(٢٧ - ٢٨) - ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: قيل: كان في قومه مَن يعبُدُ اللَّهَ ويعبُدُ معه غيرَه، فصَحَّ الاستثناءُ بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ مِن قوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ لذلك.
وقيل: الاستثناءُ مُنقَطِعٌ بمعنى (لكنْ)، و ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ مُقْتَصِرٌ على الأصنام، ومعناه: لكنِ الذي خلَقَني أعبُدُه.
﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: أي: سيُثَبِّتُني على الرُّشْد.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾: أي: جعَلَ إبراهيمُ كلمةَ التوحيدِ باقيةً في ولَدِه وولَدِ ولَدِه، فتوارثوا البراءةَ عن الأصنام، والتَّديُّنَ بالإسلام، وتواصَوا به.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: لِيَرجِعَ المشركون مِن قومهم إلى طاعة ربهم مِن كفرهم وشركهم.
وقيل: أي: جعلَها اللَّهُ باقيةً في عقِبِ إبراهيمَ؛ أي: شرَعها فيهم لِيَرْجِعَ إليها كلُّ مَن كان على غيرها مِن عقِبِه؛ إذ علِموا أنَّ اللَّه تعالى ألزمَهمُ التَّدَيُّنَ بها.
وقال قتادة: هي التوحيدُ والإخلاصُ، لا يزالُ في ذُرِّيَّته ونَسْله مَن يُوحِّدُ اللَّهَ ويعبدُه (١).
* * *
стр. 6582
(٢٩ - ٣٠) - ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾: ﴿بَلْ﴾: لِرَدِّ ما قبلَه؛ يعني: ليس شركُ هؤلاء ولا شركُ آبائِهم لِقُصور البيان مِن جهة الرسل، بل أمهلتُ هؤلاء وآباءَهم، وأخَّرْتُ العذابَ عنهم، فاغترُّوا بذلك، وظنُّوا أنهم على حقٍّ، فقلَّدوا الآباءَ حتى جاءهم رسولُ محمَّدٍ (١) بالحقِّ، وهو الإسلامُ والتوحيدُ الذي هو دينُ إبراهيمَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾: أي: ولَمَّا جاءَهم القرآنُ قالوا باهِتين: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾، وقالوا مُعانِدين ومُكابِرين: ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾.
* * *
(٣١) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: مُتَحَكِّمين بالباطل: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾: أي: على رجلٍ عظيمِ الرِّياسة بالمال والأتباع مِن هاتين البلْدتينِ: مكَّةَ والطَّائفِ.
أي: كيف خُصَّ محمَّدٌ بهذه الفضيلة التي تُوجِبُ انقيادَ العُظماءِ له مع فَقْره وضَعْفِ حاله في أسباب الدنيا.
قال ابن عباس ﵄: يَعْنون بالعظيم مِن القريتين: الوليدُ بنُ المغيرة القُرَشِيُّ، وحبيبُ بنُ عمرو بنِ عُمَيرٍ الثَّقَفِيُّ (٢).
стр. 6583
وقال مجاهد: عُتْبةُ بن ربيعةَ مِن أهل مكة، وابنُ عبدِ يَالِيلَ مِن أهل الطائف (١).
وقال قتادة: الوليدُ بن المُغيرة مِن أهل مكة، وعُرْوةُ بن مسعود الثَّقَفِيُّ مِن أهل الطائف (٢)، وهو جَدُّ المختارِ.
وقال السُّدِّي: مِن الطائف كِنانةُ بن عبدِ بن عمرٍو (٣).
* * *
(٣٢) - ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
فعرَّفَهم اللَّهُ تعالى جهلَهم في هذا، فقال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: أي: النُّبُوَّةَ، استفهامٌ بمعنى الإنكار والتوبيخ.
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: نحن قسَمْنا أرزاقَهم فيما بينهم وهو أدنى مِن الرسالة، فلم أترُكِ اختيارَها إليهم، فكيف يكون لهم اختيارُ ما هو أفضلُ وأعظم من ذلك، وهو الرسالة؟!
وقولُه تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾: فجعَلْنا منهم مالِكًا ومملوكًا، ورئيسًا ومَرْؤوسًا، وصاحِبَ صَنْعَةٍ رئيسةٍ رفيعةٍ وصاحِبَ صنعةٍ (٤) خَسيسةٍ.
﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾: أي: لِينتفِعَ كلُّ طبَقةٍ منهم بالطَّبَقة الأخرى بأنْ
стр. 6584
يستعملَه فيما يَحتاجُ إليه بما يتعلَّقُ بصنعته، وينتفِعَ العاملُ بما يأخذُه مِن أجره، فيتعيَّشَ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبه.
وفي "ديوان الأدب": ﴿سُخْرِيًّا﴾: ما كان مِن السُّخْرة فهو مضموم، وما كان مِن الهُزْء فهو مكسور (١).
وقولُه تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: أي: النبوةُ خيرٌ مِن الأموال المجموعة، وإذا كانت قِسْمةُ هؤلاء إلى اللَّه تعالى دون خَلْقِه، فالأوَّلُ أولى بذلك.
وقيل: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: النبوةُ يا محمد (٢) ﴿خَيْرٌ مِمَّا﴾ كانوا (٣) ﴿يَجْمَعُونَ﴾ مِن الأموال التي هي لهؤلاء، فليس لهم فضيلةٌ عليه، بل له عليهم.
وقيل: ورحمةُ اللَّهِ عبادَه بالإسلام خيرٌ مما يجمعون مِن الأموال، فلا ينبغي لهم أنْ يتعظَّموا بها، بل يلزَمُهم الانقيادُ لِمَن خصَّه اللَّه بالنبوةِ، والإيمانُ به لِيَنالوا رحمةَ اللَّهِ.
* * *
(٣٣) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾.
ثم ذكَرَ قِلَّةَ خطَرِ الأموال، فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: ولولا أنْ يرغَبَ الناسُ في الكفر إذا رأوا الكفار في سَعَةٍ.
وقال الحسن ﵀: لولا أنْ يتتابعُوا في الكفر (٤).
