وقولُه تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: مِن الشمس والقمر والنُّجوم والجبال والنبات والبهائم؛ أي: ذلك كلُّه لِمَنافعِكم.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْهُ﴾: أي: كلُّ ذلك مِن عند اللَّه (١) وبأمره، لا يَقْدِرُ عليه غيرُه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: لَعلاماتٍ دالَّةٍ على قُدْرَتِه لِمَن تدبَّرَ فيها.
وحُكِيَ عن عليِّ بن الحُسينِ بن واقدٍ المَرْوَزِيِّ (٢) أنَّه حضرَ مَجْلِسَ الرَّشيد، وكان نصرانيٌّ يحتَجُّ بقول اللَّه تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] أنَّ عيسى ولَدُ اللَّهِ؛ لأنَّ (مِن) دِلالةُ البَعْضِيَّة، فألزمَه عليُّ بن الحُسين بن واقدٍ بهذه الآية، وقال: إنْ كان جَميعُ ما في السماوات وما في الأرض أَبْعاضًا للَّه بهذه الكلمة صحَّ قولُه: عيسى ولَدُ اللَّهِ، بهذه الكلمة (٣)، وإلَّا فلا، فانقطَعَ (٤).
* * *
(١٤) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وابنُ عامرٍ: ﴿لِنَجْزِيَ﴾ بالنون، وقرأ الباقون بالياء (٥)؛ أي: لِيَجْزِيَ اللَّهُ.
стр. 6653
أي: قل يا محمد للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار الذين لا يخافون وقائِعَ اللَّهِ تعالى بأعدائه.
وقيل: لا يأمُلون نُصْرةَ اللَّهِ لأوليائه.
وقيل: أي: لا يخافون عذابَ الآخرةِ.
وقيل: لا يأمُلون ثوابَها.
فلا يتعرَّضون لهم، ولا يُجاهِدوهم، ويَكِلُوهم إلى جزاء اللَّه؛ لِيَجْزِيَ قومًا بما كانوا يكسبون؛ وذلك قولُه تعالى:
* * *
(١٥) - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾: يعني: فله نَفْعُه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾: أي: فعليه ضُرُّه (١).
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾: أي: إلى جزائه، ونُسِخَ هذا بآية الأمرِ بالقتال.
وقال: ﴿لِيجزِىَ قَومَا﴾: ولم يقُلْ: (القومَ)؛ لأنه أرادَ كلَّ قومٍ مِن الفريقين.
وقيل: قد علِمَ أنَّ بعضَ هؤلاء يُسْلِمُ، فكان الوعيدُ لقومٍ بقُوا منهم على الكفر وهم مُنْكِرون.
وقيل: أرادَ به ثوابَ مَن غفَرَ لهم، وذلك بعضُهم.
وقد قال بعضُ المفسِّرين: إنَّ الآيةَ في أمرٍ كان بين عمرَ بن الخطاب ﵁ وبين المشركين (٢).
стр. 6654
قال سعيد بن المسيب ﵀: كنا بين يدي عمرَ بن الخطاب، فقرأ قارئٌ هذه الآيةَ، فقال عمرُ: لِيَجْزِيَ عمرَ بما صنَعَ (١).
وقال محمد بن كعب والسُّدِّي: نزلَتِ الآيةُ في ناسٍ مِن أصحاب رسول اللَّه ﷺ مِن أهل مكة، وكانوا في أذًى شديدٍ مِن المشركين قبل أنْ يُؤمَروا بالقتال، فشَكَوا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية.
وقالا في معنى قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: يعني: لا يخافون العذابَ الذي أنزلَه اللَّهُ بقوم نوح وعاد وثمود، ثم أذِنَ اللَّهُ في قتالهم، ونُسِخَتِ الآيةُ (٢).
* * *
(١٦) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾: وهذه تسليةٌ للنبي في تكذيب قومِه إياه مع وُفُورِ البيان، وتمثيلٌ لأمره بما قد كان، يقول: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراةَ والإنجيلَ، و ﴿الْكِتَابَ﴾ اسمُ جنسٍ، فصلَحَ لهما ولكلِّ كتاب أُنْزِلَ على رسولٍ.
أي: أعطينا ذلك أنبياءَهم المبعوثين منهم، وذلك إعطاءٌ لهم.
﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾: أي: وأعطيناهم الحُكْمَ على الناس والقضاءَ بينهم والنبوةَ؛ لِمَا جعلنا فيهم مِن الأنبياء مِن حين يوسف إلى عيسى ﵈.
стр. 6655
﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: المَنِّ والسَّلْوى في التِّيهِ، والأقوات والأطعمةِ والثِّمارِ التي كانت في بلاد الشام.
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: عالَمِي زمانِهم؛ إذ كانوا حُكَّامًا ومُلوكًا عليهم، والرُّجوعُ إليهم في عِلْمِ الأديان.
* * *
(١٧) - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: أي: شرائعَ واضحاتٍ مِن أمر الدِّين، وأيضًا حُجَجًا لائحةً مما (١) هو مِن أمرنا الذي لا يَقْدِرُ عليه غيرُنا، وهي مُعْجزاتُ موسى وعيسى.
﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: أي: فلم يختلِفْ بنو إسرائيلَ إلا مِن بعد ما جاءهم البَيانُ التَّامُّ، ولكنهم تباغَوا بينَهم؛ أي: طلَبَ بعضُهم الفَضلَ على بعضٍ والرِّياسةَ، وأنْ يكونَ كلُّ عالمٍ هو الرئيسَ المتبوعَ حسَدًا واتِّباعًا للهوى، فصاروا إلى التَّعادي والتَّحارُبِ وقَتْلِ الأنبياءِ، وكذا المشركون مِن قومك يا محمد.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: في الفَصْل بين المُحِقِّ والمُبْطِل، فيَفْضَحُ المُبْطِلين، ويُكْرِمُ المُحِقِّين.
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا
стр. 6656
يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: أي: على مِنْهاجٍ واضحٍ مِن أمر الدِّين (١) بعد بني إسرائيل.
﴿فَاتَّبِعْهَا﴾: أي: هذه الشريعةَ ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: المشركين وأهلِ الكتابِ.
﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: لا ينفعونكَ ولا يَدْفعون عذابَ اللَّهِ عنكَ.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: يتوالَون على مُعاداتكَ، ويتعاونون على الباطل.
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: مُحِبُّ مَن اتَّقى الشركَ والمعاصيَ وناصرُه ومُتولي كفايتِه، وهو أنتَ ومَن اتَّبعكَ.
