← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

معها عن مثلِ هذه الصفات، والنسيانُ حقيقتُه (١): زوالُ الذِّكْر، والتضييعُ مجازٌ. ويقرِّرُ هذه الحقيقةَ قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وهو القصدُ وضعًا. وما يقول: إنَّ العدوَّ ذكَّره ذلك؟ قلنا: لكثرة ما جرى بينه وبين عدوِّه مِن التراجع اشتغل قلبُه بوجود الدِّفاع له، والفكرِ في أسباب نجاته، والتخلُّصِ من (٢) مكائده، حتى أنساهُ ذلك ذكرَ العهد. ثم إنَّما (٣) كان النسيانُ في حقِّ غيرِه عذرًا، وهو عُوتب بذلك ولم يُعذَر به؛ لأنَّ آدمَ -صلوات اللَّه عليه- لم يكن امتُحنَ بأنواعٍ مختلفةٍ يتعذَّر عليه وجهُ الحفظ في ذلك، وإنَّما امتُحن بالانتهاء عن شجرةٍ واحدةٍ بالإشارة (٤) إليها، فجائزٌ أنْ لا يُعذر في مثله. وغيرُه لهم أشغالٌ كثيرةٌ يتعذَّر عليهم التحفُّظ، فعُذروا بها، وكذلك فيما بيننا إنَّما يُعذر الإنسان به فيما يَكثر به النوازل، أَلا ترى أنَّه يُعذر بالسلام في الصلاة، وتركِ التسمية في الذبيحة، والأكل والشربِ ناسيًا في الصوم، ولا يُعذر بالأكل (٥) في الصلاة ولا بالجماع (٦) في الحجِّ لهذا.

стр. 702

والثاني (١): أنَّه جائزٌ أخذُ الأخيار ومعاتبةُ الكبار بالأمر الخفيف اليسير الذي لا يُؤخذ (٢) بمثله غيرُه؛ لكثرة نِعَمِ اللَّهِ تعالى عليهم وعظيمِ منَّته عندهم، كما أُوعدوا بتضاعُف العذاب على ما كان لغيرهم، وهو كحالِ يونسَ النبيِّ ﷺ ؛ فارق قومَه لِمَا عاين (٣) مِن المناكير فيهم، وفعلُه مِن غيره أَحمدُ ما يوصَف به. وكذلك عُوتب نبيُّنا محمدٌ ﷺ بما خطر بباله مِن تقريب رؤساء الكفرة إشفاقًا عليهم وحرصًا على إسلامهم، ويُعدُّ ذلك مِن غيره مِن خصال الخير. والثالث: أنَّه إنَّما عُوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به ولمثْلِه خلَقه، حيث قال: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [البقرة: ٣٠] لكنَّه بكرمه عوَّد خَلْقه تقديمَ إحسانه وإيلائه (٤) على محنته وبلائه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. ثم في ذلك أبلغُ زجرٍ لغيره، وفيه تعظيمُ خَطَر الذنوب في القلوب، فإنَّ أبا البشر، والمخصوصَ بالخلافة وسجودِ الملائكة، والمخصَّصَ بالعلم، عُوتب بهذا القَدْر مِن الزَّلَّة؛ ليَعلَمَ [الخلقُ] أنَّه ليس في أمر اللَّه تعالى هَوادةٌ، ولا في حُكمه محاباةٌ، فيكونوا (٥) أبدًا على حذرٍ وخِيفةٍ، ويفزعوا (٦) إليه بالعصمة عمَّا يُوجب المقتَ والعقوبة.

стр. 703

ويحتمِل أن يكون حَفِظ النهيَ، لكن خَطَر بباله أنَّه ليس بنهي تحريم، فإنَّه يكون على وجوهٍ، وذلك النهيُ وإنْ كان مقرونًا بقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وذلك دلالةُ التحريم، لكن يحتمِل أنَّه حَفِظ النهيَ لكن نسيَ هذا الأمر (١)، فاشتَبه عليه وجهُ النهي، فإنَّه قد يكون للتحريم، وقد يكون لإيثار غيره عليه مع حلِّه، وقد يكون لداءٍ فيه وضررٍ عليه، فيكون نهيَ رحمةٍ لا نهيَ حرمةٍ، فسبق إلى وهمه ذلك، وتَحمَّل الضررَ لنفعٍ رجاهُ وطَلَبه. ويحتمل أنَّه حفظ قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ولكن وقع عنده أنَّه ليس بظلمِ التعدِّي، بل هو ظلمُ نقصانٍ وإضرارٍ بأنفسهما، وتَحمَّل ذلك؛ لِمَا ذكرنا. وإيقاعُ بعض هذه الوجوه في قلبه كان مِن وسوسة الشيطان، لكن ظنَّه إلهامًا لا وسوسةً؛ لانه كان لا يعاينُه، فصار كالناسي للنهي وإن كان حافظًا (٢). ووجهٌ آخر مِن تأويله: أنَّ النهيَ كان مضافًا إلى الشجرة (٣) بعينها، والمرادُ هي وأجناسُها، كما رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ خرج وفي يده حريرٌ وذهبٌ، وقال: "هذان حرام (٤) على ذكور أمتي حِلٌّ لإناثهم" (٥)، وكما يقول الطبيبُ للمريض: لا تَأكُل مِن هذا الطعام فإنَّه يضرُّك، ويريد به عينَه وأمثالَه، فوقع عنده أنَّ النهي عن عينه لا غيرُ.

стр. 704

وانضاف إلى هذا أشياءُ أُخَرُ؛ مِن طول المدَّة، وميلِ الطبع إلى المأكول، وزيادةِ زينةٍ (١) ولطافةٍ كانت في الشجرة، فكانت داعيةً إليها. وسبقت (٢) حوَّاءُ إلى الأكل ولم يَظهر عليها شيءٌ، ولم يُرَ قبلها عاصيًا إلَّا إبليس وقد عوقب كما عصى، فاجتهد فوقع اجتهاده على أنَّ حكم النهي مقتصرٌ على هذه الشجرة، أو أنَّ النهيَ قد ارتفع، ولم يَجز له هذا الاجتهاد؛ لأنَّه كان في موضعِ وجودِ النص، فإنَّ الوحي (٣) لم يكن منقطِعًا، وعُذر فيه لأنَّه لم يكن سَبق له النَّهيُ عنه، ولم يُعذر في الأكل لأنَّ النهيَ كان سَبق عنه. ثم أئمَّة سمرقندَ ﵏ لا يُطلِقون اسمَ الزَّلَّة على أفعال الأنبياء؛ لأنَّها نوعُ ذنبٍ، ويقولون: فعَلوا الفاضل وتركوا الأفضل، فعُوتبوا عليه. وأئمَّة بُخارى ﵏ أَطلقوا هذه اللفظةَ لقضيَّةِ قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ أي: استزلَّهم، وفسَّروها بأنَّها فعلٌ يقع مخالفًا للأمر مِن غير قصدٍ إلى الخلاف منهم قبل الفعل، ولا علمٍ لهم بأنَّه خلافٌ حالةَ الفعل، ولا إصرارٍ منهم عليه بعد الفعل (٤)، كزلَّة الماشي في الطين لا يقع عن قصدٍ منه إليها ولا ثباتٍ منه عليها. وقال القشيريُّ ﵀: أصبح آدمُ محمودَ الملائكة، مسجودَ الكافَّة، على رأسه تاجُ الوُصلة، وفي وسطه نطاقُ القُربة، وفي جِيده قلادةُ الزُّلفة، لا أحدَ فوقه في الرُّتبة، ولا شخص مثلُه في الرِّفعة، يتوالى عليه النداءُ في كلِّ لحظةٍ: يا آدم يا آدم،

