وقولُه تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾: أي: كصِدْقِ المؤمنين.
﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أي: أَنْفَعَ لهم في دِينهم ودنياهم.
* * *
(٢٢) - ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: أي: فهل تريدون إذا تركتم دِينَ محمد أنْ تعودوا إلى مِثْلِ ما كنتم عليه مِن التَّقاتُل والتَّقاطُع.
وقيل: أي: فلعلَّكم إذا أعرضتُم عن القرآن والإيمان رجعتم إلى الإفساد في الأرض وقَطيعةِ الأرحام؛ أي: تظنُّون أنْ تُهمَلوا في ذلك؛ أي: ليس كذلك.
وقيل: أي: إنْ وُلِّيتُم أَمْرَ هذه الأُمَّةِ.
قال ابن عباس ﵄: قد كان هذا، وهُم بنو أميَّةَ فعَلوا ما ذُكِرَ في الآية (١).
وقيل: إنَّ الآية في المنافقين، تولَّوا عن رسول اللَّه ﷺ ، وسعَوا في الأرض بالفساد.
وقيل: هي في الحَرُوريَّة.
стр. 6722
(٢٣) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أي: هؤلاء الذين يفعلون هذا.
﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾: عن سماع الحقِّ ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾: عن رُؤية الحقِّ.
وقيل: ﴿عَزَمَ الْأَمْرُ﴾: في الآخرة.
وقيل في قوله: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أقاويلُ أخَرُ:
قال الضحاك: أي: فهلَّا طاعةٌ للَّه، وقولٌ معروفٌ لرسوله (١).
وقال الحسن: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خيرٌ لهم مِن الكراهة والفَزَع (٢).
وقال مجاهد: أي: قولوا: طاعةٌ وقولٌ معروفٌ (٣).
وقيل: تقولون: طاعةٌ، أيها المنافقون، وهذا قولٌ معروفٌ منكم لا تعمَلون به.
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾: استفهامٌ بمعنى الأمر ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾: أي: بل على قلوبِ طائفةٍ منهم أقفالُها، استعارةٌ عن الخَتْم والطَّبْع.
أي: أقفلَ اللَّهُ على قلوبهم فلا يفهمون شيئًا، عَلِمَ اللَّهُ تعالى منهم اختيارَ ذلك، ففعَلَ بهم ذلك.
стр. 6723
وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾: قيل: رجَعوا عن طاعة اللَّه تعالى في الجهاد، فهُم هؤلاء المنافقون.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾: أي: حَقِّيَّةُ الإسلامِ.
﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾: أي: زيَّنَ لهم أعمالَهم.
﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾: أي: أطالَ لهم الثَّباتَ فيه، وهو كقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢].
وقرأ أبو عمرو: ﴿وَأُمْلِيَ لهم﴾ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (١)؛ أي: أمهلَهم اللَّهُ.
* * *
(٢٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾: أي: قال المنافقون للمشركين الذين كرِهوا ما نزَّلَ اللَّهُ، فقد قال في هذه السورة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ إلى أنْ قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: أي: في بعض ما تُدَبِّرونه على المسلمين مِن المَهالِكِ، والمرادُ بالبعض: السِّرُّ، لا الجَهْرُ.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ: ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾ بكسر الألف، وهو مصدرٌ، والباقون بفتحها (٢)، وهي جَمْعُ: (سِرٍّ).
(٣١) - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: ولَنَخْتَبِرَنَّكم بالأمر والنهي؛ أي: أُعامِلكم مُعاملةَ المُخْتَبِرِ؛ لِيَظْهَرَ منكم ما سبَقَ في عِلْمِي منكم، وذلك قولُه:
﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾.
وقيل: أي: حتى أَعْلَمَهم موجودين كما كنتُ عَلِمْتُهم أنهم يوجدون.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾: أي: وحتى نَكْشِفَها، كما قال: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وقد فعَلَ ذلك بما مرَّ في سورة براءة.
وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿ولَيَبْلُوَنَّكم﴾ ﴿وَيبْلوَ أخباركم﴾ (١) بياء المغايبة رَدًّا على قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾، وقرأ الباقون بالنون (٢) رَدًّا على قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾.
وقال أنس بن مالك ﵁: ما خَفِيَ على رسول اللَّه ﷺ بعد نزول هذه الآية أحدٌ مِن المنافقين، وكان يعرِفُهم بسِيماهم، ولقد كُنَّا معه في غزوةٍ وفيها سبعةٌ مِن المنافقين، فشكاهم الناسُ، فناموا ذات ليلة، فأصبحوا وعلى جَبْهةِ كلِّ واحدٍ منهم مكتوبٌ: هذا منافقٌ، فذلك قولُه: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ (٣).
* * *
(٣٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾.
стр. 6726
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾: أي: عادَوه وخالَفوه.
﴿بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: أي: لن يضُرُّوا رسولَه والمؤمنين بكَيْدٍ ولا حِيلَةٍ، ولا يُنْقِصُوا مِن مُلْكِ اللَّه تعالى شيئًا.
وقولُه تعالى: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾: مرَّ تفسيرُه مرَّاتٍ.
ويجوزُ أنْ يكون في المنافقين، ويجوزُ أنْ يكون في المشركين، وقد قال هؤلاء لهؤلاء: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾، فأخبَرَ أنَّ كيد هؤلاء وهؤلاء لا يضُرُّ أولياءَ اللَّهِ شيئًا.
* * *
(٣٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: بتَرْكِ طاعةِ اللَّه وطاعةِ رسوله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢].
قال مقاتل: إنَّ أسدًا وخُزيمةَ أتوا النبيَّ ﷺ ، فأسلَموا، وقالوا: أتيناكَ بأولادنا (١)، وترَكْنا أموالَنا وعشائرَنا، فإنَّ العربَ لم يُؤمنوا بكَ إلا مِن بعد ما قاتلوك ولم نُقاتِلْكَ، فلنا عليكَ مِنَّةٌ، فنزلَتْ: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ بالمَنِّ (٢).
стр. 6727
وقال الإمام القُشَيري: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾: بالرِّياء والعُجْب والملاحظة.
وقيل: أي: بالسُّكون إليها.
وقيل: أي: بطلَبِ الأَعْواضِ عليها.
وقيل: أي: بأنْ تتوهَّموا أنَّه يجب بها شيءٌ بدون فَضْلِ اللَّه (١).
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾: وهو كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
وقال مقاتل: هي في رُؤَساء مكَّةَ الذين قُتِلوا ببدرٍ (٢).
وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾: أي: فلا تَضْعُفوا ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: أي: لا تَجْبُنوا عن قتالهم، ولا تَدْعوهم إلى الصُّلح، فأنتم الأَعْلَون قَدْرًا ويَدًا.
﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾: أي: حافظُكم وناصرُكم ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾؛ أي: ولن يَنْقُصَكم ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾؛ أي: أُجورَ أعمالِكم.
