني لِقَرابتي فيكم، فقد كان له في كلِّ قبيلة مِن قبائل العرب وُصْلَةُ نسبٍ بالأم أو الأب. وقال الضَّحاك: أي: إلا أنْ تصِلُوا رَحِمي، وتنصُروني على عدوِّي (٢). وقال الزجاج: هذا استثناءٌ مُنقطِعٌ بمعنى: (لكن)؛ أي: ولكنْ أُذكِّرُكم المودَّةَ في القربى (٣).

стр. 6540

وقيل: أي: إنْ لم تترُكوا إيذائي لنُبُوَّتي فاتركُوه لحَقِّ قَرابتي. وقيل: أي: إلَّا أنْ تتوادُّوا فيما بينكم لِقَرابةِ بعضِكم مِن بعض، فتجتمعوا على الإيمان وتتواصلوا، فأنا أعتدُّ ذلك كالأجر تُعْطونني، وكالمال تَصِلُونني به. وقال الحسن: أي: إلا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّه (١) بما يُقَرِّبُكم منه (٢). وقال ابن عباس ﵄: أي: إلا أنْ توَدُّوا قرابتي وأهلَ بيتي (٣). وقال الضحاك: لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ وقَعَ في قلوب القوم منها شيء، فقال جبريل ﵇: يا رسولَ اللَّه، إنَّ القومَ اتَّهموكَ، فأنزل اللَّه قوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧]، فنزلَ قولُه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٤). وقال مقاتل بن حيان: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: إلا أنْ تُصدِّقوني وتمنعوني مِن العرب حتى أُبَلِّغَ رسالةَ ربي، فلما أبَوا ذلك، وقطَعوا رحِمَه، وهاجَرَ إلى المدينة، وآواه الأنصارُ ونصَروه، أنزلَ اللَّه تعالى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ (٥).

стр. 6541

﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾: أي: يكتسِبْ فِعْلةً جميلةً مَوَدَّةً في القُرْبى أو غيرَ ذلك. ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾: التَّضعيفُ في الثواب عشرًا، وسبعَ مئةٍ، وبغير حساب. وقيل: التوفيقُ لمِثْلِها أو أكثرَ منها. وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾: هي مِن الوظائف، ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾: هي مِن اللَّطائف (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: للذُّنوب الكثيرة ﴿شَكُورٌ﴾: للأعمال اليَسيرة. * * * (٢٤) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: أَيَقْبلون ما تُبَلِّغُه إليهم ولا تسألُ (٢) عليه أجرًا، أم يقولون: إن محمدًا اختلَقَ على اللَّه زُورًا بدعواه أنَّ ما يتلُوه هو مِمَّا أنزَلَ اللَّهُ عليه؟! وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾: قال قتادة: أي: يُنَسِّيكَ القرآن (٣)، فلا تُبَلِّغُه، فلا يُكذِّبونكَ. وقال مقاتل: أي: يختِمْ بالصَّبر، حتى لا تجد غُصَّةَ التَّكذيب (٤).

стр. 6542

وقيل: أي: يُغْلِقْ قلبَكَ فلا تضبِطُ شيئًا، ولا تتكلَّمُ به، فيدُلُّ على افترائكَ لو كنتَ مُفْتَرِيًا كما يقولون. وقيل: الخَتْمُ على القلب هو الإماتةُ؛ لأنَّ القلبَ إذا انسَدَّ فلم يَتَخَلَّلْه شيءٌ مات صاحبُه، ويكون في معنى قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾: حُذِفَ الواوُ في المصاحف تخفيفًا؛ كما في قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، لا للجَزْم؛ فإنه غيرُ مُعَلَّق بالشرط، بل هو مُطْلَق، ومعناه: أي: يُذْهِبُ اللَّهُ الباطلَ ويُزيلُه، فلا يدَعُه يَفتري. ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: ويُبَيِّنُ حقيقةَ الحقِّ وصِحَّتَه بوحيه إلى أنبيائه. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بضمائر القلوب، ولو علِمَ مِن محمدٍ إضمارَ افتراءٍ لَعاجلَه بالعُقوبة، فكيف لو افترى؟! * * * (٢٥) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾: قال ابن عباس ﵄: هي عامَّةٌ للمؤمن والكافر، والوليِّ والعَدُوِّ، ومَن تاب منهم قَبِلَ اللَّهُ توبتَه (١). فتتَّصِلُ مِن هذا الوجه بكل آيةٍ قَبْلَها في هذه السورة، وتكون دُعاءً لكلِّ فريقٍ منهم إلى الرُّجوع عن القَبيح الذي هو فيه.