قال ابن عباس ﵄: إنَّ كفارَ قريشٍ سألوا النبي ﷺ أنْ يرجِعَ إلى دين آبائه، فنزلت هذه الآيةُ (٢).
* * *
(٢٠ - ٢١) - ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾: أي: هذا القرآنُ دلائلُ للناس في أمور دينهم، يُبْصِرون بها مواضعَ رُشْدِهم.
стр. 6657
﴿وَهُدًى﴾: أي: رُشْدٌ وطريقٌ مُؤَدٍّ إلى اللَّه لِمَن سلَكَه.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾: أي: نِعْمةٌ مِن اللَّه عليهم.
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: للسَّامعين الذين يَنْفُون (١) الشُّكوكَ ووساوسَ الشيطانِ عن أنفسهم.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾: قيل: (أم) كلمةٌ بمعنى ألف الاستفهام؛ أي: أَظَنَّ الذين اكتَسَبوا المعاصي، وارتَكَبوا المآثِمَ، وأشركوا باللَّه، وكذَّبوا أنبياءَ اللَّهِ، وجحَدوا آياتَ اللَّهِ: ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أي: الحسناتِ والطاعاتِ.
﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾: قرأ حمزةُ والكسانيُّ وعاصمٌ في روايةِ حفصٍ: ﴿سَوَاءً﴾ بالنَّصْب؛ لِوُقوع الجَعْلِ عليه، ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ رفعٌ بالفعل المدلول في قوله: ﴿سَوَاءً﴾؛ لأنَّ تقديرَه: مُسْتَوِيًا، ونظيرُه: رأيتُ رجلًا حسنًا وجهُه.
وقرأ الباقون: ﴿سواءٌ﴾ بالرَّفْع على الابتداء، و ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ خبرُه (٢)؛ أي: نجعَلَهم يستوي مَحْياهم ومماتُهم.
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: بئس الحُكْمُ هذا الحُكْمُ منهم، وهذا استفهامٌ بمعنى النفي؛ كقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨].
وقيل: هو في ردِّ مَن قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، ومَن قال: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] الآيات، ونظائرها.
والتَّفْرقةُ بينهم في المَحْيا والممات: أنَّ هؤلاء لهمُ النَّصْرُ، وهؤلاء لهمُ القَهْرُ،
стр. 6658
وهؤلاء في الآخرة لهمُ الثَّوابُ، وهؤلاء لهم العِقابُ، وعند الموت: هؤلاء ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وهؤلاء ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [النحل: ٢٨].
وقيل في أوَّلِ هذه الآية: إنَّ (أمْ) للعطف على ألف الاستفهام، وتقديرُه هاهنا: واللَّه وليُّ المتقين، أفيعلَمُ المشركون هذا، أم يحسَبون أنَّا نتولَّاهم كما نتولَّى المتقين فنُسَوِّيَ بين الفريقين في المَحْيا والممات، فنُؤْتيَ المُسيءَ في الآخرة مِن نعيمها كما نُؤتيه في الدنيا مِن نعيمها؟!
ولن نفعلَ ذلك، بل نخُصُّ المُحْسِنَ بنعيم الآخرة وإنْ عمَمْنا الفريقين بنعيم الدنيا، وهو كقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
* * *
(٢٢) - ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أي: بالأمرِ الحقِّ، وله وُجوهٌ أُخَرُ مرَّ ذِكْرُها مرَّاتٍ.
﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: أي: مِن خير وشر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
* * *
(٢٣) - ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
ثمَّ آيَسَ رسولَ اللَّه ﷺ عن إيمانِ مَن عَلِمَ منهم أنهم لا يؤمنون، فقال:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ
стр. 6659
غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: يقول: أفرأيتَ -يا محمد- هؤلاء المشركين الذين اتخذوا أهواءَهم (١) آلهةً يعبُدونها ويُطيعون أمرَها، ولا يتَّبِعون كتابَ اللَّه، قد أضلَّهم اللَّهُ وخذلَهم على عِلْم؛ أي: قد علِمَ أنهم يَختارون الضَّلالةَ، وطبَعَ على قلبه، فلا يعتقِدُ حقًّا، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾، فلا يقبَلُ وَعْظًا ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ فلا يُبْصِرُ عِبْرةً.
﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ﴾: استفهام بمعنى النفي ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾ قيل: مِن بعد إضلالِ اللَّه.
وقيل: ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾: أي: سوى اللَّهِ.
﴿أفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: بعُقولكم ذلك.
وروى أبو أمامة الباهليُّ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما عُبِدَ إلهٌ تحت ظلِّ السماء أبغضُ إلى اللَّه مِن هوًى" (٢).
وقيل في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾: كانوا في الجاهلية يعبُدون ما يَسْتَحْسِنُونه، فإذا استحسَنوا غيرَه ترَكوا الأولَ وعبَدوا الثاني، فإنما كان يعبُدُ ما يَهْواه.
وعلى هذا يكون الهوى مصدرٌ بمعنى المفعول؛ أي: يجعلُ إلهَه (٣) مَهْوِيَّه؛ كقولك: فلانٌ رجائي؛ أي: مَرْجُوِّي، وهذا شَهْوَتي؛ أي: مُشْتَهَاي.
стр. 6660
وقال الكلبي: نزلَ قولُه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ في عليٍّ وحمزةَ وعُبيدةَ بن الحارث ﵃، وفي عُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوليدِ بنِ عُتْبَةَ لعنهم اللَّه، وهُمُ ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾، قالوا للمؤمنين: ما أنتم على شيء، وإن كان ما تقولون حقًّا لَنُفَضَّلَنَّ عليكم في الآخرة كما فُضِّلْنا عليكم في الدنيا، فنزلت الآيةُ (١).
وقيل: إنَّ أبا لهبٍ لعنه اللَّه قال: لئن كان ما يقولُ ابنُ أخي حقًّا لَأُوتَيَنَّ في الآخرة مالًا وولدًا، فأفتدي نفسي بمالي وولدي، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (٢)؛ يعني: ولدَه.
وقال السُّدِّي: إنَّ كفارَ بني عبد شمسٍ قالوا لبني هاشم وبني عبد المطلب: إنْ كان الأمر كما تقولون فإنَّا لا نَنْحَطُّ (٣) عنكم في الآخرة عند الدرجات، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيات (٤).