стр. 705

فلم يُمْسِ حتى نُزعَ عنه لباسُه، وسُلب استئناسُه، وتبدَّل مكانُه، وتشوَّش زمانُه، قال الشاعر (١): فأَمِنتُه فأتاح لي مِن مَأْمَني... مَكْرًا كذا مَن يأمن الأحبابا (٢) وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾: أي: سبَّب الشيطانُ (٣) خروجَهما؛ وهو الوسوسةُ التي بها زلَّا، فأُمرا بالخروج، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وقولهِ تعالى: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: ١١٠] وقولهِ تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥]. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا كَانَا﴾ قال محمد بنُ قيسٍ: أي: مِن اللباس الذي كانا فيه حتى بَدَت لهما سوآتُهما. وقيل -وهو قول الأكثر-: أي: مِن الجنَّة، وإنَّما قال: ﴿فِيهِ﴾، ولم يقل: فيها؛ صرفًا إلى قوله: (ما). وقيل: أي: مِن الحال الذي كانا فيه، يعني: مِن النِّعمة والراحة إلى البلاء والشِّدَّة. وقيل: أي: مِن الطاعة إلى الذلَّة (٤). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾: الهُبوطُ: الانحدارُ، والهَبوط -بالفتح-: الحُدور، وهَبَطَ لازمٌ ومتعدٍّ، ودلَّت الكلمةُ أنَّهما كانا في جنَّة الخُلد حيث أُمرا بالانحدار؛

стр. 706

وهو النزول مِن علوٍّ إلى سفلٍ، فلم يستقم تأويلُها ببستانٍ في الأرض. ثم الأمرُ بالجَمْع -وهما اثنان في سَبْق الذِّكْر- لِمَا أنَّه يتناول معهما غيرَهما. قال مجاهد: هذا (١) الخطابُ لآدمَ وحوَّاء ﵉، وإبليسَ لعنهُ اللَّهُ. وقال ابن عباسٍ والسُّدِّيُّ: الخطابُ لهم وللحيَّة (٢). وعن ابن عباسٍ ﵄ في رواية: هو لخمسةٍ، وخامسُهم الطَّاووس، فقد دلَّ إبليسَ -لعنهُ اللَّهُ- على الحيَّة، فأُخرج معهم مِن الجنَّة (٣). وهذا الأمر وإن انتَظَمهم في كلمةٍ، فما كان هبوطُهم جملةً، بل هبط إبليسُ -لعنه اللَّه- حين لُعنَ؛ بدليل قوله ﷻ : ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٣]، وقال تعالى: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الحجر: ٣٤] وقال تعالى: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] وهبوطُ آدمَ وحوَّاءَ والحيَّةِ كان بعده بكثيرٍ، وأمَّا قوله تعالى: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ فهو لآدمَ وحوَّاء لا غيرُ. وقيل: ﴿اهْبِطُوا﴾ خطابٌ لهما، وإنَّما جُمع رفعًا لشأنهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]؛ أو لإرادتهما مع ذرِّيَّتهما، وهو كقوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] أي: بمَن فينا مِن الخلق. ثم ظاهر هذا أمرٌ بالنُّزول إلى الأرض.

стр. 707

وقيل أيضًا (١): أراد به انحطاطَ المرتبة (٢)، ونقصانَ المنزلة بسبب الزَّلَّة. وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: أي: إبليسُ لهما وهما لإبليس، وإنْ جُمع معهما الحيَّة، فهي عدوُّ بني آدم وهم عدوُّها؛ هي تَلسعهم وهم يَدمغونها، وإبليسُ يفتنهم وهم يلعنونه. وإنْ أُريد بالأوَّل آدمُ وحوَّاء وذرِّيَّتهما، فالتعادي مِن التحاسُد في الدنيا أو الاختلافِ (٣) في الدِّين، وهذا إخبارٌ عن كونه، لا أمرٌ بتحصيله. وقالوا: العداوةُ مع إبليس دينيَّةٌ، فلا ترتفعُ ما بقيَ الدِّين، والعداوةُ مع الحيَّة طبيعيَّةٌ فلا ترتفعُ ما بقيَ الطبعُ، ثم هذه عداوةٌ تأكَّدت بيننا وبينهم، لكنَّ حزبًا يكون اللَّه معهم كان الظَّفَر لهم. وقيل: لمَّا قال: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قال آدم: الحمدُ للَّه حيث لم يقل: أنا لكم عدوٌّ. والعدوُّ: هو المجاوِز حدَّه في مكرور صاحبِه، مأخوذ مِن التَّعدِّي، ثم هذا (٤) اسم يَصلح للواحد والجمع، والذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (٥) [المنافقون: ٤] وهذا لأنَّه على بناء بعض المصادر. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾: أي: موضعُ قرارٍ، وقد قَرَّ واستقرَّ، والمُستَقَرُّ: مكانُ الاستقرار.

стр. 708

وقيل: أراد بالمستقرِّ موضعَ (١) القرار مِن الأرض في الحياة. وقيل: أراد به موضعَ القبور، وهو قول السدي (٢). ثم المُستقَرُّ ثلاثة: رَحِمُ الأمِّ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨]، أُودع في صُلب الأبِ، واستقرَّ في رَحِمِ الأمِّ. والثاني: الدنيا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]. والثالث: في العُقبى؛ إمَّا في الجنة، قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وإمَّا في النار، قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ﴾: قيل (٣): أي: معاشٌ، وقيل: أي: مُدَّةٌ، وقيل: أي: منفعةٌ (٤)، وقيل: أي: بلاغٌ. وقيل: المتاعُ: ما يُتمتع به مِن مرافق العيش؛ مِن الأكل والشرب واللُّبس والسكنى وغيرِ ذلك، وحقيقتُه: طولُ الانتفاع بالشيء، يقال: مَتَعَ النَّهارُ؛ أي: طال، واستمتَع بالشيء؛ أي: انتفع به طويلًا. وقوله تعالى: ﴿إِلَى حِينٍ﴾: أي: إلى غايةٍ، والحينُ في الأصل اسمٌ للزمان المجهول، قال الشاعر:

стр. 709

كلُّ امرئٍ راجعٌ يومًا لشِيمتِه... وإنْ تَخلَّقَ أخلاقًا إلى حينِ (١) وجاء في القرآنِ لوقت الصلاة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٢) [الروم: ١٧]. وجاء لستَّة أشهرٍ؛ قال تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] هو مِن حين يَطلُع إلى حين (٣) يُرطب. وجاء لأربعين سنةً؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْر﴾ [الإنسان: ١]. وجاء لمدَّة الدُّنيا، كما في هذه الآية عند بعضهم، وقد قال ابنُ عباسٍ والسديُّ ﵃: أي: إلى الموت. وقال مجاهد والضحاك: أي: إلى قيام الساعة (٤)، وهذا في حقِّ الجميع، والأوَّل في حقِّ الأفراد. ولمَّا هبطوا وقعَ آدمُ بأرض الهندِ على جبل سَرَنْدِيب، ولذلك طابت رائحةُ تلك الأشجار التي في تلك البقعة (٥)؛ لِمَا معه مِن ريح الجنَّة، ووقعت حوَّاءُ بجُدَّة، وبينهما سبعُ مئةِ فَرْسخ، والطاووسُ بمرج الهند، والحيَّةُ بسِجِسْتانَ، وإبليسُ بسدِّ يَأْجوجَ ومَأجوج. وقيل: وقعت الحيَّةُ بأصبهانَ، والطاووسُ بمَيْسانَ.