* * *
стр. 6728
(٣٦) - ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: تَضْمَحِلُّ عن قريبٍ، فلا يحصُلُ الإنسانُ منها إلَّا على ما يحصُلُ مِن اللَّعِب واللَّهْو، فلا يَحْمِلَنَّكم حبُّها على أنْ تبخلوا بأنفسكم وأموالكم عن الجهاد في إحياء الدِّين، والدُّعاءِ إلى الإيمان والتقوى.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾: أي: تَثْبُتوا على الإيمان، وتتَّقوا العِصْيان ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾: وهي أكبرُ مِن الحياة الدنيا وما فيها، فإنَّ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ﴾: أي: اللَّهُ. وقيل: رسولُ اللَّهِ ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾: أي: كلَّها، بل خمسةً مِن مئتين، ونصفَ دينارٍ مِن عشرين دينارًا، وقليلًا من كثير.
وقال سفيان بن عُيَيْنةَ: غَيْضًا مِن فَيْضٍ، فطِيبوا بها أنفُسًا (١).
وقيل: ليستْ أموالَكم، بل هي أموالُ اللَّهِ.
* * *
(٣٧ - ٣٨) - ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.
﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾: الإِحْفاءُ: هو الإلحاحُ والاستِقْصاءُ.
﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ﴾: أي: اللَّهُ. وقيل: البُخْلُ.
стр. 6729
﴿أَضْغَانَكُمْ﴾: جَمْعُ ضِغْنٍ، وهو الحِقْدُ؛ أي: كراهتكم.
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾: أي: يا هؤلاء ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: إلى أنْ تُنْفِقوا.
﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾: أي: على نفْسِه، فإنَّ ضررَه على نفْسِه، والحِرْمانَ راجعٌ إليه.
وقيل: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾؛ أي: عن بُخْلِ نفْسِه، ولو كان جوادًا لم يَبْخَلْ.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾: عن نفقاتكم ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾: إلى ثواب اللَّه (١).
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾: عن الإنفاق في سبيل اللَّه ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: أي: يُهْلِكْكُمُ اللَّهُ، ويأتِ بقومٍ آخَرين ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾: في البُخْل والإمساك.
روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه سُئِلَ عن هذه الآية: مَن هؤلاء؟ فأشار إلى سَلْمانَ، وقال: "هذا وقومُه" (٢).
стр. 6730
قال ابن عباس ﵄: هُم كِنْدَةُ والنَّخَعُ (١).
وقال عكرمة: هُم فارسُ والرُّومُ (٢).
وقال الحسن: هُم العَجَمُ (٣).
وقال محمد بن كعب: هُم الفُرْسُ (٤).
والحمدُ للَّه ربِّ العالمين
* * *
стр. 6731
سورة الفتح
стр. 6732
سورة الفتح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّهِ الذي غفَرَ لرسوله ما تقدَّمَ مِن ذَنْبه وما تأخَّر، وأتمَّ نعمتَه عليه، وهداه صراطًا مستقيمًا، الرَّحمنِ الذي له مُلْكُ السماوات والأرض، يغفِرُ لمن يشاء ويُعذِّبُ مَن يشاء، وكان اللَّه غفورًا رحيمًا، الرَّحيمِ الذي وعَدَ الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ الفَتْحِ كان له مِن الأجر كأنما كان مِمَّن بايعَ محمدًا تحت الشجرة" (١).
وهذه السورة مدنيَّةٌ، وهي تسعٌ وعشرون آيةً، وخمسُ مئةٍ وستون كلمةً، وألفان وأربعُ مئةٍ وأحدٌ وعشرون حرفًا.
وانتظامُ آخرِ تلك السورة بأوَّل هذه السورة: أنَّه حثَّ في آخر تلك المؤمنين على الجهاد والإنفاق في ذلك، وافتتَحَ هذه السورةَ بذِكْر ما يَتْبَعُه مِن الفُتوح، وما يتَّصِلُ به مِن الكرامات لرسوله والمؤمنين بذلك.
وانتظامُ السورتين: أنَّ تلك في ذِكْر الذين كفروا وصَدُّوا عن سبيل اللَّه، وهذه
стр. 6733
السورةُ في بيان صَدِّهم رسولَ اللَّهِ ﷺ والمؤمنين عامَ الحُدَيْبِيَةِ عن المسجد الحرام، وما نزَلَ فيه مِن المواعيد على رسول اللَّه ﷺ .
* * *
(١) - ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾: ذُكِرَ أنَّ رسول اللَّه ﷺ خرَجَ سنة ستٍّ مِن الهجرة في ذي القَعْدة يُريدُ العمرةَ ولا يُريدُ حَرْبًا، وخرَجَ معه المهاجرون والأنصار وكثيرٌ مِن قبائل العرب، وساقَ معه الهَدْيَ، وأحرَمَ مِن ذي الحُلَيْفة (١) لِيُعْلِمَ الناسَ أنه ما خرجَ مُحاربًا، وإنما خرَجَ زائرًا للبيت ومُعَظِّمًا له، فلما انتهى إلى ثَنِيَّةِ مُرَارٍ (٢) التي يُهْبَطُ منها على الحُدَيْبِيَةِ، برَكَتْ ناقةُ رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال الناس: خَلَأَتِ العَضْباءُ (٣)، خلَأَتِ العَضْباءُ وبرَكَتْ، فقال: "واللَّهِ ما خلَأَتْ، وما ذلك لها بخُلُقٍ، ولكنْ حبَسَها حابِسُ الفيل عن البيت، واللَّهِ لا تسألُني قريشٌ خُطَّةً فيها تعظيمُ البيت إلا أجَبْتُهم إليها، فلما قال هذا القولَ انبعثَتِ (٤) العَضْباءُ، ونزَلَ بالحُدَيْبِيَةِ (٥).
стр. 6734
وقيل: لما كان بعُسْفانَ (١) لَقِيَه بشرُ بن سفيانَ الكَعْبِيُّ، فقال: يا رسولَ اللَّه، هذه قريش قد سمِعَتْ بمَسيركَ، فخرجوا ومعهم العُوذُ المَطافيلُ (٢)، وقد لبِسوا لك جُلودَ النَّمِر، يُعاهدون اللَّهَ تعالى لا تدخُلُها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خَيْله قد قدَّموه إلى كُراع الغَميم (٣)، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا وَيْحَ قريشٍ، ماذا عليهم لو ماددتُهم مُدَّةً وخلَّوا بيني وبين سائر العرب، فإنْ هم أصابوني كان ما أرادوا، وإنْ أظهرَني اللَّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإنْ لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوةٌ، فما تظنُّ قريشٌ؟! فوَاللَّهِ لا أزال أُجاهدُهم (٤) على الأمر الذي بعثَني به حتى يُظْهِرَه اللَّه".
ثم قال: "مَن يسلُكُ بنا غير طريقهم؟ "، فسَلَكَ بهم رجلٌ مِن أسلَمَ طريقًا وَعِرًا أخرجهم على (٥) مَهْبَطِ الحُدَيْبِيَةِ، فنزَلَ بَطْنَ الحُدَيْبِيَة، ثم قال للناس: "انزلوا"، فقيل: يا رسولَ اللَّه، ما بالوادي ماءٌ ينزِلُ عليه الناسُ، فأخرجَ سَهْمًا مِن كِنانته، فأعطاه رجلًا مِن أصحابه، فنزلَ في قَليبٍ (٦). . . . . .