* * *
(٢٤) - ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾: أي: قالوا بأهوائهم التي عبَدوها وأطاعوها: ليس ما يقولُه المؤمنون مِن الإحياء بعد الموت حقًّا، وما الحياةُ
стр. 6661
إلا حياتُنا القُرْبى؛ أي: هذه التي نحن عليها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾؛ أي: يموتُ بعضُنا ويحيَى بعضُنا، ثم يموتُ أولئك ويحيى آخرون على ما هو موجود في المُشاهدة، لا يتغيَّرُ الأمرُ عن ذلك، ولا تنقضي الدنيا، ولا تَفْنى ولا يحيَى مَن مات.
﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾: أي: وما يُهْلِكُ الناسَ إِلَّا طولُ العمُرِ وكَرُّ الدَّهْرِ، فذلك هو الذي يُفْنِينا، دون مَن تَذْكُرونه مِن اللَّه الذي يُحيي ويُميت.
وهذا جُحودٌ للصانع، وأهلُ الجاهليَّةِ كانوا أصنافًا: منهم هؤلاء، ومنهم مَن يُثْبِتُ الصَّانِعَ ويُنْكِرُ البعثَ والثَّوابَ والعقابَ، ومنهم مَن يشُكُّ في البعث ولا يقولُ بالإنكار قَطْعًا.
وقيل: ﴿نَمُوتُ وَنَحيَا﴾؛ أي: نموتُ بأنفُسِنا، ونحيى بأخلافنا (١) وآثارنا، فتأخيرُ ذِكْرِ الحياة عن ذِكْر الممات لهذا: أنه الحياةُ معنًى بعد الموت حقيقةً ببقاء (٢) الذِّكْر، يقولون: لا حياةَ بعد الموتِ إلا هذا.
وقيل: أرادوا نحيى ونموتُ إذا انتهَتْ أعمارُنا، والواوُ للجَمْعِ لا للتَّرْتيب.
وقيل: القائلون بهذا كانوا قائِلين بالتَّناسُخِ، وأرادوا: يموت الرجل منَّا، فتُجْعَلُ روحُه في مَواتٍ فيحيَى.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: أي: هو قولٌ يقولونه بأهوائهم ظنًّا لا عِلْمًا.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 6662
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: وإذا تُقْرَأُ على هؤلاء آياتُ اللَّهِ (١) التي فيها ذِكْرُ البَعْثِ وإقامةُ الحُجَّةِ عليهم (٢).
﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: لم يكن لهم حُجَّةٌ في دَفْعِها إلا قولُهم: عَجِّلوا لنا هذا البعثَ، وأقيموا الساعةَ الآنَ، وهذا غَيٌّ وجَهْلٌ، لِمَا مرَّ في سورة الدُّخان.
وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾: أي: في الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: عند انتهاء أعمارَكم.
﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: أي: يَبْعَثُكم يومَ القيامة جميعًا، ولا شكَّ فيه.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لا يتأمَّلون في الدَّلائل فيعلَموا.
* * *
(٢٧) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فلا يُعْجِزُه شيءٌ مِن البعثِ وغيرِه.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾: أي: يَهْلِكُ.
وقيل: أي: يَظْهَرُ له ضَياعُ سَعْيِه في عبادةِ غيرِ اللَّه، ويَظهَرُ له أنَّا لم نُسَوِّ بينهم محياهم ومماتهم.
* * *
(٢٨) - ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَتَرَى﴾: يا محمد ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾: مِن الأُمَم.
﴿جَاثِيَةً﴾: قيل: مُجْتَمِعةً، كلُّ أُمَّةٍ لا تختلِطُ بأُمَّةٍ أخرى.
стр. 6663
والجُثْوَةُ: الشَّيءُ المجتمِعُ، وعلى هذا قيل في قوله: ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨]؛ أي: مُجْتَمِعين.
وقيل: جاثيةً (١) على الرُّكَبِ للحساب والسؤال؛ كما يكون للخُصوم في الدنيا.
﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾: قيل: إلى الكتابِ المُنزَلِ على نبيِّها: هل عَمِلَ به أو خالفَه؟
والأظهرُ: إلى كتابِ عمَلِه الذي كتبَتْهُ الحفَظةُ؛ كما قال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].
﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: في الدنيا، ويَظْهَرُ مكْتوبًا في كتابكم.
* * *
(٢٩) - ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾: أي هذا الكتاب الذي كُتِبَ عليكم بأمرنا يُبَيِّنُ ما عَمِلْتُم.
والنُّطْقُ مَجازٌ؛ كما قال: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥].
وأضافَ الكتابَ إلى العبد في قوله: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ لأنَّه عمَلُه (٢)، وأضافَه إلى نفْسِه في قوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا﴾ لأنه بأمره.
﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾: أي: نأمُرُ الحفَظَةَ بالنَّسْخِ، وسينُ الاستفعالِ قد تكونُ للطَّلَب والسؤال.
стр. 6664
وقيل: أي: ننسخ، وهو كقولهم: (عَجِلَ واستعجلَ)، و (نَكِرَ واستنكرَ)؛ أي: تنسَخُ ملائكتُنا بأمرنا، وفِعْلُ المأمورِ يُضافُ إلى الآمرِ.
وقولُه تعالى: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ونَسْخُ ذلك كتابتُه وإثباتُه، وأصلُه وإنْ كان للنَّقْل عن أصلٍ، ولكن قد يُسْتَعمَلُ للابتداء.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ألستُمْ قومًا عُرْبًا، هل يكون النَّسْخُ إلا مِن كتاب (١)؟! وهو يَحْمِلُ هذا على النَّسخِ مِن اللَّوح المحفوظ.
وفي الخبر: أنَّ الملائكة إذا كتبوا أعمالَ العبادِ وصعِدوا بها إلى السماء، أُمِروا أنْ يَعْرِضوها باللوح المحفوظ، فيوجدُ كذلك، يقول: إنَّ الملائكة كانوا يكتُبون عليكم بأمرنا مِن كتابٍ عندنا كُتِبَ قَبْلَ خَلْقِكم وقَبْلَ عمَلِكم، فلن يخفى علينا شيءٌ منها، ولا يجري على الحفَظَة فيها خَطَأٌ (٢)، وعلى هذا قوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا﴾ إشارةٌ إلى اللوح المحفوظ.
وقيل: مِن قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ إلى هاهنا خطابُ الملائكةِ يومئذٍ للعِباد، وثَمَّ مُضْمَرٌ: تقول لهم الملائكة: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، و ﴿هَذَا كِتَابُنَا﴾، و ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾.
