وقولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ويُتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾:
قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفص بالنون فيهما، والباقون بالياء على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (١)، و ﴿أحسنُ﴾ رُفِعَ لأنه اسمُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه؛ أي: يُتَقَبَّلُ عن هؤلاء الأولادِ البرَرَةِ حسناتُهم، ويُتجاوَزُ عن سيئاتهم.
﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾: أي: كما هو حُكْمُنا في أصحاب الجنة.
﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾: أي: وعَدْناهم بذلك وَعْدًا صِدْقًا، وهو إضافةُ الشيءِ إلى نَعْتِه.
﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: ودلَّتْ صيغةُ الجَمْع في آخره أنَّ الآيةَ في كل الأولادِ البرَرَةِ.
* * *
(١٧) - ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾: وهذا في حقِّ الأولادِ العاقِّين الأشرارِ.
﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾: أي: قَذَرًا لكما.
﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾: أي: مِن قبري بعد أنْ صِرْتُ رَميمًا، وتَدْعُوانِني إلى الإيمان به.
﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾: أي: تَفانَوا، فلم يَرْجِعْ أحدٌ منهم إلى الدنيا.
﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ﴾: أي: والوالدان يسألان اللَّهَ لهذا الولدِ السوءِ الهُدى، ويقولان لهذا الولد: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾: أي: صَدِّقْ بالبعثِ ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾؛ أي: إنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالإحياء صِدْقٌ.
стр. 6687
﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: أباطيلُ كتبَها الأوَّلون.
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: أي: هؤلاء الأولاد في الأشرارِ الذين وجَبَ عليهم ﴿الْقَوْلُ﴾؛ أي: الوعيدُ ﴿فِي أُمَمٍ﴾؛ أي: مع أُمَمٍ.
﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: أي: هالِكين.
وقيل: مَغْبُونين بفَوْتِ الثواب، وحُلولِ العقاب.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾: أي: ولكُلٍّ مِن الأبرارِ والفُجَّارِ.
﴿دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾: مراتبُ (١) في الطاعة والمعصية، والثواب والعقاب.
﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾: فيه مُضْمَرٌ؛ أي: ففَعَلْنا ذلك لِنوفِّيَهم جزاءَ أعمالِهم.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: بالعُقوبة مِن غير ذنبٍ، ولا نُقْصانِ أجرٍ على طاعة.
وقال السُّدِّي والضحاك: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾: نزلَتْ في سعد بن أبي وقَّاص (٢)، وقد بيَّنَّا القِصَّةَ في سورة العنكبوت وفي سورة لقمان (٣).
وقال ابن عباس ﵄ ومقاتلٌ: هو أبو بكر الصديق ﵃ (٤).
стр. 6688
وقال محمد بن إسحاق: هو أبو بكر بنُ أبي قُحافةَ، واسمُ أبي قحافة عثمانُ بنُ عمرو، واسمُ أمِّ أبي بكر أمُّ الخير بنتُ صَخْرِ بنِ عمرو بنِ عامر مِن بني تميم (١) بنِ مُرَّة، حمَلَتْه في البطن تسعةَ أشهرٍ، وفصَلَتْه مِن اللَّبَن لأحدٍ وعشرين شهرًا، فذلك ثلاثون شهرًا، فلما بلَغَ أبو بكر أربعين سنة صدَّقَ النبيَّ ﷺ وقال لربه: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾: هو عبد الرحمن بن أبي بكر، دعاه أبواه إلى الإسلام، فقال لهما: ﴿أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ مثلُ عامر بن كعب، وعبد اللَّه بن جُدْعان، ولا أرى أحدًا منهم حتى أسألَهم عن صِدْقِ ما تقولون (٣).
وقال مجاهد: هو عبد اللَّه بن أبي بكر (٤)، قال له أبواه: أَسْلِم، فقال: أحيُوا لي مشايخَ قُرَيشٍ حتى أسألَهم عما تقولون.
стр. 6689
وقال عبد اللَّه بن عباس ﵄: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: أي: هؤلاء الذين أشارَ عليهم عبدُ الرحمن وقال: أَحْيُوهم لي، منهم عامرُ بن كعبٍ وعبد اللَّه ابن جُدْعانَ وذووهما الذين حقَّ عليهم القولُ، فأما عبد الرحمن بن أبي بكر فقد أجابَ اللَّهُ فيه دُعاءَ أبيه في قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾، فأسلَمَ وحسُنَ إسلامُه (١).
وقال محمد بن زياد: كتبَ معاوية ﵁ إلى مروانَ حتى يأخُذَ البيعةَ مِن الناس لِيَزيدَ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتُمْ بها هِرَقْلِيَّةً، أَتُبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: هذا (٢) الذي يقول اللَّهُ فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾، فسمِعَتْ بذلك عائشةُ ﵂، فغضِبَتْ وقالتْ: واللَّهِ ما هو به، ولو شئتَ لسَمَّيْتُه، ولكنَّ اللَّهَ لعَنَ أباكَ وأنتَ في صُلْبِه، وأنتَ فَضَضٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ (٣)؛ أي: قِطْعةٌ.
* * *
(٢٠) - ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾: أي: يُحْضرون قَبْل أنْ يُلْقَوا فيها، فيُقالُ لهم:
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾: أَمْضَيْتُم شهواتِكم، واستَوْفَيْتُم نَهَماتِكم.
﴿فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾: أي: القُرْبى.
﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾: أي: الملاذِّ.
стр. 6690
﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾: أي: الذُّلِّ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: تتعظَّمون عن قَبول الحق، والانقياد لِمَن نهاكم عن ذلك.
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: مِن غير أنْ يكون لكم استحقاقُ ذلك.
﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: تُجاهِرون بالمعاصي.
* * *
(٢١) - ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ﴾: يا محمد ﴿أَخَا عَادٍ﴾: أي: هودًا نَسيبَ عادٍ؛ أي: واذكرْ لقومكَ هذه القصةَ، لِيَعْتَبِروا ويخافوا مثلَ حالِهم.