стр. 6735
مِن تلك القُلَب، فغَرَزَه فيه، فجاشَ (١) بالرِّواء (٢) حتى ضرَبَ الناسُ عليه بعَطَنٍ (٣).
فلما اطمأنَّ رسولُ اللَّه ﷺ أتاه بُدَيْلُ بن الوَرْقاء في رجال مِن خُزاعةَ، وكلَّموه، وسألوه: ما الذي جاء به؟ فقال: "إنما لم نأتِ نريد حَرْبًا، وإنما جئنا زائرين لهذا البيت، ثم قال لهم نحوًا مما قاله لبِشْر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش، فقالوا لهم: إنكم تَعْجَلون على محمد، إنَّ محمدًا لم يأتِ لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت، فنَهْنَهُوهم (٤) وتجهَّموهم (٥)، فقالوا: واللَّهِ لا يدخُلُ علينا عَنْوةً أبدًا، ولا تَحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنا ضُغْطَةً (٦)، فبعثوا إليه مِكْرَزَ (٧) بنَ حفصِ الأَخْيَفِ، فلما رآه رسول اللَّه ﷺ كلَّمه وقال له نحوًا مما كلَّمَ به بُدَيْلًا، فرجعَ إلى قريش فأخبرَهم بما قال، فبعَثوا إليه الحُلَيْسَ بن عَلْقَمة وَكان سيِّدَ الأحابيش، فلما رآه رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ هذا مِن قومٍ يتألَّهون -التألُّه: التعبد، يتألَّهون: يتعبدون ويتنسكون- فابعثوا الهَدْيَ في وجهه حتى يراه"، فلما رأى الهَدْيَ يَسيلُ عليه مِن عُرْض الوادي (٨) في
стр. 6736
قَلائده، رجَعَ إلى قريش، ولم يَصِلْ إلى رسول اللَّه إعظامًا لِما رأى، وقال: يا مَعْشَرَ قريش، إني قد رأيتُ ما لا يحِلُّ صدُّه: الهَدْيَ في قلائده، قالوا له: اجلسْ، فإنما أنت أعرابيٌّ لا عِلْمَ لكَ.
ثم بعَثوا إلى رسول اللَّه ﷺ عُرْوَةَ بنَ مسعود الثَّقَفيَّ، فقال: يا مَعْشَرَ قريشٍ، إني قد رأيتُ ما لَقِيَ منكم مَن بعثتم إلى محمد مِن التَّعنيف، وأنتم تعلمون نُصْحي لكم، فقالوا: ما أنتَ عندنا بمُتَّهَمٍ، فخرجَ حتى أتى النبي ﷺ ، فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد، أَجَمَعْتَ أَوْباشَ الناسِ، ثم جئتَ بهم إلى بيضتكَ (١) لِتَفُضَّها بهم؟! فهل رأيتَ أحدًا استأصلَ أهلَه قَبْلَكَ؟! ثم إني أرى أَوْباشًا حولكَ خَليقٌ بهم أنْ يِفرُّوا عنكَ ويدَعوكَ.
فقال أبو بكر الصديق ﵁ وهو قاعدٌ خَلْفَ رسولِ اللَّه ﷺ : امْصُصْ بظرَ اللَّاتِ، أنحن نفِرُّ عنه وندَعُه؟! فقال: مَن هذا يا محمد؟ فقال: هذا ابنُ أبي قُحافة، فقال: أما واللَّهِ لولا يدٌ كانت لكَ عندي لكافأتُكَ ولكنْ هذه بهذه، ثم جعلَ يُكَلِّمُ رسولَ اللَّه ﷺ ويتناولُ لِحْيتَه.
قال: والمغيرةُ بنُ شُعْبةَ واقفٌ على رسول اللَّه ﷺ في الحديد، فجعل يَقْرَعُ يدَه إذا تناول لِحْيةَ رسولِ اللَّه ﷺ ، ويقول له: نَحِّ يدَكَ عن وجه رسول اللَّه ﷺ قبلَ أنْ لا تَصلَ إليكَ، فيقول عُرْوةُ: وَيْحَكَ ما أَفَظَّكَ وما أَغْلَظَكَ! فتبسَّمَ رسول اللَّه ﷺ ، فقال له عُرْوة: مَن هذا؟ قال: هذا ابنُ أخيك (٢) المغيرةُ بن شعبة، فقال: أيْ غُدَرُ، هل سعيتُ (٣)
стр. 6737
في غَدْرَتكَ إلا بالأمس (١)؟! فكلَّمه رسولُ اللَّه ﷺ بنحو ما كلَّمَ به أصحابَه، وأخبرَه أنه لم يأتِ يُريدُ حَرْبًا.
فقام مِن عند رسول اللَّه ﷺ وقد رأى ما يصنَعُ أصحابُه، لا يتوضَّأُ إلا ابتدَروا وَضوءَه، ولا يبصُقُ بُصاقًا إلا ابتدَروه ودلَكوا به وجوهَهم، ولا سقَطَ مِن شَعْره شيءٌ إلا أخذوه، فرجع إلى قريش، فقال: يا مَعْشَرَ قريشٍ، إني قد جئتُ كسرى في مُلْكه، والنَّجاشيَّ في مُلْكه، وقَيْصَرَ في مُلْكه، وإني واللَّهِ ما رأيتُ مَلِكًا في قوم قطُّ مِثْلَ محمد في أصحابه، ولقد رأيتُ قومًا لا يُسْلِمونه لشيءٍ أبدًا، وقد عرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقبلوها منه.
وكانت قريشٌ بعثوا أربعين رجلًا أو خمسين، وأمَرُوهم أنْ يُطِيفوا بعسكر رسول اللَّه ﷺ لعلَّهم يُصيبون مِن أصحابه أحدًا، فأُخِذوا وأُتِيَ بهم رسولُ اللَّه ﷺ ، فعفى عنهم، وخلَّى سبيلَهم، وقد كانوا رَمَوا في عسكر رسول اللَّه ﷺ بالحجارة والنَّبْل.
ثم دعا عمرَ بن الخطاب ﵁ لِيَبْعثَه إلى مكة، فيُبَلِّغَ عنه أشرافَ قريشٍ ما جاء له، فقال: يا رسولَ اللَّه، إني أخافُ قريشًا على نفْسي، وليس بمكَّةَ أحدٌ مِن بني عَدِيِّ بن كعب يمنعُني منهم، وقد عرَفَتْ قريشٌ عَداوتي لهم وغِلْظَتي عليهم، ولكنْ أدلُّكَ على رجل هو أَعَزُّ بها مني، عثمانَ بن عفان، فدعا رسولُ اللَّه ﷺ عثمانَ، فبعثَه إلى أبي سفيانَ وأشرافِ قريشٍ يُخبِرُهم أنه لم يأتِ لحربٍ، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، فخرَجَ عثمان ﵁ إلى مكة، فلَقِيَه أَبانُ بنُ سعيدِ بن
стр. 6738
العاصِ حين دخَلَ مكةَ أو قَبْلَ أنْ يدخُلَها، فنزلَ عن دابَّته، وحمَلَه بين يديه، ثم رَدِفَه وأجارَه حتى بلَّغَ رسالةَ رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال لعثمانَ حين فرَغَ مِن رسالة رسول اللَّه ﷺ إليهم: إنْ شئتَ أنْ تطوفَ بالبيت فطُفْ به، قال: ما كنتُ لِأفعلَ حتى يطوفَ به رسولُ اللَّه ﷺ ، واحتبَسَتْه قريشٌ عندها، فبلَغَ رسولَ اللَّه ﷺ والمؤمنين أنَّ عثمانَ قد قُتِلَ، فقال رسول اللَّه ﷺ حين بلَغه ذلك: "لا نبرَحُ حتى نُناجِزَ القومَ"، ودعا الناسَ إلى البَيْعة، فكانت بَيْعةُ الرِّضوان تحت الشجرة.