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.
стр. 6665
وقولُه تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾: قيل: أي: في جنَّتِه، سمَّاها رحمةً لأنها تُنالُ برحمته، فأُعِدَّتْ لأهل رحمته.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾: أي: الفلاحُ الظَّاهر.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أي: فيقالُ لهم: أفلم تكن آياتي تُتْلى عليكم ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أي: فتَعَظَّمْتُم عن قبولها، والانقيادِ لِمَن أتى بها.
﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: أي: مُكْتَسِبين الآثامَ.
وقيل: أي: مُشركين، وقد ذُكِرَ في مُقابلةِ المسلمين في القرآن، فدلَّ على هذا، قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥].
* * *
(٣٢) - ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: وكنتم إذا قيل لكم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾؛ أي: بالبعث والجزاء بالثواب والعقاب.
﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أي: القيامةُ لا شكَّ فيها.
قرأ حمزة: ﴿والساعةُ﴾ (١) نَصْبًا عَطْفًا على قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾، وقرأ الباقون رَفْعًا على الابتداء لِتَباعُدِها عن ﴿إِنَّ﴾ (٢).
﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾: أي: لا نعلمُ ما القيامةُ.
﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾: أي: ما نظُنُّ ذلك إلا ظنًّا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ بذلك.
стр. 6666
(٣٣ - ٣٤) - ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: أي: ظهَرَ لهم عند الوقوع (١) في العذاب أنَّ ما عمِلوه مِن الشرك والمعاصي كانت سيئاتٍ.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أي: نزَلَ بهم، وقيل: أحاطَ بهم.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: العذابُ الذي كانوا يُوعَدون به، فلا يُصَدِّقونه، ويستهزؤون بقائله، ويقولون: متى هذا الوعد؟! ويُنْغِضُون إليكَ رؤوسَهم ويقولون: متى هو؟!
﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾: أي: تقولُ لهم الملائكة بأمرنا: اليومَ نتركُكم في النار تَرْكَ النَّسْيِ المَنْسِيِّ ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾: أي: ترَكْتُم ذِكْرَه والاستعدادَ له.
﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: أي: مانعين عنكم العذابَ.
* * *
(٣٥) - ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.
﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾: أي: هذا العذابُ بأنكم في الدنيا جعلتُم ما يُتلى عليكم مِن آيات كتاب اللَّه مَحَلَّ الهُزْءِ الذي لا ينبغي الإقبالُ عليه ولا التَّفَكُّرُ فيه.
﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: اغْتَرَرْتُم بها.
﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾: ليس مُتَّصِلًا بالكلام الأوَّل الذي كان مِن خِطاب الملائكة لهم، بل هو ابتداءُ إخبارٍ مِن اللَّه أنهم لا يُخرجون مِن النار أبدًا.
стр. 6667
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: أي: يُسْتَرْضَون؛ يعني: لا يُطالَبون بإرضاء اللَّه تعالى بالتوبةِ عن الشرك والمعاصي، والعملِ بالإيمان والطاعة؛ إذ هُم في دار الجزاء الذي لا تُقْبَلُ فيها توبةٌ، ولا تُقالُ فيها عَثْرةٌ.
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ختَمَ السورةَ بما علَّمَ عِبادَه مِن الثناء الذي يُخْرِجُ قائِلَها ومُعْتَقِدَها عن الشرك الذي ذُمَّ به أهلُه في هذه السورة، وأُوعِدوا عليه بالنار.
وهو أيضًا إخبارٌ أنَّ المُسْتَحِقَّ للثناء والمدح والشكر على النِّعَم هو اللَّهُ الذي خلَقَ السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وهو حافظُهما والقائمُ بتدبيرهما، وهو مُدَبِّرُ العالَمين مِن الجن والإنس والملائكة وكُلِّ الحيوانات، ومالِكُها وحافِظُها وناصِرُها (١) ومُصَرِّفُها على ما أراد.
﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: العَظَمةُ والجلالُ والقُدْرةُ والكمال.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ بسلطانه وجلاله.
﴿الْحَكِيمُ﴾: المُصِيبُ في أقواله وأفعاله.
* * *
стр. 6668
سورة الأحقاف
стр. 6669
سورة الأحقاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّهِ الذي ما خلَقَ السماواتِ والأرضَ وما بينها إلا بالحق، الرَّحمنِ الذي جعَلَ المسلمين التائبين مِن أصحاب الجنةِ وَعْدَ الصِّدْق، الرَّحيمِ الذي لا يُهْلِكُ إلا أهلَ الفِسْق.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأَ سورةَ الأحقافِ كتبَ اللَّهُ له بكل رَمَلٍ في الدنيا عشرَ حسناتٍ" (١).
وهذه السورةُ مَكِّيَّةٌ إلَّا قولَه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ الآيتين، فإنهما نزَلَتا بالمدينة.
وآياتُها: خمسٌ وثلاثون. وقيل: ستٌّ (٢).
وكلماتُها: ستُّ مئةٍ وثلاثٌ وأربعون.
وحروفُها: ألفان وستُّ مئةٍ وستةَ عشرَ.
وانتظامُ (٣) آخرِ تلك السور بأوَّلِ هذه السورة: أنهما جميعًا في ذِكْرِ اسمِ اللَّه تعالى.
стр. 6670
وانتظامُ السورتين: أنهما جميعًا في ذِكْر الكفر والإيمان، والطاعة والعِصْيان، والعُقوبة والغُفْران.
* * *
(١ - ٣) - ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: مرَّ تفسيرُه.
وقولُه تعالى: ﴿خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾:
قيل: لِلْحَقِّ الذي له على خَلْقه، ولأَجَلٍ يَنتهي إليه، وهو يوم القيامة، وهو مُسَمًّى معلومٌ عنده وإنْ أخفاه على خَلْقه.
وقيل: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: مَقْرونًا بالحق، وهو التَّكليفُ بالأمر والنهي، ثم يَجْزِي يومَ القيامة بالثواب والعقاب، ومَقْرونًا بأجَلٍ مُسَمًّى، وهو ما بيَّنَّا.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾: أي: وكُفارُ مكةَ عمَّا خُوِّفوا به مُعْرِضون، لا يتفكَّرون فيه ولا يُؤمِنون به.
* * *
(٤) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: ما تعبُدون مِن دون اللَّه؛ أي: مِن الأصنام.
