← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

وسورةُ الدُّخانِ مكِّيَّةٌ. وهي تسعٌ وخمسون آيةً. وقيل: سبعٌ وخمسون، والاختلافُ في: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ﴾، ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾، ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾. وكلماتُها: ثلاثُ مئةٍ وستٌّ وأربعون. وحروفُها: ألفٌ وأربعُ مئةٍ وتسعةٌ وثلاثون. وانتظامُ أوَّلِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ قوله: ﴿فَسَوفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ، و ﴿إِنَّا كُنَا مُنْذِرِينَ﴾ أيضًا وعيدٌ وتهديدٌ. وانتظامُ السورتين: أنَّهما في مُحاجَّةِ المشركين ووعيدِهم، ومَدْحِ المؤمنين ومَواعيدهم. * * *

стр. 6617

(١ - ٣) - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. قولُه تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: مرَّ تفسيرُه مرَّاتٍ. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: أنزَلْنا هذا الكتابَ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: قال قتادة وابن زيد وجماعة: هي ليلةُ القَدْر (١). والبركةُ: كثرةُ الخيرِ ونماؤُه ودوامُه، وهي أعظم الليالي قَدْرًا، وخيرٌ مِن ألف شهر نصًّا، وفيها نزولُ الخيرات والبركات، وتَضاعُفُ أجورِ الطاعات، وقضاءُ الحاجات، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وهي في شهر رمضان، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ورُوي: أنَّ القرآن أُنزِلَ جُمْلةً إلى السماء الدنيا في هذه الليلة، ثم أُنْزِلَ على رسول اللَّه ﷺ نجومًا بعد ذلك على حسَبِ اتِّفاقِ الأسباب (٢). وقيل: ابتداءُ إنزالِه في هذه الليلة. وقيل: هي ليلةُ النِّصْف مِن شعبان، وممَّن قال به عكرمةُ (٣).

стр. 6618

وقولُه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾: أي: مُخَوِّفين بالكتابِ والرسولِ الخَلْقَ بالعذاب؛ رَدْعًا عن الكفر والمعصية، وشَوْقًا إلى الإيمان والطاعة. * * * (٤) - ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.

стр. 6619

﴿فِيهَا يُفْرَقُ﴾: أي: في هذه الليلة يُبَيَّنُ ويُفَصَّلُ ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: مُحْكَمٍ في قِسْمة الآجال والأرزاق والأحوال المُتَصَرِّفة بالخَلْق، وهو كقوله: ﴿قُرْانًا فَرَقْنَاهُ﴾: أي: بيَّنَّاه وفصَّلْناه. والحكيمُ في معنى المُحْكَم؛ كالبَديع بمعنى المُبْدَع. وقيل: الأمرُ الحكيم؛ أي: الأمر الصواب، وهو مِن الحكمة. قال ابن عباس ﵄: تُقضى الأَقْضِيَةُ كلُّها ليلةَ النصف مِن شعبان، وتُسَلَّمُ إلى أربابها ليلةَ السابع والعشرين مِن شهر رمضان (١). وقال الضحاك وعكرمة: يُرفَعُ فيها أمْرُ السنة الماضية، ويُفَصَّلُ للسنة المُقْبِلة (٢). وقال أبو العالية: يُقضى أمْرُ السنةِ في ليلة القدر مِن خَلْقٍ ورزقٍ وحياةٍ وموتٍ (٣). وقال محمد بن كعب القُرَظي: يُكْتَبُ الحاجُّ بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يُغادَرُ منهم أحدٌ (٤). * * * (٥ - ٧) - ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾: أي: يُفْرَقُ بأمْرٍ منا.

стр. 6620

وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾: قيل: أي: الملائكةَ في تلك الليلة إلى الأرض (١)؛ للسلام على المؤمنين، ولإيصال الكرامات إلى المُسْتَحِقِّين. وقيل: أي: الأنبياءَ إلى أُمَمهم في زمانهم. وقولُه تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: إنما نُرسِلُهم رحمةً منا للخَلْق. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أي: السَّامعُ أقوالَهم، العالمُ ضمائرَهم وأحوالَهم. وقولُه تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: صفةٌ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ على قراءة الخَفْض، وهي قراءةُ عاصمٍ وحمزةَ والكسائيِّ، وصفةٌ لقوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ على قراءة الرَّفع، وهي قراءة الباقين (٢). ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: أي: فوحِّدُوه بأنه ربُّ السماوات والأرض، فإنَّ الإيقانَ بذلك يُوجِبُ الإيمانَ. * * * (٨ - ١٠) - ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: أي: يُحييهم بعد أنْ كانوا أمواتًا، ثم يُميتهم عند (٣) انقضاء آجالهم، وإذا قَدِرَ على هذا قَدِرَ على إحيائهم وبَعْثهم بعد موتهم. وقولُه تعالى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: المالكُ والمُصَرِّفُ والمُدَبِّرُ للكل.

стр. 6621

وقولُه تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾: أي: ليسو بمُوقنين، بل هُم مُقَلِّدون شاكُّون. ﴿يَلْعَبُونَ﴾: في دينهم، يَدينون بما لا دليلَ على صِحَّته، ولا يتأمَّلون في عاقبته؛ كالصَّبيِّ يلعبُ فيفعل ما لا يَدري كيف عاقبتُه، ولعلَّه يُؤَدِّيه إلى مكروه. وقولُه تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾: أي: فانتظِرْ يا محمد. ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: قال ابن مسعود ﵁ والضحاك: الدُّخانُ: الظُّلْمةُ التي كانت تغشى أبصارَ المشركين مِن قريش لشدَّةِ الجوع حين دعا عليهم النبي ﷺ ، فقال: "اللهم اجعلْ سِنينَ كسِنِي يوسف" (١). أي: انتظرْ بهم (٢) نزولَ هذا العذابِ، فإنه كائن. * * * (١١) - ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾: أي: يَلْبَسُهم ويَعُمُّهم. ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: قرُبَ منكم هذا العذابُ الوجيعُ؛ كما يُقالُ: هذا الشتاء؛ أي: قرُبَ مجيئُه. وقالوا: إنَّ يُبْسَ الأرضِ يثورُ منه في الهواء شِبْهُ الدُّخان مِن الغُبار المُتَكَدِّر الذي يَشُوبُه ظُلْمَة، والعرب تُسَمِّي سَنَةَ المَجاعةِ غَبَرًا، وسمَّوا السَّنَةَ التي كان فيها قَحْطٌ في زمن عمر ﵁ عامَ الرَّمادة.

