← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

وقولُه تعالى: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: أي: يعُمُّ خَلْقَه بنعمته التي تكون مِن الغيث، فمَن قَدِرَ على ذلك فهو قادر على أنْ يعُمَّ جميعَ عبادِه بسَعَة الرزق، فليس تضييقُه على بعض لِعَجْزِه، وكيف يَعْجِزُ عن ذلك مَن قَدِرَ على خَلْق السماوات والأرض وما بينهما ومَن فيهما مِن الخَلْق؟! ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾: أي: يلِي أمورَ خَلْقِه بما يعلَمُ ذلك صلاحًا لِمَن أراد به الصلاح. ﴿الْحَمِيدُ﴾: أي: الذي يستحِقُّ الحمدَ على كل حال، وأنْ يُستسلَمَ له بالرضا كيف ما صرَّفَ بهم الأحوال مِن الإكثار والإقلال. * * * (٢٩) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ومِن علامات قُدْرَته على كل شيء خَلْقُهما ﴿وَ﴾ خَلْقُ ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾: أي: نشَرَ وفرَّقَ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: أي: حيوانٍ يَدِبُّ؛ أي: يتحرَّكُ بالحياة مِن الملائكة والجن والإنس والبَهائم والحَشَرات. وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾: في القيامة ﴿إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾: أي: قادر. * * * (٣٠) - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: أي: بَلِيَّةٍ ونُقْصانٍ في مال أو أهل أو ولد أو قريب أو صديق. ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: أي: بشُؤْمِ ذنوبِكم، وأضاف الكَسْبَ إلى اليد لأنَّ أكثرَ أعمالِ الخَلْق بالأيدي.

стр. 6547

﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾: فلا يُعاقِبُ عليه في الدنيا. وقال الحسن: لما نزلَتْ هذه الآية قال النبي ﷺ : "والذي نفْسُ محمدٍ بيده، ما مِن خَدْشِ عُودٍ، ولا عَثْرَةِ قدَمٍ، ولا اختلاجِ عِرْقٍ، إلا بذنب، وما يعفو اللَّهُ عنه أكثر" (١). وعن الحسن قال: هي الحدود في الدنيا (٢). وقال الضحاك: أي: الشَّوْكةُ فما فوقها. وقال السُّدِّي: الجَدْبُ وما تُصابون به في أنفسكم (٣). وقال علي ﵁: هي أرجى آيةٍ في القرآن (٤). ورُوِيَ عن النبي ﷺ ما رواه الحسن، وزاد عليه في آخره: "وما عاقبَ اللَّهُ عبدَه في الدنيا بذنب فاللَّهُ أرحمُ مِن أنْ يُثَنِّيَ عليه عُقوبتَه في الآخرة، وما عفا اللَّهُ تعالى عن

стр. 6548

عبده في الدنيا مِن ذنب، فاللَّهُ تعالى أكرمُ مِن أنْ يعودَ فيما قد عفَى عنه" (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقد تُصيب المصيبةُ مَن لا يستحِقُّ العقوبةَ: إمَّا لِيعلَمَ المصابُ أنَّ سلامتَه فَضْلٌ مِن اللَّه، أو ليُعوِّضَه في الآخرة، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾: ما مِن مصيبة إلا ويُحْتَمَلُ الزِّيادةُ عليها، فيعفو تلك الزِّيادةَ، وقد يعفو عن كثير مِن الذنوب، فلا يُعاقِبُ عليه (٢). * * * (٣١ - ٣٢) - ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾: يا مَعْشَرَ الكفار ﴿بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: بفائتين أَخْذَ اللَّهِ، فليس تأخيرُ العذابِ عنكم لقوَّتِكم. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا﴾: يتولَّى عَوْنَكم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: يدفعُ العذابَ عنكم إذا أنزله بكم. وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾: أي: ومِن العلامات الدالَّةِ على قُدْرة اللَّه تعالى على بَسْطِ الرزق وكلِّ شيءٍ السُّفُنُ الجاريةُ في البحر، جَمْعُ جاريةٍ، وهي السفينة، قال اللَّه تعالى: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١].

стр. 6549

﴿فِي الْبَحْرِ﴾: اسمُ جنسٍ يصلُحُ للواحد والجمع. ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: قيل: كالجبال. وقال قُطْرُب: وقد يكون العلَمُ القَصْرَ (١). وقال الخليل: كلُّ مُرْتفِعٍ عند العرب فهو علَمٌ، قالت الخَنْساءُ: وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ به... كأنه علَمٌ في رأسه نارُ (٢) شبَّهَ السُّفُنَ بالجبال أو بالقُصور في عِظَمها، خلَقَها اللَّه تعالى لِمعايش العِباد ومصالحهم، يَقْطَعون بها البحار، ويضربون بها في الأمصار، ويَقْضون بها الأَوْطار، وسخَّرَ الرِّيحَ لإجرائها. * * * (٣٣) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾: أي: فيَبْقَينَ واقفاتٍ على ظَهْره؛ أي: ظَهْرِ البحر. والرُّكودُ: السُّكونُ والوقوفُ، ومنه الخبر: نهى عن البول في الماء الراكد (٣). وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: قيل: لكلِّ مؤمنٍ مُستَكْمِلٍ في خِصال الإيمان؛ لأنَّ مَرْجِعَ كلِّها إلى الصبر والشكر. وخصَّه بإضافة الآيات إليه لأنه هو المُنتفِعُ بها.

стр. 6550

وقيل: التَّقييدُ بهذين الوَصْفين يُشيرُ إلى ما قلنا مِن حديث توسيع الرزق وتضييقه؛ يقول: مَن قدِرَ على هذا قدِرَ على توسيع الرزق على الكل، لكنْ يُوَسِّعُ على بعضٍ يمتحِنُه بالشكر، ويُضَيِّقُ على بعض يمتحِنُه بالصبر. * * * (٣٤ - ٣٥) - ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾: أي: يُهْلِكْهُنَّ في البحر بذُنوبهم، جُزِمَ بالعطف على ﴿يُسْكِنِ﴾، وذلك جُزِمَ لأنه جزاءُ الشَّرْط. وفي إهلاكِ السُّفُنِ إهلاكُ مَن فيها وما فيها. ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾: أي: لا يُهْلِكُ بعضَهم بالغرَق فَضْلًا منه. ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾: نُصِبَ على الظَّرْف؛ لأنَّه غيرُ معطوف على المجزوم، فإنه على التَّحْقيق لا على التَّعْليق. أي: وسيَعْلَمُ المشركون المُجادلون في آيات اللَّه ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: أي: مَعْدِلٍ عما أنزلَ اللَّهُ تعالى، فيُخْلِصون للَّه العبادةَ، ويَمحَضون (١) له الطاعةَ. * * * (٣٦) - ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: أُعطِيتُم مِن سَعَةٍ في الرزق ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ

стр. 6551

الدُّنْيَا﴾؛ أي: شيءٌ قليلٌ يُتَمَتَّعُ به في الدنيا قليلًا ثم يزولُ، فما ينبغي له أنْ يُوثَقَ به ويُطْمَأَنَّ إليه. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: مِن نعيم الآخرة ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ مِن نعيم الدنيا. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: ذلك للمؤمنين ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أي: يُفَوِّضون الأمورَ إليه (١)، ويَرْضَون بما قسَمَ لهم مِن الرزق. * * * (٣٧) - ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾: أي: وذلك النَّعيم أيضًا للذين يَتَوَقَّوْنَ عن الذنوب الكثيرة والأعمال الفاحشة. وقد ذكَرْنا الأقاويلَ في الكبائر في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]. وفسَّرْنا الفاحشةَ والفَحْشاءَ في قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩]. وظاهِرُ تفسيرِ الفاحشةِ: القبيحةُ. وقيل: هي المُفْرِطةُ في القُبْح. وفي الجَمْع بينهما هاهنا وجوه: قيل: الفواحش فوق الكبائر. وقيل: هما وَصْفان لعَظائم الذنوب، والعطفُ بالواو لِتَغايُرِ المعنيين والموصوفُ واحدٌ، كأنه قال: يجتنبون المعاصي وهي عظيمةٌ عند اللَّه تعالى في الوِزْرِ، وقَبيحةٌ في العقل والشَّرْع.

стр. 6552

وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾: أي: وإذا غضِبوا بإيذاء أحَدٍ إياهم غفَروا لِمَن أغضَبَهم، وكظَموا غَيْظَهم. وزيادةُ ﴿هُمْ﴾ في هذا الفعل إشارةٌ إلى أنهم يَعْفُون عنهم مِن عند أنفسهم مِن غير أنْ يحمِلَهم عليه شَفيعٌ أو سائلٌ. * * * (٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: وهذا مِن صفاتهم أيضًا؛ أي: أطاعوا اللَّهَ فيما أمرَهم به، وأجابوا إلى ما دَعاهم إليه. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: أداموا الصلاة في أوقاتها بشُروطها. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾: أي: يتآلفون على نَصر الدِّين وإحياء الحقِّ، فيَتَّفِقون على التَّشاوُر في الأمور لِيَقعَ إمضاؤُها على اتِّفاقهم، فلا يختلفون ولا يتنازعون، وهو يرجِعُ إلى الآيات المتقدِّمة التي فيها الأمرُ بالتآلُفِ والنَّهْيُ عن التَّفَرُّقِ. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: في وُجوه الحقِّ فَرْضًا ونَفْلًا. * * * (٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾: قيل: إذا نالَهُمُ البَغْيُ مِن الكفار ينتصِرون بالجهاد؛ كما قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [الحج: ٣٩]. وقيل: هو في كلِّ ظالمٍ. والانتصارُ: الانتِصافُ مِن غير مَزِيد، وهو مُطْلَقٌ.

стр. 6553

وقيل: هو الأمرُ بالمعروف، والنَّهْيُ عن المنكر، وإقامةُ الحدود، والتَّعزيرُ على الجاني، وهو إقامةُ الدِّين كما أمَرَ بها في الآيات المُتقدِّمة. وقيل: ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾: أي: يَتناصرون فيما بينهم، فيَنْصُرُ بعضُهم بعضًا، يُقال: تناصَرَ القومُ وانتصروا؛ كما يُقال: تقاتلوا واقتتلوا. * * * (٤٠) - ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾: قيل: الأوَّلُ -وهو قوله: ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾ - في جهاد الكفار، وهذا في مُعاملةِ أهلِ الإسلام؛ أي: وما جرى بينكم مَعاشِرَ المسلمين في عُدْوان بعضِكم على بعض في شيءٍ مِن نفْسٍ أو مال، فله أنْ يَجْزِيَه بمِثْلِ ذلك لا يَزيدُ عليها. والأولى سَيَّئَةٌ؛ لأنَّها معصيةٌ، والجزاءُ ليس بمعصية؛ لأنَّه بإذن اللَّه، لكنْ سمَّاه سَيِّئةً للمُقابَلة، وكذلك قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وتسميةُ الجزاءِ بالأول في القرآن كثيرٌ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وقيل: معناه: مَن ساءَكم بجِناية في نفْسٍ أو مالٍ فسُوؤُوه بمِثْله اقتصاصًا. ثم ندَبَ إلى الأَولى فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا﴾: أي: ترَكَ الانتصارَ والمُجازاةَ ﴿وَأَصْلَحَ﴾؛ أي: الجزاءُ يُورِثُ العداوةَ بين الفريقين والوَحْشةَ، فمَن أصلحَ بينهم (١).

стр. 6554

وقيل: ﴿وَأَصْلَحَ﴾: أي: سألَ اللَّهَ تعالى أنْ يرضى عن الجاني كما رضِيَ هو، فإنه بجِنايته آذى اللَّهَ تعالى وآذى المؤمنَ، فإذا رضِيَ المؤمنُ بقِيَ حقُّ اللَّهِ تعالى، فإذا شفَعَ له عن صِدْقٍ ﵁، فصلَحَتْ حالَتُه. ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: فثوابُ ذلك عند اللَّه تعالى، وقد وعَدَ بذلك وعدًا مُؤكَّدًا، فهو يَنالُه لا محالةَ. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: قيل: يتَّصِلُ بقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، والظالمُ مَن يَزيدُ على جزائها، أو يبتدئُ بها. * * * (٤١ - ٤٢) - ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾: أي: انتصَفَ بعد وُقوع (١) الظُّلْم عليه. قيل: هو في الانتصار مِن الكفار، والذين أَخْرَجوا المسلمين عن الدِّيار. ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾: بالمَلامة وغيرِ ذلك. ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾: أي: على المشركين الذين يَظْلِمون الناسَ بإخراجهم وأَخْذِ أموالِهم. ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: بمَنْعِ المسلمين عن إخلاص العبادة للَّه، ومُجاوزة الحَدِّ في الفساد. وقولُه تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: بإظهار الكفر، وإيذاء المسلمين. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدنيا والآخرة.