وقيل: أي: واذكرْ في نفْسِكَ؛ لِتَتَسَلَّى بما ينالُكَ مِن أذى قومِكَ.
﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: أي: بهذه المواضع، كانوا يسكنون الأَحْقافَ.
قال محمد بن إسحاق: هي رِمالٌ فيما بين عُمَانَ إلى حَضْرَمَوْتَ (١).
وقال ابن عباس رضي اللَّه عثهما: وادٍ بين عُمَانَ ومَهَرَةَ (٢).
стр. 6691
وقال قتادة: هي رمالٌ مُشْرِفةٌ على البحر بالشِّحْر (١) مِن اليمن (٢).
وقال الضحاك: هي جبل بالشام (٣).
وقال الحسن: أرضٌ خلالها رمالٌ (٤).
وقال ابن زيد: الحِقْفُ: الرَّمْلُ كهيئة الجبل (٥).
وقيل: الحِقْفُ: الرَّمْلُ المستطيلُ العظيمُ لا يبلُغُ أنْ يكون جبلًا.
﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: وهذا كلامٌ مُعْتَرِضٌ؛ أي: كما جاء هودٌ عادًا نذيرًا مضتِ الرسُلُ نُذُرًا لقومهم قَبْلَ هودٍ ومِن بعده.
وقيل: فيه إضمار: وقد خلَتِ النُّذُرُ مِن بين يديه، وأنتَ مِن خَلْفهم.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾: أي: خاطبَهم هودٌ بهذا: أنْ لا تعبُدوا إلا اللَّهَ وحدَه ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: إنْ أصرَرْتُم على شرككم.
стр. 6692
(٢٢ - ٢٣) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾: أي: لِتَصْرِفَنا عن عبادتها؛ أي: فهذا لا نُجِيبُكَ إليه، ولا نخافُ ما تُنْذِرُنا به.
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: مِن العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: في إنذاركَ.
﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: العِلْمُ بوقتِ نزولِ العذاب عند اللَّه.
﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾: وإنما أنا مُبَلِّغٌ، وقد بلَّغْتُ.
﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: أي: في ظَنِّكم أنكم تَنْجُون مع (١) تكذيبِكم إيَّايَ.
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾: أي: سحابًا ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ وكان المطرُ احتبَسَ عنهم، وبَعَثوا قومًا إلى الكعبة للاستسقاء، وقد مرَّتْ قصَّتُه في سورة الأعراف، فلما رأوا هذا العارض:
﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾: أي: سحابٌ يأتينا بالمطر، فأظهَروا بذلك فرَحًا، فقال لهم هودٌ:
﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾: مِن العذاب الذي أَنْذَرْتُكُموه.
стр. 6693
﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾: أي: تُهْلِكُ وتستأصِلُ لِشِدَّة عُصوفِها.
وقيل: هو رَمْيُ شيءٍ على شيء وإهلاكُه به.
وقوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: للتَّفْخيم، لا على حقيقة التَّعميم.
وقيل: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أُمِرَتْ بتدميره.
﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾: وفيه مُضْمَرٌ: فجاءَتْهم الرِّيحُ فدمَّرَتْهم، فلم يَبْقَ منهم أحدٌ، وصاروا تحت الرِّمال، ﴿فَأَصْبَحُوا﴾؛ أي: صاروا، ﴿لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ لأنها كانت قائمةً.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: كلَّ مَن أجرَمَ مِثْلَ جُرْمِهم، وهو تخويفٌ لأهل مكَّةَ.
* * *
(٢٦) - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ﴾: أي: أعطَيْناهم مِن المَكِنَة (١) والمكانة.
﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾: ﴿إِنْ﴾ للنَّفْي؛ أي: فيما لم نُمَكِّنْكُمْ في مِثْلِه، ثم هُم لم يُمْكِنْهمُ التَّحرُّزُ عنه، فكيف أنتم؟!
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾: أي: آلاتٍ وحواسَّ يُمكِنُهم التَّدَبُّرُ بها ليعلموا بُطْلانَ الشرك.
стр. 6694
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: ما نفَعَهم شيءٌ مِن ذلك، ولا رفَعَ عنهم العذابَ.
﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ﴾: نزَلَ بهم وأحاطَ بهم.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: مِن العذاب، فيقولون: ائتِنا بما تَعِدُنا.
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ﴾: خِطابٌ للمسلمين.
﴿مِنَ الْقُرَى﴾: كحِجْرِ ثمودَ وقُريَّاتِ لوطٍ، وهي بجوار بلاد الحجاز.
﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾: بتكرير ذِكْرِها ﴿لَعَلَّهُمْ﴾؛ أي: لعلَّ المشركين ﴿يَرْجِعُونَ﴾ عن شركهم.
﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ﴾: أي: فهلَّا مَنَعَ العذابَ عن هؤلاء الذين أهلَكْناهم.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: الأصنامُ التي اتَّخَذوها مِن دون اللَّه ﴿قُرْبَانًا﴾ يَتَقَرَّبون بها، ويقولون: إنما نعبُدهم لِيُقَرِّبونا إلى اللَّه زُلْفى.
﴿آلِهَةً﴾: أي: اتَّخَذوها آلهةً لهم يعبُدونها.
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾: أي: هلَكوا فلم يجِدوهم عند حاجتِهم إليهم.
﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾: أي: وذلك جزاءُ إِفْكِهم؛ أي: كَذِبِهم في أنها آلهةٌ.
﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي: افتراؤُهم.
* * *
стр. 6695
(٢٩) - ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾: عَطْفٌ على قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾، وهو في تَوْبيخ المشركين؛ أي: إنَّ الجنَّ استمَعوا فقبِلوا وآمنوا بمَرَّةٍ، وأنتم مُصِرُّون على شرككم على طُول الزمان، وهؤلاء هم المذكورون في سورة الجن.