стр. 6622

ومعنى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾؛ أي: زمانَ تأتي (١)، فإنه يمتدُّ ولا يقتصِرُ على يوم، وهذا الاسم مُستعمَلٌ في مُطْلَق الوقت. * * * (١٢) - ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾. ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾: أي: يقول هؤلاء عند نزول العذاب: يا ربَّنا اكشِفْ عنا. ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾: أي: نُؤمِنُ إنْ كشَفْتَه عنا. وقيل: أي: نحن مُصَدِّقون في الحال أنَّكَ القادرُ على كَشْفِه، وعلى كَشْفِ كلِّ شيء، ولا يكشِفُ مِثْلَه إلا أنتَ. وقيل: إِضْمارُ القولِ قَبْلَ قولِه: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: المشركون يقولون ذلك، ويَصِلون به قولَهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾. * * * (١٣ - ١٤) - ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾. ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾: أي: مِن أين لهم أنْ يتذَكَّروا؟! وكيف يتذَكَّرون ولم يتذَكَّروا بالرسول الذي جاءَهم؟! وهو قولُه: ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾: أي: محمد. ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾: أي: أَعْرَضوا عن تصديقه ومُتابعته. ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾: علَّمَتْه الشياطينُ ما يقول أنه قرآنٌ مُنَزَّلٌ مِن اللَّه تعالى؛ كما تعلِّمُ الكَهَنَةَ.

стр. 6623

وقيل: يُعَلِّمُه جَبْرٌ ويَسارٌ أبو فُكَيْهَةَ (١)؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. ﴿مَجْنُونٌ﴾: لا عَقْلَ له، فإذا لم يتَّعِظوا بالقرآن، وبما كان مِن رسول اللَّه تعالى مِن البَيان والبُرْهان، فكيف بالدُّخان؟! * * * (١٥ - ١٦) - ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾: أي: بعضَ هذا العذابِ نمتَحِنُهم بالشكر والوفاء بالعَهْد، أو: نكشِفُه مدةً قليلةً. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾: أي: تَعودون إلى الكفر الذي كنتم فيه، ثم قال: ﴿نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾: وفيه اختصارٌ وتقديمٌ وتأخيرٌ؛ أي: فإذا عُدتُم فإنا مُنْتَقِمون منكم ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾؛ أي: يوم نأخُذُكم الأَخْذَةَ العُظْمى؛ أي: بعذابٍ هو أكبرُ مِن الأول. * * * (١٧) - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: هكذا؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا

стр. 6624

آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، فقالوا لموسى: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٥ - ١٣٦]، فكذلك كان حالُ قُرَيشٍ، وكان الانتقامُ منهم بعد ذلك بالقَتْل يومَ بدرٍ، وهو البَطْشَةُ الكبرى، وعلى هذا أكثرُ المفسِّرين. وقال الضحاك: كان رسول اللَّه ﷺ بمكة، فأصابَ المُشركين دُخانٌ عظيمٌ، ونالَ المؤمنين منه كالزُّكَام، و ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يوم بدرٍ (١). وفي الآية قولٌ آخرُ: قال ابن عباس والحسن وجماعة: هو مِن أشراط الساعة (٢)، فيكون في آخر الزمان، كالدَّجَّال، والدَّابَّة، وطُلوع الشمس مِن مغربها، و ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: عذابُ النارِ يومَ القيامة. وقال قتادة: كنا نُحَدَّثُ أنَّ مَثَلَ الأرضِ يومئذ كمَثَلِ بيتٍ أُوقِدَتْ فيه نارٌ، فصار أهلُها كالشيءِ الحَنيذ؛ أي: المَشْوِيِّ (٣). وقال الضحاك: يأخذُ المؤمنَ كالزُّكام، ويدخُلُ في مَسامع الكفار والمنافقين وفي جُلودهم، وإنَّ التوبةَ مقبولةٌ. وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: يجيءُ الدُّخانُ، فيأخُذُ المؤمنَ كهيئة الزُّكام، وينفُخُ في الكافر حتى يتَّقِدَ (٤).

стр. 6625

وقال الحسن: الدُّخانُ لم يَمْضِ (١)، وإنما هو (٢) مِن أشراطِ الساعة والبَطْشَةِ الكبرى يوم القيامة. وعن علي ﵁ قال: لم يَمْضِ الدُّخان، وإنه يكون يوم القيامة يُفَرَّقُ به بين المؤمن والكافر (٣). وعلى هذا معنى الآيات: فانتظِرْ يا محمد، ودَعْهُم ولَعِبَهم، فإنَّ بين أيديهم يومًا يأتيهم فيه العذابُ فيتوبون فلا تُقْبَلُ توبتُهم، وذلك إذا أتى الدُّخانُ، فيقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، ولا يُقبَلُ إيمانُهم؛ لأنَّه حالَ بَأْسٍ ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾؛ أي: يزولُ هذا الدُّخانُ، وينكشِفُ عنهم العذابُ مُدَّةً ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ إلى عذابٍ أكبرَ منه ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يومَ القيامة. وأكثرُ أهلِ العلم على هذا، والأوَّلُ قولُ ابن مسعود ﵁. وقد روى الأَعْمَشُ عن مسلمٍ عن مسروقٍ قال: كان رجلٌ في المسجد يُحَدِّثُ، فقال فيما يقول: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾؛ إذا كان يومُ القيامة يكون دخانٌ يأخذُ (٤) بأسماع المنافقين (٥) وأبصارِهم، ويأخذُ المؤمنين منه كهيئة الزُّكام، قال:

стр. 6626

فقُمْنا ودخَلْنا على عبد اللَّه بن مسعود وهو في بيته، فأخبَرْناه، وكان مُتَّكِئًا فجلَسَ، ثم قال: أيُّها الناس، مَن علِمَ عِلْمًا فليقُلْ به، ومَن لم يَعْلَمْ فليقُلْ: اللَّهُ أعلمُ، وسأُخبِرُكم عن الدخان: إنَّ قريشًا لَمَّا استعْصَتْ على النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عليهم بسَبْعٍ كسَبْعِ يوسفَ"، فأصابَتْهم سنَةٌ، حتى كانوا يأكُلون الجِيَفَ، حتى إنَّ أحدَهم كان يَرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان مِن الجوع، وكان الرجلُ يُحَدِّثُ الرجلَ، فيسمَعُ كلامَه ولا يراه مِن الدخان، فدَعَوا، فكُشِفَ ذلك عنهم، ثم قال: "أرَأيتُم لو كان هذا يوم القيامة: أكان يُكشَفُ عنهم؟ "، فأُخِّرُوا إلى يوم بدر، وهو يوم البَطْشَة الكبرى (١). وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: أي: امتَحَنَّا بالإيمان والطاعة قَبْلَ هؤلاء المشركين قومَ فرعونَ. ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: على اللَّه، قد اصطفاه لرسالته. * * * (١٨ - ٢٠) - ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾: أي: بأنْ أدُّوا؛ أي: أرسِلوا بني إسر ائيل، فإنهم عبادُ اللَّهِ لا عبادُكم، فلا تستعبِدوهم، ولا تُسَخِّروهم، ولا تَمْتَهِنُوهم (٢) في الأعمال الخَسيسة. وقيل: أدُّوا حقَّ اللَّهِ يا عبادَ اللَّهِ، نصبٌ على النداء.