وقال القُتَبيُّ: ﴿ما﴾ هاهنا للجَمْع بمعنى (الذين) بدليل ما بعده (١).
стр. 6671
﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: أخبِروني أيَّ شيءٍ خلَقوا مما في الأرض إنْ كانوا آلهةً كالذي خلَقَ اللَّهُ تعالى؟!
﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: أي: أَلهم نصيبٌ يَدَّعونه في السماوات؛ أي: في خَلْق السماوات.
﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: أي: مِن قَبْل القرآن.
﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾: أي: روايةٍ تروونها مِن العلماء والأنبياء.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أنَّ اللَّهَ أمرَكم بعبادة الأوثان.
قال عكرمة ومُقاتل: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾: أي: رِوايةٍ عن الأنبياء (١)، وقد أثَرَ الحديثَ يأثُرُه، فهو مأثورٌ.
وقال أبو بكر بنُ عياش: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾: أي: بَقِيَّةِ عِلْمٍ (٢)، وأثَرُ الشَّيءِ: بقيَّتُه.
وقيل: أرادَ بالأَثارة ما كانت العربُ تعرِفُ بعضَ الأشياء به، مِن العِيافة والزَّجْر والخَطِّ والطَّرْق (٣). . . . . . . .
стр. 6672
مما كانوا يَأْثُرونه عن أسلافهم، ويَدَّعون وقوعَ العلمِ بها وإن لم يكن لها حقيقةٌ.
يقول: بأيِّ حُجَّةٍ تُشركون باللَّه الذي تُقِرُّون أنه خالقُكم ورازقُكم غيرَه؟! ثم لن يجوزَ أنْ يُشْرِكَ به في العبادة إلا مَن شاركَه في السَّبَب الذي يستحِقُّ به العبادةَ، فهل خلَقَتِ الأصنامُ شيئًا مِن الأرض أم لهم شِرْكٌ في مُلْكِ السماوات؟! ولن تستطيعوا أنْ تَدَّعوا هذا، فمِن أي وجهٍ (١) استجزتُم إشراكَها باللَّه تعالى؟! ثم إنِ ادَّعوا لآلهتهم شُركاءَ في الخَلْق فليُثْبِتوا ذلك بخبَرٍ؛ إذ لا مُشاهدة، وهو كتابٌ أو طريقٌ آخرُ يُعْلَمُ به، وإذا عُدِمَ هذا كلُّه فاعلموا أنكم كاذبون؛ إذ الصِّدْقُ لا يثبُتُ إلا ببُرْهان.
* * *
(٥) - ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: لا أضلُّ ممن يعبُدُ مِن دون اللَّه ويدعو بحاجته شيئًا لو دعاه إلى يوم القيامة لم يستجبْ له دعاءَه، ولا يكون عنده مَعونةٌ.
﴿وَهُمْ﴾؛ أي: المعبودون ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ﴾؛ أي: دُعاءِ العابدين ﴿غَافِلُونَ﴾: لا يعلمون به؛ لأنَّها جمادٌ، جَمَع مع إفرادِ أوَّلِ الكلام؛ لأنَّ (ما) للعُموم معنًى، فإنْ كان هذا في الأصنام، فالجَمْعُ مع الواو (٢) والنون لِمَا أنها وُصِفَتْ بصفات العُقلاء،
стр. 6673
وإنْ كان هذا في الملائكة والجن والشياطين، فمعنى ﴿عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾: أنَّهم لا يَعْلَمون ما فيه هؤلاء المشركون، والملائكةُ مَشْغولون بالعبادة لا يخطُرُ ببالهم غيرُ ذلك، والجنُّ والشياطينُ لا عِلْمَ لهم بما غابَ عنهم.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ﴾: أي: بُعثوا يوم القيامة وجُمِعوا.
﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾: أي: كان عبَدَةُ الأصنامِ للأصنام أعداءً؛ لِمَا ظهَرَ لهم مِن العُقوبة بسبب عبادتها، وإنْ كان هذا في عبَدةِ الملائكة، فمعناه: كانت الملائكة ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للعابدين ﴿أَعْدَاءً﴾ يقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ الآية [سبأ: ٤١].
﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾: أي: مُتبَرِّئين أنْ يكونوا أمَرُوهم بها أو رضُوا بها، وكذلك الجنُّ والشياطينُ إذا اجتمَعوا في النار يكفُرُ بعضُهم ببعض ويلعَنُ بعضُهم بعضًا.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: أي: آياتُ القرآنِ واضحاتِ المعاني ظاهراتِ الإعجازِ.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: وهو تلبيسٌ منهم على الضَّعَفَة، وتنفيرٌ لهم عن السماع والقَبول.
* * *
(٨) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
стр. 6674
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: أي: أيقولون هذا أم يقولون: اختلَقَه محمد مِن عند نفْسِه؟!
﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾: فذاك معصيةٌ، واللَّهُ تعالى قادرٌ على أنْ يُعاقِبَني عليها.
﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: فلا تَقْدِرون أنتم على دَفْعِ عذابِ اللَّهِ عنِّي.
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أي: بالكلام الذي تخوضون فيه مِن هذا الوجه.
﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: أي: شاهِدًا بأنه أرْسَلَني إليكم وأمرَني بتبليغ وَحْيِه إليكم.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾: لِمَن تابَ ﴿الرَّحِيمُ﴾: أي: الحليمُ، فلا يُعاجِلُ بالعقاب.
* * *
(٩) - ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: أي: بَديعًا؛ أي: لستُ بأوَّلِ رسولٍ، فقد أرسلَ اللَّه تعالى قَبْلي رسلًا إلى أُمَمهم، وقد كان في الأنبياء مَن يَسْلَمُ مِن المِحَن، ومنهم مَن يُمْتَحَنُ بالهجرة عن الوطن، ومنهم مَن يُبْتلى بأنواع الفِتَن، والأممُ منهم مَن أُهْلِكَ بالخَسْف، ومنهم مَن كان هلاكُه بالقَذْف، وكذا بالمَسْخ والرَّجْف، والرِّيح والصَّيْحة والغَرَق وغيرِ ذلك.
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: مِن هذه الوجوه.
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾: أي: ما أتَّبعُ.
﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: مُخَوِّفٌ ظاهرٌ، وهذا كان في أمر الدنيا، ثم أوحى إليه بما تكون عاقبةُ أمرِه وأمرِهم، فأمرَه بالهجرة، ووعدَه العِصْمَةَ مِن الناس، وحثَّه على الجهاد، وأخبرَه أنه يُظْهِرُ دينَه على الدِّين كلِّه، ويُسَلِّطُه على عدوه، ويستأصِلُهم بسيفه.