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾: يحتَمِلُ أنهم أُلْهِموا المَسِيرَ إلى رسول اللَّه ﷺ ، ويحتَمِلُ أنهم أُمِروا بذلك في كُتُبهم، يدلُّ عليه قولُه: ﴿سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠].
وقيل: لَمَّا طُرِدوا مِن السماء ورُمُوا بالشُّهُب قالوا: هذا لأمرٍ حادثٍ، فتتبَّعوا ذلك، فأتوا النبيَّ ﷺ
وقيل: أتَوهْ ببَطْنِ نَخْلَةٍ (١).
وقيل: بالحَجُون (٢).
وقيل: كانوا سبعةَ نفَرٍ مِن جِنِّ نَصِيبين (٣).
стр. 6696
وقيل: كانوا سبعين، ووافَقوه في البَطْحَاءِ (١).
وقال السُّدِّي: لَقِيَهم بنَخْلَةٍ وهو مُقْبِلٌ مِن الطائف (٢).
وقال ابن جريج: كانوا تسعةً: حسَا، وبسَا (٣)، وشاصر، وناصر، وأَذَدْ، وأَبْيَن، وأحْقب، وشَبَتْ، وزوبعة (٤).
وقال الزُّبَيرُ بن العَوَّام: أتوه بنَخْلَةَ وهو ﵇ قائم في صلاة العشاء (٥)، فركِبَ بعضُهم بعضًا مِن شدَّةِ حِرْصِهم على استماع القرآن.
وقال سعيد بن جُبير: لما بُعِثَ النبيُّ ﷺ حُرِسَتِ السماءُ، فقالت الشياطينُ: ما حُرِسَت إلَّا لأمرٍ حدَثَ في الأرض، فبعثَ إبليسُ سراياه في الأرض، فوجدوا النبيَّ ﵇ بنَخْلَةَ في صلاة الفجر (٦)، وذكَرَ حديثَ عبد اللَّه بن مسعود في كونه مع النبي ﷺ في هذه الليلة (٧).
(٣٢ - ٣٣) - ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: بفائتٍ أخذَ اللَّهِ.
﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾: يتولَّون مَعونتَه.
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: جُمِعَ لِعُموم كلمة ﴿وَمَن﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: يتَّصِلُ بقوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ في إلزام حُجَّةِ البَعْث.
﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾: وهو كقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وقد (عَيِيَ) و (أَعْيَى): إذا لغَبَ.
﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾: الباءُ زائدةٌ، وإنما أُدْخِلَتْ لأنَّ معنى قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أوَليسَ، وذاك تدخُلُ فيه الباء، وإذا قَدِرَ على الإنشاء قَدِرَ على الإعادة.
وقولُه تعالى: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: وفي قراءة عبد اللَّه: (قادر على أنْ يُحْيِيَ الموتى) بغير الباء (١).
وقرأ يعقوب: (يَقْدِرُ) بصيغة (٢) الفعل (٣).
وقال مقاتل: نزلت في أبيِّ بن خلَفٍ الجُمَحِيِّ حين أخذَ العَظْمَ ففَتَّه (٤).
стр. 6699
(٣٤ - ٣٥) - ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾: يعني: هو قادرٌ يومَ العَرْضِ.
﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾: أي: تقولُ لهم الملائكةُ ذلك.
﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: أي: بكُفْرِكم في الدنيا.
﴿فَاصْبِرْ﴾: أي: على أذى الكفار وتكذيبِهم.
﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: أولو الحَزْم.
وقال الضحاك: أي: أولو الجِدِّ والصَّبْر (١).
وقال محمد بن كعب: أولو الرَّأْيِ الصَّوابِ (٢).
وقيل: هُم الذين يَمْضُون على ما أُمِروا (٣)، لا يمنعُهم عنه مانعٌ مِن مِحْنَةٍ ونحوِها.
ثمَّ مِن المفسِّرين مَن جعل قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ للتَّبْعِيض، وخَصَّ أولي العَزْمِ منهم.
قال ابن عباس ﵄: هُم أربعةٌ: نوحٌ، وإبراهيمُ، وموسى، وعيسى صلوات اللَّه عليهم (٤).
стр. 6700
وقال أبو العالية: هُم ثلاثةٌ: هودٌ، وصالحٌ، وشُعَيبٌ، ورابعُهم محمد (١).
وقال الضحاك والحسن: هُم: نوحٌ، وهودٌ، وإبراهيمُ (٢).
وقال الكلبيُّ: هُم الذين أُمِروا بالقتال (٣)، وهم خمسة: نوحٌ، وإبراهيمُ، وصالحٌ، وهودٌ، وشعيبٌ.
وقال مقاتل: ﴿أُولُو الْعَزْمِ﴾: إبراهيمُ صبَرَ على النار، وإسحاقُ على الذَّبْح، ويعقوبُ صبَرَ على فَقْدِ يوسفَ، ويوسفُ صبَرَ في السِّجْن والجُبِّ، وأيوبُ صبَرَ على الضُّرِّ، ونوحٌ على الأذى (٤).
стр. 6701
وقال الحُسين بن الفَضْل: هُم سبعةَ عشرَ (١)، وهُم المذكورون في سورة الإنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا﴾ [الأنعام: ٨٣] الآيات، فإنه قال في آخرها: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال هنا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، والمذكورون في هذه الآيات ثمانيةَ عشرَ، لكنَّ يونسَ خرَجَ مِن بين قومه، فلم يَصْبِر، فلم يكن فيهم.
وقال بعضهم: آدمُ كذلك؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
لكنَّ الصَّحيحَ أنَّ أولي العزم كلُّ الرسل، وقولُه تعالى: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾: للتَّجْنيس لا للتَّبْعيض، ومعنى قولِه: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾: أي: قَصْدًا إلى الخِلاف، ويونسُ لم يكن خروجُه تَرْكَ صَبْرٍ، لكنْ تَوَقِّيًا عن نزول العذاب.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾: أي: ولا تدعُ عليهم بتعجيل العذاب.