وكان الناس يقولون: بايعَهم رسولُ اللَّه ﷺ على الموت.
وكان جابر بن عبد اللَّه يقول: إنما بايعَنا على أنْ لا نَفِرَّ.
فبايعَ رسول اللَّه ﷺ [الناس]، ولم يتخلَّفْ عنه أحدٌ مِن المسلمين إلا الجَدَّ بن قيس، ثم بلَغَ رسولَ اللَّه ﷺ أنَّ ما ذُكِرَ له مِن أمرِ عثمانَ باطلٌ، ثم بعثَتْ قريشٌ إلى رسول اللَّه ﷺ سُهيلَ بن عمرو، فقالوا له: ائتِ محمدًا فصالِحْه، ولا يكونُ في صلْحِه إلَّا أنْ يرجِعَ عنا عامَه هذا، فواللَّهِ لا تَحَدَّثُ العربُ أنه دخلَها علينا عَنْوةً أبدًا.
قال: فأقبلَ سُهَيلٌ، فلما رآه رسولُ اللَّه ﷺ قال: "قد سَهُلُ عليكم أمرُكم، وما أرادَ القومُ إلا صُلْحًا"، فلما انتهى سُهَيلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ تكلَّمَ، فأطالَ الكلامَ، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصُّلْحُ، فلما التَأَمَ الأمرُ دعا رسولُ اللَّه ﷺ عليَّ بنَ أبي طالب ﵁ لِيَكْتُبَ كتابَ الصلْحِ (١)، فكتب: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، فقال سُهيلٌ: إنا لا نعرِفُ الرَّحمنَ، فاكتُبْ ما نعرِفُ، اكتُبْ: (باسمكَ اللَّهُمَّ)، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اكتُبْ: باسمكَ اللَّهُمَّ"، قال: فكتبتُها، ثم قال: "اكتُبْ هذا ما صالحَ عليه رسولُ اللَّهِ سُهيلَ بنَ عمرو"، فقال سُهيلٌ: لو عَلِمْنا أنَّكَ رسولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ
стр. 6739
عن البيت، ولكن اكتُبِ اسمكَ واسمَ أبيكَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اكتُبْ هذا ما صالحَ عليه محمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ سهيلَ بنَ عمرو على أنَّ الحربَ موضوعةٌ بين الناس عشرَ سنين، يَأْمَنُ فيه الناسُ، ويَكُفُّ بعضُهم عن بعض، على أنَّ مَن أتى رسولَ اللَّهِ ﷺ مِن قريشٍ ردَّه عليهم، ومَن جاء قريشًا ممَّن مع رسول اللَّه ﷺ لم يَرُدُّوه عليه، وأنَّ بيننا عَيْبةً مَكْفُوفةً (١)، وأنَّه لا إِسْلالَ ولا إِغْلالَ (٢)، ومَن أحبَّ أنْ يدخُلَ في عَقْدِ قريشٍ وعَهْدِهم دخَلَ فيه، ومَن أحَبَّ أنْ يدخُلَ في عَقْد رسولِ اللَّه ﷺ وعَهْدِه دخَلَ فيه، وأنَّكَ ترجِعُ عنا عامَكَ هذا، فلا تدخُلُ علينا مكةَ، وأنَّه إذا كان العامُ القابلُ خَرَجْنا عنها فدخَلْتَها بأصحابكَ، فأقَمْتَ بها ثلاثًا ومعكَ سلاحُ الرَّاكبِ، والسُّيوفُ في القُرَب، لا تدخلُها بغيرها.
فبينا رسولُ اللَّهِ ﷺ يكتُبُ الكتابَ وسهيلَ بنَ عمرو إذْ أقبَلَ أبو جَنْدَلِ بن سُهيلِ ابن عمرو يرسُفُ (٣) في قيوده، قد انفلَتَ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآه سُهيلٌ قامَ إليه، وضرَبَ وجهَه، وأخذ بِلَبَّتِه، وقال: يا محمد، هذا أوَّلُ العهدِ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ يقول: "إنا لم نختِمِ الكتابَ بعدُ، فأَجِزْ لي هذا الواحدَ"، فقال: واللَّهِ لا أفعَلُ، فردَّه رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فجعل أبوه يَجُرُّه معه، وجعلَ أبو جَنْدَلٍ يصرَخُ بأعلى صوته: يا مَعْشَرَ المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين يَفْتِنوني عن ديني؟! فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أبا جَنْدَلٍ، احتسِبْ،
стр. 6740
فإنَّ اللَّهَ جاعلٌ لكَ ولِمَن معكَ مِن المُسْتَضْعَفين فرَجًا ومَخْرَجًا، إنَّا قد عقَدْنا بيننا وبين القوم صُلْحًا، وأعطيناهم على ذلك كِتابًا، وأعطَونا عَهْدًا، وإنا لا نَغْدِرُ بهم".
ورُوِيَ أنَّ عمر ﵁ قام إلى أبي جَنْدَلٍ وجعل يمشي معه ويقول له: اصبِرْ يا أبا جَنْدَلٍ، فإنما هُم المشركون، وإنما دمُ أحدِهم مِثْلُ دمِ الكلب، قال: وجعَلَ يُدْني إليه قائمةَ سيفِه رجاءَ أنْ يأخُذَ منه السَّيفَ، فيَضْرِبَ به أباه، قال: فضَنَّ الرجلُ بأبيه.
فلما قضى الكتابَ، وأشهدَ على الصُّلْح رجالًا مِن المسلمين ورجالًا مِن المشركين، وانصرفَ رسولُ اللَّه ﷺ مُتَوَجِّهًا إلى المدينة بعدما أمرَ الناسَ بأنْ يُحِلُّوا، جاء عمرُ إلى أبي بكر ﵄، فقال: أليس رسولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: بلى، فقال: ألسنا مِن المسلمين؟ قال: بلى، فقال: ألسنا على الحقِّ وهُم على الباطل؟ قال: نعم، فقال: فعلامَ نُعطِي الدَّنِيَّةَ في دِيننا؟ قال أبو بكر: يا عمرُ، إنه رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وإنه يفعلُ ما يُؤْمَرُ، فالزَمْ غَرْزَه.