стр. 6675
وقال ابن عباس ومُقاتل: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾؛ أي: في الدنيا (١).
стр. 6676
وقال الحسن: في المعاد (١).
وقال أنس ﵁: لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ فرِحَ المشركون فرَحًا شديدًا،
стр. 6677
وقالوا: واللَّاتِ والعُزَّى ما أمرُنا وأمرُ محمَّدٍ عند اللَّه إلا واحدٌ، وما له علينا مِن مزيَّةٍ وفضلٍ، فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (١).
وقال قتادة: قد بيَّنَ له ما يُفْعَلُ به بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٢).
وقال السُّدِّي: لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ اغتَمَّ لها رسولُ اللَّهِ ﷺ والمؤمنون، فلما نزلَتْ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، قالت الصحابة: طوبى لكَ (٣) يا رسولَ اللَّهِ، فقد بيَّنَ اللَّهُ ما يَفْعَلُ بكَ، وأمرُنا على خطَرٍ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى ما فرَّحَ به قلوبَهم، فقال: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ الآية (٤).
وقال الضحاك: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: ما تُؤمَرون به، وما تُنْهَون عنه (٥).
قال ابن عباس ﵄: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حين اشتدَّ البلاءُ بأصحابه مِن المشركين رأى رؤيا، فأخبَرَ بها أصحابَه، فقال: "رأيتُ أرْضًا أَخْرُجُ إليها مِن مكَّةَ ذاتَ نَخْلٍ لو كانت بأرض شَنُوءةَ نخيلٌ لقلتُ: إنها هي"، فقالت الصحابة: فمتى يكون ذلك؟ ومتى نخرُجُ مِن هذه الشدة؟ فأنزل اللَّه هذه الآيةَ: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ
стр. 6678
الرُّسُلِ﴾ (١)؛ يعني: أنَّهم تجرَّعوا مِن البلايا والغُصَص ما شاء اللَّه، ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: في المستقبل أَتُحَقَّقُ رُؤْيايَ أم لا؟
* * *
(١٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: قل لهؤلاء المشركين: أرأيتم إنْ كان هذا القرآنُ الذي جئتكم به كلامًا للَّه تعالى جاء مِن عنده.
﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾: أنتُم، وقلتُم: ليس هو مِن عند اللَّه، وقلتُم: هو سِحْرٌ مُبينٌ.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: نبيٌّ مِن أنبياء بني إسرائيل، وهو موسى ﵇.
﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾: أي: على مِثْل ما قلتُه لكم: أنه مِن عند اللَّه.
﴿فَآمَنَ﴾: به (٢) هذا النبيُّ مع محله.
﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أنتم، وجوابُه محذوفٌ هاهنا؛ قال الزجاج: هو: أتؤمنون؟ (٣).
وقيل: أفما تَهْلِكون؟!
وقيل: أفلا تكونون ظالمين؟! يدلُّ عليه ما بعده:
стр. 6679
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ما داموا على ظُلْمهم.
والحَمْلُ على موسى ﵇ عن مسروق والشَّعبي، وقالا: السورةُ مَكِّيَّةٌ (١).
وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة والحسن والضحاك وعوف بن مالك الأَشْجَعِيُّ وابن زيد وعامَّةُ المفسرين: هو عبد اللَّه بن سلَامٍ (٢).
وقال الضحاك في رواية: نزولُها في ابن يامين؛ شهِدَ على مِثْلِ شهادةِ عبد اللَّه بن سلَام، وشهِدَ ابنُ سلام على مِثْل شهادةِ ابن يامين (٣).
وقال السُّدِّي: كان عبد اللَّه بن سلَام غائبًا بالشام، فقدِمَ مِن غَيْبَتِه ليلًا، فأتى
стр. 6680
النبيَّ ﵇، وتأمَّلَه وتحقَّقَ (١) عنده أنه نبيٌّ، ثم قال له: إذا كان الغدُ فأَخْبِئْني في بيتٍ، وادعُ رؤساءَ اليهودِ وسَلْهم عني، فإنهم يُثْنُون عليَّ ويُحْسِنون فيَّ القولَ، ثم قل لهم: إنْ آمنَ بي عبدُ اللَّه أتؤمنون بي؟ فإنهم يقولون: إنْ أمَرَنا عبدُ اللَّه بالخروج عن أهالينا وأولادِنا خرَجْنا، ثم أَخْرُجُ أنا فأشهَدُ بشاهدة الحق، لعلَّ اللَّهَ يرزقُهم الإيمانَ، فلما كان مِن الغد اختبَأَ في بيتٍ، ودعاهم رسولُ اللَّه ﷺ ، وسألَهم عنه فأحسنوا فيه القولَ، ثم خرَجَ عبدُ اللَّه، وشهِدَ بشهادة الحق، وقال لهم: يا مَعْشَرَ اليهودِ، أتعلمون (٢) أنَّ موسى ﵇ بشَّرَنا بهذا الرسول، وقال لآبائنا: إنْ أدركتُموه فاقرؤوا عليه سلامي، وقولوا له: طُوبى لكَ (٣)، وطُوبى لأُمَّتكَ؟ فتحيَّرَتِ اليهودُ، وقالت لعبد اللَّه: كنا نَعُدُّكَ لمِثْل هذا اليوم لِتَنْصُرَنا وتنصُرَ دينَ اللَّه، فإذا نحن بكَ وقد صَبَأْتَ، وما نرى ذلك إلا لخَرَفِكَ وهرَمِكَ (٤).
وعلى القول الأول معناه: أنَّ المشركين كانوا يرجعون إلى علماء بني إسرائيل في كثير مِن الأمور، ويعتمدون على قولهم، ولو سألوهم أخبروهم أنَّ في كتابهم ذلك، وأنَّ موسى شهِدَ بذلك، وأخبَرَ به قومَه (٥).
* * *
(١١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾.
стр. 6681
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: المشركون ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾؛ أي لو كان هذا الكتابُ خيرًا مما نحن فيه مِن التَّدَيُّنِ بعبادة الأوثان (١) ما سبَقَنا إليه هؤلاء؛ إذ هُم سفلَتُنا.
﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾: أي: وإذ لم يتدبَّرِ الرُّؤَساءُ هذا القرآنَ استثقالًا منهم للنَّظَر، واستكبارًا عن الانقياد للمَرْؤُوسين عندهم، كابَروا فقالوا: ﴿هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾؛ أي: كذِبٌ مُتَقادِمٌ، وهو كقولهم: أساطيرُ الأولين.