стр. 6627

﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: مُؤتَمَنٌ غيرُ مُتَّهَمٍ في النُّصْح لكم. ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾: أي: لا تترفَّعوا عن طاعة اللَّه، وطاعةِ مَن ألزَمَكُم طاعتَه. ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: أي: حُجَّةٍ بيِّنةٍ على ما أدَّعِيه. ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾: أي: تقتُلوني بالحجارة. قاله قتادة (١)، وكانوا اعتادوا ذلك فيمَن أرادوا إهلاكَه. وقال ابن عباس وأبو صالح: أي: تشتِموني (٢). * * * (٢١ - ٢٣) - ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾: أي: إنْ لم تُصَدِّقوني فيما أقولُ ففارِقُوني وكونوا بمَعْزِلٍ مني إلى أنْ يحكُمَ اللَّهُ بيننا. وقولُه تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾: أي: مُشرِكون مُصِرُّون على الكفر، لم يُرْسِلوا بني إسرائيل، وعلَوا على اللَّه. وقولُه تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾: أي: فدعا ربَّه بالنُّصْرة والنَّجاة، فأجَبْنا دعاءَه، وقلنا له: اذهبْ ببني إسرائيل الذين آمنوا بكَ ليلًا. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: أي: يتَّبِعُكم فرعونُ وقومُه، فاجعلوا ذلك ليلًا؛ لِيكونَ أَهْوَلَ عليهم، وأشغلَ عن الاستعداد، وأبطَأَ للَّحاقِ (٣).

стр. 6628

(٢٤) - ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ﴾: قال أبو عُبيدةَ وقُطْرُبٌ: أي: ساكنًا (١). وكان أُمِرَ أنْ يَضْرِبَ البحرَ بعَصاه حتى انفلَقَ طُرُقًا، وقامَ في الهواء، فلما عبَرَ خاف أنْ يَدْخُلَه فرعونُ وقومُه، ويعبُروا كما عبَرَ هو وبنو إسرائيل، فقال اللَّه تعالى له: امضِ أنتَ واترُكْهُ كذلك، فإنهم يدخلُون لكنْ يَغْرَقون ولا يعبُرون، وذلك قولُه: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. وقيل: الرَّهْوُ: الواسعُ المُنفَرِجُ؛ أي: اترُكْه كذلك. وقال الكسائيُّ: يُقالُ: جاءت الإبلُ رَهْوًا؛ أي: يتبَعُ بعضُها بعضًا (٢). يقول: اتْرُكِ البحرَ يدخُلْ فيه فرعونُ وقومُه مُتَتابِعين ثم يغرَقون. والجُندُ جمعٌ بمعناه، فلذلك قال: ﴿مُغْرَقُونَ﴾، وفردٌ بلفظِه؛ فلذلك قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١]. * * * (٢٥ - ٢٨) - ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: أي: ففعَلَ، ودخلَ البحرَ فرعونُ وقومُه، فأُغرقوا، وترَكوا بساتينَ كثيرةً فيها أشجارٌ مُظِلَّةٌ وعيونٌ نابِعةٌ بالمياه.

стр. 6629

﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: يعني: محافلَ الاجتماعاتِ للتدبُّرِ في الأمور والتَّشاوُرِ فيها، وهو كقوله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣]. ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾: أي: تَنَعُّمٍ في عيش كانوا يتقلَّبُون فيه لاعِبين لاهِين. ﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كذلك كان أمرُهم. ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾: هم بنو إسرائيلَ؛ أي: نقَلْناها إليهم بعدَهم نَقْلَ الميراثِ. فإنْ قيل (١): كيف كانت أموالُهم باقيةً حتى ورِثُوها وقد دعا موسى ربَّه فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، وقال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]؟! قُلنا: يحتملُ أنْ يكون طَمْسًا على ما سوى الجِنان والعُيون والزُّروع والمَقام الكريم، فجرى الإرثُ في ذلك. * * * (٢٩) - ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾: كان الكبيرُ في العرب إذا مات قالوا: بكَتْ له السماءُ والأرضُ، يَعْنون به أنَّ المصيبة به (٢) عمَّتِ الخَلْقَ، فبكى له الكلُّ؛ أي: لو جازَ أنْ يوجدَ مِن السماء والأرض بُكاءٌ على ميِّتٍ لَوُجِدَ منهما عليه. وأرادَ به: أنَّه لم يظهَرْ بَعْدَهم مِن آثار المُصيبة بهم ما يَظْهَرُ في مَصائبِ ذوي الأَقْدار والأَخْطار؛ أي: ما بكى عليهم أهلُ السماء وأهلُ الأرض، فأُضمِرَ الأهلُ كما أُضْمِرَ في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

стр. 6630

روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: "ما مِن مسلمٍ إلا وله بابانِ في السماء: بابٌ يَصْعَدُ فيه عمَلُه، وبابٌ ينزِلُ منه رزقُه، فإذا مات المؤمنُ بكى عليه باباه" (١). وقال ابن عباس ﵄: إذا مات المؤمن بكى عليه مُصلَّاه وبابُه الذي يصعَدُ فيه عملُه في السماء (٢). فعلى هذا لم يكن للكافر (٣) في الأرض مَوْضِعُ عبادةٍ، ولا في السماء مَصْعَدُ طاعةٍ، فلم تبكِ عليه السماءُ والأرضُ. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾: أي: مُمْهَلِين بعد حُلول وقتِ هلاكِهم. * * * (٣٠ - ٣١) - ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: وهو استعبادُ فرعونَ وقومِه إياهم، واستعمالُهم في الأعمال الخَسيسة، وذَبْحُ الأبناءِ، واسترقاقُ البناتِ.