стр. 6555

(٤٣) - ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾: أي: على ما نالَه مِن الظُّلْم مِن جِهَة أخيه المسلم ﴿وَغَفَرَ﴾ لِظالِمه ذنبَه. ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: أي: مما ينبغي أنْ يُوجِبَه العاقلُ على نفْسِه، ولا يترَخَّصَ في تَرْكِه. وقال ابن عباس ﵄: أي: مِن حَزْم الأمور (١). وقال الضحاك: أي: الجِدِّ (٢). وقال مقاتل بن حيان: أي: مِن البَصَر بالأمور كلِّها. وقال ابن كيسان: يعني: التَّيَقُّنَ بالخَلَف والثواب. وقال السُّدِّي: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾: نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أن رجلًا من المشركين أقبل عليه يشتمه وجعل أبو بكر لا يشتغل به إلى أن ضجر، فلما ضجر ردَّ عليه، فقام رسول اللَّه ﷺ ، فقال أبو بكر: فداك أبي وأمي يا رسول اللَّه ما دام يشتمني لم تقم فلما رددتُ عليه قمتَ؟ فقال: "لأني رأيت بينك وبينه ملكًا يردُّ عليه ما قال، فلما رددتَ عليه قام الملك فذهب فقمت أنا أيضًا" (٣).

стр. 6556

وقال قتادة: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ حين أوذي وشُتم بمكة، فأغضى عنهم ولم يشتغل بهم (١). * * * (٤٤) - ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: ومَن يُغْوِهِ اللَّهُ ويَخْلُقْ فيه فعلَ الضلال لعلمه باختياره ذلك، فليس له مَن يَلِي إرشادَه ومَعونَته ومَنْعَ العذابِ عنه. وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: أي: يوم القيامة ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾: يتمنَّون الرَّجْعةَ إلى الدنيا، ويقولون: هل لنا سبيلٌ إلى ذلك ووصولٌ، فنُؤمنَ ولا نُشركَ، ونُطيعَ ولا نَعصِيَ. * * * (٤٥) - ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾. ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾: أي: على النار، والعذابُ المذكورُ قَبْلَه كنايةٌ عنها. ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾: نصبٌ على الحال؛ أي: ساكتين مُنكَسِرين مِن الخِزْيِ والهَوان.

стр. 6557

﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: ذليلٍ (١). وقال الحسن وقتادة رحمهما اللَّه: يُسارِقون النَّظْرة (٢). وقيل: لا يُمكِنُهم أنْ ينظروا إلى النار بجميع أبصارهم؛ لِمَا يرون مِن هَوْلِها. وقيل: أي: لا يرفعون أبصارَهم للنَّظَر رفعًا تامًا؛ لأنَّهم ناكِسو رؤوسهم، وعلى هذه الوجوه تكاد عيونُهم (٣) تخفى. وقيل: ينظرون إلى النار بقلوبهم وهي خَفِيَّةٌ؛ لأنهم حُشِروا عُمْيًا. وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: الخُسْرانُ في الحقيقة لهؤلاء الذين حُرِمُوا منافعَ أنفسِهم وأهليهم، أو أهلَكوها وأهاليَهم بالإغواء، أو حُرِموا الحُورَ العِين بترك الإيمان، يقولون ذلك بطريق الشكر على حالة أنفسهم. وقولُه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾: أي: إن المشركين في عذاب مقيم؛ أي: دائمٍ، ويجوز أنْ يكون هذا مِن قول المؤمنين، ويجوز أنْ يكون مِن اللَّه تعالى. * * * (٤٦ - ٤٧) - ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾.

стр. 6558

وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ﴾: أي: لهؤلاء الكفار ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يتولَّون معونتَهم، ويدفعون عنهم العذابَ. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾: أي: وصولٍ إلى الخَلاص. وقيل: أي: مِن حُجَّة. وقيل: أي: مِن حِيلة. وقولُه تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾: أي: أجيبوه إلى ما دعاكم، وهو الإيمان. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: قبل أنْ يأتِيَ مِن اللَّه يومٌ لا مَدْفَعَ له، وهو يوم القيامة. وقيل: أي: لا مَرَدَّ إلى الدنيا للكافر (١) فيه مِن اللَّه تعالى إذا سأَل الرَّجْعة. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾: أي: حِصْنٍ (٢) ﴿يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾؛ أي: قُدْرةٍ على تغيير، وهو كقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤]، قال تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١]؛ أي: غَيِّروه. وقيل: أي: ما يجدون مَن يُنْكِرُ ما نزَلَ بهم؛ أي: يستنكِرُه؛ لأنَّ الخلائقَ علِموا أنه نزَلَ ذلك بهم عن استحقاق. * * * (٤٨) - ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾.

стр. 6559

وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾: فلم يستجيبوا ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أي: حافظًا لأعمالهم حتى تكون أنت المُحاسِبَ لهم بها. وقيل: أي: مُوَكَّلًا بهم لا تُفارِقُهم دون أنْ يؤمنوا. وقولُه: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾: أي: ما عليك إلا تبليغُ الرسالة. ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾: عرَّفَهم أنَّ إعراضَهم عن الاستجابة لاغترارهم بما وسَّعَ اللَّهُ تعالى عليهم مِن الدنيا، وساقَ إليهم مِن النِّعْمة، ورزَقَهم مِن الأَتْباع والأولاد. وقال: إنَّا إذا أنعَمْنا على الكافر بَطِرَ بالنِّعْمة وطغى وتكبَّرَ عن الانقياد للحق، وقدَّرَ أنَّ النِّعْمة إنما جاءته لفَضْلٍ له واستحقاقٍ منه، فلم يشكرْ للَّه تعالى، واستعانَ بنعمته على معصيته، وإذا أصابَتْه بَلِيَّةٌ ترَكَ الصَّبرَ والتَّسليمَ للَّه، وسخِطَ قضاءَ اللَّهِ، فكفَرَ به وبنعمته. وقولُه تعالى: ﴿فَرِحَ بِهَا﴾: وُحِّدَ على اللفظ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾: جُمِعَ على المعنى. * * * (٤٩) - ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ومَن ملَكَ ذلك لم يَعْجِزْ عن مُعاجَلةِ الكافر بالعقوبة. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾: أي: بناتٍ؛ كما وهَبَ لِلُوطٍ. ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾: أي: البنين؛ كما وهَبَ لإبراهيم.