стр. 6543

وقولُه تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾: بالتوبة. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١): قرأ حمزة والكسائيُّ وحفصٌ عن عاصم بتاء المُخاطبة، وقرأ الباقون بياء المُغَايَبة (٢)، واختار أبو عبيد (٣) هذه القراءة لأنها أوفقُ لما قبلها وما بعدها (٤). أي: ويعلمُ الصادقَ في التوبة فمنه يَقْبَلُ، والكاذبَ فيها فلا يقبَلُها منه. وقيل: يعلَمُ مَن يثبُتُ عليها ومَن يعودُ إلى الذَّنْب، ومع ذلك يقبَلُ إذا كان حقيقةً للحال. وقيل: هذا في حق الذي لا يتوبُ، وهو وعيدٌ، وما قبله وَعْدٌ للتائبين. * * * (٢٦) - ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أي: ويستجيب اللَّهُ منهم؛ أي: يقبَلُ طاعاتِهم؛ كما قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]؛ أي: اعبُدوني أَتَقَبَّلْها منكم. وقيل: أي: يستجيبُ دعاءَهم، وقد تُذْكَرُ الاستجابةُ بدون اللام؛ كما قال الشاعر:

стр. 6544

فلَمْ يَستجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ (١) وقال سعيد بن جبير ﵀: ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾: هذا فِعْلُ الذين آمنوا (٢)، وهو رفعٌ، ومعناه: والمؤمنون استجابوا للَّه حين دعاهم إلى دار الإسلام، وإلى الجنة والمغفرة والإيمان والطاعة. ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: بالإضعاف. وقيل: هي رؤيةُ اللَّهِ؛ كما قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: في النار. * * * (٢٧) - ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾: لَمَّا ذكَرَ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ في حقِّ المؤمنين في الآخرة، ورأوا حِرْمانَ فَضلِ المال في حقِّ بعضِهم في الدنيا، وخفِيَ عليهم وجْهُ الحِكْمة مِن اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا﴾؛ أي: لتَظالموا. وقال ابن عباس ﵄: أي: لطَغَوا (٣).

стр. 6545

وقال شقيق: لو رزقَهم مِن غير كسْبٍ لتفرَّغوا، فتفاسَدوا، فشغلَهم بالكسْب (١). ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾: أي: بمِقْدار ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ﴾: عالِمٌ بمصالحهم ﴿بَصِيرٌ﴾: بأعمالهم. وقال عمرو بن حُرَيث: نزلت هذه الآية في أصحاب الصُّفَّة؛ وذلك أنهم قالوا: لو أنَّ لنا، فتمنَّوا (٢). وقال خَبَّاب بن الأَرَتِّ: فينا نزلَتْ، وذلك أنا نظَرْنا إلى أموال بني قُرَيْظَة وبني النَّضِير وبني قَيْنُقَاع، فتمنَّيْناها فنزلت (٣). وقال ابن عباس: ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: لطلَبوا مَنْزِلًا بعد مَنْزِل، ودابَّةً بعد دابَّةٍ، ومَلْبَسًا بعد مَلْبَس (٤). * * * (٢٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾: أي: المطرَ بعد يأس الناس عنه لتأخُّرِ نزوله.

стр. 6546

وقولُه تعالى: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: أي: يعُمُّ خَلْقَه بنعمته التي تكون مِن الغيث، فمَن قَدِرَ على ذلك فهو قادر على أنْ يعُمَّ جميعَ عبادِه بسَعَة الرزق، فليس تضييقُه على بعض لِعَجْزِه، وكيف يَعْجِزُ عن ذلك مَن قَدِرَ على خَلْق السماوات والأرض وما بينهما ومَن فيهما مِن الخَلْق؟! ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾: أي: يلِي أمورَ خَلْقِه بما يعلَمُ ذلك صلاحًا لِمَن أراد به الصلاح. ﴿الْحَمِيدُ﴾: أي: الذي يستحِقُّ الحمدَ على كل حال، وأنْ يُستسلَمَ له بالرضا كيف ما صرَّفَ بهم الأحوال مِن الإكثار والإقلال. * * * (٢٩) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ومِن علامات قُدْرَته على كل شيء خَلْقُهما ﴿وَ﴾ خَلْقُ ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾: أي: نشَرَ وفرَّقَ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: أي: حيوانٍ يَدِبُّ؛ أي: يتحرَّكُ بالحياة مِن الملائكة والجن والإنس والبَهائم والحَشَرات. وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾: في القيامة ﴿إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾: أي: قادر. * * * (٣٠) - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: أي: بَلِيَّةٍ ونُقْصانٍ في مال أو أهل أو ولد أو قريب أو صديق. ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: أي: بشُؤْمِ ذنوبِكم، وأضاف الكَسْبَ إلى اليد لأنَّ أكثرَ أعمالِ الخَلْق بالأيدي.