* * *
(١٢) - ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِر الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾: أي: قَبْلَ القرآنِ كتابُ موسى، وهو التوراةُ، وهو مُصَدِّقٌ له، ومُبَشِّرٌ به وبمحمد الذي يجيءُ به، فكيف يكون إِفْكًا؟!
﴿إِمَامًا﴾: أي: قُدْوةً، نُصِبَ لأنه نكرةٌ لا نُعِتَ به معرفةٌ، فكان قَطْعًا.
﴿وَرَحْمَةً﴾: لِمَن اتَّبَعه واهتدى به.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾: أي: القرآنُ مُصَدِّقٌ لكتاب موسى.
﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾: أي: هو بلسانٍ عربيٍّ لا يُشْكِلُ على هؤلاء.
﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: قرأ ابنُ كثير في روايةٍ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ بتاء المخاطبة للنبيِّ ﵇، وقرأ الباقون بياء المُغَايبة؛ أي: القرآنُ (٢).
стр. 6682
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: أشرَكوا وعصَوا.
﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾: المؤمنين المُطيعين.
ويجوز في ﴿وَبُشْرَى﴾ الرَّفعُ عَطْفًا على ﴿مُصَدِّقٌ﴾، ويجوز النَّصْبُ عَطْفًا على ﴿لِتُنذِرَ﴾، وتقديرُه: إنذارًا وتبشيرًا، وهو كقولك: جئتُكَ لِأزوركَ وكرامةً لكَ.
وقال ابن عباس ﵄: يعني: ناسًا مِن مكة قالوا: نحن أعزُّ وأكرمُ مِن غيرنا، ولو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبَقَنا إليه خَبَّابٌ وصُهَيبٌ وبلالٌ، وعدُّوا جماعةً مِن الفقراء (١).
وروى الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباس: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يعني: أسدًا وغَطَفانَ وحَنْظَلةَ، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: يعني: جُهَيْنةَ ومُزَيْنةَ، ﴿لَوْ كَانَ﴾ ما جاء به محمد ﴿خَيْرًا﴾ ما سبَقَنا إليه رعاءُ الغنمِ ورُذَالُ الناسِ (٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ كما اهتدَتْ به جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾: أي: كذِبٌ قدِمَ العهدُ به وبمِثْله في سالِف الدُّهور.
* * *
(١٣ - ١٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا
стр. 6683
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: فسَّرْناه في (حمَ) السجدة.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: وهم خِلافُ الطَّبَقةِ الأولى.
وقولُه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (١): قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿إِحْسَانًا﴾، وقرأ الباقون: ﴿حُسْنًا﴾ (٢).
عرَّفَ اللَّهُ تعالى بهذه الآية والتي بعدها اختلافَ أحوالِ الناس في التَّمَرُّدِ والعُتُوِّ والإصرارِ على الشرك، وفي الإِصْغاء إلى النَّصيحةِ، وقبولِ الدَّعوةِ إلى الإيمان مِن الأبوين، فإذا (٣) كان كذلك في الوالدين والولدِ لم يَبْعُدْ في النبي ﵇ وقومِه.
يقول: أمَرْنا الإنسانَ في حقِّ والديه بالإحسان، ثمَّ بيَّنَ السَّبَبَ فقال:
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرو بفتح الكاف، والباقون بالضم (٤)، وكلاهما لغةٌ، ومعناهما: المَشَقَّةُ.
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾: أي: مُدَّةُ حَمْلِه ومُدَّةُ فِطامِه ثلاثون شهرًا، وقد قال في آيةٍ أخرى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، فبقِيَ للحَمْلِ ستةُ أشهرٍ، وهي أدنى مُدَّةٍ يُتَصَوَّرُ فيها وَضْعُ الولدِ.
стр. 6684
هذا بيانُ مَشَقَّةِ الأمِّ، والأبُ يلحَقُه مَشَقَّةُ النَّفَقَةِ والقيامِ بأسبابِها التي بها يُمْكِنُها ذلك، ومعاونتِها (١) على التربية.
ورُوِيَ أنَّ امرأةً ولَدَتْ لستةِ أشهرٍ، فرُفِعَ ذلك لعُمرَ ﵁، فهَمَّ برَجْمِها، فبلَغَ ذلك عليًّا ﵁ فقال: لا رَجْمَ عليها، فبلَغَ عمرُ ﵁ قولَ عليٍّ، فأرسلَ إليه فسألَه عن ذلك، فقال: قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، فستةُ أشهرٍ وحَوْلان ثلاثون شهرًا، قال: فخلَّى سبيلَها (٢).
ورُوِيَ أنَّ رجلًا تزوَّجَ امرأةً، فولَدَتْ لستةِ أشهرٍ، فجيءَ بها إلى عثمان ﵁، فتشاوَرَ في رَجْمِها، فقال ابن عباس: إنْ خاصَمْتكم بكتاب اللَّه تعالى خصَمْتكم، قالوا: كيف؟ قال: إنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، فحَمْلُها ستةُ أشهرٍ وفصالُه حولان، فتركها (٣).
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: أي: حتى إذا بلغَ الولدُ لآأَشُدَّهُ﴾: كمالَ قُوَّتِه، وهو حالُ البُلوغِ.
стр. 6685
وقال الحسن: أي: قِيامَ الحُجَّةِ عليه (١).
وقال ابن عباس ﵄: أي: ثلاثًا وثلاثين سنةً (٢).
﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: يقولُ: اختلَفَتْ أحوالُ الأولادِ، فمنهم مَن أسلَمَ أبواه ودعواه إلى الإسلام فأسلَمَ، وكان يبَرُّهما إلى أنْ ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ شبابَه ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: كُهولتَه.
﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾: أي: ألْهِمْني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾: وهي الإسلامُ.
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: أي: وأَلْهِمْني أنْ أعملَ أيضًا في المستأنَفِ مِن الأعمال الصالحة (٣) ما ترضى به.
﴿وَأَصْلِحْ لِي﴾: أي: أُموري ﴿فِي ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: أولادي حتى يَنْشَؤوا في الصَّلاح.
﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: مِن كل ذنبٍ أذنَبْتُه.
﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المُنْقادين لِدينِكَ وأمرِكَ ونهيِكَ.
* * *
(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.