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾: أي: فهُم إذا رأوا العذابَ يوم القيامة ظنوا أنهم لم يَلْبَثوا في الدنيا أو في قبورهم إلا ساعةً مِن نهارٍ، وأنَّ العذابَ عُجِّلَ لهم قريبًا مِن تكذيبهم.
﴿بَلَاغٌ﴾: أي: هذا بلاغٌ؛ أي: مَبْلَغُ (٢) الكِفايةِ في العِظَة.
﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾: أي: فهل يُهْلَكُ بعد هذا البلاغِ بعذاب اللَّه إلَّا مَن فسَقَ، فأعلَنَ الاستخفافَ بأمر الدِّين، ولم يكن همُّه طلَبَ الحقِّ المبين.
والحمدُ للَّه ربِّ العالمين
* * *
стр. 6702
سورة محمد
стр. 6703
سورة محمد (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّهِ الذي أذلَّ الكفارَ وأضلَّ أعمالَهم، الرَّحمنِ الذي هدى المؤمنين وأصلَحَ بالَهم، الرَّحيمِ الذي يُدْخِلُهم الجنةَ عرَّفَها لهم.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة محمد كان حقًّا على اللَّه تعالى أنْ يَسْقِيَه مِن أنهار الجنة" (٢).
وهذه السُّورةُ مكِّيَّةٌ، ويُقال: مدنيَّةٌ، وهو الصَّحيحُ.
وهي ثمانٍ وثلاثون آيةً. وقيل: تسعٌ. وقيل: أربعون، الاختلافُ في قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾، وقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾.
وهي خمسُ مئةٍ وتسعٌ وثلاثون كلمةً، وألفان وثلاثُ مئةٍ وستةٌ وثمانون حرفًا.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ خَتْمَ تلك بالفاسقين، وافتتاحَ هذه السورةِ بالكافرين، وذلك فِسْقُ كُفْرٍ (٣).
стр. 6704
وانتظامُ السورتين: أنَّهما في التَّمييزِ بين الأولياء والأعداء، والترغيب والترهيب بالجزاء، وفي هذه السورة خُصوصُ الأمرِ بالجهاد، والإنفاقِ في سبيل اللَّه.
* * *
(١) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: الذين كفروا باللَّه، ومنَعوا غيرَهم عن سلوك سبيل رضا اللَّه تعالى -وهو الإسلامُ-، جعلَ اللَّهُ تعالى فِعْلَهم ضلالًا عن الرُّشْد.
وقال ابن عباس ﵄: أبطَلَ حسناتِهم (١)؛ أي: ما كان مِن جِنْسِ ما يكون مِن المؤمنين حسنةً، كالإطعام، وصِلَةِ الأرحام، وبِرِّ الأيتام، وقِرَى الأضياف، وتَقْوِيَةِ الضِّعاف؛ لأنَّه لا يُعْتَبَرُ شيءٌ مِن ذلك بغير إسلام.
وقال ابن عباس ﵄: هُم المُطْعِمون ببدرٍ أهلُ الثَّرْوة منهم والقُوَّةِ والمَيْسَرةِ، وهم: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابنا ربيعةَ، ونُبَيْةٌ ومُنَبِّهٌ ابنا الحجاج، وأبو جهل والحارثُ ابنا هشام لعنَهم اللَّهُ، فهؤلاء ستةٌ (٢).
وقال مقاتل: كانوا اثني عشر: هؤلاء الستة، والباقون: عامرُ بن نَوْفَلٍ، وحكيمُ بن حِزامٍ، وزَمْعَةُ بن الأسود، وأبو سفيانَ بن حَرْب، وصَفْوانُ بن أُمَيَّةَ، والعباسُ بن
стр. 6705
عبد المطلب (١)، أطعَمَ كلُّ واحدٍ منهم يومًا الأحابيشَ والجنودَ، يَسْتَظْهِرون بهم على عداوة النبي ﷺ ، وهُم المذكورون في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنفال: ٣٦].
وقال الضحاك: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: أبطَلَ كَيْدَهم ومَكْرَهم بالنبي (٢).
* * *
(٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: أي: والمؤمنون الذين خالَفوا هؤلاء محا اللَّهُ وسترَ ذنوبَهم التي كانت قَبْلَ الإيمان.
﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: حالَهم (٣).
وقال مجاهد: شأنَهم (٤).
стр. 6706
وقال مقاتل بن حيان: عملَهم ونيَّاتِهم (١).
وقال ابن كيسان: أثبَتَ أعمالَهم، ولم يُبْطِلْها كما أبطلَ أعمالَ الكفار.
* * *
(٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: أي: ذلك التَّمييزُ بالجزاء للفريقين ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: فاستحَقَّ أولئك العقابَ، وهؤلاء الثوابَ.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾: قيل: أي: كذلك يصِفُ لكلِّ عاملٍ مِن الناس جزاءَ عملِه بما يُماثِلُه، فيُجازي المُحْسِنَ بإحسانه بالحُسْنى، والمُسِيءَ بإساءته بالسُّوأَى (٢).
وقيل: أي: فكذلك يصِفُ اللَّهُ للناس عواقبَ أمورِهم التي يَصيرون بها أمثالًا لِمَن سِواهم.
وعن ابن عباس ﵄: أنَّ الآيةَ الأولى في كفار مكة، صدُّوا عن المسجد الحرام وعن الدخول في الإسلام، والآيةَ الثانيةَ في المسلمين مِن أهل المدينة، وهُم الأنصارُ، آمَنوا بمحمد لَمَّا جاءهم (٣)، فذكَرَ جزاءَ الفريقين، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ
стр. 6707
يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾؛ أي: كذلك يفعَلُ اللَّهُ تعالى بالناس كلِّهم كما يفعلُ بهؤلاء.
* * *
(٤) - ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: فإذا لَقِيتُم -مَعاشِرَ المسلمين- هؤلاء الكافرين في مواطن الجهاد.
﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾: أي: فاضرِبوا رِقابَهم، نصبٌ على الإغراء.
وقيل: أي: فافعلوا ضَرْبَ الرِّقابِ (١)، نصبٌ بإضمار الفعل.
والألفُ واللامُ في ﴿الرِّقَابِ﴾ بدلٌ عن الإضافة.
وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾: وأَصْلُ الإِثْخانِ: الغلَبَةُ، يُقالُ: أثخَنَ الصَّيدَ: إذا غلَبَه؛ أي: أكثَرْتُم القتلَ في البعض، وأعجَزْتُم الباقين عن الفَوات.
﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾: أي: فشُدُّوا وَثاقَهم، والألفُ واللامُ بدلى عن الإضافة ها هنا أيضًا.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْد﴾: أي: فإما أنْ تمُنُّوا بعد ذلك بالإطلاق مَجَّانًا ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾؛ أي: وإمَّا أنْ تَفْدُوا بعضَهم فتأخُذوا منهم فِداءً وتُطْلِقُوهم.
стр. 6708
وقد ذُكِرَ القتلُ قَبْلَه، فكان الإمامُ مُخَيَّرًا في ذلك، يَختارُ ما يرى فيه المصلحة على حسَبِ ما يَقتضيه الحالُ.
وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾: قيل: أي: حتى تنقضِيَ الحربُ.
والأوزارُ: الأسلحةُ، جَمْعُ (وِزْرٍ)، وهو الحِمْلُ والثِّقلُ في الأصل، والإِثْمُ سُمِّيَ وِزْرًا لذلك، وهو استعارةٌ، وتقديرُه: حتى يتفرَّقَ الكفارُ، ويأمَنَ المسلمون فيَضعوا أسلحتَهم، وفيه مُضْمَرٌ: حتى يضَعَ أهلُ الحربِ أوزارَهم.
وقيل: ﴿الْحَرْبُ﴾: المُحارِبون، قال الشاعر:
وكانوا لنا سِلْمًا فصاروا لنا حَرْبًا (١)
وقال الحسن وقتادة: أي: افعلوا هذا بأعدائكم إلى أنْ تستغنوا عن مُحاربتهم بدخولهم في الإسلام أو قَتْلِهم جميعًا (٢)،. . . . . . .
стр. 6709
وهو كقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].
وقال النبي ﷺ : "ينزِلُ عيسى ابنُ مريمَ حَكَمًا عَدْلًا، يَكْسِرُ الصليبَ، ويقتُلُ الخنزيرَ، وتضَعُ الحربُ أوزارَها" (١)؛ أي: ويُسْلِمُ الناسُ حتى لا يبقى في الأرض مشركٌ.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾: أي: هذا الذي ذكَرْناه هو حقٌّ.
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾: أي: لانتقَمَ منهم بغير قتالٍ منكم.
﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾: أي: ولكنْ أمرَكم بالجهاد لِيُظْهِرَ منكم ما علِمَ في الأزَل مِن الائتمارِ بالأمر وتَرْكِه.
وقال ابن عباس ﵄: لِنَخْتَبِرَ المؤمنَ بالمُشْركِ، والمُعافى بالمُبْتلى، والصَّحيحَ بالسَّقيمِ (٢).
﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: استُشْهِدوا، ومَن قرأ: ﴿قاتَلوا﴾ فمعناه: جاهَدوا (٣).
﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: فلن يُضَيِّعَ ولن يُبْطِلَ أعمالهم كما أضلَّ أعمالَ الكفارِ، بل يُثِيبُهم عليها أعظمَ الثوابِ.
стр. 6710
(٥ - ٦) - ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾.
﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾: أي: المُجاهدين، يُثَبِّتُهم على الرُّشْد، وفي حقِّ المقتولين سيَهديهم إلى طريق الجنة في الآخرة.
﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾: أي: شأنهم، وهو ما (١) بيَّنَّاه.
وقيل: أي: لا يُخْطِرُ ببالهم فيها إلا ما يَفْرَحون به.
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾: قيل: طيَّبَها لهم؛ مِن العَرْفِ بالفتح.
وقيل: مِن المعرفة؛ أي: إذا دخَلوها عرَفوا منازلَهم واهتدَوا إليها، على ما رُوِيَ: إنَّ أحدَهم لَأَعْرَفُ بمنازله في الآخرة منه بمَنازله في الدنيا (٢).
وقيل: أَعْلَمَها لهم في الدنيا، وعرَّفَهم نعيمَها.
* * *
(٧ - ٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾: أي: دِينَ اللَّه ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾: على أعداءكم في الدنيا ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾: أي: يُشَجِّعْكم، فتَثْبُتوا لهم.
وقيل: ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾: في الآخرة، ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾: في مَواطِنِ الحساب وعلى الصِّراط؛ كما قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
стр. 6711
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾: أي: سُقوطًا على وجوههم.
وقيل: تقديرُه: فأَتْعَسَهم اللَّهُ، فقد قال بعدَه:
﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي: أَبْطَلَها.
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: أي: ذلك التَّعْسُ لهم بسبب أنهم استَثْقَلُوا ما أنزلَ اللَّهُ في كتابه على نبيِّه مِن الأمر والنهي.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: وكرَّرَ ذِكْرَ إِضْلالِ العملِ وإِحْباط العمل؛ ليكونوا كلَّما ذُكِروا يتَّصِلُ ذِكْرُهم بالذَّمِّ والتَّحْقير والإخبار بسُوء الحال عند اللَّه؛ كالمعهود في ذِكْرِ الأخيار، كلَّما أُعيدَ ذِكْرُهم وُصِلَ به رَحْمَةُ اللَّهِ، وفي حقِّ الصحابة ﵃، وفي حقِّ النبي ﷺ .