стр. 6631

﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا﴾: أي: مُتَغَلِّبًا (١) قاهرًا للعباد. ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: أي: المُجاوزين حدودَ اللَّهِ، المُفْرِطين في معاصيه. * * * (٣٢) - ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ﴾: أي: بني إسرائيلَ. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: أي: على عِلْمِنا بصلاحهم لذلك، وقيامِهم بشكره. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: على عالَمِي زمانِهم، بأنْ جعَلْنا فيهم الكتابَ والحِكْمةَ (٢) والنبوةَ والمُلْكَ. وقيل: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾؛ أي: على عِلْمٍ آتيناهم وأحوَجْنا إليهم غيرَهم. وهذا الاختيارُ يجوزُ أنْ يكون خاصًّا لِمَن جعَلَ اللَّهُ فيه النبوةَ منهم، ويكون كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ويجوزُ أنْ يكون عامًا لبني إسرائيل الذين كانوا مع موسى، اختارَهم بالإِنْجاء وإغراقِ الأعداءِ؛ لعِلْمِه بأنَّ فيهم الأنبياءَ وأتباعَ الأنبياءِ. * * * (٣٣ - ٣٥) - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ﴾: أي: أعطينا بني إسرائيلَ مِن العلاماتِ

стр. 6632

الدالَّةِ على إنعامي عليهم، مِثْلَ فلَقِ البحر، وتَظْليلِ الغَمام، وإنزالِ المنِّ والسَّلْوى ﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: ما يُعْلَمُ به إنعامي عليهم ظاهرًا. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾: أي: إنَّ هؤلاء المشركين ﴿لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾؛ أي: لا موتَ سوى موتتِنا الواحدةِ التي يموتُها (١) الناس. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾: أي: بمبعوثين بعدها. وذِكْرُ الأولى ليس لإثبات الثانية منهم، بل أرادوا نَفْيَ مَوْتَةٍ أخرى بعدها. * * * (٣٦) - ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾: أي: ائتوا بآبائنا الذين ماتوا أحياءً ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ بَعْدَ الموتِ حياةً؛ لِنَعرِفَ ذلك بالمشاهدة، وهذا مبنيٌّ منهم على جهل، فإنَّ اللَّهَ قادرٌ على إحيائهم بعد الموت في الدنيا كما فعَلَ ذلك بكثير مِن الماضين، لكنَّه لا يفعلُه لغير الوقت الذي حكَمَ بإحيائهم فيه، وقد أقامَ الدِّلالةَ على قُدْرَته على ذلك بما اعترَفوا به مِن قُدْرَته على الابتداء، وهو أعجبُ مِن الإعادة. ومعنى قولِه: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾: أي: فادْعوا ربَّكم يُحْيِهم. ورُوِيَ أنَّ أبا جهل -لعنةُ اللَّهِ عليه- قال للنبي ﷺ : أَحيِ لنا جدَّكَ قُصَيَّ بن كِلابٍ، فإنه كان صادقًا، فنسألَه عنكَ وعن صِدْقِ ما (٢) تقولُ، وعن البعث بعد الموت، فنزلت الآية (٣).

стр. 6633

وقيل -وهو قولُ الفراء-: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ خاطَبوا به النبيَّ خاصَّةً (١)؛ أي: ادعُ اللَّهَ تعالى أنْ يُحيِيَهم لنا. * * * (٣٧) - ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: ليس قُرَيشٌ بأقوى وأكثرَ عُدَّةً مِن قوم تُبَّعٍ والمُتقدِّمين، وقد أهلَكْناهم بجُرْمِهم، وهؤلاء مُجرمون أيضًا، فنفعلُ بهم كذلك. وتُبَّعٌ: مَلِكُ اليَمَنِ. قال الكلبي: إنما ذُكِرَ قومُ تُبَّعٍ؛ لأنَّهم أقربُ إلى أهل مكة في الهلاك مِن غيرهم، وسُمِّيَ تُبَّعًا لكَثْرة أتباعِه، وتُبَّعٌ ليس باسم الملِكِ خاصٌّ، بل هو اسمٌ لملِكِ اليمن؛ ككِسْرى لفارسَ، وقَيْصَرَ للرُّوم، والنَّجاشيِّ للحَبَشة، والخاقانَ للتُّرْك (٢). وقال أبو عُبيدة: كلُّ ملِكٍ لليمن يُسَمَّى تُبَّعًا؛ لأنَّه يَتْبَعُ صاحبَه، ومَوْضِعُ تُبَّعٍ في الجاهلية كمَوْضِعِ الخليفة في الإسلام (٣). وقال قُطْرُب: أهلُ اليَمَنِ يفتخرون بهذه الآية؛ إذ جعلَ قومَ تُبَّعٍ خيرًا مِن قُرَيشٍ. وقال ابن عباس ﵄: تُبَّعٌ لقَبٌ كفرعون وهامان، واسمه: أسعدُ بن مَلْكا كَرِب (٤).

стр. 6634

وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ تُبَّعًا كان رجلًا مِن حِمْيَرَ، سارَ بالجنود حتى حَيَّر الحِيرةَ (١)، ثم أتى سَمَرْقَنْدَ فبناها (٢). وكانت عائشة ﵂ تقول: لا تسبُّوا تُبَّعًا، فإنه كان رجلًا صالحًا (٣)، أسلَمَ، فخالَفوه، فأهلَكَهم اللَّه تعالى. قال كعب: ذمَّ اللَّهُ قومَه ولم يَذُمَّه (٤). وقال سعيد بن جُبير: إنَّ تُبَّعًا كسا الكعبةَ سبعةَ أثوابٍ، وهو أوَّلُ مَن كساها (٥).

стр. 6635

وذكَرَ محمد بن إسحاق له قصةً عجيبةً في هذا، ونحن كتَبْنا تمامَ القصة في بعض تصانيفِنا، وفيها: أنه مِن الخمسة الذين ملَكوا الدنيا كلَّها، وأنه خرجَ إلى مكَّةَ في مئةِ ألفٍ وثلاثةٍ وثلاثين ألفًا مِن الفُرْسان، ومئةِ ألفٍ وثلاثةَ عشرَ ألفًا مِن الرَّجَّالة، واجتمَعَ عنده أربعةُ آلافِ رجلٍ مِن الحكماء، وأتى يَثْرِبَ وهي يومئذ بُقْعةٌ فيها عينُ ماءٍ ليس بها بُنْيانٌ، وقعَدَ منهم أربعُ مئةِ حكيمٍ في هذا المكان، وقالوا: إنه مكانُ نبيِّ آخرِ الزمان، وإنه يخرُجُ عن قريب، فلا نبرَحُ منها إلى أنْ يخرُجَ فنلقاه، فبنى الملِكُ لهم أربعَ مئةِ دارٍ لسُكْناهم، وزوَّجَهم، وهيَّأَ أسبابَهم، وكتَبَ كتابًا وختَمَه بالذهب، وأمرَهم أنْ يُبَلِّغوه إلى رسول اللَّه ﷺ إذا خرَجَ، ذُكِرَ فيه: أنه آمنَ به، والتمَسَ فيه شفاعتَه له يوم القيامة، وكان مِن ذلك اليومِ إلى أنْ خرَجَ النبي ﵊ ألفُ سنةٍ، وبلَّغه كتابَه الأنصارُ، وهم مِن نوافل أولئك، فقال ﵊: "مرحبًا بالأخ الصالح" ثلاثَ مرَّاتٍ، وكانت دارُ أبي أيوب الأنصاريِّ ﵁ التي نزَلَ بها رسولُ اللَّه ﷺ مِن خِطَّة أولئك (١). * * * (٣٨ - ٣٩) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾: أي: عابِثين لغير شيء. ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: قيل: أي: بأمرٍ هو حَقٌّ. وقيل: أي: للحقِّ، وهو ما يتصرَّفُ في عباده، فهو حقٌّ.