стр. 6585
﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾: أي: يكفُرُ بنا ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾: قال الزَّجَّاج: يجوزُ أنْ يكون تَكرارُ اللام على البدل، وتقديرُه: لَجعَلْنا لبيوت مَن يكفُرُ بالرحمن.
ويصلُحُ أنْ تكون اللام الثانية بمعنى (على)؛ أي: لَجعَلْنا لِمَن يكفُرُ على بيوتهم (١).
﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو: ﴿سُقُفًا﴾ بفتح السين وتسكين القاف، وهو سماءُ البيتِ، وهو واحد بمعنى الجَمْع، أو على إرادة أنْ يكون لكلِّ بيتٍ سَقْفٌ؛ كما في قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] على الوجهين، وقرأ الباقون: ﴿سُقُفًا﴾ بالضم (٢)، وهو جَمْعٌ، كالرَّهْن والرُّهُن. قاله قُطْرُب (٣).
وقيل: هو جَمْعُ (سَقيفة).
وقيل: هو جَمْعُ الجَمْعِ: سَقْفٌ وسُقُوفٌ وسُقُفٌ، كقولهم: رَهْنٌ ورُهُونٌ ورُهُنٌ؛ لأنها مُضافةٌ إلى الجَمْع، وهي البيوت.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ﴾: أي: مراقِيَ ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: أي: يَعْلُونَ على السُّقوف؛ كما قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧].
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
стр. 6586
﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا﴾: أي: وجعَلْنا لبيوتهم أبوابًا مِن فضة ﴿وَسُرُرًا﴾: مِن فضة ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾.
﴿وَزُخْرُفًا﴾: قيل: ذهبًا، وقيل: زينةً. أي: وجعَلَ لهم تَزْيِيناتٍ تُزَيَّنُ بها البيوتُ مِن الذهب والفضة.
وقيل: هي (١) الأواني.
وقيل: أي: ثِيابًا وفُرُشًا تُزَيَّنُ بها البيوتُ (٢).
وقيل: ذهبًا مِن الدَّنانير ونحوِها يحصُلُ له بها الغِنى.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: قرأ عاصمٌ وحمزةُ وابنُ عامرٍ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد بمعنى (إلَّا)؛ أي: وما كلُّ ذلك إلَّا متاعُ الحياة الدنيا.
وقرأ الباقون بالتخفيف (٣)، و (ما) صِلةٌ زائدةٌ، وتقديرُه: وإنْ كلُّ ذلك لَمتاعُ الحياةِ الدنيا، وله وجهان:
أحدُهما: أنَّ (إنْ) للتَّأكيد، واللامَ كذلك.
والثاني: أنَّ (إنْ) للنَّفْي، واللامَ بمعنى (إلَّا)، فيَصيرُ كقراءة التشديد.
وقولُه تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: وهو ترغيبٌ في العُقْبى، وترهيبٌ في الدنيا.
* * *
стр. 6587
(٣٦) - ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: يتَّصِلُ بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾.
قال قتادة والسُّدِّي: أي: يُعْرِضْ عن القرآن (١).
وقال أبو عُبيدة: ومَن يُظْلِمْ بصرُه (٢)، يُقال: عَشَوْتُ بالليل في الظُّلْمة إلى نارٍ مِن بعيد، قال الشاعر:
متى تأتِه تَعْشو إلى ضوء نارِه... تجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِدِ (٣)
فإذا كان قولك: (عَشَوْتُ إليه) نظَرًا إليه، كان قولُك: (عَشَوْتُ عنه) صَرْفًا للنَّظَر عنه.
وقولُه تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: أي: نُهَيِّئْ.
وقيل: أي: نُسَلِّطْ.
وقيل: أي: نُقَدِّرْ شيطانًا يُزِلُّه ويُضِلُّه.
قال ابن عباس ﵄: أي: نُسَلِّطْه عليه ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: فهو معه في الدنيا والآخرة (٤).
стр. 6588
وقال مُقاتلٌ: أي: نضُمُّ إليه شيطانَه إذا بعَثناه (١).
وقال أبو سعيد الخُدْريُّ ﵁: إذا بُعِثَ الكافرُ زُوِّجَ بقَرينه مِن الشياطين، فلا يُفارِقُه (٢).
وقال عطاء: في قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]؛ أي: قُرِنَتْ نُفوسُ المؤمنين بالحُورِ العِين، ونُفوسُ الكفار بالشياطين (٣).
وقال سفيان بن عُيَيْنة: ما مِن مثَلٍ للعرب إلا وهو في القرآن، كقولهم: أعطِ أخاك تمرةً، فإنْ أبى فجَمْرةً، هو في هذه الآية (٤).
* * *
(٣٧ - ٣٨) - ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾: أي: وإنَّ الشياطين يَصْرِفون العاشِينَ عن الذِّكْر وعن السبيل المستقيم بالخُدَع.
﴿وَ﴾ العاشون ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: جُمِعَ في هذه الآية وهو مُوَحَّدٌ في الآية الأولى؛ لأنَّه قال: ﴿وَمَنْ﴾، وهو اسمُ جنسٍ، فكان واحدًا بلفظه جَمْعًا بمعناه، وهو دليل على التَّقْيِيض في الدنيا، ثم في الآخرة لا يُفارِقُه.
стр. 6589
قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾: يومَ القيامة هذا العاشي، وَحَّدَ لأنه ردَّه إلى أول الكلام.
وقرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ على التَّثْنِية (١)؛ أي: العاشي وشيطانُه، وأُدْخِلا النارَ.
﴿قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: أي: قال هذا العاشي: ليتني لم أكنْ صَحِبْتُكَ ولا عرَفْتُكَ، ولا كانت بيني وبينكَ وُصْلَةٌ ولا تقاربٌ، حتى كنا في التَّباعد كأنَّ أحدَنا بالمشرق والآخرَ بالمغرب، لا يلتقيان ولا يتقاربان.
وجعلُهما مَشْرِقَينِ على الازدواج؛ كالقمَرين وسُنَّةِ العُمَرين.
وقيل: هما مَشْرِقُ الشتاء، ومَشْرِقُ الصيف؛ كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧].
وقولُه تعالى: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: كنتَ لي في الدنيا، أضلَلْتَني عن السبيل، وأَوْرَدتَني ونفْسَكَ عذابَ الجحيم.