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: أفلم يَسِرْ هؤلاء المشركون؟! استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: لقد ساروا في الأرض التي تُجاوِرُ بلادَهم مِن أرض عادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ وقومِ شعيبٍ وغيرهم، فينظروا إلى سُوء عَواقبِ الأُمَم التي كفَرَتْ (١) باللَّه، وكرِهَتْ ما أنزلَ اللَّه.
﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أهلَكَهم واستأصَلَهم.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾: أي: أمثالُ تلك العُقوبات، وهي غيرُ مَذْكورةٍ، لكنَّها مدلولةٌ بذِكْرِ الدَّمار.
стр. 6712
(١١ - ١٢) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾: أي: ذلك المذكور مِن نَصْرِ المؤمنين وسُوء عِقابِ (١) الكافرين إنما هو لأنَّ اللَّهَ ناصِرُ المؤمنين والذَّابُّ عنهم والمُتَوَلِّي لأمورهم، والكافرون ليس لهم ناصِرٌ يُعينُهم ويمنعُهم ويدفعُ العذابَ عنهم، وكذلك في الآخرة حالُ الفريقين.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: هذا لأحد الفريقين. وأما الفريقُ الآخَرُ، فقد قال:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾: بنعيم الدنيا ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾: يَقْضُون الشَّهواتِ، ولا يُفَكِّرون في الآيات، ويختارون الرَّاحات ولا يَتْعَبون بالعبادات، فهُم كالأنعام التي لا عُقولَ لها.
﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾: في الآخرة؛ أي: مُقامٌ بدَلَ الجنةِ للمؤمنين.
* * *
(١٣) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً﴾: أي: كم مِن أهل بَلْدَةٍ ﴿هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً﴾؛ أي: هُم أقوى ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ﴾؛ أي: مِن أهل بلدتك مكةَ.
﴿الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾: أي: مكَروا بكَ في دار النَّدْوة، وقصَدوا أنْ يُثْبِتُوكَ (٢) أو يَقْتُلوكَ أو يُخْرِجوك، فاضطُرِرْتَ إلى الخروج منها.
стр. 6713
﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: أي: أهلَ تلك القُرى.
﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾: أي: لا مانعَ لهم بدَفْعِ العذاب عنهم، وله وجهان:
أحدُهما: أي: فما كان لهم ناصِرٌ حين نزَلَ بهم العذابُ.
والثاني: فلا ناصِرَ لهم الآن في قبورهم يَدْفَعُ عذابَ القبرِ عنهم.
* * *
(١٤) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: قال عكرمة: أي: على حُجَّةٍ وبَصيرةٍ (١).
وقال مقاتل: أي: على (لا إله إلا اللَّه) (٢).
وقال ابن عباس: أي: على دِينٍ مِن ربه (٣).
وقولُه تعالى: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: ليسا سواءً.
﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: جُمِعَ وإنْ أُفْرِدَ ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾؛ لأنَّ (مَن) فَرْدٌ لفظًا، جَمْعٌ معنًى.
قال ابن عباس: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: أبو جهل (٤).
стр. 6714
وقال مقاتل: هو أبو جهل وأبو حُذيفة بنُ المُغِيرة ونحوُهما لعنَهم اللَّهُ (١).
* * *
(١٥) - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: أي: فيما يُتْلى عليكم صفةُ الجنةِ.
وقيل: أي: صفةُ الجنةِ التي وُعِدَ المتقون (٢).
﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾: أي: غيرِ مُتَغَيِّر الرائحة.
قال قتادة: الآسِنُ: المُنْتِنُ (٣)، والفِعْلُ مِن باب (دخَلَ) و (ضرَبَ) و (عَلِمَ).
أي: لا يتغيَّرُ ماءُ الجنة كما يتغيَّرُ ماءُ الدنيا بطُول المُكْث في منافعها وفي أوانيها.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾: كما يتغيَّرُ في الدنيا، فيَصيرَ حامِضًا وقارِصًا وغيرَ ذلك.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ﴾: أي: لذيذةٍ. والِفعلُ مِن باب (علِمَ)، والنَّعْتُ: (لَذٌّ) و (لذيذٌ)، والهاءُ للتأنيث.
стр. 6715
وقولُه تعالى: ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾: أي: لذيذةِ الطَّعْم، طَيِّبةِ الشُّرْب، لا يكرَهُها الشَّارِبون كما في الدنيا، ولا يكون فيها مِن الأذى كما يكون في خَمْر الدنيا.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾: لم يخرُجْ مِن بُطونِ النَّحْل مُخْتَلِطًا بالشَّمْع والقَذى، خلَقَه اللَّهُ مُصَفًّى، لا أنْ كان مُخْتَلِطًا فصُفِّيَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: للأكل، والأنهارُ للشُّرْب.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: أي: ولهم مع ذلك عَفْوٌ لِمَا كان منهم مِن الذنوب، وقد نسُوها، فلا يتذكَّرونها؛ لئلا يتنغَّصَ الحالُ عليهم.
وقولُه تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾: وها هنا مُضْمَرٌ؛ أي: أفمَن هو صائِرٌ إلى هذا وهو خالدٌ فيه كمَن هو خالدٌ في النار؟! كما قال في الآية الأولى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية.
وقولُه تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾: أي: ويُسْقَون؛ لأنَّ ما كان في الآخرة فهو كائن لا محالةَ، فأُلحِقَ بالمُتَحَقِّق، وجُمِعَ مع إفراد قوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ بكلمة (مَن) الذي هو فَرْدٌ لفظًا، جَمْعٌ معنًى.
﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾: جَمْعُ (مِعًى).
* * *
(١٦) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾: أي: ومِن هؤلاء الذي يتمتَّعون ويأكلون كما تأكلُ الأنعام، وزُيِّنَ لهم سوءُ أعمالِهم، واتَّبَعوا أهواءَهم: قومٌ يحضُرُ الواحدُ
стр. 6716
منهم مَجْلِسَكَ الذي تتلو فيه القرآنَ ووتبيِّنُ معانيَه ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: باللَّهِ وكتابِه ودِينِه مِن أصحابكَ.
﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾: أي: أيُّ شيءٍ قال محمد الآنَ؟
ولهذا الكلام وجهان:
أحدُهما: أنْ يسمعَ الإنسانُ ولا يفهَمَ؛ لِشُغْلِ قلبِه بشيءٍ آخرَ.
والثاني -وهو أشبَهُ-: أنْ يُقال على سبيل التَّهاوُنِ بما سَمِعَ والاستهزاءِ به.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: جُمِعَ هذا مع (١) توحيد أوَّلِ الكلام؛ لِمَا مرَّ أنه ذَكَرَ كلمةَ (مَن).
﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: كذلك؛ أي: لا يَخْلُصُ فَهْمُ القرآن إلى قلوبهم؛ لأنَّ اللَّه تعالى ختَمَ عليها لِعِلْمِه باختيارهم ذلك، ولاتِّباعهم أهواءَهم دون الحق.
ويجوزُ أنْ يكون هذا في المشركين، ويجوزُ أنْ يكون هذا في المنافقين.
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾.
ثم ذَكَرَ الذين يُخالِفونهم، فقال:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾: بالقرآن ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾: أي: زادَهم اللَّهُ تعالى؛ أي: أدامَهم اللَّهُ تعالى على الهدى.
وقيل: والذين اهتدوا بالإيمان زادَهم القرآنُ رَشَدًا وبَصيرةً في دينهم.
стр. 6717
﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾: أي: ألهَمَهم اللَّهُ تَقْواهم.
وقيل: أي: أعطاهم ثوابَ تقواهم. قالَه سعيد بن جُبير (١).
وقولُه تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾: أي: ما ينتظرُ هؤلاء بإيمانهم؛ أي: بتأخيرهم الإيمانَ إلا الساعةَ، فإنْ كانوا ينتظرونها فهي لا تأتيهم إلا فَجْأةً، فإنَّ اللَّهَ تعالى طَوى عِلْمَها عن الخَلْق، فإذا أتَتْهم بَغْتةً لم يُغْنِ الإيمانُ حينئذٍ، وإنْ أرادوا الإيمانَ عند دُنُوِّها لِيَنفعَهم فهذا وقتُه.
﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾: أي: علاماتُها، فقد عُلِمَ دنوُّها فما ينتظرون؟
قال ابن عباس: ﴿أَشْرَاطُهَا﴾؛ أي: علاماتُها (٢)، انشقاقُ القمرِ والدُّخانُ (٣).
وقال محمد بن كعب: كان رسولُ اللَّه ﷺ مِن أشراط الساعة؛ لأنَّ صِفَتَه في الكتب أنَّه آخِرُ الأنبياء (٤).
وقال النبي ﷺ : "بُعِثْتُ أنا والساعةُ كهاتين، إنْ كادتْ لَتَسْبِقُني" (٥).
стр. 6718
وقولُه تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾: أي: فكيف ومن أين لهم أنْ يتذكَّروا إذا جاءتهم الساعةُ؟! قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].
* * *
(١٩) - ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: أي: فاثبُتْ على هذا.
وقال الكِنانيُّ (١): كان يضيقُ صدرُه بأذى الكفار، فقال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، لا تُعَلِّقْ قلبَكَ بأقاربكَ، واعلمْ أنه لا كاشِفَ لِما في قلبكَ سوى اللَّه (٢).
ويُقال: قيل له: ﴿فَاعْلَمْ﴾، ولم يقل له: (عَلِمْتُ)، وإبراهيم قيل له: ﴿أَسْلِمْ﴾، ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ﴾، وجوابُه مِن وجوه:
منها: أنَّ إبراهيم قال: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، فابتُلِيَ، ومحمد ﷺ لم يقل: (عَلِمْتُ)، فعُوفِيَ.
وقيل: إنَّ إبراهيم سبَقَ، فذُكِرَ جوابُه في الكتاب المُنَزَّل بعده، ولم يَنْزِلْ بعد القرآن كتابٌ آخرُ يذكُرُ فيه جوابَ محمد.
стр. 6719
وقيل: التَّسليمُ مُتَناهٍ، فيُمكِنُ الإخبارُ عنه، والعِلْمُ لا يتناهى، فلا يُمكنُ الإخبارُ عنه.
وقيل: إنَّ إبراهيم هو قال بنفْسِه: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، واللَّهُ تعالى أخبَرَ عن محمد ﷺ : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾، وهو إخبارٌ عن عِلْمه وزيادةٌ، وإخبارُ اللَّهِ تعالى عنه أعلى مِن جوابه بنفْسِه.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾: أي: لِتَقْصِيركَ، فلن يخلوَ العبدُ عنه.
وقيل: أي: لِمَا يُتَصَوَّرُ عندك أنه تقصيرٌ، فإنه يُزيلُ عن قلبكَ ما تَسْتَشْعِرُه مِن ذلك، قال النبي ﷺ : "إنه لَيُغانُ على قلبي، فأستغفرُ اللَّهَ تعالى في اليوم سبعين مرةً" (١).
وقولُه تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي: لِأُمَّتِكَ، وهي أرجى آيةٍ في القرآن، فإنه لا شك أنه ائتمَرَ بهذا الأمر، ولا شكَّ أنَّ اللَّه تعالى أجابَه فيه، فإنه لو لم يُرِدْ إجابتَه فيه لَمَا أمرَه به.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾: مُتَصرَّفَكم في الدنيا، ومُقامَكم في الآخرة؛ أي: فلن يَخْفى عليه حالُكم ومآلُكم، وهذا تأويلُ ابن عباس ﵄ (٢).
وقيل: مُتَقَّلَبَكُم بالنهار، ومثواكم بالليل.
* * *
стр. 6720
(٢٠) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾: أي: يستعجلُ المؤمنون بنُزول سورة في الجهاد والحثِّ عليه؛ لِحِرْصِهم في نُصْرة الدِّين وقَمْعِ الكافرين.
﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾: ناسِخةٌ لِما قَبْلَها مِن الحُكْم.
وقيل: مُؤَكَّدةٌ في الأمر والنهي.
وقيل: مُعْجِزةٌ بنَظْمها ومعناها، يُعْلَمُ أنها مِن اللَّه تعالى.
﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾: أي: فُرِضَ الجهادُ.
﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أي: شكٌّ ونفاقٌ.
﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾: أي: مِن حُضور أسباب الموت مِن آثار الجُبْن والفَزَع؛ مِن تغيُّرِ الوجه وانقلابِ حَلْقَةِ العين ودورانها.
وقيل: ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾؛ أي: مِن خوف الموت في القتال.
﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾: أي: فويلٌ لهم؛ كما قال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤].
* * *
(٢١) - ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: أي: كانوا يقولون: مِنَّا طاعةٌ، وهذا قولٌ معروفٌ؛ أي: حسَنٌ في العقل والشَّرع.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾: أي: جَدَّ الأمرُ بالقتال، وأتَتِ العَزيمةُ فيه، كرِهوا ذلك، هذا مُضْمَرٌ، وقيل: المُضْمَرُ: لم يُصَدِّقوا اللَّهَ.
стр. 6721
وقولُه تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾: أي: كصِدْقِ المؤمنين.
﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أي: أَنْفَعَ لهم في دِينهم ودنياهم.
* * *
(٢٢) - ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: أي: فهل تريدون إذا تركتم دِينَ محمد أنْ تعودوا إلى مِثْلِ ما كنتم عليه مِن التَّقاتُل والتَّقاطُع.
وقيل: أي: فلعلَّكم إذا أعرضتُم عن القرآن والإيمان رجعتم إلى الإفساد في الأرض وقَطيعةِ الأرحام؛ أي: تظنُّون أنْ تُهمَلوا في ذلك؛ أي: ليس كذلك.
وقيل: أي: إنْ وُلِّيتُم أَمْرَ هذه الأُمَّةِ.
قال ابن عباس ﵄: قد كان هذا، وهُم بنو أميَّةَ فعَلوا ما ذُكِرَ في الآية (١).
وقيل: إنَّ الآية في المنافقين، تولَّوا عن رسول اللَّه ﷺ ، وسعَوا في الأرض بالفساد.
وقيل: هي في الحَرُوريَّة.
стр. 6722
(٢٣) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أي: هؤلاء الذين يفعلون هذا.
﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾: عن سماع الحقِّ ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾: عن رُؤية الحقِّ.
وقيل: ﴿عَزَمَ الْأَمْرُ﴾: في الآخرة.
وقيل في قوله: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أقاويلُ أخَرُ:
قال الضحاك: أي: فهلَّا طاعةٌ للَّه، وقولٌ معروفٌ لرسوله (١).
وقال الحسن: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خيرٌ لهم مِن الكراهة والفَزَع (٢).
وقال مجاهد: أي: قولوا: طاعةٌ وقولٌ معروفٌ (٣).
وقيل: تقولون: طاعةٌ، أيها المنافقون، وهذا قولٌ معروفٌ منكم لا تعمَلون به.
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾: استفهامٌ بمعنى الأمر ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾: أي: بل على قلوبِ طائفةٍ منهم أقفالُها، استعارةٌ عن الخَتْم والطَّبْع.
أي: أقفلَ اللَّهُ على قلوبهم فلا يفهمون شيئًا، عَلِمَ اللَّهُ تعالى منهم اختيارَ ذلك، ففعَلَ بهم ذلك.
стр. 6723
وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾: قيل: رجَعوا عن طاعة اللَّه تعالى في الجهاد، فهُم هؤلاء المنافقون.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: أي: حَقِّيَّةُ الإسلامِ.
﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾: أي: زيَّنَ لهم أعمالَهم.
﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾: أي: أطالَ لهم الثَّباتَ فيه، وهو كقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢].
وقرأ أبو عمرو: ﴿وَأُمْلِيَ لهم﴾ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (١)؛ أي: أمهلَهم اللَّهُ.
* * *
(٢٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾: أي: قال المنافقون للمشركين الذين كرِهوا ما نزَّلَ اللَّهُ، فقد قال في هذه السورة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ إلى أنْ قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: أي: في بعض ما تُدَبِّرونه على المسلمين مِن المَهالِكِ، والمرادُ بالبعض: السِّرُّ، لا الجَهْرُ.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ: ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾ بكسر الألف، وهو مصدرٌ، والباقون بفتحها (٢)، وهي جَمْعُ: (سِرٍّ).
(٣١) - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: ولَنَخْتَبِرَنَّكم بالأمر والنهي؛ أي: أُعامِلكم مُعاملةَ المُخْتَبِرِ؛ لِيَظْهَرَ منكم ما سبَقَ في عِلْمِي منكم، وذلك قولُه:
﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾.
وقيل: أي: حتى أَعْلَمَهم موجودين كما كنتُ عَلِمْتُهم أنهم يوجدون.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾: أي: وحتى نَكْشِفَها، كما قال: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وقد فعَلَ ذلك بما مرَّ في سورة براءة.
وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿ولَيَبْلُوَنَّكم﴾ ﴿وَيبْلوَ أخباركم﴾ (١) بياء المغايبة رَدًّا على قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾، وقرأ الباقون بالنون (٢) رَدًّا على قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾.
وقال أنس بن مالك ﵁: ما خَفِيَ على رسول اللَّه ﷺ بعد نزول هذه الآية أحدٌ مِن المنافقين، وكان يعرِفُهم بسِيماهم، ولقد كُنَّا معه في غزوةٍ وفيها سبعةٌ مِن المنافقين، فشكاهم الناسُ، فناموا ذات ليلة، فأصبحوا وعلى جَبْهةِ كلِّ واحدٍ منهم مكتوبٌ: هذا منافقٌ، فذلك قولُه: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ (٣).
* * *
(٣٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾.