← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

(١٣ - ١٤) - ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾: أخبرَ أنَّ هؤلاء كافرون باللَّه ورسوله، وأنَّ مصيرَهم إلى النار. وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: النبيُّ ﷺ مُسْتَغْنٍ عن هؤلاء المنافقين وعن الاعتضاد بهم، وإنما يأمرُهم بالجهاد وسائر العبادات ابتلاءً، فمَن أطاعَه رَحِمَه، ومَن عصاه عذَّبَه، فذلك قولُه: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: وفيه تحريكٌ للمنافقين على التوبة، ووعدٌ مِن اللَّه قَبولَها منهم، وفيه دِلالةٌ على صِحَّةِ نبوَّةِ نبيِّنا، حيث أخبرَ أنهم سيقولون كذا، وكان كما أختز، فدلَّ أنه علِمَ ذلك مِن عند اللَّه تعالى. وفي تسميتهم (١) مُخَلَّفين بتخلُّفهم دليلُ أهلِ السنة والجماعة على خَلْقِ أفعال العِباد، وأنَّ تخلُّفَهم كان بتخليف اللَّهِ إياهم؛ لمَّا علِمَ منهم في الأزل اختيارَ ذلك. * * * (١٥) - ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾: وهُم المذكورون مِن قبلُ، وجعلَ اللَّهُ مَغانِمَ خيبرَ لأهل الحُدَيْبِيَةِ خاصَّةً؛ مَن غاب منهم ومَن حضَرَ.

стр. 6757

قالوا: ولم يَغِبْ عنها أحدٌ إلا جابرَ بنَ عبدِ اللَّه، فقسَمَ له رسولُ اللَّهِ ﷺ كَسَهْمِ مَن حضَرَ، وانصرفَ رسول اللَّه ﷺ مِن الحُدَيْبِيَةِ في ذي الحِجَّة، وأقامَ بالمدينة بَقِيَّةَ ذي الحِجَّة وبعضَ المُحَرَّم، ثم خرَجَ في بَقِيَّةِ المُحَرَّم إلى خيبرَ، وخرجَ معه مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، فلما سمِعَ هؤلاء المنافقون بهذا الوعد قالوا لهم حين قصَدوا خيبر: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾: فإنا قد أَوْضَحْنا عُذْرَنا في التَّخَلُّف عن الحُدَيْبِيَةِ، فمنعَهم النبيُّ بأمرٍ مِن اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾: قرأ حمزةُ: ﴿كَلِمَ اللَّهِ﴾، وقرأ الباقون: ﴿كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١)؛ أي: يريدون أنْ يُغَيِّروا كلامَ اللَّه، حيث قال لرسوله: لا تأذَنْ لهم بالخروج إلى غزوةٍ أخرى معكَ. ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾: أي: في المَسِير إلى خيبرَ إلَّا مُتَطَوِّعين مِن غير أنْ يكونَ لكم (٢) شِرْكةٌ في الغنيمة (٣). ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أنَّهم لا يَتَّبِعونكم، وقيل: أنَّ خيبرَ لكم خاصَّةً. ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾: أي: على الغنيمة، فتُريدون أنْ تنفردوا بها. ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ولو فقِهوا لَكَفُّوا عن مَسْأَلتِكم الإذنَ لهم بعد إخباركم إياهم أنَّ اللَّهَ قد خصَّكم بغنائمِ (٤) خيبرَ. وقيل: لا يَفْقَهون أنَّ الرسولَ والصحابةَ لا يُحْسَدون، واستثنى القليلَ منهم؛ لِمَا أنَّ بعضَهم أَخْلَصَ بعد ذلك.

стр. 6758

(١٦) - ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: وهُم هؤلاء الذين مُنِعوا عن الخروج إلى خيبرَ في حياة النبي ﷺ . ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أي: أولي قُوَّةٍ في الحرب؛ أي: بعد وفاة النبي ﷺ . ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾: وفي مصحف أُبَيٍّ: (أو يُسْلِموا) (١)، ومعناه: حتى يُسْلِموا، وحَذَفَ النُّونَ للنَّصْب، وقراءةُ العامَّةِ ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ على معنى: أو هُم يُسْلِمون. ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾: أي: تُخْلِصوا في تلك الحرب، وتُطِيعوا الواليَ الذي دعاكم إليه. ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾: الغَنيمةَ في الدنيا بدلَ ما فاتَكم مِن غنائمِ خيبرَ، والثوابَ في الآخرة. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾: عن الإجابة ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عن إجابة النبي ﷺ يومَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الدنيا والآخرة. واختُلِفَ في هؤلاء القوم الذين وُصِفوا بالبأس الشديد: قال أكثرُ أهلِ التفسير: هُم بنو حَنيفةَ، وهُم أهلُ اليَمامة، رأسُهم مُسَيْلِمَةُ الكذَّابُ (٢)، قاتلَهم أبو بكر الصديق ﵁.