стр. 6560

(٥٠) - ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾: أو يقْرِنُ لهم بنين وبناتٍ؛ كما فعَلَ بمحمد ﷺ . ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾: أي: لا يُولَدُ له ولدٌ؛ كما كان لعيسى ويحيى ﵉. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾: بذات الصدور؛ أي: بكلِّ شيء (١). ﴿قَدِيرٌ﴾: على كلِّ شيء، فكان إعطاءُ الأموالِ والأولادِ والأملاكِ والأَشْياع مِن اللَّه تعالى لِمَن شاء كما شاء. ثم قولُه: ﴿وَإِنَاثًا﴾ على التنكير، وقولُه: ﴿الذُّكُورَ﴾ على التعريف، وقولُه تعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ على التنكير فيهما؛ لِمَا أنَّ (٢) الجنسين معهودان معروفان في الجملة، فيجوز على هذا الحَذْفُ والإدخالُ جميعًا في كل واحد منهما، والإدخالُ لكونهما مَعْهُودَين، والحذفُ لكونهما غيرَ موجودَين، فلما كان المَعْنَيانِ مُتقاربَين جازَ كلُّ واحد منهما في الجنسين، وجازَ الجَمْعُ في آية واحدة (٣) بين الوجهين؛ كالجمع بين اللغتين: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. ولأنَّ المعنى: يهَبُ لِمَن يشاء أولادًا إناثًا، وهو كذِكْرِ النَّعْت وإضمارِ المنعوت، ونَكَّرَ في الأول، ثم أعادَ ذلك ثانيًا، فصار معرفةً، وصار تقديرُه:

стр. 6561

ويهب لِمَن يشاء الأولادَ الذُّكور، وهو كقوله: ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]. فأما قولُه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾: فلا يجوز فيه إلا التَّنْكير؛ لأنَّ قولَه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ -أي: يجمَعُ الأولادَ- ثم قولَه: ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ تفسيرٌ له، فلا يجوز إلا بالتنكير؛ كقولك: جمعتُهم رجالًا ونساءً، لا يجوز: الرجالَ والنساءَ، بعد ذِكْرِ الكِناية. وقال: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾: ولم يقل: ويُزَوِّجُهم؛ لئلا يُوهِمَ أنه للمذكور أولًا، فإنَّ ذلك للإفراد، فلا يصِحُّ معه الجمع. * * * (٥١) - ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾: يتَّصِلُ بقوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، فإنك رسولٌ، وإرسالٌ الرسلِ كان بأحد هذه الوجوه. ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾: أي: إيماءً وإشارةً يقع العلمُ بذلك؛ كالإلهام في القلب، والرُّؤيا في المنام: والأوَّلُ: كما رُوِيَ: "نفَثَ في رُوعِي" (١).

стр. 6562

والثاني: ما كان مِن حال النبي ﷺ ستة أشهر قَبْل نزول جبريل صلوات اللَّه عليه، وقال النبي ﷺ : "رؤيا الأنبياء وَحْيٌ" (١)، ومِن ذلك رؤيا إبراهيمَ ﵇ الأمرَ بذَبْح الولد. وقولُه تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: أي: يسمع كلامًا مِن اللَّه تعالى؛ كما سمِعَ موسى مِن وراء حِجاب. ليس المرادُ به حِجابَ اللَّه تعالى؛ لأن اللَّه تعالى لا يجوزُ عليه ما يجوزُ على الأجسام مِن الحِجاب، بل المرادُ به أنَّ السامعَ محجوبٌ عن الرُّؤية في الدنيا. وقيل: إنَّ المرادَ به أنَّ الرسول يختَصُّ بالسَّماع، ولا يسمَعُ معه غيرُه، فيُحْجَبون عنه. وقولُه تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾: قرأ ابنُ عامرٍ ونافعٌ: ﴿أو يرسلُ﴾ رفعًا؛ أي: أو هو يرسلُ، وقرأ الباقون: ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾؛ أي: أو أنْ يُرسِلَ (٢)، فتكون (أنْ) مع الفعل

стр. 6563

مصدرًا، ويكون تقديرُه: إلَّا وَحْيًا، أو إِسْماعًا وراءَ حِجاب، أو إرسالًا إليه رسولًا. أي: يُرسِلُ ملَكًا بالوحي إليه؛ كما أرسَلَ جبريلُ ﵇ إلى محمد ﷺ . ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾: أي: فيُبَلِّغَ بإذن اللَّه ما يشاء. ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: أي: قاهرٌ فلا يُمانَعُ، مُصيبٌ في أقواله وأفعاله فلا يُعارَضُ. * * * (٥٢) - ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾: أي: كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك قرآنًا هو حياةٌ مِن موتِ الجَهْل. وقيل: أي: أنزلنا إليكَ جبريلَ، وهو الرُّوحُ الأمينُ. وقولُه تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾؛ أي: بأمرنا. ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾: هو كقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ [القصص: ٨٦]. ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾: بذلك بالكتاب (١)، وإذا كان لا يعلَمُ (٢) أنَّ الكتابَ ينزِلُ عليه لم يكن عالِمًا أنه يلزمُه الإيمانُ بذلك الكتاب. وقيل: ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾: أي: شرائعُ الدِّين على التفصيل الذي لا يُدرَكُ إلا بالسمع.

стр. 6564

وقيل: ولا الدعاءُ إلى الإيمان. قال الضحاك: يعني: معالمَ الدِّين (١). قال أبو العالية: يعني: الدَّعوةَ إلى الإيمان (٢). وقيل: ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾: لِمَن يكون مِن عَشيرته. وقال الحُسين بن الفضل: كان يُقَدِّرُ أنَّ أبا طالب يُؤمنُ به لبِرِّه به، وأنَّ العباس لا يُؤمنُ لمُنابذته إياه، فكان على القَلْب (٣)، ونزلَ عليه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. وقال ﷺ : "أرَدْنا إسلامَ أبي طالب وأراد اللَّهُ إسلامَ العباس، فكان ما أرادَه اللَّهُ دون ما أردنا" (٤). وقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾: أي: جعَلْنا الوحيَ، وقيل: أي: الكتابَ.

стр. 6565

وقيل: سبَقَ ذِكْرُ الكتابِ والإيمانِ، ولكنْ أمرُهما واحدٌ، فجازَ التوحيدُ في الكناية وتسميتُهما جميعًا باسم واحد، وهو النُّور؛ كما في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾: أي: نُعطِيه صِفةَ الاهتداء. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: تُرشِدُ إلى دين الإسلام، وهو الطريق المستقيم المُفضِي بسالكه إلى مرضاة اللَّه تعالى. * * * (٥٣) - ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: بدَلٌ وترجمةٌ عن الصراط الأول. ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: أي: ترجِعُ إليه في الدنيا والآخرة. والحمدُ للَّه رب العالمين * * *

стр. 6566

سورة الزخرف

стр. 6567

سورة الزخرف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باسم اللَّهِ الذي سخَّرَ لنا الفُلْكَ والأنعامَ، الرَّحمنِ الذي قسَمَ المعيشة بين الأنام، الرَّحيمِ الذي أمَرَ بالصَّفْح والسَّلام. روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ ﴿حم﴾ الزُّخْرُف كان ممَّنْ يُقالُ له يوم القيامة: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] " (١). وهذه السورة مكِّيَّةٌ. وهي ثمان وثمانون آيةً، وقيل: تسعٌ وثمانون آيةً، الاختلافُ في قوله: ﴿هُوَ مَهِينٌ﴾. وكلماتُها: ثمان مئة وثلاثون. وحروفُها: ثلاثة آلاف وخمس مئة وعشرون. وانتظامُ أوَّلِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ خَتْمَ تلك السورة بذِكْرِ وَحْيِ القرآن، وأنَّ اللَّهَ يهدي به، والرَّسولَ يدعو إليه، وأولَّ هذه السورة في صفة القرآن