وقيل: أي: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: أنتَ لي الآنَ.
* * *
(٣٩ - ٤٠) - ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾: أي: إنَّ اشتراكَكم في العذاب الذي استوجبْتُموه بشِرْكِكم لنْ يُخَفِّفَ عنكم شيئًا، ولا
стр. 6590
يقَعُ به التَّسَلِّي حتى (١)؛ كما يكون في الدنيا يَنْزِلُ بالجُملة فيقعُ به بعضُ (٢) السَّلْوَةُ.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: استفهام بمعنى النَّفْي؛ يعني: إنَّكَ يا محمد لستَ بقادرٍ على أنْ تُسْمِعَ مَن أصمَمْناه، وتُبْصِرَ مَن أعميناه، وتُرْشِدَ مَن أغويناه، آيَسَه عن إيمان قومٍ علِمَ أنهم لا يُؤمنون أبدًا.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾.
ثم طيَّبَ قلبَه فقال: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾: (إما) كلمتان: (إنْ) للشرط، و (ما) للتأكيد، والنونُ للقسَم.
يقول: إنْ ذهَبْنا بكَ عن الدنيا، فإنا ننتقِمُ لكَ ممَّنْ آذاكَ وأساءَ إليكَ وجَفاكَ.
﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾: عاقَبْناهم في حياتكَ.
﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾: قادرون على ذلك وعلى كل شيء.
وقال الإمام القُشَيري: أثبتَه على حدِّ الخوف والرجاء، ووقَفَه على وصف الإبهام والإخفاء؛ لانفرادِه سبحانه بعلم الغيب، وكذلك الواجبُ على كلِّ عبدٍ أنْ يكونَ مِن نظَّارة التَّقدير، ويفعلُ اللَّهُ ما: يُريد (٣).
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
стр. 6591
وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾: أي: فتمسَّكْ بالقرآن الذي أُنْزِلَ عليك، والتزِمْ أحكامَه، وادْعُ الناسَ إلى اتِّباعه.
﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: طريقٍ سَوِيٍّ يُفْضي بكَ إلى رضا اللَّه وثوابه.
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾: أي: وإنَّ هذا القرآنَ الذي أُوحِيَ إليكَ بيانٌ لكم جميعًا لكلِّ ما تحتاجون إليه، ووَعْظٌ وتنبيهٌ لكم جميعًا.
﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾: عما أُلْزِمْتُم (١) به أنتَ وقومُكَ، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
وقال ابن عباس ﵄: وإنه لشَرَفٌ لكَ ولقومكَ (٢)؛ إذ هو بلسانهم، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾: عن شكره (٣).
* * *
(٤٥) - ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾: أي: لستَ تَدْعوهم إلى دينٍ ابتدَعْتَه، بل به أرسَلْنا رسلَنا، فإنْ لم يُصَدِّقوكَ فاستَشْهِدْ بعلماء أمم الأنبياء مِن أهل الكتاب، فإنهم مع مُخالفتِهم إياكَ يَشْهدون لكَ على أنبيائهم بالموافقة في الدعاء إلى عبادة اللَّه وحدَه وخَلْعِ الأنداد، سوى مَن يشهَدُ على ذلك مِن مُؤمنيهم بكَ.
стр. 6592
فكان معنى: ﴿وَاسْأَلْ﴾؛ أي: استَشْهِدْ، وتقديرُ الآية على هذا: واسألْ مَن أرسَلْنا إليهم مِن قبلك رسلًا مِن رسلنا، و ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا﴾: هم المُرْسَل إليهم، وهم أممُ المرسلين مِن أهل الكتاب كاليهود والنصارى، والصِّلَةُ محذوفةٌ؛ كما في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]، و ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣]، ونظيرُه قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣].
وكان استشهادُ النبي ﷺ بهؤلاء حُجَّةً على المشركين؛ لأنَّهم كانوا يرجِعون إليهم، ويعتمدون على قولهم، فإذا سألهم وقالوا: لم يجعَلِ اللَّهُ تعالى للخَلْق آلهةً يعبدونهم، لزِمَتْهم الحُجَّةُ.
وقيل: تقديرُه: واسأل أتباعَ مَن أرسلنا، على الإضمار.
وقيل: تقديرُه: واسألْ عمَّنْ أرسَلْنا، فحُذِفَ (عن)؛ أي: سَلْ أُمَمَهم عنهم، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ أي: مسؤولًا عنه، فحُذِفَتِ الصِّلَةُ.
ثم السؤالُ يكون لرَفْعِ الإشكال، ولم يكن رسولُ اللَّه ﷺ يشُكُّ في ذلك، وإنما الخِطابُ له والمرادُ غيرُه.
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: لَمَّا نزلَتْ هذه الآية قال النبي ﷺ : "ما أنا بالذي أشُكُّ، وما أنا بالذي أسألُ" (١).
وللآية وجهٌ آخرُ على ظاهرِها مِن غير إضمار:
стр. 6593
قال سعيد بن جُبير ﵁: إن النبي ﷺ لَمَّا أُسْرِيَ به إلى بيت المَقْدِس جُمِعَ له الأنبياءُ ببيت المقدس، فقيل له: سَلْ هؤلاءِ (١).
* * *
(٤٦ - ٤٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: أرسَلْناه كما أرسلناكَ، فكذَّبوه كما كذَّبوكَ، فجُعِلَتِ العاقبةُ له، وإنا نجعلُها لكَ، وانتقَمْنا له منهم، ونحن ننتقِمُ مِن هؤلاء لكَ.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا﴾: أي: بالمُعجزات مِن عندنا.
﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾: استهزاءً وإيماءً (٢) لأتباعهم أنَّ ذلك تمويهٌ.
* * *
(٤٨) - ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾: أي: وما أَرينأهم؛ أي: وما كنا
стр. 6594
نُريهم مِن معجزةٍ إلَّا هي أعظمُ مِن صاحبَتِها في نَقْضِ العادة، وأكبرُ في الأُعْجُوبة، وأَبْلَغُ في لُزوم الحُجَّة.