стр. 6636

وقيل: أي: للعِبْرة. وقيل: أي: للأمر والنهي والترهيب والترغيب. وقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لا ينتفعون بعلومهم. وقيل: أي: لا يتأمَّلون فيَعْلَموا. وقيل: أكثرُهم مُقَلِّدون بغير علم، وأقلُّهم عالِمون مُعانِدون. * * * (٤٠ - ٤٢) - ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: إنَّ يومَ القيامة وقتُ جَمْعِ كلِّ هؤلاء للحِساب والجَزاء، وهو يومُ التَّمييز بين المُحْسِن والمُسِيء بالثواب والعقاب، ويومُ فَصْلِ القَضاءِ بينهم، ويومُ الفَصْلِ والتَّفْريق بين الوالد والولد (١) والزَّوج والأهل والمُتآلفين في الدنيا على اختلاف الصِّفات. وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾: أي: لا ينفَعُ قريبًا قريبٌ. والمولى: ابنُ العمِّ، والمولى: الوليُّ. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: أي: لا يُمْنَعون مِن عذاب اللَّه تعالى. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾: أي: إلَّا المؤمنون الذين ﵏، فإنهم يَشفعون للمُذنبين. وقيل: إلَّا مَن ﵀، فيُشفِّعُ فيه، و (إلَّا) بمعنى (لكنْ) على هذا القول.

стр. 6637

وقيل: هذا (١) مُنْقَطِعٌ عن الأول، ومعناه: لكنْ مَن ﵀، فإنه لا يَحتاجُ إلى قريب ينفَعُه، ولا إلى ناصر يمنَعُه. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: أي: المنيع (٢) فلا يُغالَبُ إذا أنزَلَ العذابَ بأعدائه، الرحيمُ فلا يَمْنَعُ رحمتَه مِن أوليائه. * * * (٤٣ - ٤٦) - ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾: أي: الكافرِ المُرْتَكِب للمَآثم. وقيل: نزلَتْ في أبي جهل لعنَه اللَّهُ (٣). وقيل: في الوليد بن المُغِيرة (٤). ﴿كَالْمُهْلِ﴾: هو ما يُذابُ بالنار؛ كالفضة والرَّصاص ونحوِهِما، وسُمِّيَ به لأنَّهُ يُمْهَلُ في النار حتى يذوبَ. وقال ابن عباس ﵄: هو دُرْدِيُّ الزَّيتِ (٥).

стр. 6638

وفي روايةٍ عنه، وهو قولُ ابن مسعود ﵁: ما أُذِيبَ بالنار كالفضة (١). وقولُه تعالى: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ بياء التذكير؛ صَرْفًا له إلى المُهْل، وقرأ الباقون بتاء التأنيث؛ ردًّا إلى الشجرة (٢). ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾: أي: الماءِ الحارِّ الذي انتهى حَرُّه. أي: الزَّقُّومُ يَغْلي في بطن الكافر غَلَيانَ الماءِ الحارِّ بالنار. * * * (٤٧) - ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿خُذُوهُ﴾: أي: يُقال للزَّبانية: خُذوه ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾: قيل: سُوقُوه وادْفَعُوه. وقال مقاتل: أوقِعوه على وجهه (٣). وقال القُتَبيُّ: أي: قُودُوه بالعُنْف (٤). قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وابنُ عامرٍ بضم التاء، وقرأ الباقون بكسرها، وهما لُغَتان (٥).

стр. 6639

والعَتْلُ: زَعْزَعَةُ البدنِ بالجَفاء والغِلْظة للإهانة. وقيل: هو الدَّفْعُ. وقيل: هو الجَرُّ. وقولُه تعالى: ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: أي: وسَطِها. * * * (٤٨ - ٤٩) - ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾: فالحَميمُ يأخذُ جميعَ خارجِ بدَنِه، والزَّقُّومُ جميعَ باطنِه. ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾: يقولون له: ذُقْ هذا العذابَ، فما دفَعَ العذابُ عنكَ عِزَّكَ في نفْسِكَ، وكرَمَكَ على قومكَ. وقيل: هو على القَلْب؛ أي: إنَّكَ أنتَ الذَّليلُ المُهانُ في الحقيقة، وإنْ كنتَ عزيزًا كريمًا عند نفْسِكَ، وهذا كقول قوم شُعَيبٍ لشُعَيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]؛ أي: السَّفِيهُ الغَوِيُّ. وقيل: معناه: إنَّكَ أنتَ المُتَعَزِّزُ المُتَكَرِّمُ. وقيل: يُقالُ هذا لأبي جهل لعنَه اللَّه، وكان قال في الدنيا: أنا أعَزُّ أهلِ هذا الوادي وأكرَمُهم (١). * * *

стр. 6640

(٥٠ - ٥١) - ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾: أي: تشُكُّون فيه. وقيل: أي: تُجادلون في دَفْعه. وقرأ الكسائيُّ: ﴿ذُقْ أنَّكَ﴾ بفتح الألف (١)؛ أي: بأنَّكَ، أو: لِأنَّكَ، ومعنى الكسرِ: فإنَّكَ. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ﴾: ذكَرَ حالَ المؤمنين بعد ذِكْرِ حالِ الكافرين؛ أي: إنَّ الذين اتَّقَوا الشركَ والمعاصيَ في مقام. قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: ﴿في مُقام﴾ بضم الميم؛ أي: مَوْضِعِ إقامةٍ، والباقون بالفتح؛ أي: في مكان (٢). ﴿أَمِينٍ﴾: ذي أَمْنٍ يَأمنون فيه الخوفَ والحُزْنَ والآفةَ والعِلَّةَ والمكارهَ. * * * (٥٢ - ٥٤) - ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾. ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: ترجمةٌ عن الأول؛ أي: بساتينِ نُزْهَةٍ، وعُيونٍ جاريةٍ. ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: مما رَقَّ مِن الدِّيباج وما غلُظَ منه ظِهارةً وبِطانةً (٣)، لُبْسًا وافتراشًا.

стр. 6641

﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: أي: مُتواجِهين في المجالس؛ كما قال: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وهو أتَمُّ للأُنْس. ﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كذا يكون أمْرُهم في الجنة. ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾: أي: نَقْرنُهم. ﴿بِحُورٍ﴾: جَمْعُ حَوْراء، وهي الشديدةُ سَوادِ العينِ والشَّديدةُ بياضِها. ﴿عِينٍ﴾: جَمْعُ عَيْناء، وهي الواسعةُ العَين. * * * (٥٥ - ٥٦) - ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾: أي: يتحَكَّمُون في الجنة. ﴿بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾: ويأمُرون بإِحْضارها. ﴿آمِنِينَ﴾: أي: مِن انقطاعها. وقيل: أي: مِن أنْ ينالَهم بأَكْلِها أذًى أو مكروهٌ. وقيل: ﴿آمِنِينَ﴾ مِن كل خَوْفٍ. وقيل: ﴿آمِنِينَ﴾ مِن عذاب أهل النار. وقولُه تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾: أي: في الجنة ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾: قيل: أي: سِوى المَوْتَةِ التي كانت في الدنيا عند انقضاءِ آجالِهم. قالَه الفراء. وقال: هو كقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٢٢] (١).