стр. 6568

والقَسَمِ به، وذِكْرِ أُمِّ الكتاب الذي كان القرآن مكتوبًا فيه. وانتظامُ السورتين: أنَّهما في مُخاطبات المشركين ومُحاجَّتهم وترغيبِهم وترهيبِهم، وتسليةِ الرسول الأمين، وتثبيت المؤمنين. * * * (١ - ٤) - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: مرَّ تفسيرُه. ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: أي: أنزَلْناه بلُغَتِكم معاشرَ العربِ. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لِتَعقلوه وتفهَموه وتنتفعوا به. ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: أي: اللَّوحِ المحفوظِ الذي ننسَخُ منه الكتبَ، فهو كالأصل لها. وقولُه تعالى: ﴿لَدَيْنَا﴾: أي: محفوظٌ عندنا. ﴿لَعَلِيٌّ﴾: أي: عالي القَدْرِ، رفيعُ الشَّأنِ. ﴿حَكِيمٌ﴾: أي: مُحْكَمٌ لا اختلافَ فيه، ولا تناقُضَ، ولا ناسِخَ له، ولا مُعارِضَ. * * * (٥) - ﴿فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾: أي: أنُمْسِكُ عنكم إنزالَ القرآن، والتَّذكيرَ بالوعد والوعيد ﴿صَفْحًا﴾؛ أي: إعراضًا عن تنبيهكم؟! وهو كأنه مصدرُ قولِه: ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾ مِن خِلاف لفظِه ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: بأنْ كنتُم قومًا

стр. 6569

مُفْرِطين في الجهالة، مُجاوِزين الحدَّ في الضلالة؟! استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: لا نفعلُ كذلك. وقيل: ﴿صَفْحًا﴾: أي: جانبًا، وصفحةُ الوجهِ جانبُه. وقيل: هو استعارة، فإنَّ مَن أرادَ صَرْفَ مَرْكَبِه عن جِهَتِه ضرَبَ صفحَتَه بسَوطه، فحوَّلَه عن وجهه. و ﴿الذِّكْرَ﴾: قيل: هو القرآن. وقيل: هو التَّذْكير. وقيل: هو أنْ يُذَكَّروا بالعقوبة؛ أي: يُعاقَبوا. وقيل: ضَرْبُ الذِّكْرِ صَفْحًا هو رَفْعُ القرآنِ مِن بين أظهرهم بعد إنزاله فيهم. وقال الإمام القُشَيري ﵀: أي: أفنقطَعُ عنكم خِطابَنا وتعريفَنا بإسرافكم في خلافكم؟! أي: لا نقطَعُ الكلامَ عنكم وإنْ أسرَفْتم، والإشارةُ فيه أنه لا يَقْطَعُ خطابَه اليوم عمَّن تمادى في عِصْيانه، وأسرَفَ في طُغْيانه، نرجو (١) أنَّ مَن لم يُقَصِّرْ في إيمانه -وإنْ تلَطَّخَ بعِصْيانه- ولم يدخُلْ خلَلٌ في عِرْفانه، أنْ لا يَمنَعَ عنه لطائفَ غُفْرانِه، وعوارفَ إحسانِه (٢). * * * (٦ - ٧) - ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

стр. 6570

وقولُه تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ﴾: أي: وما كان يأتيهم مِن نبيٍّ. ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: كقومِكَ يا محمَّدُ، ولمْ يمنَعْنا ذلك مِن مُتابعة الرسل إليهم تأكيدًا للإعذار، وحَسْمًا للاعتذار (١). * * * (٨) - ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾: أي: أهلَكْنا مَن كان أقوى مِن هؤلاء المشركين في أبدانهم، وأكثرَ منهم في أتباعهم وأنصارهم. ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: خبَرُ ما نزَلَ بالأولين مِن وقائعِ اللَّهِ تعالى. أي: فليس هؤلاء إلا كأولئك في استحقاق العِقاب. وقيل: صار عذابُ الأوَّلين عِظَةً للآخِرين. وقيل: مضتْ سُنَّةُ الأولين. * * * (٩ - ١٠) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾: أي: هؤلاء المُشركين المُسرفين: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؛ أي: اللَّهُ المَنيعُ بسُلْطانه (٢) فلا يُغالَبُ، العليمُ بكل شيء.

стр. 6571

وقولُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾: صفة ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿مَهْدًا﴾ (١): أي: موضِعَ قرارٍ. وقرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرو (٢): ﴿مِهادًا﴾؛ أي: بِساطًا، وقيل: هو جَمْعُ مَهْد. وقرأ الباقون: ﴿مَهْدًا﴾ (٣): أي: مَوْضِعًا مُمَهَّدًا كمَهْد الصَّبِيِّ. وقيل: هما واحدٌ؛ كالفِراشِ والفَرْش. وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: أي: طُرُقًا ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: مِن بلد إلى بلد. وقيل: تستدِلُّون بها، فتهتدون إلى الرُّشْد والإسلام. * * * (١١ - ١٢) - ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: صفةٌ له ﴿مَاءً﴾: أي: المطر. ﴿بِقَدَرٍ﴾: أي: على قَدْرِ حاجةِ الخَلْق إليه. ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾: أي: فأحَيْينا به بلدةً ميتًا، رُجوعٌ عن المُغايبة إلى الإخبار عن نفْسِه، وهو مِن تلوين الكلام، وذلك مِن أقسام البلاغة. ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾: أي: يابسةً مُقْفِرةً مِن النبات.