стр. 6759

وقال مجاهد ﵀: هُم أهلُ فارسَ (١)، قاتلَهم عمرُ ﵁. وقال الحسن: هُم فارسُ والرُّومُ (٢). ودلَّتِ الآيةُ على صحَّةِ خِلافة أبي بكر وعمر ﵄، حيث أوجبَ اللَّهُ تعالى طاعةَ مَن يَدْعو إلى قتال هؤلاء. وقال ابن عباس وسعيد بن جُبير وعكرمة: هُم أهلُ حُنَينٍ وثَقيفٌ وهوازنُ (٣)، وعلى هذا تكون الدَّعوةُ إليه في حياة النبي ﷺ أيضًا، وكان المُخَلَّفون ممنوعين عن خيبرَ، مَدْعُوِّين إلى قتال أهل حُنينٍ. * * * (١٧) - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾: لَمَّا نزَلَ

стр. 6760

وعيدُ المُتَخَلِّفين عن الغزو، اهتَمَّ الزَّمْنى لذلك، فنزَلَ هذا في عُذْرِهم (١) عن التَّخَلُّف عنه لِعَجْزِهم. وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: في الجهاد وغيرِ ذلك. ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: أي: عن طاعة اللَّه ورسوله. ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: في الدنيا والآخرة. * * * (١٨) - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾: وهي شجرةُ سَمُرَةٍ بالحُدَيْبِيَةِ. ورُوِيَ: أنَّها عُمِّيَتْ عليهم مِن قابلٍ، فلم يَدْروا أين ذهبَتْ. قال ابن عباس ﵄: أثنى اللَّهُ على الذين بايعوا رسولَه تحت الشجرة يومَ الحُدَيْبِيَةِ، وهي بيعةُ الرِّضْوان، وكانوا ألفًا وخمسَ مئةِ رجلٍ، وكانت الشجرةُ سمُرَةً، وأوَّلُ مَن بايعه أبو سنان الأسديُّ، بايعوه على ألَّا يفِرُّوا وعلى الموت (٢).

стр. 6761

﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: مِن صِدْق البَيْعة (١). وقال مقاتل: مِن كراهية الصُّلْح (٢). ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: الطُّمَأْنِينةَ على طاعة الرسول. ورُوِيَ أنهم كانوا يُبايعون رسولَ اللَّه ﷺ على الموت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "بل على ما استطعتم" (٣). وقيل: قال: "بل على أنْ لا تَفِرُّوا" (٤). وقال سلَمةُ بنُ الأَكْوَع: بينا نحن قائلون، نادى مُنادِي رسولِ اللَّه ﷺ : البيعةَ البيعةَ، نزلَ رُوحُ القُدُسِ، فثُرْنا إلى رسول اللَّه ﷺ وهو تحت شجرةِ سَمُرَةٍ، فبايعناه (٥).

стр. 6762

وقال عبد اللَّه بن المُغَفَّل: كنتُ قائمًا على رأس رسول اللَّه ﷺ ذلك اليوم، وبِيَدي غُصْنٌ مِن الشَّجرةِ أذُبُّ عنه وهو يُباجُ النَّاسَ (١)، وكانوا ألفًا وأربعَ مئةٍ (٢). وقال عطاءُ بن مسلمٍ الخُرَاسانيُّ وقتادةُ: بايعوا النبيَّ ﵇ يومئذٍ، وكانوا ألفًا وأربعَ مئةٍ (٣). وكان عثمانُ إذ ذاك غائبًا بمكة، فقال النبي ﷺ : "إنَّ عثمانَ في حاجةِ اللَّه وحاجةِ رسوله وحاجة المؤمنين"، ووضَعَ النبيُّ ﷺ إحدى يديه على الأخرى، وقال: "هذه بيعةُ عثمانَ، ويدُ اللَّهِ خيرٌ مِن أيديكم" (٤). ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: قال قتادة وابن أبي ليلى: يعني: خيبرَ (٥). * * *

стр. 6763

(١٩) - ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾: قيل: لَمَّا سمِعَ أهلُ القرى المجاورةِ لِخيبرَ ما جرى عليها، صالَحوا رسولَ اللَّه ﷺ على الشَّطْر مِن قُراهم، وفَدَكُ في جُمْلَتها، فهي مِن المغانم الكثيرة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾: أي: مَنيعًا لا يُغالَبُ ﴿حَكِيمًا﴾: فيما يَحْكُمُ به، فلا يُعارَضُ. * * * (٢٠) - ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. قولُه تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾: أي: بعد خيبرَ، وقد فُتِحَ عليه بعد ذلك حُنَينٌ وأَوْطاسٌ وفارسُ والرُّومُ. وقال ابن عباس ﵄: هو كلُّ فتحٍ يكون إلى يوم القيامة (١). وقولُه تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: أي: خيبرَ ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾: قيل: أي: حُلفاءِ خيبرَ -وهم أسدٌ وغَطَفانُ- جاؤوا لِنُصرةِ أهل خيبرَ، فقذفَ اللَّهُ في قلوبهم الرُّعْبَ فانصرفوا، وكان عليهم مالك بن عوف النَّصْريُّ وعُيَيْنَةُ بنُ حُصْنِ بن بدرٍ الفَزَارِيُّ، هابوا فانصرَفوا. ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: لِتكونَ هزيمتُهم مِن غير قتال عِبْرةً للمؤمنين، ودِلالةً على حُسْنِ صُنع اللَّه تعالى بالمسلمين. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: أي: ولتَسْلُكوا في كلِّ أحوالكم هذه الطريقةَ المستقيمةَ في الثِّقة باللَّه تعالى على مواعيده.

стр. 6764

(٢١) - ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: أي: ووعدَكم أخرى، وهي مكَّةُ، لم تَقْدِروا على دخولها العامَ بصدِّ المشركين. ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: أي: قد أعدَّها لكم وحبَسَها عليكم، فهي لكم كالشيء قد أُحِيطَ به مِن كل جانبٍ، فهو مَحْصورٌ، لا يُفْلِتُ ولا يمتنعُ عن المُحيطين به، يَحوزونه متى أرادوا، وهذا بلاغةٌ عجيبةٌ. وقيل: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: فارسُ والرُّومُ، ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: أي: قد علِمَ أنها ستكون لكم. وقيل: هي هوازِنُ وغَطَفانُ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾: أي: مِن فَتْحِ هذه القُرى، وإنجازِ هذه المواعيد، وكلِّ شيء. * * * (٢٢ - ٢٣) - ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: يعني: الذين صَدُّوهم عن المسجد الحرام، وهو إِيناسٌ لهم عن الوَحْشة التي اعتَرَتْ بعضَهم بانصرافهم، وتشجيعٌ لقلوبهم على كلِّ جهادٍ. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: سَنَّ اللَّهُ تعالى هذه السُّنّةَ؛ أي: هكذا أجرى اللَّه تعالى العادةَ في الأُمَم الخالية أنَّ الكافرين لا يجدون وليًا ولا نصيرًا، فهُم مخذولون وإنْ أُمْهِلوا إلى حينٍ.

стр. 6765

﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: أي: ولن تجدَ لهذه السُّنَّةِ تغييرًا. * * * (٢٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾: أي: أيدي أهلِ مكَّةَ ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن أهلِ مكَّةَ ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: بالحُدَيْبِيَةِ، وقيل: وادي مكة. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أَقْدَرَكم وسَلَّطَكم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: وهو ما ذَكَرْنا في أول القصة: أنَّ خيلًا طافوا بعَسْكَرِ رسول اللَّه ﷺ لِيُصِيبوا منهم غِرَّةً، فأُخِذوا، وخلَّى عنهم رسولُ اللَّه ﷺ . وفي حديث سَلَمةَ بن الأَكْوع قال: لَمَّا تواعَدوا الصُّلْحَ وتوادَعوا، كان في المسلمين ناسٌ مِن المشركين، وفي المشركين ناسٌ مِن المسلمين، فتنكَّرَ أبو سفيانَ، فإذا الوادي يَسِيلُ بالرجال والسِّلاح، قال سلَمةُ: فجئتُ بستَّةٍ مِن المشركين أَسوقُهم مُتَسَلِّحين، لا يملكون لأنفسهم نَفْعًا ولا ضرًا، فأتيتُ بهم النَّبيَّ ﷺ ، فعفا عنهم، وشدَدْنا على مَن في أيدي المشركين، فما ترَكْنا في أيديهم مِنَّا رجلًا إلا استنقَذْناه، وغَلَبْنا على مَن في أيدينا منهم، ونزَلَتْ هذه الآيةُ (١). وروى الزُّهريُّ عن القاسم بن محمد قال: لَمَّا كُتِبَ في الصلْحِ بِرَدِّ مَن جاء إلى رسول اللَّه ﷺ إلى أهل مكَّةَ، وجاء أبو بَصيرٍ وأصحابُه فردَّهم رسولُ اللَّه ﷺ ،

стр. 6766

لَحِقَ أبو بَصيرٍ بالسَّاحلِ، واجتمَعَ إليه مَن فرَّ مِن المسلمين، وجعَلوا يَقْطعون الطَّريقَ على كلِّ مَن يَحْمِلُ المِيرةَ (١) إلى مكَّةَ، حتى وقعَ فيهم القَحْطُ، فلما رأى ذلك كُفَّارُ قريشٍ، ركِبَ نفَرٌ منهم إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا له: إنَّ هذا الصُّلْحَ لا يُغْني شيئًا، وإنا نُقْتَلُ وتُنْهَبُ أموالُنا، فنسألُكَ بالرَّحِم الذي بيننا وبينك أنْ ترُدَّهم إلى حَضْرَتِكَ، وتكَفَّ عنا أيديَهم (٢)، فقَبِلَ رسول اللَّه ﷺ ذلك، فنزلَت هذه الآيةُ (٣). وقال سعيد بن جُبير ﵁: لَمَّا خرجَ رسول اللَّه ﷺ إلى الحُدَيْبِيَةِ، فساقَ الهَدْيَ، نزلَ بذي الحُلَيْفَةِ، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: تأتي قومًا حَرْبًا لكَ ليس معك سِلاحٌ ولا كُراعٌ (٤)! فبعثَ إلى المدينة، فأتوه بكل سلاحٍ وكُراعٍ كان فيها، فلما نزلَ رسول اللَّه ﵇ بمنى أتاه عينُه (٥)، فأخبرَه أنَّ عِكْرِمةَ بن أبي جهل خرجَ إليكَ في خمس مئةِ فارسٍ، فقال ﵇ لخالد بن الوليد: "هذا ابنُ عمِّكَ أتاك في خمس مئة فارس"، فقال خالد: أنا سيفُ اللَّهِ وسيفُ رسولِه، فيومئذٍ سُمِّيَ سيفَ اللَّهِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ارمِ بي حيث شئتَ، فوجَّهَه على خَيْلٍ (٦)، فأتى

стр. 6767

عِكْرِمةَ بن أبي جهلٍ، فهزَمه حتى أدخلَه مكةَ، ثم عاد فهزمَه حتى أدخلَه جوفَ مكةَ، فنزلت هذه الآيةُ (١). وقال أنس: اطَّلَعَ قومٌ على النبي ﷺ مِن قِبَلِ التَّنْعيم لِيَأْخُذوه، فأخذَهم رسولُ اللَّه ﷺ ، فخلَّى سبيلَهم، فأنزلَ اللَّهُ (٢) هذه الآيةَ (٣). * * * (٢٥) - ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ﴾: أي: وصَدُّوا الهَدْيَ. ﴿مَعْكُوفًا﴾: أي: مَوْقوفًا مَمْنوعًا. ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾: أي: عن أنْ يبلُغَ المَوْضِعَ الذي يحِلُّ فيه ذَبْحُه، وهو الحَرَمُ.