стр. 6642

وقيل: أي: بعد الموتةِ الأولى في الدنيا. وقيل: أي: لكنِ الموتةَ الأولى قد ذاقُوها. ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾: أي: حَفِظَهم عما فيه أهلُ النار مِن العذاب. * * * (٥٧ - ٥٩) - ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾. ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: تَفَضُّلًا عليهم مِن غير استحقاقٍ لأحدٍ، فإنَّ العبدَ لا يستحِقُّ على اللَّه شيئًا. ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أي: الظَّفَرُ العظيمُ بكل محبوبٍ، والخَلاصُ العظيمُ مِن كل مكروهٍ. وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾: أي: يَسَّرْناهُ على لسانك، فتقرَؤُه مِن غير كتابةٍ ولا نظَرٍ في مكتوبٍ. وقيل: أي: أنزَلْناهُ مُيَسَّرًا بلسانكَ ولسانِ قومكَ، وهو العربيَّةُ. وقولُه تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: لِيَتَذَكَّروا ويَتَّعِظوا به ويفهموا معانِيَه. و ﴿يَسَّرْنَاهُ﴾: ترجِعُ الكِنايةُ فيه إلى الكتاب المذكور في أول السورة. ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾: أي: فانتظِرْ ما وعَدْناكَ مِن النَّصْرِ والظَّفَرِ والعُلُوِّ في الدنيا والآخرة، فإنهم مُنْتَظِرون ما أَوْعَدْناهم به مِن العذاب في الدنيا والآخرة؛ أي: صائرون إلى ذلك وإنْ لم يعتقِدوه فيَنتظِروه.

стр. 6643

وقيل: فارتقِبْ ما يُؤتيكَ اللَّهُ مِن الظَّفَر والنَّصْر، فإنهم يرتقبون بكَ دوائرَ الدَّهرِ، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]. وقيل: فارتقِبْ يومَ الفَصْلِ، فإنَّكَ ستَصِلُ فيه إلى ما وعدتُكَ مِن الفَضْل، إنهم مُرْتَقِبون ذلك لأنفسهم، فيقولون: لو صِرْنا إلى الآخرة لكان لنا ذلك، قال تعالى خبَرًا عن ذلك الكافر: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، فسترى كيف يتحقَّقُ أمَلُكَ وتَخِيبُ آمالُهم. وقيل: نزلَتْ في مُشْركي مكةَ، ومعناه: فانتظِرْ هلاكَهم يومَ بدرٍ، فإنهم مُنْتَظِرون موتَكَ. وقيل: نُسِخَتِ الآيةُ بآية القتال. * * *

стр. 6644

سورة الجاثية

стр. 6645

سورة الجاثية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باسمِ اللَّه العزيز الحكيم، الرَّحمنِ الذي رزَقَنا طيِّباتِ النَّعيم، الرَّحيمِ الذي بشَّرَنا بالنَّعيم المُقيم. وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ ﴿حم﴾ الجاثية سكَّنَ اللَّهُ رَوْعَه، وسترَ عَوْرَتَه عند الحساب" (١). وهي مَكِّيَّةٌ، وآياتُها سبعٌ وثلاثون. وقيل: ستٌّ وثلاثون. وكلماتُها: أربعُ مئةٍ وثمانٍ وثمانون. وحروفُها: ألفان واثنان وثلاثون. وانتظامُ افتتاحِ هذه باختتام تلك: أنهما في ذِكْرِ القرآن. وانتظامُ السورتين: أنهما في ذِكْرِ أهل الكفر وأهل الإيمان. * * * (١ - ٢) - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. قولُه تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: ﴿حم﴾: مرَّ تفسيرُه. و ﴿تَنْزِيلُ﴾: مُبتدأٌ، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: خبَرُه.

стр. 6646

﴿الْعَزِيزِ﴾: المنيعِ بجلاله ﴿الْحَكِيمِ﴾: المُصيبِ في أقواله وأفعاله. ويجوز أنْ يكون تقديرُه: تنزيلُ الكتابِ العزيزِ الحكيمِ مِن اللَّه، فيكونان صِفَتَينِ للكتاب. ومعنى ﴿الْعَزِيزِ﴾: ما مرَّ في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، و ﴿الْحَكِيمِ﴾: هو المُحْكِمُ، أو الحاكِمُ، أو ذو الحِكْمة. * * * (٣ - ٥) - ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿آياتٍ﴾ بالكسر في الجميع على أنها كلَّها عمِلَتْ فيها كلمةُ ﴿إِنَّ﴾، وقرأ الباقون بالرفع في الثاني والثالث (١) على أنه خبَرُ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يَبُثُّ﴾؛ أي: وفيما يبُثُّ؛ أي: يُفَرِّقُ وينشُرُ في الأرض. وقولُه تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي: وفي اختلافِ الليل والنهار. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: أي: وفي تصريف الرياح، وهو تَقْلِيبُها شمالًا وجنوبًا وصَبًا ودَبُورًا. ومعنى الآيات: أنَّ مَن تدبَّرَ خَلْقَ السماوات والأرض في عِظَمِ خَلْقِهما وما

стр. 6647

فيهما مِن العَجائب، وتدبَّرَ خَلْقَ نفْسِه وخَلْقَ غيرِه في تعاقُبِ الأحوال (١) المُتضادَّة عليه مِن حين ابتدائِه في بطن أُمِّه إلى انفصالِه منه إلى بلوغه ما بلَغَه (٢)، وتدبَّرَ ما بثَّ في الأرض (٣) مِن أصنافِ الدَّوابِّ في كل الأوقات على اختلافها في هَيْئاتها وتركيباتها، وما في كلِّ واحدٍ منها مِن المضارِّ والمنافع، وتدبَّرَ اختلافَ الليلِ والنهارِ، وتناوُبَهما على المقادير المُتَّفقة في الأزمنة، وما اقترن بهما مِن مصالح المعاش وأسباب الحياة بهما، وتدبَّرَ ما أنزلَ اللَّهُ مِن السماء مِن المطر الذي جعلَه سببًا لأرزاقِ العِباد، فأحيا به الأرضَ بعد موتها بأنْ أخرَجَ منها أصنافَ النَّباتِ بعد أنْ كانت كالميتةِ الهامِدة لا نباتَ فيها ولا حَراكَ، وتدبَّرَ تصريفَ الرياحِ في الجهات لاقِحًا وعَقيمًا، وما يوجدُ فيها مِن رحمةٍ وعذابٍ، علِمَ بعَقْلِه أنها مَرْبُوبَة مُدَبَّرَةٌ مُسَخَّرَةٌ مُصرَّفة، وأنَّ لها رَبًّا مُدَبِّرًا مُسَخِّرًا مُصرِّفًا لا يُشْبِهُها، مُنَزَّهًا عن صفاتها، وما بها مِن سِمات الحدَثِ وعلاماتِ النَّقْصِ والذُّلِّ والفَقْرِ والحاجةِ إلى مَن يُقِيمُها، واحدًا لا يجوزُ أنْ يكون له شريكٌ في سُلْطانه، أو نَظيرٌ في أوصافِه يُعارِضُه في الرُّبوبِيَّة، أو يُنازِعُه في الألوهيَّة، وأنَّه لم يخلُقْ للخَلْقِ أسبابَ معاشِهم مِن الأَقْوات التي أخرَجَها لهم مِن الأرض بالأمطار التي أنزَلَها، والرِّياحِ التي أَهَبَّها، والشمسِ والقمرِ اللَّذَينِ سخَّرَهما للطُّلوع والغُروب، ولم يجعلْ فيما بثَّ في الأرض مِن الدَّوابِّ مُؤْلِمًا ضارًّا أو مُلِذًّا نافعًا إلَّا لِيَسْتَعْمِرَهم في الأرض لِضُروبٍ مِن الحِكْمة التي تفرَّدَ بها، ولِيُمَيِّزوا بين المُلِذِّ والمُؤْلِم، ويتحقَّقوا الوَعْدَ والوَعيدَ، وذلك لا يكونُ إلَّا بالطاعة والمعصية والإحسان والإساءة، على ما حكَمَ به سبحانه

стр. 6648

مِن التَّمييز بين المُحِقِّ والمُبْطِل والمُسِيء والمُحْسِن، ولن يكونَ هذا إلَّا مُتَعَلِّقًا بالأمر والنهي، وفي هذا وجوبُ مجيءِ الأنبياءِ، وفي عدمِ تحقيقِ الوَعْدِ والوعيدِ في الدنيا في كثيرٍ مِن الناس ما يَقتضي دارًا غيرَ دارِ الأمرِ والنهيِ تَحْقيقًا للوعد والوعيد، فمتى تدبَّرَ العبدُ في ذلك ووفَّاه حَقَّه (١) رقَّاهُ إلى الدرجةِ التي صحَّ له القولُ بالحقِّ، ووضَحَ له بُطْلانُ الشركِ، وباللَّه المَعونَةُ. وأبانَ بما قال: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، و ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، و ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ هذه الآياتِ إنما تُدْرَكُ بهذه الثلاثة: فالإيمانُ: هو التَّصديقُ بالغَيبِ الذي معناه راجعٌ إلى ما تقومُ عليه أدلَّةُ العُقولِ. والإيقانُ: هو زوالُ الشَّكِّ فيما يشهدُ له دلائلُ العقلِ. والذين يعقلون: هم الذين يستعملون عقولَهم في تدبُّر ما يُدْعَون إليه مِن الحقِّ. وفيه تنبيهٌ أنَّ الإيمانَ لا يتِمُّ إلا بالإيقان، والإيقانَ لا يحصُلُ للعبد إلا بتأمُّلِ دلائل العقل. * * * (٦ - ٧) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: أي: هذه الآياتُ هي آياتُ اللَّهِ ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: أي: نُوحِيها إليكَ. وقيل: أي: يَتْلوها عليكَ جبريلُ بأمرِنا. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾: قرأ ابنُ عامرٍ وحمزةُ والكسائيُّ

стр. 6649

وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ بتاء المُخاطبة (١)، والباقون بياء المُغايبة (٢). قال مُقاتلٌ: أي: إنْ لم تُؤمنوا بهذا القرآن، فبأيِّ حديثٍ (٣) بعدَ توحيدِ اللَّه تعالى وبعدَ القرآنِ تُصَدِّقون. وقولُه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: أي: وعيدٌ بشِدَّةِ عذابٍ لكلِّ كذَّابٍ مُرْتَكِبٍ للمآثِم. * * * (٨) - ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾: أي: يسمَعُ القرآنَ يُقْرأُ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾؛ أي: يدومُ على جَهْلِه وضَلالِه مُتَعَظِّمًا عن الانقياد لِمَن جاءَ بها؛ بسبَبِ أموالِه وأتباعِه. ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾: أي: الآياتِ. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي: فأَخْبِرْه بأنَّ له عذابًا وَجيعًا في الدنيا والآخرة. * * * (٩) - ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾: أي: وإذا سمِعَ مِن آياتِ القرآن شيئًا فعَلِمَه وحَفِظَه سخِرَ منه، وصوَّرَ ذلك عند أتباعه بصُورة الباطل، وهو كفِعْلِ أبي جهل -لعنَه اللَّهُ- حيث سمِعَ الوعيدَ بالزَّقُّوم، أمَرَ جاريةً له فقدَّمَتْ رُطَبًا وزُبدًا، وقال لأصحابه: هذا الذي نعرِفُه زقُّومًا، ويُخَوِّفُنا محمدٌ به، فكُلُوه (٤).

стр. 6650

وكما قال النَّضْرُ بن الحارث حين سمِعَ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]: أنا أكفيكُمُ العشرةَ، فاكْفُوني التِّسعةَ (١). وقولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: بدأَ بالواحد وختَمَ بالجَمْع؛ لأنه قال: ﴿لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، وهي كلمةُ عُمومٍ، وقال: ﴿شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾، ولم يقل: اتَّخَذَه، لوجوه: أحدُها: أنَّ ذلك الشيءَ آيةٌ. والثاني: أنَّ الهُزْءَ بشيء منه هُزْءٌ بالجميع. والثالثُ: أنَّه كان إذا وجَدَ شُبْهةً في شيء جعلَه وسيلةً إلى الهُزْء بكل الآيات، ويقول: إذا ثبَتَ لكم بُطْلانُ هذا ثبَتَ بُطْلانُ الكلِّ. وقيل: نزلَتِ الآيةُ في النَّضْر بن الحارث، وكان يُعارِضُ آياتِ القرآن بأحاديثِ مُلوكِ الفُرْسِ (٢). * * * (١٠) - ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّم﴾: أي: أمامِهم، والاسمُ للخَلْفِ والقُدَّام جميعًا؛ لأنه اسمٌ لِمَا وراءَكَ، وهو يَشْمَلُهما.