стр. 710

وكانوا في أحسنِ حالٍ؛ فابتُلي آدمُ بالحرث والكسب، وحوَّاء بالحيض والحَبَل والطَّلْق، ونقصان العقل والميراث، وجعَل اللَّهُ قوائمَ الحيَّة في جوفها، وجعَل (١) قُوتَها الترابَ، وقبَّح رِجْلي الطاووس، وجعل إبليسَ بأقبح صورةٍ وأفضح حالةٍ، وكان مكث آدمُ وحوَّاء في الجنَّة مِن وقت الظهر إلى وقت العصر مِن أيَّام الآخرة. * * * (٣٧) - ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾: أي: أَخذ وحَفظ، ويقال: تَلقَّينا الحاجَّ؛ أي: استقبلناهم للِقائهم، ويقال: لقَّيْتُه الشيءَ فتلقَّاه، ولقَّنْتُه فتلقَّنه، ولقَّفْتُه فتلقَّفه، بمعنًى. وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾: الكلمات: جمعُ كلمةٍ، وهي مجموعُ حروفٍ، والكلمات في القرآن جاءت لمعانٍ: للعلم: كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]. وللقرآن: كما في قوله تعالى: ﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]. وللفرائض: كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وللوعد: كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤]. واختلفوا في المراد بهذه الكلمات: قال عليٌّ ومجاهد ﵄: هي قوله: لا إله إلَّا أنتَ سبحانكَ وبحمدِك إنِّي كنُت مِن الظالمين، ربِّ عملتُ سوءًا وظلمتُ نفسي فاغفر لي فأنتَ خيرُ الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربِّ عملتُ سوءًا وظلمتُ نفسي فتُب

стр. 711

عليَّ إنك (١) أنتَ التوَّاب الرحيم، لا إله إلا أنتَ سبحانك وبحمدك، ربِّ عملتُ سوءًا وظلمتُ نفسي فارحمني فأنتَ خيرُ الراحمين (٢). قال عليٌّ رضي اللَّه تعالى عنه: مَن قالها غُفرت ذنوبه وإن كانت مثلَ رملِ عالج، ومثلَ زَبَد البحر. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: هي التحميدُ والتسبيح والاستغفار والمناسك، يعني: أُمر حتى حجَّ البيتَ وتكلَّم بها. وقيل: هي الصلوات (٣) على النبيِّ محمَّدٍ ﷺ والاستشفاعُ به حتى حجَّ البيت. وقد (٤) روى عمر ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّ آدمَ قال: "بحقِّ محمَّدٍ أنْ تغفر لي، قال اللَّهُ تعالى: وكيف عرفتَ محمَّدًا؟ قال: لمَّا خلقتني ونفختَ فيَّ الروح فتحتُ عيني فرأيتُ على ساقِ العرش مكتوبًا (٥): لا إله إلَّا اللَّه محمَّدٌ رسول اللَّه، فعلمتُ أنَّه أكرمُ الخلق عليك؛ حيث (٦) قرنتَ اسمَه باسمِك، قال: نعم، وغفر له بشفاعته" (٧).

стр. 712

وقال سفيان: قال آدم: يا ربِّ، بمعرفتي أنَّه لا يَسعى ساعٍ إلَّا بمشيئتك وقدرتك (١) أنْ تَغفر لي، فغفر له. وقيل: قال: يا ربِّ، ما خُدعْتُ إلَّا بك، فقال: صدقْتَ، وتاب عليه. وقيل: هي هذا الدعاء: اللَّهمَّ إنَّك تَعلم سرِّي وعلانيتي فاقْبَل معذرتي، وتَعلم حاجتي فأَعطني سؤلي، وتَعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللَّهمَّ إنِّي أَسألك إيمانًا يُباشر قلبي، ويقينًا صادقًا حتى أعلمَ أنَّه لا (٢) يصيبُني إلَّا ما كتبْتَ لي، ورضِّني بما قسمتَ لي، قال اللَّهُ تعالى: يا آدمُ مَن دعاني (٣) مِن ذرِّيَّتك بهذا غفرتُ له ذنوبه (٤). وقيل: أوحى اللَّهُ تعالى إليه: أنَّ مَن أَذنب ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا، ثم ندم واعتذرَ وعزم أنْ لا يعود، فإنِّي أتوبُ عليه، فتلقَّى آدمُ هذا مِن ربِّه، فقَبِله وعمل به، فتاب عليه. وقيل: هي الأوامر والنواهي قَبِلها وائتمرَ بما أُمر وانتَهى عمَّا نُهي، فغفر له؛ ودليله قولُه تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقيل: هي قولُهما: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وهو قول مجاهدٍ وسعيد بنِ المسيب والحسن والربيع بنِ أنس (٥). وقال ابنُ عباسٍ والسديُّ: قال: ربِّ خلقتني بيدك، ونفخت فيَّ مِن روحك،

стр. 713

وسبقت رحمتُك غضبَك، أرأيت إنْ تبتُ وأصلحتُ، فهل أنتَ راجعي إلى الجنَّة؟ قال: نعم، قال: وتتوب عليَّ إنْ تبتُ؟ قال: نعم، فتاب آدمُ، فتاب اللَّهُ عليه (١). وقال عبيد بنُ عمير: قال: يا ربِّ، ما أَتيتُه أشيءٌ ابتدعتُه مِن تلقاء نفسي، أو شيءٌ قدَّرْتَه عليَّ قبل أن تخلُقني؟ قال: بل شيءٌ قدَّرتُه عليك قبل أنْ أَخلقك. قال: يا ربِّ، فكما قدَّرته عليَّ فاغفر لي، فغفر له (٢). وقال عبد اللَّه بنُ مسعودٍ ﵁: إنَّ أحبَّ الكلام إلى اللَّه تعالى ما قال أبونا آدم صلوات اللَّه عليه حين اقترفَ (٣) الخطيئة: سبحانك اللَّهمَّ وبحمدِك، وتبارك اسمُك، وتعالى جَدُّك، لا إله إلَّا أنتَ، ظلمتُ نفسي فاغفر لي؛ فإنَّه (٤) لا يغفر الذنوب إلَّا أنت (٥). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: جرى على لسان آدم مع الحقِّ سبحانه كلماتٌ، وأَسمع الحقُّ سبحانه آدمَ كلماتٍ، وأَجملَ الحقُّ سبحانه القولَ في ذلك إجمالًا؛ إمَّا لتبقى القصةُ مستورةً، أو ليكون للاحتمال في الظنون مساغٌ، ولمَا يحتمله الحالُ مِن التأويل مطْرح. ويحتمل أن تكون كلماتُ آدمَ ﵊ اعتذارًا وتنصُّلًا، وكلماتُ الحقِّ سبحانه قَبولًا وتفضُّلًا.