стр. 6572

وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: مِن قُبوركم حين تُعادُون أحياءً بعد موتكم. وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾: صفةٌ له أيضًا. ﴿الْأَزْوَاجَ﴾: يحتملُ أنه أراد به أصنافَ النبات؛ كما قال: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧]، ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧] ويحتملُ أنه أراد به أصنافَ كلِّ الأشياء؛ كما قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾: أي: السُّفُن ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾؛ أي: الإبلِ وغيرِها ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ في الأسفارِ، والضَّرْبِ في الأمصار؛ لِقضاء الأَوْطار. * * * (١٣) - ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. ﴿لِتَسْتَوُوا﴾: أي: لِتَركبوا مُسْتَوِين ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾: ولم يقُلْ: (ظُهُورِها)؛ ذهابًا إلى الجنس، ولم يقُلْ: (ظَهْرِها)؛ ذهابًا إلى الجَمْع. قال الأخفش: إنما قال: ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾؛ لأن الذي سبَقَ ذِكْرُه هو قولُه: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾، وهو كقولك: عندي مِن النساء ما يسُرُّكَ ويُوافِقُكَ (١). ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾: بقُلوبكم. ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾: أي: على ما سبَقَ ذِكْرُه. ﴿وَتَقُولُوا﴾: أي: بألسنتكم:

стр. 6573

﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾: أي: ذلَّلَهُ وليَّنَه لنا. ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: أي: مُطيقِين (١). وقيل: ضابِطين؛ يعني: لِكِبَرِ أجسامِها، وصُعوبةِ أخلاقِها، وأَمْرُ السُّفُنِ أعجبُ منه وأهيبُ، واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣]، ويقول: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤]. * * * (١٤) - ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أي: لَراجعون إلى جزائه؛ يعني: لم يُسَخِّرْ لنا هذه المراكبَ إلا لِيَسْتَأْدِيَ شُكْرَنا عليها وعلى سائر نِعَمِه، ويُحاسِبَنا على ذلك يومَ القيامةِ، ويجزيَنا على وَفْقِ أعمالِنا. ثمَّ الكلامُ إلى هذا الموضع يتَّصِلُ بقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ صفةً له، وليس هو على معنى حكايةِ لفظ الكفار المسؤولين عمَّن خلَقَهم؛ لأن قوله: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ لا يَليقُ بذلك، وإنما قولُهم إذا سُئِلوا عن هذا: مَن خلَقَ السموات والأرض؟ قالوا: اللَّهُ، فيكون هذا اعترافًا منهم للَّه تعالى بالخَلْق، وفي ذلك ما يَكفي لِتَبْيينِ جَهْلِهم في الإشراك به ما لا يَقْدِرُ على شيء. ثم لَمَّا كان اللَّه تعالى موصوفًا بهذه الصفات المذكورة في الآيات (٢) أتبَعَ ذِكْرَ اعترافِهم بهذه الصفات؛ كأنه قال تعالى: ولئن سألتَهم عن ذلك لأَضافوا ذلك إلى اللَّه الذي هو موصوف بهذه الصفات.

стр. 6574

(١٥) - ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾: أي: ومِن جَهْلِهم أنَّهم مع اعترافِهم أنَّه خالقُ السماوات والأرض يجعلون له مِن خَلْقِه ولَدًا؛ لأنَّ الولدَ جزءٌ مِن الوالد. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾: أي: إنَّ الكافرَ باللَّه الجاهلَ به كفورٌ نِعَمَه، ظاهِرُ الكُفْران، مُجاهِرٌ بالشرك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قالت الثَّنَوِيَّةُ: إنَّ اللَّه تعالى خالِقُ الخَيْراتِ، وخالِقُ الشُّرورِ غيرُه، فيَحتَمِلُ أنْ يكون المرادُ أنَّهم جعلوا للَّه جُزْءًا مِن الخَلْق لا كُلَّه، وكذلك مُشْرِكو العرب كانوا يجعلون مِن الحَرْث والأنعام للَّه جُزْءًا، ولآلهتهم جُزْءًا (١). وقيل: معنى قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾؛ أي: مِثْلًا وشَبَهًا، ومجازُه: أنَّهم عبَدوا عِبادَه كما عبَدوه. * * * (١٦) - ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾: استفهامٌ بمعنى الإنكار والتَّوْبيخ. ﴿أَمِ﴾: يُعطَفُ بها على ألف الاستفهام، وتقديرُه: أتقولون أنَّ اللَّه ولَدَ ولَدًا أم اتَّخَذَ مِن خَلْقِه بناتٍ؟! وقولُه تعالى: ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾: أي: خَصَّكم ﴿بِالْبَنِينَ﴾: وهو كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]، وقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] الآيات، وقد فسَّرْناها هناك.

стр. 6575

يقول: جمَعْتُم في هذا الوصف نوعين مِن الجَهالة: أحدُهما: وصفُ اللَّهِ ﷻ باتِّخاذِ الأولاد. والثاني: وصفُه باتِّخاذِ وَضْعِ الجنسين، ولو أنَّ الواحدَ منكم فعَلَ هذا لَنسبتموه إلى سوء الاختيار. * * * (١٧ - ١٨) - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: أي: بقِيَ في كلِّ يومه مُتَغَيِّرَ اللَّونِ، ظاهِرًا عليه أثَرُ المُساءَةِ والكآبة. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: أي: مَمْلوءٌ غَمًّا وغَيْظًا. وقولُه تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ بضم الياء وتشديد الشين؛ أي: يُرَبَّى، وقرأ الباقون بفتح الياء وتخفيف الشين؛ أي: يَتربَّى (١). يُقال: أَنْشَأَه اللَّهُ ونَشَّأَه فنَشَأَ؛ كما يُقال: أَنْبَتَه اللَّهُ ونبَّتَه فنبَتَ، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥]، وأصلُ الكلمةِ مِن الظُّهور والطُّلوع؛ يُقال: نشَأَتِ السَّحابةُ، إذا ظهَرَتْ وطلَعَتْ. وقولُه تعالى: ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾؛ أي: في الزِّينة؛ أي: يُنَفَّقُ مما يُحَلَّى به مِن الذهب والفضة واللُّؤْلُؤ.

стр. 6576

وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أي: المُخاصَمة. وقيل: هو جَمْع (خَصْمٍ)؛ أي: بين الخُصوم. ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أي: للكلام على وَجْهٍ تقومُ به حُجَّتُه. والمُرادُ به: البنتُ، وإنما لم يُؤَنِّثِ الفِعْلَ والكِنايةَ؛ لأنَّه بدأَ بكلمة (مَن)، وبنى الفعلَ والكنايةَ عليه. وقيل: أرادَ به الصَّنَمَ؛ لأنَّهم كانوا يُحَلُّون الأصنامَ. وفي أول هذه الآية مُضمَرٌ، وتقديرُه: ويَنسبون إليه مَن يُنَشَّأُ، أو يُشركون به مَن يُنَشَّأُ. * * * (١٩) - ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وابنُ عامرٍ: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ بالنون، مِن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وهو بيانُ قُرْبِ المنزلةِ والكرامة. وقرأ الباقون: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ بالباء والألف، وهو جمع: (عَبْد)، وهو كقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] (١). يقول: ومن جَهْلِهم أيضًا أنهم جعلوا الملائكةَ شُرَكاءَ لنا آلهةً معنا، وسمَّوْهم إناثًا.