стр. 6651

﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾: أي: ولا ينفعُهم ما كسَبوا في الدنيا مِن مالٍ وولدٍ. ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾: أي: ولا ما عبَدوه في الدنيا مِن الأصنام ووالَوْها ورجَوا نُصْرَتَها مِن دون اللَّه. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: في جهنم. * * * (١١) - ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿هَذَا هُدًى﴾: أي: هذا القرآنُ إرشادلكم (١) إلى الحقِّ. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: أي: جحَدوها. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع؛ نَعْتًا لقوله: ﴿عَذَابٌ﴾، وقرأ الباقون خَفْضًا، نَعْتًا لقوله: ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ (٢). والرِّجزُ: المكروهُ المُؤذِي الشَّاقُّ. * * * (١٢ - ١٣) - ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ﴿سَخَّرَ﴾: أي: ذلَّلَ، ﴿والْفُلْكُ﴾: السَّفينةُ، وقد يكون جَمعًا، ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بتَسْخِيره، و ﴿فَضْلِهِ﴾: رزقِه. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: لِتَشكروا؛ أي: يلزَمُكم شُكْرُه.

стр. 6652

وقولُه تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: مِن الشمس والقمر والنُّجوم والجبال والنبات والبهائم؛ أي: ذلك كلُّه لِمَنافعِكم. وقولُه تعالى: ﴿مِنْهُ﴾: أي: كلُّ ذلك مِن عند اللَّه (١) وبأمره، لا يَقْدِرُ عليه غيرُه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: لَعلاماتٍ دالَّةٍ على قُدْرَتِه لِمَن تدبَّرَ فيها. وحُكِيَ عن عليِّ بن الحُسينِ بن واقدٍ المَرْوَزِيِّ (٢) أنَّه حضرَ مَجْلِسَ الرَّشيد، وكان نصرانيٌّ يحتَجُّ بقول اللَّه تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] أنَّ عيسى ولَدُ اللَّهِ؛ لأنَّ (مِن) دِلالةُ البَعْضِيَّة، فألزمَه عليُّ بن الحُسين بن واقدٍ بهذه الآية، وقال: إنْ كان جَميعُ ما في السماوات وما في الأرض أَبْعاضًا للَّه بهذه الكلمة صحَّ قولُه: عيسى ولَدُ اللَّهِ، بهذه الكلمة (٣)، وإلَّا فلا، فانقطَعَ (٤). * * * (١٤) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وابنُ عامرٍ: ﴿لِنَجْزِيَ﴾ بالنون، وقرأ الباقون بالياء (٥)؛ أي: لِيَجْزِيَ اللَّهُ.

стр. 6653

أي: قل يا محمد للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار الذين لا يخافون وقائِعَ اللَّهِ تعالى بأعدائه. وقيل: لا يأمُلون نُصْرةَ اللَّهِ لأوليائه. وقيل: أي: لا يخافون عذابَ الآخرةِ. وقيل: لا يأمُلون ثوابَها. فلا يتعرَّضون لهم، ولا يُجاهِدوهم، ويَكِلُوهم إلى جزاء اللَّه؛ لِيَجْزِيَ قومًا بما كانوا يكسبون؛ وذلك قولُه تعالى: * * * (١٥) - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾: يعني: فله نَفْعُه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾: أي: فعليه ضُرُّه (١). ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾: أي: إلى جزائه، ونُسِخَ هذا بآية الأمرِ بالقتال. وقال: ﴿لِيجزِىَ قَومَا﴾: ولم يقُلْ: (القومَ)؛ لأنه أرادَ كلَّ قومٍ مِن الفريقين. وقيل: قد علِمَ أنَّ بعضَ هؤلاء يُسْلِمُ، فكان الوعيدُ لقومٍ بقُوا منهم على الكفر وهم مُنْكِرون. وقيل: أرادَ به ثوابَ مَن غفَرَ لهم، وذلك بعضُهم. وقد قال بعضُ المفسِّرين: إنَّ الآيةَ في أمرٍ كان بين عمرَ بن الخطاب ﵁ وبين المشركين (٢).

стр. 6654

قال سعيد بن المسيب ﵀: كنا بين يدي عمرَ بن الخطاب، فقرأ قارئٌ هذه الآيةَ، فقال عمرُ: لِيَجْزِيَ عمرَ بما صنَعَ (١). وقال محمد بن كعب والسُّدِّي: نزلَتِ الآيةُ في ناسٍ مِن أصحاب رسول اللَّه ﷺ مِن أهل مكة، وكانوا في أذًى شديدٍ مِن المشركين قبل أنْ يُؤمَروا بالقتال، فشَكَوا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية. وقالا في معنى قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: يعني: لا يخافون العذابَ الذي أنزلَه اللَّهُ بقوم نوح وعاد وثمود، ثم أذِنَ اللَّهُ في قتالهم، ونُسِخَتِ الآيةُ (٢). * * * (١٦) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾: وهذه تسليةٌ للنبي في تكذيب قومِه إياه مع وُفُورِ البيان، وتمثيلٌ لأمره بما قد كان، يقول: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراةَ والإنجيلَ، و ﴿الْكِتَابَ﴾ اسمُ جنسٍ، فصلَحَ لهما ولكلِّ كتاب أُنْزِلَ على رسولٍ. أي: أعطينا ذلك أنبياءَهم المبعوثين منهم، وذلك إعطاءٌ لهم. ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾: أي: وأعطيناهم الحُكْمَ على الناس والقضاءَ بينهم والنبوةَ؛ لِمَا جعلنا فيهم مِن الأنبياء مِن حين يوسف إلى عيسى ﵈.

стр. 6655

﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: المَنِّ والسَّلْوى في التِّيهِ، والأقوات والأطعمةِ والثِّمارِ التي كانت في بلاد الشام. ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: عالَمِي زمانِهم؛ إذ كانوا حُكَّامًا ومُلوكًا عليهم، والرُّجوعُ إليهم في عِلْمِ الأديان. * * * (١٧) - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: أي: شرائعَ واضحاتٍ مِن أمر الدِّين، وأيضًا حُجَجًا لائحةً مما (١) هو مِن أمرنا الذي لا يَقْدِرُ عليه غيرُنا، وهي مُعْجزاتُ موسى وعيسى. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: أي: فلم يختلِفْ بنو إسرائيلَ إلا مِن بعد ما جاءهم البَيانُ التَّامُّ، ولكنهم تباغَوا بينَهم؛ أي: طلَبَ بعضُهم الفَضلَ على بعضٍ والرِّياسةَ، وأنْ يكونَ كلُّ عالمٍ هو الرئيسَ المتبوعَ حسَدًا واتِّباعًا للهوى، فصاروا إلى التَّعادي والتَّحارُبِ وقَتْلِ الأنبياءِ، وكذا المشركون مِن قومك يا محمد. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: في الفَصْل بين المُحِقِّ والمُبْطِل، فيَفْضَحُ المُبْطِلين، ويُكْرِمُ المُحِقِّين. * * * (١٨ - ١٩) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا
следующие страницы →