стр. 6547

﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾: فلا يُعاقِبُ عليه في الدنيا. وقال الحسن: لما نزلَتْ هذه الآية قال النبي ﷺ : "والذي نفْسُ محمدٍ بيده، ما مِن خَدْشِ عُودٍ، ولا عَثْرَةِ قدَمٍ، ولا اختلاجِ عِرْقٍ، إلا بذنب، وما يعفو اللَّهُ عنه أكثر" (١). وعن الحسن قال: هي الحدود في الدنيا (٢). وقال الضحاك: أي: الشَّوْكةُ فما فوقها. وقال السُّدِّي: الجَدْبُ وما تُصابون به في أنفسكم (٣). وقال علي ﵁: هي أرجى آيةٍ في القرآن (٤). ورُوِيَ عن النبي ﷺ ما رواه الحسن، وزاد عليه في آخره: "وما عاقبَ اللَّهُ عبدَه في الدنيا بذنب فاللَّهُ أرحمُ مِن أنْ يُثَنِّيَ عليه عُقوبتَه في الآخرة، وما عفا اللَّهُ تعالى عن

стр. 6548

عبده في الدنيا مِن ذنب، فاللَّهُ تعالى أكرمُ مِن أنْ يعودَ فيما قد عفَى عنه" (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقد تُصيب المصيبةُ مَن لا يستحِقُّ العقوبةَ: إمَّا لِيعلَمَ المصابُ أنَّ سلامتَه فَضْلٌ مِن اللَّه، أو ليُعوِّضَه في الآخرة، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾: ما مِن مصيبة إلا ويُحْتَمَلُ الزِّيادةُ عليها، فيعفو تلك الزِّيادةَ، وقد يعفو عن كثير مِن الذنوب، فلا يُعاقِبُ عليه (٢). * * * (٣١ - ٣٢) - ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾: يا مَعْشَرَ الكفار ﴿بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: بفائتين أَخْذَ اللَّهِ، فليس تأخيرُ العذابِ عنكم لقوَّتِكم. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا﴾: يتولَّى عَوْنَكم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: يدفعُ العذابَ عنكم إذا أنزله بكم. وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾: أي: ومِن العلامات الدالَّةِ على قُدْرة اللَّه تعالى على بَسْطِ الرزق وكلِّ شيءٍ السُّفُنُ الجاريةُ في البحر، جَمْعُ جاريةٍ، وهي السفينة، قال اللَّه تعالى: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١].

стр. 6549

﴿فِي الْبَحْرِ﴾: اسمُ جنسٍ يصلُحُ للواحد والجمع. ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: قيل: كالجبال. وقال قُطْرُب: وقد يكون العلَمُ القَصْرَ (١). وقال الخليل: كلُّ مُرْتفِعٍ عند العرب فهو علَمٌ، قالت الخَنْساءُ: وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ به... كأنه علَمٌ في رأسه نارُ (٢) شبَّهَ السُّفُنَ بالجبال أو بالقُصور في عِظَمها، خلَقَها اللَّه تعالى لِمعايش العِباد ومصالحهم، يَقْطَعون بها البحار، ويضربون بها في الأمصار، ويَقْضون بها الأَوْطار، وسخَّرَ الرِّيحَ لإجرائها. * * * (٣٣) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾: أي: فيَبْقَينَ واقفاتٍ على ظَهْره؛ أي: ظَهْرِ البحر. والرُّكودُ: السُّكونُ والوقوفُ، ومنه الخبر: نهى عن البول في الماء الراكد (٣). وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: قيل: لكلِّ مؤمنٍ مُستَكْمِلٍ في خِصال الإيمان؛ لأنَّ مَرْجِعَ كلِّها إلى الصبر والشكر. وخصَّه بإضافة الآيات إليه لأنه هو المُنتفِعُ بها.

стр. 6550

وقيل: التَّقييدُ بهذين الوَصْفين يُشيرُ إلى ما قلنا مِن حديث توسيع الرزق وتضييقه؛ يقول: مَن قدِرَ على هذا قدِرَ على توسيع الرزق على الكل، لكنْ يُوَسِّعُ على بعضٍ يمتحِنُه بالشكر، ويُضَيِّقُ على بعض يمتحِنُه بالصبر. * * * (٣٤ - ٣٥) - ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾: أي: يُهْلِكْهُنَّ في البحر بذُنوبهم، جُزِمَ بالعطف على ﴿يُسْكِنِ﴾، وذلك جُزِمَ لأنه جزاءُ الشَّرْط. وفي إهلاكِ السُّفُنِ إهلاكُ مَن فيها وما فيها. ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾: أي: لا يُهْلِكُ بعضَهم بالغرَق فَضْلًا منه. ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾: نُصِبَ على الظَّرْف؛ لأنَّه غيرُ معطوف على المجزوم، فإنه على التَّحْقيق لا على التَّعْليق. أي: وسيَعْلَمُ المشركون المُجادلون في آيات اللَّه ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: أي: مَعْدِلٍ عما أنزلَ اللَّهُ تعالى، فيُخْلِصون للَّه العبادةَ، ويَمحَضون (١) له الطاعةَ. * * * (٣٦) - ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: أُعطِيتُم مِن سَعَةٍ في الرزق ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ
следующие страницы →