стр. 6577

قولُه تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾: قرأ نافع: ﴿أَأُشْهِدُوا﴾؛ كما في قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ [الكهف: ٥١]. وقرأ الباقون: ﴿أَشَهِدُوا﴾؛ كما في قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] (١). وهو استفهامٌ بمعنى النَّفْيِ، أبطَلَ مقالتَهم بكل الوجوه. ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾؛ أي: أقالوا هذا عن مُشاهدة أنهم شاهَدوا خَلْقَ اللَّهِ إياهم إناثًا؟! ولا مُشاهدةَ لهم على هذا، ولو ادَّعَوا ذلكَ لكابروا. ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: أي: على الملائكة بالزُّورِ ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾: عنها، فلا يَجدون مَخْرَجًا عنها، فيُعاقَبون. وقيل: ستُكتَبُ دَعْواهم أنهم شهِدوا خَلْقَهم. * * * (٢٠ - ٢١) - ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾: أي: مِن قَبْل قولِهم هذا. وقيل: أي: مِن قَبْل القرآن، فقد سبَقَ ذِكْرُه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾: أي: أم قالوا ذلك بحُجَّةِ سَمْعٍ أتاهم مِن عند اللَّه مِن كتابٍ أنزلَه اللَّه؟! وليس لهم ذلك، وإذا لم يكن لهم سَمْعٌ ولا عَقْلٌ ولا مُشاهدةٌ بطَلَ قولُهم.

стр. 6578

وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾: ادَّعَوا أنَّ اللَّهَ أمرَهم بعبادة الملائكة، وقالوا: لو شاء ألَّا نعبُدَها لنهانا عنها، فإذْ لم يَنْهَنا عنها فقد أمَرَنا بها. وقيل: معناه: لو شاء اللَّه ألَّا نعبُدَهم لمنَعَنا عن عبادتها مَنْعَ قَهْرٍ واضطرارٍ، وإذا لم يفعلْ ذلك فقد أباحَ لنا. وقولُه تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: أي: يَكْذِبون؛ أي: هذا القولُ منهم ليس لهم عليه حُجَّةٌ، وهو جَهْلٌ منهم وكَذِبٌ. وقيل: إنهم قالوا هذا القولَ استهزاءً بقول أهل الحق: إنَّ الكائناتِ كلَّها بمشيئة اللَّه تعالى؛ لا اعتقادًا منهم ذلك، فأكذبَهم اللَّهُ فيه وجهَّلَهم حيث لم يقولوه عن اعتقاد؛ كما قال مُخْبِرًا عنهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، وهذا حقٌّ في الأصل، ولكنْ قالوا ذلك استهزاءً، فأكذَبَهم اللَّهُ بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧]، وكذلك قوله: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]؛ لأنَّهم لم يقولوه اعتقادًا. وقولُه تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾: فسَّرْناه؛ لأنَّه مُتَّصلٌ بالأول ومُقَدَّمٌ في المعنى، وإنْ كان مُؤَخَّرًا في النَّظْم. * * * (٢٢ - ٢٣) - ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾: أي: طريقةٍ. وقيل: مِلَّةٍ. وقيل: دِينٍ.

стр. 6579

يعني: لم يقولوا هذا القولَ عن مُشاهدةٍ، ولا حُجَّةٍ عقليَّةٍ، ولا حُجَّةٍ سمعيَّةٍ، بل تقليدًا لآبائهم الضالين، وقالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾؛ أي: أمرٍ مُجتَمَعٍ عليه ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾: راشدون. وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾: أي: في بَلْدةٍ مِن رسول. ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: أي: جبابرتُها ومُتَنعِّمُوها مِثْلَ (١) هذا القول. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾: أي: مُتَّبِعون؛ أي: التَّقليدُ لأهل الجهل أمرٌ مُتقادِمٌ. * * * (٢٤) - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾: أي: قل يا محمد لهؤلاء المُقَلِّدين: أرأيتم لو جئتُكم بما هو أرشدُ وأقومُ طريقةً مما وجدتُم عليه آباءَكم، وبانَ لكم ذلك، أتُقِيمون على تقليدكم أم تترُكُونه بهذا الاهتداء؟ فإنْ كانوا عُقلاء قالوا: نترُكُ التقليدَ، فإذا قالوا ذلك فقل لهم: هلُمُّوا أُرِكُمْ (٢) آيةً أهدى، فإنِ امتنعوا فقد حادوا (٣) ولم يُنْصِفوا، وأنْ أجابوا صاروا إلى النَّظَر، فحينئذ يبطُلُ التَّقْليد لوضوح حُجَجِ اللَّه. وقرأ عاصمٌ في رواية حفصٍ: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ (٤)، ومعناه: قال كلُّ نذيرٍ ذلك لقومه.

стр. 6580

﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: هذا تمامُ كلامِ الكفار، ويتَّصِلُ بقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، ولما اعتَرضَ كلامٌ آخرُ زِيدَ: ﴿قَالُوا﴾. * * * (٢٥ - ٢٦) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: عاقَبْناهم بما استحقُّوه على إصرارهم. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ وأنذِرْ قومَكَ مِثْلَه لِيَرْتَدعوا. قال ابن عباس ﵄: نزلَتِ الآياتُ في أبي جهلٍ والوليدِ وعُتْبةَ وشَيْبةَ لعنَهم اللَّه (١). وقولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾: أي: واذكُرْ إذ قال ﴿إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: بَريءٌ مِن أصنامكم، مصدرٌ أُقيمَ مقام النَّعْت، ويَستوي فيه الواحدُ والتَّثْنيةُ والجَمْعُ والذَّكَر والأنثى؛ كالعدل والرضا. أخبَرَ أنَّ إبراهيم كان على الإسلام والإخلاص، ووَرَّثَ ذلك عَقِبَه، وهُمْ هؤلاء، لكنَّهم خالفوه، وقومُ إبراهيمَ ﵇ أجابوه أيضًا بمِثْل جواب هؤلاء المُقَلِّدين لكَ (٢): ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٣ - ٥٤]. * * *

стр. 6581

(٢٧ - ٢٨) - ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: قيل: كان في قومه مَن يعبُدُ اللَّهَ ويعبُدُ معه غيرَه، فصَحَّ الاستثناءُ بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ مِن قوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ لذلك. وقيل: الاستثناءُ مُنقَطِعٌ بمعنى (لكنْ)، و ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ مُقْتَصِرٌ على الأصنام، ومعناه: لكنِ الذي خلَقَني أعبُدُه. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: أي: سيُثَبِّتُني على الرُّشْد. وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾: أي: جعَلَ إبراهيمُ كلمةَ التوحيدِ باقيةً في ولَدِه وولَدِ ولَدِه، فتوارثوا البراءةَ عن الأصنام، والتَّديُّنَ بالإسلام، وتواصَوا به. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: لِيَرجِعَ المشركون مِن قومهم إلى طاعة ربهم مِن كفرهم وشركهم. وقيل: أي: جعلَها اللَّهُ باقيةً في عقِبِ إبراهيمَ؛ أي: شرَعها فيهم لِيَرْجِعَ إليها كلُّ مَن كان على غيرها مِن عقِبِه؛ إذ علِموا أنَّ اللَّه تعالى ألزمَهمُ التَّدَيُّنَ بها. وقال قتادة: هي التوحيدُ والإخلاصُ، لا يزالُ في ذُرِّيَّته ونَسْله مَن يُوحِّدُ اللَّهَ ويعبدُه (١). * * *

стр. 6582

(٢٩ - ٣٠) - ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾: ﴿بَلْ﴾: لِرَدِّ ما قبلَه؛ يعني: ليس شركُ هؤلاء ولا شركُ آبائِهم لِقُصور البيان مِن جهة الرسل، بل أمهلتُ هؤلاء وآباءَهم، وأخَّرْتُ العذابَ عنهم، فاغترُّوا بذلك، وظنُّوا أنهم على حقٍّ، فقلَّدوا الآباءَ حتى جاءهم رسولُ محمَّدٍ (١) بالحقِّ، وهو الإسلامُ والتوحيدُ الذي هو دينُ إبراهيمَ. وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾: أي: ولَمَّا جاءَهم القرآنُ قالوا باهِتين: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾، وقالوا مُعانِدين ومُكابِرين: ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾. * * * (٣١) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. ﴿وَقَالُوا﴾: مُتَحَكِّمين بالباطل: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾: أي: على رجلٍ عظيمِ الرِّياسة بالمال والأتباع مِن هاتين البلْدتينِ: مكَّةَ والطَّائفِ. أي: كيف خُصَّ محمَّدٌ بهذه الفضيلة التي تُوجِبُ انقيادَ العُظماءِ له مع فَقْره وضَعْفِ حاله في أسباب الدنيا. قال ابن عباس ﵄: يَعْنون بالعظيم مِن القريتين: الوليدُ بنُ المغيرة القُرَشِيُّ، وحبيبُ بنُ عمرو بنِ عُمَيرٍ الثَّقَفِيُّ (٢).

стр. 6583

وقال مجاهد: عُتْبةُ بن ربيعةَ مِن أهل مكة، وابنُ عبدِ يَالِيلَ مِن أهل الطائف (١). وقال قتادة: الوليدُ بن المُغيرة مِن أهل مكة، وعُرْوةُ بن مسعود الثَّقَفِيُّ مِن أهل الطائف (٢)، وهو جَدُّ المختارِ. وقال السُّدِّي: مِن الطائف كِنانةُ بن عبدِ بن عمرٍو (٣). * * * (٣٢) - ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. فعرَّفَهم اللَّهُ تعالى جهلَهم في هذا، فقال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: أي: النُّبُوَّةَ، استفهامٌ بمعنى الإنكار والتوبيخ. ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: نحن قسَمْنا أرزاقَهم فيما بينهم وهو أدنى مِن الرسالة، فلم أترُكِ اختيارَها إليهم، فكيف يكون لهم اختيارُ ما هو أفضلُ وأعظم من ذلك، وهو الرسالة؟! وقولُه تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾: فجعَلْنا منهم مالِكًا ومملوكًا، ورئيسًا ومَرْؤوسًا، وصاحِبَ صَنْعَةٍ رئيسةٍ رفيعةٍ وصاحِبَ صنعةٍ (٤) خَسيسةٍ. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾: أي: لِينتفِعَ كلُّ طبَقةٍ منهم بالطَّبَقة الأخرى بأنْ

стр. 6584

يستعملَه فيما يَحتاجُ إليه بما يتعلَّقُ بصنعته، وينتفِعَ العاملُ بما يأخذُه مِن أجره، فيتعيَّشَ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبه. وفي "ديوان الأدب": ﴿سُخْرِيًّا﴾: ما كان مِن السُّخْرة فهو مضموم، وما كان مِن الهُزْء فهو مكسور (١). وقولُه تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: أي: النبوةُ خيرٌ مِن الأموال المجموعة، وإذا كانت قِسْمةُ هؤلاء إلى اللَّه تعالى دون خَلْقِه، فالأوَّلُ أولى بذلك. وقيل: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: النبوةُ يا محمد (٢) ﴿خَيْرٌ مِمَّا﴾ كانوا (٣) ﴿يَجْمَعُونَ﴾ مِن الأموال التي هي لهؤلاء، فليس لهم فضيلةٌ عليه، بل له عليهم. وقيل: ورحمةُ اللَّهِ عبادَه بالإسلام خيرٌ مما يجمعون مِن الأموال، فلا ينبغي لهم أنْ يتعظَّموا بها، بل يلزَمُهم الانقيادُ لِمَن خصَّه اللَّه بالنبوةِ، والإيمانُ به لِيَنالوا رحمةَ اللَّهِ. * * * (٣٣) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾. ثم ذكَرَ قِلَّةَ خطَرِ الأموال، فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: ولولا أنْ يرغَبَ الناسُ في الكفر إذا رأوا الكفار في سَعَةٍ. وقال الحسن ﵀: لولا أنْ يتتابعُوا في الكفر (٤).

стр. 6585

﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾: أي: يكفُرُ بنا ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾: قال الزَّجَّاج: يجوزُ أنْ يكون تَكرارُ اللام على البدل، وتقديرُه: لَجعَلْنا لبيوت مَن يكفُرُ بالرحمن. ويصلُحُ أنْ تكون اللام الثانية بمعنى (على)؛ أي: لَجعَلْنا لِمَن يكفُرُ على بيوتهم (١). ﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو: ﴿سُقُفًا﴾ بفتح السين وتسكين القاف، وهو سماءُ البيتِ، وهو واحد بمعنى الجَمْع، أو على إرادة أنْ يكون لكلِّ بيتٍ سَقْفٌ؛ كما في قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] على الوجهين، وقرأ الباقون: ﴿سُقُفًا﴾ بالضم (٢)، وهو جَمْعٌ، كالرَّهْن والرُّهُن. قاله قُطْرُب (٣). وقيل: هو جَمْعُ (سَقيفة). وقيل: هو جَمْعُ الجَمْعِ: سَقْفٌ وسُقُوفٌ وسُقُفٌ، كقولهم: رَهْنٌ ورُهُونٌ ورُهُنٌ؛ لأنها مُضافةٌ إلى الجَمْع، وهي البيوت. وقولُه تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ﴾: أي: مراقِيَ ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: أي: يَعْلُونَ على السُّقوف؛ كما قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]. * * * (٣٤ - ٣٥) - ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
следующие страницы →