стр. 714

ويقال: حين أمره بخروجه مِن الجنة جعَل ما أَسمعه إيَّاه مِن عزيز (١) خطابه له زادًا، ليكون له تذكرةً وعتادًا (٢)، قال قائلُهم: وأَذكرُا أيَّام الحمى ثم أَنثني... على كبدي مِن خشيةٍ أنْ تَقطَّعا ومخاطباتُ الأحباب لا تَحتمِل الشرح، ولا يُحيط بها الأجانب علمًا (٣). وقرأ ابن كثيرٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ بالنصب ﴿مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ بالرَّفع (٤)، ومعناه: جاءت الكلماتُ آدمَ، وهو كقولك: تلقَّيت زيدًا، وتلقَّاني زيدٌ. وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: التوبة: الرجوع، يقال: تاب إليه وثابَ (٥) وأنابَ وآب. وقيل (٦): تاب العبد إلى ربه؛ أي: رحع إليه من ذنبه، و: تاب اللَّه عليه؛ أي: وفَّقه للتوبة وقبِلها منه، قال (٧) تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] هذا للتوفيق على التوبة، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] هذا لقبول التوبة، وفي هذه الآية تصلُح لهما. وتمام التوبة من العبد: بالندم على ما كان، وبترك الذنب الآن، وبالعزم على أنْ

стр. 715

لا يعود إليه في مستأنَف الزمان، وفي مظالم العباد بهذه الأشياء، وبإرضاءِ الخصم بإيصالِ حقِّه إليه باليد والاعتذارِ منه باللسان. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾: أي: الكثيرُ القَبول للتوبة، وهذا وعدٌ مِن اللَّه (١) أنَّ العبدَ إذا أَذنب ذنبًا وتاب، ثم وقع في الذَّنب ثم تاب، وتكرَّر ذلك منه، قَبِل اللَّهُ منه كلَّ ذلك، إذا كانت التوبةُ في كلِّ مرةٍ صحيحةً. وقوله تعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾ مرَّ تفسيرُه في البسملة (٢)، ومعناه هاهنا: أنَّه (٣) اسمٌ يَرحم التائبَ فيغفر حَوبته (٤) ويَقبل توبته. وقيل: الكلماتُ ثلاثةُ أشياءَ: الحَياء، والبُكاء، والدُّعاء. قال شهر بنُ حوشب: مكث آدمُ صلوات اللَّهِ عليه ثلاثَ مئةِ سنةٍ لا يَرفع رأسَه حياءً. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: بكى آدمُ وحوَّاء صلوات اللَّه عليهما مئتي (٥) سنةٍ، ولم يَأكلا ولم يَشربا أربعين يومًا، ولم يَقرب آدمُ حوَّاءَ مئةَ سنة (٦). فإن قالوا: لِمَ قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، ولم يقل: عليهما، وقد سبق ذِكْر آدمَ وحوَّاء؟ قلنا: لأنَّه ذكر التلقِّيَ مِن آدم وحده، فذكر قبولَ التوبة كذلك، ولأنَّ مبنَى حالِ النساء على سترهنَّ والسكوتِ عن ذكرهن، ولأنَّ تفريغَ القلب في الدنيا للأنبياء

стр. 716

على الخصوص، ولأنَّها كانت تبعًا لآدم، فثبت حكمُها بذكر المتبوع، ولأنَّ الاثنين إذا كان معنَى فِعْلَيهما (١) واحدًا، فذِكْرُ أحدِهما ذكرُهما، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] وقال عزَّ وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]. ودلَّت الآيةُ أنَّ العصيانَ لا يُزيل الإيمانَ، وهو ردٌّ على الخوارج. ودلَّت (٢) أيضًا على بطلان قولِ المعتزلة: إنَّ الصغيرةَ مغفورةٌ لا يجوز العقاب (٣) عليها، ولا تجب التوبة منها. وما كان مِن آدمَ كان زلَّةً وهي دون الصغيرة، وقد عُوقب (٤) عليها وأُمر بالتوبة عنها. ثم الحكمةُ في ابتلاءِ آدم بذلك مِن وجوهٍ ذكرها الإمام أبو منصورٍ ﵀: أحدها: ما كان في صُلبه مِن الكفرة، وهم ليسوا مِن أهل الجنة. والثاني: رحمة للخَلْق؛ لئلا ييأسوا ولا يزيلوا الولاية لكلِّ ذنبٍ (٥). والثالث: لينتبه (٦) الخلق أنْ لا أحدَ يقوم بتعهُّد (٧) نفسه عمَّا يذمُّ عليه إذا

стр. 717

وُكِلَت نفسُه إليه، فيكون ذلك سببًا لزَجْر الخلق عن النظر إلى أنفسِهم، وداعيًا (١) إلى التضرُّع إلى اللَّه تعالى ليَعصمهم عن كلِّ شرٍّ. وقال يوسفُ صلوات اللَّه عليه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣] (٢). * * * (٣٨) - ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾: إنَّما كرَّر الأمر بالهبوط؛ لأنَّه يتَّصل بكلِّ واحدٍ منهما معنًى آخَرُ: فالأول معناه: اهبطوا على عداوةِ بعضكم لبعضٍ، وعلى سُكناكم في الأرض إلى حينٍ. ثم ذكر أمْرَهم بالهبوط ثانيًا للابتلاء بالعبادة بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾. وكان يصحُّ لو قُرن المعنيان بذِكر الهبوط مرَّةً، لكن اعتَرض بينهما كلامٌ، وهو تلقِّيه الكلمات ونَيْلُه قَبولَ التوبة، فأَعاد الأوَّل ليتَّصل المعنى الثاني به، وهو الابتلاءُ بالعبادةِ، والثوابُ على الطاعة، والعقاب على المعصية. وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: الفاء للتعقيب، و (إمَّا) كلمتان؛ (إنْ) وهي كلمةُ

стр. 718

شرطٍ، و (ما) وهو للصِّلة، و (يَأتِ) شرطٌ، والنون للتأكيد، فعادت الياء المحذوفة بالشَّرط. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: معناه: ليأتينَّكم، قال: وهذا جائزٌ في اللغة (١). وقال ابنُ عباسٍ ﵄: ليس هذا بشرطٍ وإن كان ظاهرُه شرطًا، أَلَا ترى أنَّه لا جوابَ له. قال الإمام الحَجَاج نجمُ الدِّين (٢) ﵁: ووجهُ تصحيحِ هذين الكلامَيْن -مع تقرير العربيَّة على وجهها وحقيقتها (٣) -: أنَّه شرطٌ، والمشروط قد يكون وقد لا يكون، وإتيانُ الهدى كان ممَّا يكون لا محالةَ، لكن أسِّس هذا لبناء شرطٍ آخَرَ عليه وإيرادِ جوابٍ بعدهما. والمشروط الثاني ممَّا يكون مِن بعضهم ولا يكون مِن بعضهم، فكان (٤) مقتضى الشرط في ذلك لا في هذا؛ فتقرَّر الأوَّل وتعلَّق الثاني بالشرط، وتقديره: سيأتيكم منِّي كتابٌ هادٍ ورسولٌ هادٍ، ومتى يأتكم ذلك فمَن تبع هداي (٥) فلا خوفٌ عليه ولا حزنٌ، فكان قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾ جوابًا لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وهو شرطٌ آخَرُ يقتضي الجوابَ، فجعل جوابه: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِم﴾، ثم هذا الجزاءُ مع شرطه جوابٌ للشرط الأول.

стр. 719

وقيل: الجزاءُ الأخيرُ جوابٌ للشرطين جميعًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠]، لم يَجئ له جوابٌ، ثم قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٠] ولم يَجئ له جوابٌ، ثم قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [النور: ٢١] فكان هذا جوابًا لكُلِّها. وقوله تعالى: ﴿مِنِّي هُدًى﴾: هذا مصدرٌ أُريد به النعتُ وهو الهادي، وهو نعتُ منعوتٍ مُضمَرٍ وهو الكتاب أو الرسول، وإنَّما وُحِّد لأنَّ المراد أحدُهما، أو بذِكر أحدِهما يصير الآخَرُ مذكورًا، فإنَّ الرسول يأتي بالكتاب، والكتابَ ينزل على الرسول. و ﴿هُدًى﴾ مرفوعٌ بفعله، وهو الإتيان. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ خطابٌ لذرِّيَّة بني آدمَ ﵇؛ لأنَّ إبليسَ -لعنه اللَّه- وذرِّيَّتَه لا (١) يأتيهم كتابٌ ولا رسولٌ، ولا يكون منهم اتِّباعٌ. وقال مقاتل بنُ حيان: ﴿هُدًى﴾ هو محمَّدٌ ﷺ (٢)؛ فمَن اتَّبعه وأطاعه فلا خوفٌ عليه ولا حزنٌ. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ (٣): يقال: تَبِعه واتَّبعه -بالتشديد- أي: تَلاهُ، وأتبعه؛ أي: لَحِقَه، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨]، وتفسيره: فمَن عَمل بالكتاب فلم يخالفْه وأطاع الرسول فلم يُفارقْه.

стр. 720

وقوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: أي: فليس عليهم خوفٌ فيما بين أيديهم من الآخرة. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: لا يَهتمُّون على ما فاتهم من الدنيا. وقيل: أي: فلا خوفٌ عليهم مِن عقابٍ، ولا حزنٍ بفوتِ ثوابٍ. وقيل: الخوفُ: استشعارُ غمٍّ لفَقْد مطلوبٍ، والحزنُ: استشعارُ غمٍّ لفوت محبوبٍ، قال تعالى خبرًا عن يعقوبٍ صلوات اللَّه عليه: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]. وقيل: فلا خوفٌ عليهم مِن الضلالة في الدنيا، ولا حزنِ الشقاوة في العُقبى، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] ثم وحِّد الشرط هاهنا وجُمع الجزاء؛ لِمَا مرَّ في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. * * * (٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: وإنَّما ذكَر الكلمتين ومعناهما واحدٌ، تقريرًا لقبائحهم، وتكريرًا لفضائحهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩]. وقيل: الكفرُ: نفيُ ما للَّه (١) تعالى مِن الصفات الحميدة، والتكذيبُ: إثباتُ ما لا يليق باللَّه تعالى مِن الصفات الذميمة، والآياتُ: العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّة اللَّه تعالى مِن الكُتب المنزلة وغير ذلك.

стр. 721

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أي: سُكَّان جهنَّم، جمعُ صَحْبٍ، وصَحْبٌ جمعُ صاحبٍ، فهو جمعُ الجمع، ونظيرُه: الأشهاد والأنصار (١)، والصُّحبة في معنى الوُصْلة، فسمُّوا أصحابَها لاتصالهم بها وبقائهم فيها. وقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أي: دائمون لا يموتون فيها ولا يُخرجون منها، هذه الآية في وعيدِ مَن لم يَتْبع، والآيةُ الأولى في وعدِ مَن تَبع. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾؛ أي: تَبعه (٢) ودامَ عليه حتى مات، وكذا في آية الوعيد. قال: وفي الآيتين نقضُ قولِ الجهميَّة: أنَّ الجنَّة والنَّار يَفنيان ويَنقطع ما فيهما، فإنَّ اللَّه تعالى نفى الخوف والحزن عنهم، ولو كانتا تفنيان لكان لأهل الجنَّة أشدُّ الخوف والحزن. وذكر في عذاب أهل النار أنَّه شديدٌ أليمٌ؛ ولو كان لها فناءٌ ورَجُوا فناءَها لهانَ ذلك عليهم، وكانوا أسعدَ حالًا مِن أهل الجنة؛ فإنَّ أهل الجنة يخافون زوالَ تلك النعمة (٣) وهو أجلُّ محنة، وهؤلاء يرجون زوالَ العقوبة وهو أجلُّ نعمة (٤). * * * (٤٠) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.

стр. 722

وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: انتظامُه بختمِ قصَّة آدم ﵇: أنَّه وعد متَّبعَ الهدى بالجنة، ومخالِفَه بالعقوبة، وحثَّهم في هذه الآية على الوفاء بعهده، وهو الإيمان به والطاعة؛ ليُوْفيَ بعهدهم وهو إدخالُ الجنة، فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقد قال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] بعد قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. وانتظامُه بتمام قصَّة آدمَ: أنَّ اللَّه تعالى عدَّد علينا نِعَمَه على أبينا، وعدَّد على بني إسرائيل نِعَمه على أنبيائهم (١). وانتظامُه بما قبل قصَّة آدمَ: أنَّه قال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ ثم أمرنا هاهنا بالوفاء بعهدِ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: يا أولادَ يعقوبَ، وأصله: بنين، وهو جمعُ ابنٍ، وسقطت النونُ للإضافة، والبنونَ اسمٌ للذكورِ والإناثِ مِن الأولاد إذا اجتمعوا (٢)، كنعتِ الرجالِ يشمل الذكورَ والإناثَ إذا اجتمعوا. وإسرائيل: اسمُ يعقوبَ، قال ابنُ عباسٍ ﵄: (إسرا) بالعبرانية: عبدٌ، و (إيل) هو: اللَّه، ومعناه: عبدُ اللَّه (٣)، وفيه أقاويلُ أُخرُ لا يُعتمد عليها. وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: يجوز أن يكون أمرًا بالذُّكر -الذي هو مضمومُ الذال- وهو بالقلب خاصَّةً، وهو الحفظُ الذي يضادُّ النسيانَ، ويجوز أْن يكون أمرًا بالذِّكر -الذي هو مكسور الذال- وهو يقع على الذِّكر باللسان والذِّكر

стр. 723

بالقلب، ويكون أمرًا بشكر نِعَمه (١) باللسان وحفظِها بالجَنان، فلا (٢) يكفُّ عن قضاء حقِّها بالغفلة والنسيان. والنِّعمةُ اسمُ جنسٍ، فيقع على كل النعم في مثل هذا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، واختُلف في المراد بها (٣) هاهنا: قيل: هي كلُّ النِّعم التي أَنعم اللَّهُ تعالى بها على كلِّ خَلْقه، وهي كلُّها تقتضي الوفاء بعهده. وقيل: هي النِّعم التي كانت على سَلَفهم: مِن الإنجاء، وبعثِ الأنبياء، وتظليلِ الغمام، وإنزالِ المنِّ والسلوى للطعام، وتفجيرِ العيون مِن الحجر للشراب، وسائرِ ما عدَّدها في هذه الآيات، وهذا (٤) كلُّه إنعامٌ على الأبناء؛ لأنَّهم يَشرفون بتشريف (٥) الآباء، وهذا قولُ الحسن البصريِّ رحمة اللَّه عليه (٦). وقال ابنُ عباسٍ ﵄: هي ما استودَعهم مِن التوراة التي فيها صفةُ رسولِه، وبعثُه نبيًّا. وقيل: النِّعمة: هي محمَّدٌ ﷺ ، وكانوا يَستفتحون به على الذين كفروا، فكأنَّه قال: احفظوا حقَّه وآمِنوا به وأوفوا بعهدي فيه.

стр. 724

وكان بعثُه نعمةً لهم؛ لأنَّه بُعث في وقت اختلافهم وتغييرِ الكتاب، وفي وقتِ فترة الرسل، وكان في طاعته نجاتُهم، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] يعني: محمَّدًا (١) ﵊، وإنَّما ذكَره باسم الجمع لكثرة ما فيه مِن النِّعم، كما سمَّى إبراهيمَ أمَّةً لقيامه بمعاني الأمم. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾: قيل: هو الأمرُ بالوفاء بالميثاق الذي أَخذ اللَّهُ تعالى على ذرِّيَّة آدمَ ﵇؛ مِن الإيمان به والائتمارِ بأمره. والعهدُ اسمٌ للإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠]؛ أي: هل قُلْتُم: لا إله إلَّا اللَّهُ. وقيل: هو ما أُخذ عليهم مِن العهد في الكتاب (٢) بالإيمان برسولنا محمدٍ ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٣) [آل عمران: ١٨٧]. وقال ابنُ عباسٍ والرَّبيع: أي: أَوفوا بما أمرتُكم به، أوفِ بما وعدتكم به (٤). والعهد يكون بمعنى الأمر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] وقال : ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فكان قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ أي (٥): أمري.

стр. 725

وقوله تعالى: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: أي: بوَعْدكم، ويكون العهد بمعنى الوعد؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]؛ أي: بوعده، فقد قال تعالى (١): ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة: ١١١] وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] أي: وَعَد، فقد قال: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: ٧٧]. وقيل: أي: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في أداء الفرائض ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بقَبولها والجزاء عليها. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: كان عَهِدَ إلى بني إسرائيل على لسانِ موسى صلوات اللَّه عليه: إنِّي باعثٌ مِن بني إسماعيل نبيًّا أُمِّيًّا؛ فمَن اتَّبعه (٢) وصدَّق بالنُّور الذي يأتي به غفرتُ له ذنبَه وأدخلتُه الجنة، وجعلتُ له أجرين اثنين، فذكَّرهم ذلك بهذه الآية (٣). وقيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في مجاهدةِ أنفسكم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في معونتِكم عليها. وقيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في إخلاصِ سرائركم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في إصلاحِ ظواهركم. وقيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في إصلاحِ دنياكم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في إصلاحِ عُقباكم. وقيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾: أَجيبوني فيما قلتُ لكم: افعلوا ولا تفعلوا ﴿أُوفِ

стр. 726

بِعَهْدِكُمْ﴾: أُجِبْكم فيما قُلتم لي: افْعَلْ ولا تفعل؛ قال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، وهو قول سفيان الثوري. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: عهدُ اللَّه تعالى إلى خَلْقه على وجهين: عهدُ خِلقةٍ: لِمَا جعل في خِلْقة كلِّ أحدٍ (١) دلائلَ تدلُّ على معرفته وتوحيده، وأنَّه لم يَخلقه للعَبَث ولا يَتركُه سُدًى. وعهدُ رسالةٍ على ألسنة الرسل: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢] وقولُه: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قولُه تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢] (٢). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: النِّعمة: ما أَشهدك المُنعِمَ، أو ما ذكَّرك المُنعِمَ، أو ما أَوصلك إلى المُنعِم، أو ما لم يَحجبْك عن المُنعِم. وقال: إنَّه سبحانه أَمَرَ بني إسرائيل بذِكر النِّعم، وأَمَرَ أمَّة محمدٍ (٣) بذِكر المُنعِم، فقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي قَبِلتم يومَ الميثاق ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ الذي ضَمِنْتُ لكم يومَ التَّلاقِ.

стр. 727

﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في أنْ لا تُؤْثِروا عليَّ غيري ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في أنْ لا أمنعَ عنكم (١) خيري. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في استدامةِ عِرفاني ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في إدامةِ إحساني. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ في القيامِ بخدمتي ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في قَبولها (٢) منكم بمنَّتي (٣). ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بحسن المجاهَدة ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في دوام (٤) المشاهَدة. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بصدق المحبة ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بكمال القُربة. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ اكتَفُوا منِّي بي ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أرضَى عنكم بكم. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ دار الحَجْبة على بساط الخدمة بشدِّ نطاق الطاعة وبذل الوسع والاستطاعة ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في دار القربة على بساط الوصلة بإدامة الأُنْس والرؤية. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بقولكم أبدًا: ربِّي ربِّي ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بقولي (٥) أبدًا: عبدي عبدي (٦). ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ بإدامة تحفظ الوفاء ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بإدامة الصفاء (٧).

стр. 728

وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: قال القشيريُّ ﵀: أي: أَفرِدوني بالرَّهبة، لانفرادي بالقُدرة (١). وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: اخشَوا سلطاني وقدرتي. قال: وقيل: أي: اخشَوا عذابي ونِقمتي. قال: وقيل: أي اخشوا نقضَ عهدي وكتمانَ نعتِ (٢) نبيِّي محمَّدٍ ﵇ (٣). وقال ابنُ عباسٍ ﵄: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾؛ أي: أنْ أُنزل عليكم مِن العذاب كما أَنزلت على مَن قبلَكم. وقد بيَّنَّا في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أنَّ تقديمَ (إيَّا) يقتضي الإفرادَ، معناه: اخشوني ولا تخشَوا غيري، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (٤) [البقرة: ١٥٠]. وأصل: ﴿فَارْهَبُونِ﴾: فارهبوني بياء الإضافة، وبه قرأ بعضُ القرَّاء (٥)، وحُذفت تخفيفًا، لموافقةِ رؤوس الآي. * * * (٤١) - ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.

стр. 729

وقوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾: وهو تفسيرُ العهد الذي مرَّ؛ أي: آمِنوا أيضًا (١) أكُلها اليهودُ بالقرآن الذي أنزلْتُه على محمَّدٍ. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ نصبٌ على القطع، ويجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا؛ أي: بالقرآن الذي أنزلته مصدِّقًا لِمَا معكم؛ أي: مُوافِقًا للتوراة التي معكم في التوحيد، والإخبارِ عن الأمور الماضية والمستقبَلة، وفيها ذِكْرُ نعتِه (٢) وإنزالِ القرآنِ عليه. وأمَّا (٣) الاختلافُ في الشرائع والأحكام، فلا يُوجِب التناقض؛ لأنَّه نسخٌ، ويجوز نسخُ بعضِ ما في كتابٍ (٤) ببعضِه، فكيف بكتابين! والنَّسخُ بيانُ مدَّة الحكم الأول لا بَدَاءٌ، فجاز. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾: قيل: بالقرآن، وقيل: بمحمَّدٍ ﵊، وقد ثبت ذِكْرُه بذِكْر الإنزال؛ لأنَّه أُنزل عليه، فجاز صرفُ الكناية إليه. وقيل: أي: بما معكم؛ وهو التوراة، فإنَّ فيه نعتَ محمَّدٍ ﵊. والصَّرفُ إلى القرآن قولُ ابنِ جريج، والصَّرفُ إلى محمَّدٍ ﵊ قولُ أبي العالية (٥)، والصَّرفُ إلى التوراة قولُ الزجَّاج (٦).

стр. 730

ثم لم يقل: أوَّل كافرين، على الجمع؛ لأنَّ الكافر اسمٌ مشتقٌّ مِن فِعْلٍ، فيكون بمعنى: مَن فَعَلَ (١)، فيدلُّ على الجمع، ويجوز جمعُه على الحقيقة، قال الشاعر: فإذا هم طَعِموا فَأَلأَمُ طاعمٍ... وإذا هُمُ جاعوا فَشَرُّ جِيَاعِ (٢) وحَّد في الأول وجمَع في الثاني، ويقال: الجيشُ مُقبِلٌ، والجندُ مُنهَزم، ولا يجوز هذا في الاسم الذي ليس بمأخوذٍ مِن الفعل، لا (٣) يجوز أنْ يُقال (٤): الجيشُ رجلٌ، ولا الجندُ غلامٌ، بل يقال: الجيش رجالٌ، والجند غلمانٌ. وقال الأخفش: فيه إضمارٌ؛ أي: أوَّل فريقٍ كافرٍ به، فوحِّد على اللفظ دون المعنى. ثم معناه: أوَّل كافرٍ مِن أهل العصر، فقد كان قَبلهم أهلُ الكفر. ومعنى النهي عن الكفر أوَّلًا -والكفرُ أوَّلًا وآخِرًا حرامٌ-: أنَّ فيه زيادةَ قبحٍ ووبالٍ؛ أي: لا تكونوا أوَّل مَن يَكفر به فتقتديَ بكم غيرُكم، فيكون لكم وزرُكم ووزرُ مَنِ اقتدى بكم، قال النبيُّ ﵊: "مَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً فله أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة، ومَن سنَّ سُنَّةً سيئةً فعليه وزرُها ووزرُ

стр. 731

مَن عَمِل (١) بها إلى يوم القيامة" (٢)، وذلك (٣) أنَّه ﵊ قَدِمَ المدينةَ، فكذَّبه يهودُ المدينة، ثم بنو قريظة وبنو النضير، ثم خيبر ثم فَدَك، ثم تتابعت (٤) على ذلك سائرُ اليهود. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: قد فسَّرنا الاشتراءَ في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] ومعناه هاهنا: لا تَأخذوا على تعليم الكتاب أجرًا، وهذا قول أبي العالية، وكان مكتوبًا عندهم في الكتاب الأول: يا ابنَ آدمَ علِّم مجانًا كما عُلِّمت مجانًا. وقال الحسن: أي: لا تأخذوا على تغييرِ كتابكم وتبديلِه ثمنًا. وقال السدِّي: أي: لا تأخذوا طَمعًا على كتمانِ ما فيه مِن ذِكر محمَّدٍ وتصديقِ القرآن (٥). وقصَّة نزولها: أنَّ كعبَ بنَ الأشرف قال لأحبارِ اليهود: ما تقولون في محمَّدٍ؛ فقالوا: إنَّه نبيٌّ، فقال لهم: كان لكم عندي صلةٌ وعطيَّة لو قلتُم غيرَ هذا، قالوا: أَجبناكَ مِن غير تفكُّرٍ فأَمْهِلنا حتى نتفكَّرَ وننظرَ في التوراة، فخرجوا وبدَّلوا نعتَ المصطفى بنعتِ الدَّجَّال لعنه اللَّه، ثم رجعوا وقالوا ذلك، فأعطى

стр. 732

كلَّ واحدٍ منهم صاعًا مِن شعيرٍ وأربعَ أذرعٍ مِن كرباسٍ، فهو القليلُ الذي ذكره اللَّهُ تعالى في هذه الآية. وقيل: إنَّما سمَّاه ﴿قَلِيلًا﴾ لأنَّ الدنيا كلَّها قليلةٌ في نفسها، لاسيَّما إذا قُوبلت بالآخرة وبما يُترك بها. ثم إنَّ ما أخذوه لم يكن ثمنًا حقيقةً، لكن أَخذوه عِوضًا عمَّا تَركوه، فكان في صورة ثمن المبيع، وقد قال الشاعر: إنْ كنتَ حاولتَ دنيا أو ظفرتَ بها... فما أَصَبْتَ بترك الحجِّ مِن ثمنِ (١) وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾: أي: اخشوني، كما قال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، وإنَّما أَعاده، لأنَّ الأوَّل معناه: اخشوني في نقضِ العهد، وهذا معناه: اخشوني في كتمانِ نعتِ محمَّدٍ وما ذكر في هذه الآية، وإنَّما يَسهل الائتمارُ بالأمر والانتهاءُ بالنهي لمن خشي اللَّه ، فأَمرهم هناك بخشيته ليَسهل (٢) عليهم الائتمارُ بما أَمر (٣) به في تلك الآية، وأَعاد الأمر بها هاهنا ليسهل عليهم الانتهاء عمَّا نهى عنه في هذه الآية. * * * (٤٢) - ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: اللَّبس بفتح اللام: الخلطُ، مِن باب: (ضرب)، واللِّبس -بكسرها-: الاكتساءُ، مِن باب (علم).

стр. 733

وقال ابنُ عباسٍ ﵄: معناه: لا تخلطوا الصدقَ بالكذب (١)؛ أي: نعتَ محمَّدٍ (٢) ﵊ بنعت الدجال. وقال مجاهد: أي: اليهوديَّة والنصرانيَّة بالإسلام (٣). وقيل: أي: التوراة المنزلةَ بما كتبتُم بأيديكم. وقيل: أي: الأمانةَ بالخيانة؛ لأنَّهم اؤتُمنوا على ما في التوراة أنْ يُبدوه ولا يَكتموه، فخانوا فيه (٤) مِن وجهين: بكتمانه وتبديله. وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾: عطفٌ على النهي الأول؛ أي: فلا (٥) تكتموا الحقَّ، وهو أمرُ محمَّدٍ ﵊، وقيل: القرآن، وقيل: الإيمان. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أنَّه حقٌّ ولكنْ (٦) تكابرون، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ نهيٌ عن التغيير، وقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ هو نهيٌ عن الكتمان، فكلاهما (٧) منهيَّان، وإضمارُ (لا) هاهنا كإضمارِه في قوله: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]؛ أي: ولا تخونوا (٨).

стр. 734

وقيل: هذا خطابٌّ للمشركين (١)، وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيكَ اللَّهمَّ لبيكَ، لا شريكَ لك إلَّا شريكٌ هو لك تَملكه وما مَلَك. وقيل: هو خطابٌ للمنافقين (٢)، ومعناه: لا تخلطوا الإخلاصَ بالنفاق. ويجوز صرفه إلى المسلمين وإلى كلِّ صنفٍ منهم، وبيانه: أيُّها السلاطين لا تَخلطوا العدلَ بالجَور، وأيُّها القضاة لا تَخلطوا الحُكم بالرِّشوة، وكذا كلُّ فريقٍ. وقال الإمام القشيريُّ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: لا تُؤْثِروا على عظيم حقِّي خسيسَ حظِّكم ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾؛ فكثير (٣) مَن يتَّقي عقوبتَه، وعزيزٌ مَن يهاب رؤيتَه ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾؛ أي: لا تتوهَّموا أنْ يَلتئِمَ لكم جمعُ الضِّدَّين، والكونُ في حالةٍ واحدةٍ في محلَّين، فإمَّا مبسوطٌ (٤) بحقٍّ، وإمَّا مربوطٌ بحظٍّ، ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ﴾ تدليسٌ (٥)، ﴿وَ﴾ لا ﴿تَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ تلبيسٌ، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ أنَّ حقَّ الحقِّ تقديسٌ (٦). * * * (٤٣) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: اقبلُوها وأدُّوها ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: كذلك.

стр. 735

وقيل: أي: أقيموا الحمدَ والثناءَ للَّه بألسنتكم، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: طهِّروا له أنفسَكم عن الكفر والمعاصي، قال اللَّه تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]؛ أي: إلى أنْ تتطهَّر (١)، وقال تعالى: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ وقرئ: ﴿زَكِيَّةً﴾ (٢)؛ أي: طاهرةً، وزكاةُ المال سُمِّيت بها لمعنيين: للطهارة كما ذكرنا، وللنَّماء، يقال: زكا الزرعُ: إذا نما، وسُمِّيت بها لنماءِ المال بها بالزيادة، ولطهارةِ مؤدِّيها بالمغفرة. وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: الرُّكوع في اللغة: هو التَّطامُن والانحناء، قال لبيد بنُ ربيعة العامريُّ: أُخبِّرُ أخبارَ القرونِ التي مَضَتْ... أَدِبُّ كأنِّي كلَّما قمتُ أَركعُ (٣) وفي الشرع: هو ركنٌ مخصوصٌ في الصلاة بين القيام والسجود. ومعنى الآية: اركعوا في الصلاة ركوعَ أهل الإسلام، ولم يكن لصلاة اليهود ركوعٌ؛ أي: أسلموا واعملوا عملَ أهل الإسلام، ولذلك قال: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: مع المسلمين الذين يركعون في صلاتهم. وقيل: الركوع هاهنا اسمٌ لكلِّ الصلاة، وقد مرَّ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] أنَّ الصلاةَ لها أسامٍ منها الركوعُ، ومعناه: صلُّوا مع المصلِّين، وله معنيان:

стр. 736

أحدهما: صلُّوا مع أمَّة محمدٍ ﷺ صلاتَهم؛ أي: اشْرَعوا في دينهم وأعمالهم، وصلُّوا صلاتَهم المشتمِلةَ على كلِّ أركانها، واستقبِلوا بها القبلة (١) كاستقبالهم، و ﴿الرَّاكِعِينَ﴾ (٢): اسمُ أمَّة محمدٍ ﵇، ولهم (٣) أسامٍ كثيرةٌ في القرآن. والثاني: صلُّوا مع المصلِّين، وهو أمرٌ بإقامة الجماعة فيها دون الانفراد بها. ثم هذا ليس بتكرارٍ لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ لأنَّ ذلك أمرٌ بقَبولها وأداءِ أصلِها، وهذا أمرٌ بإتمامها (٤) بالركوع فيها، وإقامتِها بالجماعة مع أهلها. * * * (٤٤) - ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾: البِرُّ في اللغة لأشياءَ: للصِّدق، ولحفظ اليمين، ولمراعاة حقِّ الوالدين، وللطاعة، وللُّطف، والصرفُ (٥) مِن حدِّ عَلِمِ، والنَّعت: البَرُّ -بالفتح- والبارُّ، ومعناه هاهنا عند السديِّ: أتأمرون الناسَ بطاعة اللَّهِ وأنتم تَعْصونه؟!. وقال ابن عباسٍ ﵄: أتأمرون الناسَ بالتمسُّك بكتابكم، وتتركونه أنتم بجحد ما فيه مِن نبوَّة محمَّدٍ ﵊.

стр. 737

وقيل: أتأمرون الناسَ بالصَّدقة وأنتم تَضِنُّون (١). وقيل: أتأمرون الناس بالصِّدق وأنتم تكذبون. وقيل -وهو الأظهرُ والأشهر-: أتأمرون الناسَ بتصديق محمَّدٍ ﷺ واتِّباعه وأنتم تخالفونه. ونزولُ الآية في علماء اليهود؛ فإنَّ الرجل منهم كان يقول لصهره وقريبه ورضيعه (٢) مِن المسلمين في السِّرِّ: الْزَموا دينَ هذا الرجل؛ فإنَّ ما يقوله حقٌّ، وكانوا لا يفعلون ما يَأمرون به كيلا تفوتَهم الرِّشوةُ والرئاسة، فنزلت الآية (٣). وقيل: كانوا يقولون لفقرايهم الذين لا مطمعَ لهم فيهم بالسِّرِّ: آمِنوا بمحمَّدٍ ﵊ فإنَّه حقٌّ، وكانوا يقولون للأغنياء: نرى فيه بعضَ علاماتِ نبيِّ آخِرِ الزمان دون بعضٍ، فانتظِروا استيفاءَها (٤)؛ لما ينالون منهم. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ هذا استفهامٌ بمعنى التوبيخ والتهديد. وقوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾: النِّسيان في اللغة نقيضُ الذُّكْر، والنِّسيانُ: التركُ أيضًا، والنِّسيانُ: التأخير أيضًا، والنِّسْيُ: ما سقط في منازل المرتحلين مِن رُذالِ أمتعتِهم، فيقولون: تتبَّعوا أنساءكم، هو جمع ذلك (٥)، قال الشاعر:

стр. 738

كأنَّ لها في الأرض نسيًا تَقُصُّهُ (١) ومِن الأوَّل قولُه تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ومِن الثاني قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: تركوا ما (٢) أمر اللَّهُ فتركهم مخذولين، ومِن الثالث قولُ الرجل لآخَرَ: نسيتُ أمري؛ أي: أخرته عن سائر الأمور. ومعنى الآية هاهنا: ولا تفعلون (٣) أنتم كأنَّكم نسيتُم أنفسَكم، أو: تتركون أنفسكم، فلا تُنْجُونها عن العقوبة بالإيمان به ومتابعته، أو: تؤخِّرون أمورَ أنفسكم، فلا تتَّبعونه للحال كيلا (٤) ينقطع مرافقُ أغنيائكم عنكم، ومِن (٥) عزمكم أنْ تتَّبعوه يومًا، وشؤمُ إصراركم وتأخيركم باختياركم (٦) يبقيكم على الكفر إلى آخِرِ العمر. وكذا حالُ مَن تمادى في العصيان والفساد (٧)، وهو يقول: أتوبُ عند الكِبَر والشَّيبِ، وربَّما يفجؤه الموت، فيبقى في حسرة الفَوْت.

стр. 739

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ، وتَعرفون أنَّ المصطفى حقٌّ، وأنَّ كتابَه صدقٌ، ثم تخالفون علمَكم. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أي: ليس لكم عقلٌ تَعرفون به أنَّه قبيحٌ منكم تركُ إصلاحِ أنفسكم والاشتغالُ بغيركم، وقبيحٌ أيضًا مخالفةُ ما تعلمون. وقيل: أي: تتلونَ في كتابكم أنَّ المحمودَ مَن عَمِل بما عَلِم، ثم أَمَر غيرَه به، لا مَن أمر غيرَه به (١) وتركَ نفسه، وفي كتابنا ذلك أيضًا قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٤] ثم سمَّاهم فقال: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]. وقال إبراهيم النَّخَعيُّ ﵀: مَنَعني عن الجلوس للعامَّة ثلاثُ آياتٍ قالوا (٢): هي دامغةُ الواعظين: قولُ اللَّهِ تعالى خبرًا عن شعيبٍ النبيِّ صلوات اللَّه عليه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]. وقيل: في معناها آيةٌ أخرى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]. ثم هذا التوبيخُ ليس على (٣) أَمْرِ الناسِ بالبِرِّ، بل لتركِ العملِ به، ولا يستقيمُ قولُ مَن يقول: لا يجوز الأمرُ بالمعروف لمن لا يَعمل به لهذه الآية، بل يجب العمل

стр. 740

به ويجب الأمر به، وقد قال النبيُّ ﵊: "مُرُوا بالمعروف وإنْ لم تَعملوا به كلِّه (١)، وانْهوا عن المُنكر وإنْ لم تَنتهوا عنه كلِّه" (٢)، وهذا لأنَّه إذا أَمر به مع أنَّه لا يَعمل به فقد ترك واجبًا، وإذا لم يأمر به فقد ترك واجبين. * * * (٤٥) - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾: أي: بالصبرِ على الطاعات، وتركِ السيئات، وتحمُّل الأذى والمصيبات، وجهادِ الأعداء بالمحارَبات، وبالصلوات على تكفيرِ السيئات وقضاء الحاجات. فإنَّ الصبرَ حبسُ النَّفس، وهو يكون على أداءِ الطاعات مع مشقَّتها، وعلى تركِ المعاصي مع شهوتها. والباءُ للأداةِ والآلةِ، وما يُستعان به عليه مُضمَر، وهو تكفيرُ السيئات؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى أنْ قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الأحزاب: ٣٥]، والصلاةُ كذلك؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ويُستعان بهما على قضاء الحاجات أيضًا؛ وهو المضْمَرُ عند بعضِهم،
следующие страницы →