стр. 6686
وقولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ويُتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾:
قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفص بالنون فيهما، والباقون بالياء على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (١)، و ﴿أحسنُ﴾ رُفِعَ لأنه اسمُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه؛ أي: يُتَقَبَّلُ عن هؤلاء الأولادِ البرَرَةِ حسناتُهم، ويُتجاوَزُ عن سيئاتهم.
﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾: أي: كما هو حُكْمُنا في أصحاب الجنة.
﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾: أي: وعَدْناهم بذلك وَعْدًا صِدْقًا، وهو إضافةُ الشيءِ إلى نَعْتِه.
﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: ودلَّتْ صيغةُ الجَمْع في آخره أنَّ الآيةَ في كل الأولادِ البرَرَةِ.
* * *
(١٧) - ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾: وهذا في حقِّ الأولادِ العاقِّين الأشرارِ.
﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾: أي: قَذَرًا لكما.
﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾: أي: مِن قبري بعد أنْ صِرْتُ رَميمًا، وتَدْعُوانِني إلى الإيمان به.
﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾: أي: تَفانَوا، فلم يَرْجِعْ أحدٌ منهم إلى الدنيا.
﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ﴾: أي: والوالدان يسألان اللَّهَ لهذا الولدِ السوءِ الهُدى، ويقولان لهذا الولد: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾: أي: صَدِّقْ بالبعثِ ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾؛ أي: إنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالإحياء صِدْقٌ.
стр. 6687
﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: أباطيلُ كتبَها الأوَّلون.
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: أي: هؤلاء الأولاد في الأشرارِ الذين وجَبَ عليهم ﴿الْقَوْلُ﴾؛ أي: الوعيدُ ﴿فِي أُمَمٍ﴾؛ أي: مع أُمَمٍ.
﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: أي: هالِكين.
وقيل: مَغْبُونين بفَوْتِ الثواب، وحُلولِ العقاب.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾: أي: ولكُلٍّ مِن الأبرارِ والفُجَّارِ.
﴿دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾: مراتبُ (١) في الطاعة والمعصية، والثواب والعقاب.
﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾: فيه مُضْمَرٌ؛ أي: ففَعَلْنا ذلك لِنوفِّيَهم جزاءَ أعمالِهم.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: بالعُقوبة مِن غير ذنبٍ، ولا نُقْصانِ أجرٍ على طاعة.
وقال السُّدِّي والضحاك: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾: نزلَتْ في سعد بن أبي وقَّاص (٢)، وقد بيَّنَّا القِصَّةَ في سورة العنكبوت وفي سورة لقمان (٣).
وقال ابن عباس ﵄ ومقاتلٌ: هو أبو بكر الصديق ﵃ (٤).
стр. 6688
وقال محمد بن إسحاق: هو أبو بكر بنُ أبي قُحافةَ، واسمُ أبي قحافة عثمانُ بنُ عمرو، واسمُ أمِّ أبي بكر أمُّ الخير بنتُ صَخْرِ بنِ عمرو بنِ عامر مِن بني تميم (١) بنِ مُرَّة، حمَلَتْه في البطن تسعةَ أشهرٍ، وفصَلَتْه مِن اللَّبَن لأحدٍ وعشرين شهرًا، فذلك ثلاثون شهرًا، فلما بلَغَ أبو بكر أربعين سنة صدَّقَ النبيَّ ﷺ وقال لربه: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾: هو عبد الرحمن بن أبي بكر، دعاه أبواه إلى الإسلام، فقال لهما: ﴿أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ مثلُ عامر بن كعب، وعبد اللَّه بن جُدْعان، ولا أرى أحدًا منهم حتى أسألَهم عن صِدْقِ ما تقولون (٣).
وقال مجاهد: هو عبد اللَّه بن أبي بكر (٤)، قال له أبواه: أَسْلِم، فقال: أحيُوا لي مشايخَ قُرَيشٍ حتى أسألَهم عما تقولون.
стр. 6689
وقال عبد اللَّه بن عباس ﵄: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: أي: هؤلاء الذين أشارَ عليهم عبدُ الرحمن وقال: أَحْيُوهم لي، منهم عامرُ بن كعبٍ وعبد اللَّه ابن جُدْعانَ وذووهما الذين حقَّ عليهم القولُ، فأما عبد الرحمن بن أبي بكر فقد أجابَ اللَّهُ فيه دُعاءَ أبيه في قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾، فأسلَمَ وحسُنَ إسلامُه (١).
وقال محمد بن زياد: كتبَ معاوية ﵁ إلى مروانَ حتى يأخُذَ البيعةَ مِن الناس لِيَزيدَ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتُمْ بها هِرَقْلِيَّةً، أَتُبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: هذا (٢) الذي يقول اللَّهُ فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾، فسمِعَتْ بذلك عائشةُ ﵂، فغضِبَتْ وقالتْ: واللَّهِ ما هو به، ولو شئتَ لسَمَّيْتُه، ولكنَّ اللَّهَ لعَنَ أباكَ وأنتَ في صُلْبِه، وأنتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ (٣)؛ أي: قِطْعةٌ.
* * *
(٢٠) - ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾: أي: يُحْضرون قَبْل أنْ يُلْقَوا فيها، فيُقالُ لهم:
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾: أَمْضَيْتُم شهواتِكم، واستَوْفَيْتُم نَهَماتِكم.
﴿فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾: أي: القُرْبى.
﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾: أي: الملاذِّ.
стр. 6690
﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾: أي: الذُّلِّ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: تتعظَّمون عن قَبول الحق، والانقياد لِمَن نهاكم عن ذلك.
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: مِن غير أنْ يكون لكم استحقاقُ ذلك.
﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: تُجاهِرون بالمعاصي.
* * *
(٢١) - ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ﴾: يا محمد ﴿أَخَا عَادٍ﴾: أي: هودًا نَسيبَ عادٍ؛ أي: واذكرْ لقومكَ هذه القصةَ، لِيَعْتَبِروا ويخافوا مثلَ حالِهم.
وقيل: أي: واذكرْ في نفْسِكَ؛ لِتَتَسَلَّى بما ينالُكَ مِن أذى قومِكَ.
﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: أي: بهذه المواضع، كانوا يسكنون الأَحْقافَ.
قال محمد بن إسحاق: هي رِمالٌ فيما بين عُمَانَ إلى حَضْرَمَوْتَ (١).
وقال ابن عباس رضي اللَّه عثهما: وادٍ بين عُمَانَ ومَهَرَةَ (٢).