قال: ثم أتى عمرُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألستَ رسولَ اللَّهِ؟ قال: "بلى"، قال: ألسنا على الحقِّ وهُم على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نُعطِي الدَّنِيَّةَ في دِيننا؟ فقال: أنا عبدُ اللَّهِ ورسولُه، وإني أفعلُ ما أومَرُ، ولن يُضَيِّعَني اللَّهُ، قال: فكان عمرُ يقول: ما زلتُ أصومُ وأتصدَّقُ وأُعْتِقُ وأُصَلِّي مِن الذي صَنَعْتُ يومئذٍ مَخافةَ كلامي الذي تكلَّمْتُ به، وعَلِمْتُ يومئذٍ فَضْلَ عِلْمِ أبي بكر على عِلْمي.
قال: فلما انصرفَ رسولُ اللَّه ﷺ قافلًا نحو المدينة حتى إذا كان بين مكةَ والمدينةِ نزلَتْ سورةُ الفتحِ، فما كان في الإسلام فتحٌ قَبْلَه أعظمَ منه، إنما كان القتالُ
стр. 6741
حيث التقى الناسُ، فلما كانت الهُدْنَةُ، ووَضَعَتِ الحربُ أوزارَها، وأمنَ الناسُ، والتقَوا، وتفاوضوا الحديثَ، فلم يُكَلَّمْ أحدٌ بالإسلام يعقِلُ إلا دخَلَ فيه، ودخَلَ في السِّنين في الإسلام مثلُ مَن كان في الإسلام قَبْلَ ذلك أو أكثرُ (١).
وبعثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في هذه المدة دُعاةً، فوجَّهَ دِحْيةَ الكلبيَّ إلى هِرَقْلَ وغيرِه، وقرأ رسولُ اللَّه ﷺ بالحُدَيْبِيَةِ على أصحابه هذه السورةَ، وفيها بشارةٌ للنبيِّ ﷺ ثم للمؤمنين، ثم وعيدُ المشركين والمنافقين، ثم وَعْدٌ بالمَغانم والفُتوحِ للمسلمين، وبدخول مكةَ آمِنين، وأنجزَ (٢) اللَّهُ تعالى ذلك، فدخلوه في العام القابل سنةَ سبعٍ، ثم فُتِحَتْ مكةُ سنةَ ثمانٍ، وحجَّ أبو بكرٍ سنةَ تسعٍ، ثم حجَّ النبيُّ ﷺ سنةَ عشرٍ، ونزلَ يومَ عرفةَ وهو بعرفاتٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ تحقيقًا لمواعيد هذه السورة.
ولَمَّا قرأَ عليهم هذه السورةَ قالوا: أَفَتْحٌ هو؟ قال: "نعم"، يعني: كان في الظَّاهر صَدًّا عن المسجد الحرام، وانغِلاقًا لِمَا أرادوه، لكنه كان فَتْحًا معنًى؛ لأنَّه كان سببًا لِتَتابُعِ الفُتوح عليهم، وانفتاحِ الطُّرُق على مَن كان لا يَصِلُ إليه، ووُفودِ رسلِ الملوك مِن أقطار الأرض، ثم تتابعَتِ الفتوحُ بعده على ما وعَدَ، وأثابَهم فتحًا قريبًا: فَدَكَ، وخَيْبرَ، وفتحَ مكَّةَ، وما ذكَرَ في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] في عصر الصحابة، ثم تتابَعَ فتوح البلاد.
стр. 6742
قولُه تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾: قال أنس ﵁: أي: قضينا لك (١)؛ وهو كما قال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾: أي: قضاءً بَيِّنًا تَظهرُ آثارُه إذا أمضيناه وأبرزنا مَكْنونَه، وهو ما ألهمناكَ مِن هذا الصلْح الذي هو سببٌ لانفتاح أمور يظهرُ به الدِّين، وتكثُرُ بعده الفُتوحُ على المسلمين؛ لِتَقِفَ على إنعامنا، وتشكُرَ لنا، فتستحِقَّ به المغفرةَ وإتمامَ النِّعمة وإدامةَ الهدايةِ والنَّصْرِ والعِزَّةِ، وذلك قولُه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ الآيات.
وقال الكلبي ومقاتل رحمهما اللَّه: أرادَ به فتحَ الحُدَيْبِيَةِ (٢).
وقال الشَّعبي: نزلت يومَ الحُدَيْبِيَةِ، وبايعَه المسلمون بها بَيْعَةَ الرِّضْوان، وأُطْعِموا نخيلَ خيبرَ، وظهَرَت الرُّومُ على فارسَ، وفَرِحَ به المسلمون (٣).
وقال عَطِيَّة: أراد به فَتْحَ خَيْبَرَ (٤).
وقال سعيد بن جُبير: لبِثَ رسولُ اللَّه ﷺ في غزوة الحُدَيْبِيَةِ خمسةً وأربعين يومًا، وفيها كانت بيعةُ الرِّضْوان تحت الشجرة (٥).
стр. 6743
وقيل: أي: إنا نفتَحُ، ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه كائنٌ، وهو كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾: أي: يأتي.
وقيل: أي: فتَحْنا لكَ أبوابَ العلوم والخيرات.
وقال ابن عباس: الفتحُ المُبين هو فتحٌ مِن غير قتالٍ (١).
* * *
(٢) - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾: قيل: اللامُ على ظاهره، واتِّصالُه بالأوَّل بما ذكَرْنا؛ أي: لِتشكرَ اللَّهَ تعالى على هذا، فيَغْفِرَ اللَّهُ لكَ بذلك، وتقديرُه: لِيغفِرَ لكَ اللَّهُ إذا شكَرْتَ هذه النِّعمةَ.
وقال أبو حاتمٍ سَهْلُ بن محمد: اللامُ لامُ القسَمِ، ولكنْ لَمَّا حُذِفَتِ النُّونُ مِن فِعْلِه كُسِرَتْ اللامُ ونُصِبَ فعلُها تشبيهًا لها بلام (كي)، وتقديرُه: لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ لكَ، وكذا ما بعده (٢).
وقال بعضهم: كان وعَدَ اللَّهُ الفَتْحَ والمغفرةَ، فلما أنجزَ وعدَه بالفتح ذكَرَ له أمرَ المغفرةِ أيضًا باللام، وكان الفتحُ علامةً لها لا عِلَّةً.
стр. 6744
وقال الحسين بن الفَضْل ﵀: لا يجوز أنْ يكون الفتحُ عِلَّةً للمغفرة، واللامُ للتعليل، فلم يكن اتِّصالُه لذلك، لكنْ يتَّصِلُ هذا بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. . . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ الآيات (١).
وقال مقاتل: إنَّ اللَّه تعالى أنزلَ عليه وهو بمكة قولَه: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾، ففرِحَ بذلك أهلُ مكَّةَ، وقالوا: ما أمرُنا وأمرُه عند إلهه الذي يعبُدُه إلا واحدٌ، ولولا أنَّه ابتدعَ هذا الأمر عن هواه لكان ربُّه يُخبِرُه بما يفعل به، وشَقَّ ذلك على المؤمنين، فلمَّا قدِمَ المدينةَ قال عبد اللَّه بن أُبيٍّ: كيف تتَّبعون رجلًا لا يدري ما يُفعَلُ به، ولا يدري ما يُفعَلُ بأصحابه، فلما رأى اللَّهُ فرَحَ المشركين وحُزْنَ المؤمنين، أنزلَ عليه بعدما رجع مِن الحُدَيْبِيَةِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾؛ أي: قبل المَبْعَثِ، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: أي بعد المَبْعَثِ (٢).
فأخبرَ رسولُ اللَّه ﷺ أصحابَه بذلك، وقال: لقد نزلت عليَّ سورةٌ ما يسُرُّني بها حُمْرُ النَّعَم" (٣)، ثم قرأها عليهم فقالوا: طوباكَ يا رسولَ اللَّهِ، فأنزل اللَّه تعالى الآيةَ التي في الأحزاب: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧].
وقولُه تعالى: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾: أي: مِن زلَّتِكَ، ولا نبحثُ عن ذلك
стр. 6745
بتعيينه؛ لأنَّه طلَبُ النَّقْصِ فيه، وهو باطلٌ، ويُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تعالى عاتبَه على شيء ثم غفَرَه له، ولا حاجةَ بنا إلى معرفة ذلك بعينه.
وقيل: هو غُفْرانُ عِصْمَةٍ.
وقيل: ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾: زلَّةُ آدمَ ﵇، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: ذُنوبُ أمَّتِه. قاله عطاء بن أبي مُسْلم الخُراسانيُّ ﵀ (١).
وقولُه تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: قيل: بإظهار الدِّين.
وقيل: بإعطاء الشفاعة.
وقيل: بالقسَمِ بقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾.
وقيل: بالمعراج.
وقيل: برُؤْيَةِ اللَّهِ غدًا، وحقَّقَ ذلك بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
وقولُه تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: أي: ويُثَبِّتَكَ على الصواب والسَّداد.
* * *
(٣) - ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾: أي: يُعِينَكَ على أعدائكَ ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾؛ أي: مُعِزًّا يُعِزُّ (٢) ذلك النَّصْرُ مَن آمنَ بِكَ.
قالوا: ولَمَّا نزلَتْ هذه الآياتُ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، طُوباكَ، هذا لكَ، فما لنا؟ فأنزل اللَّه تعالى ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ الآية [الفتح: ٥].
стр. 6746
وفي حقِّ النُّصْرَةِ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
وفي حقِّ إتمامِ النِّعْمَةِ: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
وفي حقِّ الهداية: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠].
* * *
(٤) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾؛ أي: الطُّمَأْنِينةَ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾: أي: يقينًا مع يقينهم.
وقال ابن عباس ﵄: السَّكينةُ: الطُّمَأْنِينةُ في قلوبهم يوم صَدَّ المشركون رسولَ اللَّه ﷺ وأصحابَه عن دخول مكة، فأذهبَ عنهم الحَمِيَّةَ واطمأنُّوا ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ أي: تصديقًا مع تصديقهم (١).
وقال أيضًا: بَعَثَ اللَّهُ تعالى نبيَّه بشهادةِ أنْ لا إله إلا اللَّه، فلمَّا صدَّقوه فيها زادَهم اللَّهُ تعالى الصلاةَ، فلما صدَّقوه زادَهم اللَّهُ الزكاةَ، فلما صدَّقوه زادَهم اللَّهُ الصيامَ، فلما صدَّقوه زادَهم اللَّهُ الحجَّ، فلما صدَّقوه زادَهم الجهادَ، ثم أكمَلَ لهم دِينَهم، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٢).
стр. 6747
وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: لو أرادَ اللَّهُ إِهلاكَ المشركين الصَّادِّين رسولَ اللَّهِ والمؤمنين عن البيت لم يُعْجِزْه ذلك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾: أي: بما كان، وبما يكون ﴿حَكِيمًا﴾: أي: فيما يفعلُه به وبكم.
* * *
(٥) - ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي: لِيكون ازديادُ تصديقِهم ويقينِهم سببًا لإدخالِهم الجنةَ.
﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: عَطْفٌ عليه.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: في حُكْمِ اللَّه، وقيل: في الآخرة.
فَوْزًا عَظِيمًا﴾: ظفَرًا بكل مَحبوبٍ، وأَمْنًا مِن كل مَرْهوبٍ.
* * *
(٦) - ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾: أي: ولِيُعَذِّبَهم في الدنيا بإيصال الأحزان بهم بعُلُوِّ المؤمنين، وتَسليطِ النَّبيِّ عليهم قَتْلًا وأَسْرًا واستِرْقاقًا.
﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: وهو ما توهَّموه أنَّ اللَّهَ يَخْذُلُ رسولَه والمؤمنين، وهو ما قال بَعْدَ هذا: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾.
стр. 6748
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو بضَمِّ السين، وهو مصدرٌ، والباقون بالفتح (١)، وهو نَعْتٌ.
والدَّائرةُ: الرَّاجِعةُ بخيرٍ أو بشَرٍّ، وها هنا أُضِيفَ إلى السَّوء، فأُريدَ بها: دائرةُ الأمر السَّوء.
أي: أكذَبَ اللَّهُ ظنَّهم، وجعلَ دائرةَ السَّوءِ (٢) عليهم، فدخلَ النبيُّ العامَ القابلَ مكةَ، وأجلى عنها مَن امتنعَ عن الإسلام، وقهرَ أهلَها على ما أراد منهم مِن الإسلام أو الجَلاء.
وقولُه تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: وهذا كلُّه في حقِّ مَن مات منهم أو قُتِلَ على شركه أو نفاقه.
* * *
(٧) - ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أعاد هذا؛ لأنَّ الأوَّلَ في معنى التَّهديد للمشركين الصَّادِّين رسولَ اللَّهِ والمؤمنين عن مكة، وهذا في حقِّ كلِّ المنافقين والمشركين.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾: أي: مَنيعًا لا يُرَدُّ بأسُه ﴿حَكِيمًا﴾: يضَعُ الإمهال مَوْضِعَه (٣)، وقد بيَّنَ حِكْمةَ ذلك بقوله في هذه السورة: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية.
وقال مقاتل بن حيان: لَمَّا نزل قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾، قال عبد اللَّه بن
стр. 6749
أُبَيٍّ: ما نحن وهم -يعني: الصَّحابةَ- إلا في منزلةٍ واحدةٍ، فأنزل اللَّه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ (١).
* * *
(٨) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: فسَّرْناه في سورة الأحزاب.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾؛ أي: بعثناكَ إلى أُمَّتِكَ شاهدًا بالبلاغ إليهم ﴿وَمُبَشِرًا﴾ بالقرآن المؤمنين بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ (٢) بالقرآن الجاحدين بالنار (٣).
وقيل: ﴿شَاهِدًا﴾: على الرسل والكتب بالصِّدق ﴿وَمُبَشِرًا﴾ للمُصَدِّق بهم وبها وبكتابك بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾: ومُخَوِّفًا لِمَن جحَدَ ذلك بالنار.
* * *
(٩) - ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو كلَّه بياء المُغايبة؛ أي: بعثناكَ إليهم ليفعلوا ذلك كلَّه، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة للمُرْسَل إليهم (٤).
стр. 6750
وقال أبو حاتم: يجوز أنْ يكون التَّعْزيرُ والتَّوقيرُ للَّه مع التسبيح (١)، وهو أَوْفَقُ للنَّظْمِ، والتَّعزيزُ هو النَّصْرُ.
وقال الزَّجَّاج: هو النَّصرُ مَرَّةً بعد أخرى، وهو نصرُ دينِ اللَّه ورسوله، والتَّوقيرُ: التَّعظيمُ، والتَّسبيحُ: التَّنزيهُ له (٢).
وقال أبو حاتم: ويجوزُ أنْ يكون التَّعزيزُ والتَّوقيرُ لرسول اللَّه، وأما التَّسبيحُ فلا يجوز إلا للَّه.
وفي قراءة عبد اللَّه بن مسعود: (وتُسَبِّحوا اللَّهَ بُكْرةً وأصيلًا) (٣).
وتعزيرُ الرَّسولِ: المنعُ له، والحمايةُ له، والقتالُ دونه.
وتوقيرُه: تعظيمُه في مُخاطباته، وتعظيمُ أمرِه.
وقال الضحاك: ﴿تعزروه﴾: تُنَصِّروه ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: تُفَخِّموه (٤).
وقال زيد بن أَسْلَمَ: تُشَرِّفوه (٥).
стр. 6751
وقال مقاتل: ﴿تعزروه﴾: تُعِينوه (١).
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: قيل: نهارًا وليلًا.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿بُكْرَةً﴾: صلاة الفجر، ﴿وَأَصِيلًا﴾: سائر الصلوات (٢).
* * *
(١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: قال جابر بن عبد اللَّه: بايَعْنا رسولَ اللَّهِ ﷺ تحت الشَّجرةِ السَّمُرةِ -وهي بيعةُ الرِّضْوان- على الموت، وعلى أنْ لا نَفِرَّ، فما نكَثَ أحدٌ منا البيعةَ إلا جَدُّ بنِ قيسٍ، وكان مُنافقًا، اختبَأَ تحت إِبِطِ بعيرِه، ولم يَسِرْ مع القوم (٣).
وقال ابن عباس: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: بالوفاء (٤).
стр. 6752
وقال السُّدِّي: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: وذلك أنهم كانوا يأخذون بيدِ رسولِ اللَّه ﷺ ويُبايعونه، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ عند المُبايعة بالنُّصْرة والتوفيق (١).
وقال الكلبي: اليدُ ها هنا بمعنى النِّعْمة؛ أي: نِعْمةُ اللَّهِ عليهم فوق ما صنعوا مِن البيعة (٢).
وقيل: أي: قوَّةُ اللَّهِ في نُصْرة نبيِّه (٣) فوق نُصْرَتِهم إياه.
وقيل: يدُ اللَّهِ بالمِنَّة في الهداية فوق أيديهم بالطاعة.
وقيل: إنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ على الوفاء منهم، وأملى بما يُرادُ بهذه البيعة مِن الثوابِ لِمَن وفَّى بها، والعقابِ لِمَن نقَضَها؛ لأنَّ مَن وفَّى بها أثابَه اللَّهُ جناتِ النَّعيم، ومنهم مَن بذَلَ النُّفوسَ والأموال التي هي عطاءُ اللَّهِ لهم وعواريه عندهم، وهي قليلةٌ فانيةٌ، وما يُعطيه اللَّهُ تعالى فهو كثيرٌ باقٍ.
﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: أي: فمَن نقَضَ ذلك فإنما ضرَرُ نَقْضه راجعٌ إليه.
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: وهو ما ذكَرْنا.
وقيل: مُبايعةُ اللَّهِ تعالى هي ما ذُكِرَ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١].
* * *
стр. 6753
(١١) - ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: قال ابن عباس: هم غِفَارٌ ومُزَيْنَةُ وأَشْجَعُ وجُهَيْنَةُ وأَسْلَمُ والدُّئِلُ (١).
وقال مجاهد: هُم أعرابُ أهلِ المدينة وجُهَيْنةُ ومُزَيْنةُ، استتَبْعَهم رسولُ اللَّه ﷺ بالخروج إلى مكة معه، فقال بعضُهم لبعض: نذهبُ معه إلى قوم أخرَجوه؛ فاعتَلُّوا بالشُّغْل (٢).
وقال الكلبي: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الحُدَيْبِيَةِ، وتخلَّفَ عنه عامةُ الأعرابِ، وخافوا أنْ يكونَ قتالٌ، فلما رجع رسول اللَّه ﷺ وقد وعدَه اللَّهُ تعالى خيبرَ، أَتَوْه ليعتذروا إليه، وليَغزوا معه خيبرَ رجاءَ الغَنيمةِ (٣).
وقال مقاتل: لَمَّا استنفرَهم رسولُ اللَّه ﷺ معه قالوا: إنَّ محمدًا وأصحابَه أَكَلَةُ رَأْسٍ في جَنْبِ أهل مكة -يَعْنون: هُم قليلٌ-، وقالوا: لا يرجعُ هو وأصحابُه، فأين
стр. 6754
تذهبون؟ انتظِروا ما يكون مِن أمره، فأنزل اللَّه: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ (١).
وقولُه تعالى: ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾: أي: المتروكون خَلْفَ الخارجين.
وقولُه تعالى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾: أي: لم يكن لنا مَن يَخْلُفُنا في أموالنا وأهلينا، فخِفْنا الضَّياعَ عليها وعليهم.
﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾: أي: وإنْ كان هذا عُذْرًا عند أنفسنا، فإنا نسألُكَ أنْ تسألَ اللَّهَ أنْ يغفِرَ لنا تخلُّفَنا عنكَ؛ إذ كنا حِراصًا على الخروج معكَ، وإنما مُنِعْنا عنه بعُذْرٍ.
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾: أي: لم يكن تخلُّفُهم لِما يقولون، بل كان في قلوبهم الخوفُ على أنفسهم.
﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾: تَخَلَّفْتُم أو خرَجْتم.
﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: أي: عالِمًا.
* * *
(١٢) - ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أي: توَهَّمْتم أنهم يُقْتَلون (٢) أو يُهْزَمون، فيتبَدَّدون في البلاد النائية، فلا يرجعون إلى المدينة، وقَوِيَ هذا التَّوَهُّمُ في قلوبكم.
﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: أي: ظَنًّا يسوءُ المؤمنين تحقُّقُه.
стр. 6755
وقيل: يسوؤُكم حيث (١) تُعاقَبون عليه.
وقيل: هو سُوءٌ في نفْسِه؛ لأنَّه علُوُّ الكفرِ وانتشارُ الفسادِ في الأرض.
﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾: قال قتادة: أي: فاسدين (٢).
وقال مجاهد: هالكين (٣).
وأصلُه مصدرٌ، وإذا نُعِتَ به استوى فيه الذَّكَرُ والأنثى، والواحدُ والتَّثنيةُ والجَمْعُ.
وقال السُّدِّي: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾: أي: غيرَ مُتَّقِين ولا مُحْسِنين (٤).
وقال عكرمة: البُورُ في لغة أهل عُمانَ: الفاسدُ (٥)، وفي كلام العرب: لا شيءَ، العربُ: أصبحت أعمالُهم بورًا؛ أي: مُبْطَلَةً، وأصبحت منازلُهم بورًا؛ أي: خَرِبَةً.
* * *
стр. 6756
(١٣ - ١٤) - ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾: أخبرَ أنَّ هؤلاء كافرون باللَّه ورسوله، وأنَّ مصيرَهم إلى النار.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: النبيُّ ﷺ مُسْتَغْنٍ عن هؤلاء المنافقين وعن الاعتضاد بهم، وإنما يأمرُهم بالجهاد وسائر العبادات ابتلاءً، فمَن أطاعَه رَحِمَه، ومَن عصاه عذَّبَه، فذلك قولُه:
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: وفيه تحريكٌ للمنافقين على التوبة، ووعدٌ مِن اللَّه قَبولَها منهم، وفيه دِلالةٌ على صِحَّةِ نبوَّةِ نبيِّنا، حيث أخبرَ أنهم سيقولون كذا، وكان كما أختز، فدلَّ أنه علِمَ ذلك مِن عند اللَّه تعالى.
وفي تسميتهم (١) مُخَلَّفين بتخلُّفهم دليلُ أهلِ السنة والجماعة على خَلْقِ أفعال العِباد، وأنَّ تخلُّفَهم كان بتخليف اللَّهِ إياهم؛ لمَّا علِمَ منهم في الأزل اختيارَ ذلك.
* * *
(١٥) - ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾: وهُم المذكورون مِن قبلُ، وجعلَ اللَّهُ مَغانِمَ خيبرَ لأهل الحُدَيْبِيَةِ خاصَّةً؛ مَن غاب منهم ومَن حضَرَ.
стр. 6757
قالوا: ولم يَغِبْ عنها أحدٌ إلا جابرَ بنَ عبدِ اللَّه، فقسَمَ له رسولُ اللَّهِ ﷺ كَسَهْمِ مَن حضَرَ، وانصرفَ رسول اللَّه ﷺ مِن الحُدَيْبِيَةِ في ذي الحِجَّة، وأقامَ بالمدينة بَقِيَّةَ ذي الحِجَّة وبعضَ المُحَرَّم، ثم خرَجَ في بَقِيَّةِ المُحَرَّم إلى خيبرَ، وخرجَ معه مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، فلما سمِعَ هؤلاء المنافقون بهذا الوعد قالوا لهم حين قصَدوا خيبر:
﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾: فإنا قد أَوْضَحْنا عُذْرَنا في التَّخَلُّف عن الحُدَيْبِيَةِ، فمنعَهم النبيُّ بأمرٍ مِن اللَّه تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾: قرأ حمزةُ: ﴿كَلِمَ اللَّهِ﴾، وقرأ الباقون: ﴿كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١)؛ أي: يريدون أنْ يُغَيِّروا كلامَ اللَّه، حيث قال لرسوله: لا تأذَنْ لهم بالخروج إلى غزوةٍ أخرى معكَ.
﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾: أي: في المَسِير إلى خيبرَ إلَّا مُتَطَوِّعين مِن غير أنْ يكونَ لكم (٢) شِرْكةٌ في الغنيمة (٣).
﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أنَّهم لا يَتَّبِعونكم، وقيل: أنَّ خيبرَ لكم خاصَّةً.
﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾: أي: على الغنيمة، فتُريدون أنْ تنفردوا بها.
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ولو فقِهوا لَكَفُّوا عن مَسْأَلتِكم الإذنَ لهم بعد إخباركم إياهم أنَّ اللَّهَ قد خصَّكم بغنائمِ (٤) خيبرَ.
وقيل: لا يَفْقَهون أنَّ الرسولَ والصحابةَ لا يُحْسَدون، واستثنى القليلَ منهم؛ لِمَا أنَّ بعضَهم أَخْلَصَ بعد ذلك.
стр. 6758
(١٦) - ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: وهُم هؤلاء الذين مُنِعوا عن الخروج إلى خيبرَ في حياة النبي ﷺ .
﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أي: أولي قُوَّةٍ في الحرب؛ أي: بعد وفاة النبي ﷺ .
﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾: وفي مصحف أُبَيٍّ: (أو يُسْلِموا) (١)، ومعناه: حتى يُسْلِموا، وحَذَفَ النُّونَ للنَّصْب، وقراءةُ العامَّةِ ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ على معنى: أو هُم يُسْلِمون.
﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾: أي: تُخْلِصوا في تلك الحرب، وتُطِيعوا الواليَ الذي دعاكم إليه.
﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾: الغَنيمةَ في الدنيا بدلَ ما فاتَكم مِن غنائمِ خيبرَ، والثوابَ في الآخرة.
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾: عن الإجابة ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عن إجابة النبي ﷺ يومَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الدنيا والآخرة.
واختُلِفَ في هؤلاء القوم الذين وُصِفوا بالبأس الشديد:
قال أكثرُ أهلِ التفسير: هُم بنو حَنيفةَ، وهُم أهلُ اليَمامة، رأسُهم مُسَيْلِمَةُ الكذَّابُ (٢)، قاتلَهم أبو بكر الصديق ﵁.
стр. 6759
وقال مجاهد ﵀: هُم أهلُ فارسَ (١)، قاتلَهم عمرُ ﵁.
وقال الحسن: هُم فارسُ والرُّومُ (٢).
ودلَّتِ الآيةُ على صحَّةِ خِلافة أبي بكر وعمر ﵄، حيث أوجبَ اللَّهُ تعالى طاعةَ مَن يَدْعو إلى قتال هؤلاء.
وقال ابن عباس وسعيد بن جُبير وعكرمة: هُم أهلُ حُنَينٍ وثَقيفٌ وهوازنُ (٣)، وعلى هذا تكون الدَّعوةُ إليه في حياة النبي ﷺ أيضًا، وكان المُخَلَّفون ممنوعين عن خيبرَ، مَدْعُوِّين إلى قتال أهل حُنينٍ.
* * *
(١٧) - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾: لَمَّا نزَلَ
стр. 6760
وعيدُ المُتَخَلِّفين عن الغزو، اهتَمَّ الزَّمْنى لذلك، فنزَلَ هذا في عُذْرِهم (١) عن التَّخَلُّف عنه لِعَجْزِهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: في الجهاد وغيرِ ذلك.
﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: أي: عن طاعة اللَّه ورسوله.
﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: في الدنيا والآخرة.
* * *
(١٨) - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾: وهي شجرةُ سَمُرَةٍ بالحُدَيْبِيَةِ.
ورُوِيَ: أنَّها عُمِّيَتْ عليهم مِن قابلٍ، فلم يَدْروا أين ذهبَتْ.
قال ابن عباس ﵄: أثنى اللَّهُ على الذين بايعوا رسولَه تحت الشجرة يومَ الحُدَيْبِيَةِ، وهي بيعةُ الرِّضْوان، وكانوا ألفًا وخمسَ مئةِ رجلٍ، وكانت الشجرةُ سمُرَةً، وأوَّلُ مَن بايعه أبو سنان الأسديُّ، بايعوه على ألَّا يفِرُّوا وعلى الموت (٢).