والأُخْتُ: استعارةٌ مِن ذلك، ومَجازٌ عن المُشاكلة، وهو كما حُكِيَ: أنَّ بعضَ الشعراء سُئِلَ عن نفْسِه وعن شاعر آخر، فقال: أنا أقول البيتَ وأخاه، وهو يقول البيتَ وابنَ عمِّه (١)، وكان هذا مجازًا عن التَّقارُبِ والتَّباعُدِ في التَّشاكُلِ، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].
ثم ظاهرُ النَّظْم يدلُّ على أنَّ اللاحِقةَ أعظمُ مِن السابقة، وحقيقةُ ذلك: أنَّ الآيتَينِ مُتساويتان في نَقْضِ العادة وإيضاح الحُجَّة، لكنَّ الأُولى يذهَبُ هولُها على مَن رآها، فتزيد الثانيةُ عظَمةً عند الرائي لحُضورها.
وقيل: هو تعظيمُ شأنِهما جميعًا؛ كقولك: هُما أخوان، كلُّ واحدٍ منهما أكرمُ مِن الآخر.
وقيل: كانت آيةُ اليدِ أعظمَ مِن آية العصا؛ لأنَّ السحَرةَ أَمْكَنَهم التَّمْويهُ في العصا، ولم يُمْكِنْهم ذلك في اليد.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: هو ما قال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، وقولُه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٣].
* * *
(٤٩) - ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾.
стр. 6595
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: يا أيُّها العالِمُ (١)، والساحرُ عندهم مَن بلَغَ في العِلْم نهايتَه.
وقيل: إنما قالوا ذلك؛ لأنَّ السِّحْرَ عندهم كان عِلْمًا جليلًا، فقالوه له على أنَّه مَدْحٌ له.
وقيل: معناه: يا أيها الغالِبُ بآياته السَّحَرَةَ؛ مِن قولهم: ساحَرْتُه فسَحَرْتُه.
وقولُه تعالى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾: أي: سَلْ لنا ربكَ كَشْفَ العذابِ.
﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: قيل: هو قسَمٌ؛ أي: بحقِّ ما أرسلَكَ به.
وقيل: أي: بما وعدَكَ به مِن إجابة الدَّعْوة.
وقيل: بما عهِدَ أنه يكشِفُ عنا إذا رجَعْنا، فنحن نرجِعُ عمَّا كنا فيه.
﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾: أي: إنْ أُجِيبَ لنا اهتدَيْنا بالإيمان بكَ.
وقيل: إنَّا لَعالِمون أنه لا يكشِفُ عنا العذابَ بدُعائك إلا دِلالةً (٢) على نبوَّتِكَ، فدعا موسى اللَّهَ فكشَفَ عنهم.
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
стр. 6596
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾: أي: ينقُضُون عهدَهم بالإيمان؛ أي: كانوا قالوا له: نؤمنُ بكَ، فلم يُؤمنوا.
قولُه تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾: قيل: خطَبَ.
وقيل: نادى في الناس بالاجتماع، فلما اجتمَعوا عنده.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقْرير.
أي: إنَّ لي مُلْكُ مصرَ، أملِكُ أهلَها وأُصَرِّفُهم على ما أشاءُ مِن حُكْمي، وهذه الأنهار -أي: نيلُ مصرَ وسائرُ الأنهار المُتَشَعِّبَة منه- تجري مِن تحتي، فمصرُ على عِظَمِها كالبُسْتان لي، أفلا ترون ما ذكرتُه لكم؟! فكيف تنحرِفون عني إلى موسى وهو لا يملِكُ شيئًا؟!
وقولُه تعالى: ﴿لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾: هي أربعون فَرْسَخًا في أربعين فَرْسَخًا.
وقولُه تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾؛ أي: حولَ قُصوري.
وقيل: أي: تحت يدي.
وقيل: كانت الأنهارُ أربعةً: نهرُ دِمْياطَ، ونهرُ تِنِّيسَ (١)، ونهرُ طُولُونَ، ونهرُ الملكِ.
وقيل: خمسةً: نهرُ الفَيُّومِ، ونهرُ دِمْياطَ، ونهرُ البَرَلُّسِ، ونهرُ رَشيدٍ، ونهر الإِسْكَنْدَرِيَّة.
وهذه الأنهار تنشَقُّ مِن النِّيل، وكان فرعونُ يخرُجُ مِن الفَيُّوم إلى دِمْياطَ مَسِيرةَ خمسةَ عشَرَ يومًا لا تُصيبُه الشَّمسُ مِنِ التفافِ الشَّجَر.
стр. 6597
(٥٢) - ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾: قيل: أي: بل أنا خيرٌ.
وقيل: تقديرُه: أهذا خيرٌ أم أنا خيرٌ مِن هذا؟!
وقيل: ﴿أَمْ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: أم تُبْصِرون وتعلَمون أني خيرٌ مِن هذا؟! يعني: موسى.
﴿هُوَ مَهِينٌ﴾ قال قتادة: أي: ضعيفٌ (١).
وقيل: فقيرٌ.
وقيل: يَمْتَهِنُ نفْسَه في حوائجه، ليس له مَن يَكْفِيه.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾: أي: لا يُبِينُ عن نفْسِه ما يُريدُ بكلامه.
وقيل: أرادَ ما كان بلِسانه مِن عُقْدةٍ، وهو ما قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧].
أي: فكيف يكونُ مِثْلُه رسولًا مِن اللَّه إلى خَلْقِه، ولا مالَ له ولا أَتْباعَ، ولا فَصاحةَ له ولا بَيانَ؟!
قالوا: والعُقْدةُ التي كانت به في الابتداء زالَتْ (٢) بدُعائه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾، وكان في غاية البَيان في حال مُخاطبةِ فرعونَ ومَلَئِه، لكنه وصفَه بما كان عرَفَه به في الابتداء؛ تَمْويهًا على الضَّعَفة بما كانوا علِموه منه قبل ذلك.
* * *
(٥٣) - ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾: قرأ عاصمٌ في رواية حفصٍ:
стр. 6598
﴿أَسْوِرَةٌ﴾، وهي جَمْع: سوارٍ، وقرأ الباقون: ﴿أَسَاوِرَ﴾، وهي جَمْع الجَمْع (١).
أي: فهلَّا ألقى إليه ربُّه أساورةً مِن ذهب؛ تنبيهًا على محَلِّه؛ كالملِكِ يُطَوِّقُ مَن يُريدُ إكرامَه بطَوْقٍ ذهبٍ، ويُسَوِّرُه بسِوارِ ذهبٍ.
وقيل: إنَّ زينةَ الملوكِ كان هو التَّحَلِّي بالأَسْوِرة، فكأنه قال: فهلَّا أرسَلَ إلينا ملِكًا مِن الملوك رسولًا.
وقولُه تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: أو هلَّا ضَمَّ إليه ملائكةً، فيكونون معه مُتَتابعِين؛ كالملِك يضُمُّ إلى رسوله أتباعًا يتكثَّرُ بهم ويتجمَّلُ، ويُصَرِّفُهم في أوامره ونواهيه.
ظنَّ اللَّعِينُ أنَّ ما قاله أهيبُ، وأنَّ رسلَ اللَّهِ بالجنود يَقْوَون (٢)، ولم يُفَكِّرْ في أنَّ هَيْبةَ موسى بعَصاه كانت أكبرَ منها بجنود الأرض كلِّهم أنْ لو جُمِعوا له، وهذا فوق التَّطْويقِ والتَّسْويرِ بالذهب، ولا يخفى على عاقل أنَّ اثنين إذا التقَيا في مَحْفلٍ، وعلى أحدهما ثيابٌ رَثَّةٌ وله عِلْمٌ وأدَبٌ، والآخر في ملابسَ فاخِرةٍ وبه جهلٌ وسفَةٌ، فالأوَّلُ أهيبُ في نفوسهم مِن الثاني.
واللَّعينُ قصَدَ بهذا التَّمْوِيهَ على الضَّعَفة، وكان شَبيهَ هذا قولُ مُشْركي قريش في حقِّ النبي ﷺ : ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
ثم قولُ اللَّعينِ: هلَّا أَلْقَى عليه ربُّه كذا، وهلَّا أرسَلَ معه الملائكةَ، ليس لإقراره باللَّه وملائكته ورسله، لكنْ بناهُ على قول موسى؛ يعني: إنْ كان الأمرُ على ما يقولُ (٣)، فهلَّا ضمَّ إليه ملائكتَه، وهلَّا أظهَرَ عليه تشريفَه وكرامَتَه.
стр. 6599
(٥٤) - ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾: أي: عمِلَ هذا التَّمْوِيه في قومه فأطاعوه.
والاستخفافُ (١): الحَمْلُ على الخِفَّة؛ أي: حَمَلَهم بتَمْوِيهِه على أنْ خَفُّوا لأمره غيَر مُسْتَثْقِلين له.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾؛ أي: في تكذيب موسى ومُخالفته، وجَمْعِ الجُموع لِمُحاربته.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: خارِجين عن طاعة اللَّه تعالى، مُتَمَرِّدين عليه مُجاهِرين بمعاصيه.
* * *
(٥٥ - ٥٦) - ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾: أي: أغضَبونا (٢) بهذا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: عاقَبْناهم ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ في البحر.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾: مُتَقَدِّمين إلى النار: جَمْعُ سالف؛ كالخلَف جَمْعُ خالِف، والخدَم جَمْعُ خادم، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿سُلُفًا﴾ بضم السين واللام (٣)، وهو جَمْعُ (سَلِيف)، وهو بمعناه.
стр. 6600
وقولُه تعالى: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾: أي: عِبْرةً؛ لأنَّه مِثالٌ يُتَمَثَّلُ به، ويثبُتُ به تشابُهُ الجُزْأَين بتشابُه الفِعْلَين، والمَثَلُ: الشَّبَهُ.
وقولُه: ﴿لِلْآخِرِينَ﴾؛ أي: في السَّلَف والمَثَل جميعًا؛ أي: سلَفًا للآخِرين إذا ماتوا، ومَثَلًا لهم قَبْلَ أنْ يموتوا.
* * *
(٥٧) - ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾: لَمَّا نزَلَ قولُه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ قال المشركون: إنَّ النصارى يقولون: إنَّ عيسى إلهٌ يُعبَدُ مع اللَّه، فرَدَّ اللَّهُ قولَهم عليهم بهذه الآيات: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ (١).
أي: ولَمَّا جُعِلَ عيسى ابنُ مريم شَبَهًا للَّه تعالى؛ أي: قالت النصارى: إنَّه ابنُ اللَّهِ وثالثُ ثلاثةٍ ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾؛ أي: جعَلَ قومُكَ يا محمد -وهُمْ قريشٌ- منه يصُدُّون؛ أي: مِن أجلِه عن التوحيد يُعْرِضون، وهذا على قراءةِ ضمِّ الصاد، وهي قراءةُ نافعٍ والكسائيِّ، ومَن قرأَ ﴿يَصِدُّونَ﴾ بكسرها، وهي قراءةُ الباقين (٢)، فمعناه: يضِجُّون سُرورًا منهم بوُجود مَن يُوافِقُهم في عبادة غير اللَّه تعالى.
стр. 6601
وقال الكسائي: هما لُغتان في الإِعْراض؛ كقولهم: (يَعْرِشُ ويَعْرُش)، و (يَعْكِفُ ويَعْكُفُ)، و (يَعْتِلُ ويَعْتُلُ) (١)، و (يَدِرُّ ويَدُرُّ) (٢).
* * *
(٥٨) - ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾: أي: الملائكةُ الذين نعبُدهم ﴿أَمْ هُوَ﴾: يَعْنون عيسى ابنَ مريمَ ﵇، وهو استفهامٌ بمعنى التَّقْرير منهم.
أي: الملائكةُ مِن أهل السماء، وعيسى أَرْضِيٌّ، فكان عندهم الملائكةُ خيرًا مِن البَشَر، فإذا جازَتْ عبادةُ مَن في الأرض جازَتْ عبادةُ مَن في السماء، ولَمَّا جازَ لهم أنْ يجعلوا الأَرْضِيَّ ولَدًا للَّه تعالى، جازَ لنا أنْ نجعلَ أهلَ السماءِ بناتٍ للَّه تعالى.
وقولُه تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾: أي: لم يضرِبوا لكَ هذا المثَلَ إلا إظهارًا للغلَبة في المُجادلة دون طلَبِ الحقِّ بالمُباحثة، وليسوا بأهل الجدَلِ في هذا وحدَه ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾: مُجادِلون في كل شيء.
* * *
(٥٩ - ٦٠) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾: أي: ما عيسى إلَّا عبدٌ أكرَمْناه بالنُّبُوَّةِ.
стр. 6602
﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: عِبْرَةً وآيةً يُتَمَثَّلُ بها في الاستدلال على قُدْرة اللَّه تعالى.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: له وجوه:
أحدُها: ولو نشاءُ لجعَلْنا مِن الإنس ملائكةً بأنْ نخلُقَهم على صُورة الإنس -وإنْ كان خِلافَ العادة؛ كخَلْقِ عيسى مِن غير أبٍ خِلافَ العادةِ- في الأرض يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا.
والثاني: لو نشاءُ لقَلَبْنا بعضَكم أو جميعَكم ملائكةً يخلُفُونكم في الأرض؛ كما جعَلْنا هؤلاء الملائكةَ الذين تعبدونهم سُكَّانَ السماوات، فليس إِسْكانُهم في السماء يُوجِبُ لهم إِلَهِيَّةً.
والثالثُ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾؛ أي: بدَلَكم ﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾: يخلُفُونكم.
* * *
(٦١ - ٦٢) - ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾: قيل: إنَّ محمدًا يُعْلَمُ به قيامُ الساعة؛ لأنَّه نبيُّ آخرِ الزَّمان.
وقيل: إن عيسى إذا نزل من السماء يعلم (١) به قيامُ الساعةِ.
وقُرِئَ: (لعَلَم) بفتح العين واللام (٢)؛ أي: علامةٌ.
стр. 6603
﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾: أي: لا تَشُكُّنَّ في قيام الساعة.
﴿وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: يعني: الإسلامَ.
﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾: أي: عن الحقِّ بإيراد هذه الشُّبَه.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهِرُ العَداوةِ.
* * *
(٦٣ - ٦٤) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى﴾: بني إسرائيلَ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: قيل: أي: بالمُعْجِزات، كما قال: الآية ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ الآية [آل عمران: ٤٩].
وقيل: أي: بأحكام الإنجيل.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾: أي: بوَضْعِ الأمور مَواضِعَها ﴿ولأبين لكم﴾: وجئتكم لأُبيِّنَ لكم ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾:
قيل: كانوا يختلفون في أمور الدنيا والدِّين، فقال: أُبَيِّنُ لكم أمورَ الدِّين، وهي بعضُ تلك الأمورِ.
وقيل: ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾؛ أي: كلَّ الذي؛ كما قال: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، وهذا ترقيقٌ (١) في الكلام.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾: وحِّدُوه وأطيعُوه.
стр. 6604
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: هكذا (١) كان يقولُ عيسى، فهو الحقُّ، دون ما تقولُ النصارى.
* * *
(٦٥) - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: قيل: (مِن) زائدةٌ، ومعناه: بينهم.
وقيل: أي: مِن جُمْلة بني إسرائيلَ، وقد بيَّنَّا ذلك في سورة مريم على الاستقصاء.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: وضَعوا الأمرَ غيرَ مَوْضِعه.
﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾: أي: أليمِ العذابِ؛ كقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: عاصِفِ الرِّيحِ.
وقد نزلَتْ هذه الآياتُ حين قرأَ النبيُّ ﷺ : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فعارَضوه بأمر عيسى، وقد بيَّنَّا القصَّةَ في آخر سورة الأنبياء، ونزلت هذه الآياتُ أيضًا (٢).
* * *
(٦٦ - ٦٧) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾: أي: ما ينتظِرُ هؤلاء الأحزابُ إلا القيامةَ أنْ تأتيَهم بَغْتةً؛ أي: فُجاءةً.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: فيَقْضي بينهم فيما اختلَفوا فيه.
стр. 6605
وقولُه تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: أي: أعداءٌ يتبَرَّأُ بعضُهم مِن بعض، ويلعَنُ بعضُهم بعضًا، وهم المُتَحَزِّبون على الباطل.
﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾: أي: إلا الذين تخالُّوا على تقوى اللَّه، وإظهارِ دين اللَّه.
وقيل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾: في حقِّ مُشْركي العرب (١)، ويتَّصِلُ بقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾؛ أي: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: الذين يتَخالُّون على مُخالَفة الرسول، ويتمنَّى بعضُهم لبعض النبوةَ، ويقول: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
* * *
(٦٨ - ٧٠) - ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾: أي: يقولُ اللَّهُ تعالى هذا للمتقين.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: أي: صدَّقوا بالقرآن، وكانوا مُسْتَسْلِمين للَّه تعالى، مُنْقادِين للَّه، مُسْلِمين أنفسَهم لحُكْمِه.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾: لِيَجْتَمِعَ شَمْلُكم ﴿تُحْبَرُونَ﴾: أي: تُسَرُّون.
وقيل: هذا (٢) بالسَّماع (٣)؛ كما قال: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]،
стр. 6606
وهو للحال؛ كقوله: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٩]، ولو كان جزاءً لَجُزِمَ وحُذِفَت النون.
ويجوز أنْ يكونَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾ ابتداءً، ويكونَ في أول هذه الآية مُضْمَرٌ: يُقال لهم: ادخُلوا الجنة.
وقولُه تعالى: ﴿أَنْتُمْ﴾: يصلُحُ أنْ يكون ضميرَ ﴿ادْخُلُوا﴾، و ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ عطفًا عليه، ويجوزُ أنْ يكون: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ ابتداءً، و ﴿تُحْبَرُونَ﴾ خبرًا له.
* * *
(٧١) - ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾: أي: قِصاعٍ، جَمْعُ: صَحْفَةٍ.
﴿وَأَكْوَابٍ﴾: أي: أَبارِيقَ لا عُرًى لها، واحدُها: كُوبٌ، وفي الصِّحافِ الأطعمةُ، وفي الأكوابِ الأشربةُ.
﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ﴾: قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وحفصٌ عن عاصمٍ: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾، والباقون: ﴿ما تشتهي الأنفس﴾ (١).
﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾: أي: وفي الجنة وراءَ هذه الأطعمةِ والأشربةِ مِن أصناف النِّعَم ما تشتهيه النُّفوسُ وتستلِذُّه العُيونُ، لإفراط حُسْنِه في المَرائي.
﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا تموتون فيها، ولا تُخْرَجون منها.
وقال القُتَبيُّ: جمَعَ في قوله: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ما لو اجتمَعَ
﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾: أي: إنكم في العذاب أبدًا لابِثون، يُجيبُهم بهذا بعد ألف سنةٍ. كذا قاله ابن عباس ﵄ (١).
﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾: قيل: هو من تمامِ قولِ (٢) مالك.
وقيل -وهو الأوجهُ-: هو ابتداءُ خطابٍ مِن اللَّه تعالى لمُشْركي العرب مِن (٣) قريش.
ومعناه: لقد أورَدْنا عليكم الحُجَجَ، فأخبَرْناكم بما أنتم صائرون إليه يوم القيامة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾: مُسْتَثْقِلون للنَّظَرِ والتأمُّلِ فيها.
هذا وصفُ أكثرِهم، والباقون مُقَلِّدون لهم.
* * *
(٧٩ - ٨٠) - ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.
стр. 6609
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾: أي: أبرَمَ هؤلاء الذين هُم للحق كارهون أَمْرًا يُقَدِّرون به أنهم يَكيدون الحقَّ فيُبْطِلونه بالجدَل، فإنا مُبْرِمون أَمْرَنا في إبطال كيدهم لإظهار الحق، أم أبرَموا تدبيرًا في ردِّ ما نريدُ إنزالَه بهم مِن العذاب؟! فإنا مُبْرِمون أمرَنا في إنزاله بهم على وجهٍ لا يُمكنُهم رَدُّه، والإبرامُ: الإِحْكامُ.
وقيل: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا﴾: عطفٌ على قوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، أم هُم عالمون بهذا إلا أنهم أبرَموا أمرًا في شركهم يتحرَّزون به مِن عذابنا؟! فإنا مُبْرِمون.
قولُه تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾: ﴿سِرَّهُمْ﴾: هو ما أسَرُّوه في أنفسهم مِن تدبير ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾: وهو ما تشاوروا فيه فيما بينهم مما يُخْفُونه عن غيرهم.
﴿بَلَى﴾: أي: ليس كما يتوهَّمون، بل نسمَعُ كلَّ ذلك ونعلَمُه.
﴿وَرُسُلُنَا﴾: أي: الحفَظَةُ ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ما يكون منهم.
* * *
(٨١) - ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: يتَّصِلُ بقوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾.
قال الكلبي: معناه: قل: إنْ كان للرحمن ولدٌ على زعمكم، فأنا أول الآنِفين مِن هذا الكلام أنْ يُقال: إنَّ للَّه ولدًا على زعمكم (١).
стр. 6610
وقال أبو عبيدة: أي: أولُ مَن يَعْبَدُ مِن ذلك؛ أي: يجحدُه ويستنكرُه وينتفي منه، قال الفَرَزْدَقُ:
أولئك أَكْفائي (١) فجِيئوا بمِثْلِهم... وأعبَدُ أنْ أهجو كُلَيبًا بدارِمِ (٢)
والفعل مِن باب: (علِمَ).
وقال القُتَبي: إنْ كان هذا مِن زعمكم ولم تُوحِّدوه، فأنا أوَّلُ الموحِّدين (٣).
وقيل: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾؛ أي: ما كان للرحمن ولدٌ (إنْ) للنفي، فأنا أوَّلُ الموحِّدين.
وعن ابن عباس ﵄ قال: لَمَّا نزلت هذه الآيةُ فرِحَ المشركون، وظنُّوا أنَّ النبيَّ ﷺ تابعَهم على رأيهم، فقال النَّضْرُ بنُ الحارث: لقد وافقَنا محمد فيما نقولُ، وفطِنَ له عبد اللَّه بن الزِّبِعْرَى، فقال: إنه يقول: ما كان للرحمن ولدٌ (٤).
стр. 6611
(٨٢ - ٨٣) - ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي: تنزيهًا للَّه تعالى مِن قول هؤلاء.
وقولُه تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: أي: فدَعْهم -يا محمد- وخَوْضَهم في الباطل، ولَعِبَهم في الدِّين بالجدال بما لا حقيقةَ له، واشتغالَهم بالدنيا التي هي لعِبٌ، حتى يجيئوا يوم القيامة فيَلْقَوا ما يوعدون فيه.
* * *
(٨٤ - ٨٥) - ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾: أي: وهو المُسْتحِقُّ للعِبادة في السماء، لا مُسْتَحِقَّ لها في السماء غيرُه، ولا أحدَ يستحقُّ صفةَ الإلهيَّةِ سواه، فلا ولدَ له في السماء ولا شريكَ، وهو في الأرض إلهٌ، ولا ولدَ له في الأرض ولا شريك له، وهو إبطالُ قولِ القائلين بأنَّ الملائكةَ في السماء بناتُه، والمسيحَ في الأرض ابنُه، وإبطالُ قولِ عبَدَةِ الشمس والقمر والنجوم.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾: في أقواله وأفعاله ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما كان، وما يكون، وما لم يكن -ولا يكونُ- أنْ لو كان كيف كان يكون.
стр. 6612
وقولُه تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: وهذا ظاهرٌ.
* * *
(٨٦) - ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: هؤلاء يعبُدون الشياطينَ والجنَّ، ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ولا شفاعةَ إلا لِمَن شهِدَ بالحق بكلمة التوحيد.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يعتقدون ذلك عن عِلْمٍ.
و ﴿شَهِدَ﴾: على الواحد؛ للَفْظِ (مَن)، و ﴿يَعْلَمُونَ﴾: على الجَمْع؛ لأنَّه جنسٌ.
أي: الشفاعةُ تكون ممَّن أقَرَّ واعتقدَ عن عِلْم، لا ممَّن كان كافرًا باللَّه تعالى.
وقيل: أي: الملائكةُ الذين يعبُدونهم هؤلاء لا يشفعون إلا لِمَن شهِدَ بالحقِّ وعَلِمَه؛ أي: للمؤمنين بإذن اللَّه.
* * *
(٨٧ - ٨٩) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: أي: ولئن سألْتَ هؤلاء المشركين: مَن خلَقَهم؟ لأقروا أنَّ اللَّهَ تعالى خلَقَهم، لا الملائكةَ ولا الأصنامَ.
﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: أي: فكيف ومن أين يُصْرَفون عن التوحيد مع هذا الإقرار؟!
стр. 6613
وقولُه تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾: قرأ حمزةُ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالخفض، عطفًا على قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، وعنده عِلْمُ قيلِه.
وقرأ الباقون: ﴿وقيلَه﴾ بالنصب (١)، عطفًا على قوله: ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾.
وقيل: على إضمار الفعل؛ أي: وقال الرسولُ قِيلَه: يا رب.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: شكا إلى اللَّه تعالى تَرْكَهم الإيمانَ، فقال اللَّهُ له:
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾: أي: فأعرِضْ عن مُؤاخذتهم بسُوء أفعالِهم.
﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾: أي: سلامة لكم عن قتالي إلى أنْ أومَرَ به.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: عاقبةَ أمرِهم.
والحمدُ للَّه رب العالمين
* * *
стр. 6614
سورة الدخان
стр. 6615
سورة الدخان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّهِ مُنَزِلِ الكتاب المُبين، الرَّحمنِ مُرسِلِ الرسول الأمين، الرَّحيمِ مُوصِلِ المتقين إلى الجنات والحُور العِين.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿حم﴾ الدُّخان في ليلة جُمُعةٍ غفَرَ اللَّهُ تعالى له" (١).
стр. 6616
وسورةُ الدُّخانِ مكِّيَّةٌ.
وهي تسعٌ وخمسون آيةً. وقيل: سبعٌ وخمسون، والاختلافُ في: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ﴾، ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾، ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾.
وكلماتُها: ثلاثُ مئةٍ وستٌّ وأربعون.
وحروفُها: ألفٌ وأربعُ مئةٍ وتسعةٌ وثلاثون.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ قوله: ﴿فَسَوفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ، و ﴿إِنَّا كُنَا مُنْذِرِينَ﴾ أيضًا وعيدٌ وتهديدٌ.
وانتظامُ السورتين: أنَّهما في مُحاجَّةِ المشركين ووعيدِهم، ومَدْحِ المؤمنين ومَواعيدهم.
* * *
стр. 6617
(١ - ٣) - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: مرَّ تفسيرُه مرَّاتٍ.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: أنزَلْنا هذا الكتابَ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: قال قتادة وابن زيد وجماعة: هي ليلةُ القَدْر (١).
والبركةُ: كثرةُ الخيرِ ونماؤُه ودوامُه، وهي أعظم الليالي قَدْرًا، وخيرٌ مِن ألف شهر نصًّا، وفيها نزولُ الخيرات والبركات، وتَضاعُفُ أجورِ الطاعات، وقضاءُ الحاجات، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وهي في شهر رمضان، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ورُوي: أنَّ القرآن أُنزِلَ جُمْلةً إلى السماء الدنيا في هذه الليلة، ثم أُنْزِلَ على رسول اللَّه ﷺ نجومًا بعد ذلك على حسَبِ اتِّفاقِ الأسباب (٢).
وقيل: ابتداءُ إنزالِه في هذه الليلة.
وقيل: هي ليلةُ النِّصْف مِن شعبان، وممَّن قال به عكرمةُ (٣).
﴿فِيهَا يُفْرَقُ﴾: أي: في هذه الليلة يُبَيَّنُ ويُفَصَّلُ ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: مُحْكَمٍ في قِسْمة الآجال والأرزاق والأحوال المُتَصَرِّفة بالخَلْق، وهو كقوله: ﴿قُرْانًا فَرَقْنَاهُ﴾: أي: بيَّنَّاه وفصَّلْناه.
والحكيمُ في معنى المُحْكَم؛ كالبَديع بمعنى المُبْدَع.
وقيل: الأمرُ الحكيم؛ أي: الأمر الصواب، وهو مِن الحكمة.
قال ابن عباس ﵄: تُقضى الأَقْضِيَةُ كلُّها ليلةَ النصف مِن شعبان، وتُسَلَّمُ إلى أربابها ليلةَ السابع والعشرين مِن شهر رمضان (١).
وقال الضحاك وعكرمة: يُرفَعُ فيها أمْرُ السنة الماضية، ويُفَصَّلُ للسنة المُقْبِلة (٢).
وقال أبو العالية: يُقضى أمْرُ السنةِ في ليلة القدر مِن خَلْقٍ ورزقٍ وحياةٍ وموتٍ (٣).
وقال محمد بن كعب القُرَظي: يُكْتَبُ الحاجُّ بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يُغادَرُ منهم أحدٌ (٤).
* * *
(٥ - ٧) - ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾: أي: يُفْرَقُ بأمْرٍ منا.
стр. 6620
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾: قيل: أي: الملائكةَ في تلك الليلة إلى الأرض (١)؛ للسلام على المؤمنين، ولإيصال الكرامات إلى المُسْتَحِقِّين.
وقيل: أي: الأنبياءَ إلى أُمَمهم في زمانهم.
وقولُه تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: إنما نُرسِلُهم رحمةً منا للخَلْق.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أي: السَّامعُ أقوالَهم، العالمُ ضمائرَهم وأحوالَهم.
وقولُه تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: صفةٌ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ على قراءة الخَفْض، وهي قراءةُ عاصمٍ وحمزةَ والكسائيِّ، وصفةٌ لقوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ على قراءة الرَّفع، وهي قراءة الباقين (٢).
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: أي: فوحِّدُوه بأنه ربُّ السماوات والأرض، فإنَّ الإيقانَ بذلك يُوجِبُ الإيمانَ.
* * *
(٨ - ١٠) - ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾.
وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: أي: يُحييهم بعد أنْ كانوا أمواتًا، ثم يُميتهم عند (٣) انقضاء آجالهم، وإذا قَدِرَ على هذا قَدِرَ على إحيائهم وبَعْثهم بعد موتهم.
وقولُه تعالى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: المالكُ والمُصَرِّفُ والمُدَبِّرُ للكل.