стр. 6768

أي: هُم مع هذه الأفعال القبيحة كانوا مُسْتَحِقِّين القتالَ والقَتْلَ، وإنما أمَرْناكم بالرُّجوع لِحِكْمةٍ، وهي ما ذكَرَ بعده: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾: أي: مِن بين (١) أهل مكةَ. ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾: أي: لم تَعْلَموا أنتم بإيمانهم. ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾: أي: لولا أنْ تَطَؤُوهم بِخَيْلِكم إذا دخلتم مكةَ وأنتم لا تَعْلَمون بإيمانهم، وهو كقوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: أي: أحسَنَ خَلْقَ كلِّ شيءٍ، على البدَل والترجمة، وهو كقولك: لولا زيدٌ حقُّه وحُرْمَتُه لَفَعَلْتُ كذا؛ أي: لولا حقُّ زيدٍ. وقيل: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾: بأقدامكم. وقيل: أنْ تُصيبوهم بسيوفكم، وهو مَجازٌ واستعارةٌ. ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ﴾: أي: فتَنالَكُم مِن جهة المَوْطُوئين بغير قصدٍ ﴿مَعَرَّةٌ﴾: قيل: مَساءَةٌ. وقيل: عَيْبٌ وشَيْنٌ، مِن (العُرَّة) (٢)، وهي القَذَرُ، ومِن (العُرِّ)، وهو القُروحُ في مَشافِرِ الإبل (٣) وقوائمِها، ومعناه: تلزمُكم الدِّيَةُ بقتلهم. وقيل: يَعِيبُكم الكفارُ بقتلِكم أهلَ دينِكم. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي: بإيمانهم. ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: أي: آمَنَ هؤلاء رجاءَ أنْ يُدْخِلَهم اللَّهُ جنَّتَه. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: هُمُ المؤمنون.

стр. 6769

﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾: أي: لو زايلَ هؤلاء المؤمنون الكافرين. ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: هو لِتَمييزِ هؤلاء الكفار مِن سائر الكفار؛ كما جاء في آخر هذه السورة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾؛ هو لتمييزهم مِن سائر المؤمنين. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: لَعَذَّبْنا الكفارَ بسيوفكم في الدنيا، وبالنار في الآخرة. وقولُه تعالى: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ جوابٌ لقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ﴾ ولقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ جميعًا. وبيَّنَ بهذه الآية أنَّ الحِكْمةَ في صَرْفِ المؤمنين عن دخول مكة كانت لِسَلامةِ هؤلاء المؤمنين المُسْتَضْعَفين المَغْمُورين (١) بمكةَ، وفيه بيانُ قَدْرِ ضُعَفاءِ (٢) المؤمنين عند اللَّه. * * * (٢٦) - ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾: أي: لَعَذَّبْنا هؤلاء بسيوفكم حين جعل هؤلاء المشركون الصَّادُّون في قلوبهم الحَمِيَّةَ؛ أي: الأَنَفَةَ. ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: ترجمةٌ عنه. والجاهليَّةُ: حالةُ الكفرِ والجهلِ باللَّه، قالوا: قتَلَ محمَّدٌ آباءَنا وإخوانَنا، ثم أتانا يدخُلُ علينا في منازلنا، واللَّهِ لا يدخُلُ علينا.

стр. 6770

ومن هذه الحَمِيَّةِ ما مرَّ في ذِكْرِ الصُّلْح مِن مَنْعِه أنْ يكتُبَ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ويكتُبَ: صالَحَ محمدٌ رسولُ اللَّهِ، وشَرْطِ أنْ لا يَرُدُّوا مَن جاءَهم مِن المسلمين، ويَرُدَّ المسلمون مَن جاءهم منهم، ونحو ذلك. ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: حتى اطمَأَنُّوا، فلم يضطَرِبوا. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: قال عليُّ بن أبي طالب، وابنُ عباس، وقتادةُ، ومجاهدٌ، وسلَمةُ بن كُهَيلٍ، وعُبيدُ بن عُميرٍ (١)، وعكرمةُ، وطلحةُ بن مُصَرِّف، والسُّدِّيُّ، والرَّبيعُ بن أنس ﵃: هي (٢) قولُ: لا إله إلا اللَّه (٣)، وهي

стр. 6771

أصلُ التَّقْوى، فإنها التَّقْوى مِن الشرك، وبها يُتَوَقَّى أيضًا مِن النار. وقال الزُّهْري: هي: بسم اللَّه الرحمن الرحيم (١)، هي شِعارُ هذه الأمة، والإلزامُ هو التَّثْبيتُ عليها. وقولُه تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾: أي: أولى بها مِن غيرهم. وقيل: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ في عِلْم اللَّه مِن كفار مكةَ. ﴿وَأَهْلَهَا﴾: أي: مُسْتَحِقِّين بها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: بِمَن كان أهلًا للإيمان باختياره ذلك، وبكل شيءٍ. * * * (٢٧) - ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾: أي: أراهُ ما أراهُ في المنام صِدْقًا لا خُلْفَ فيه، وكان رأى في المنام ما تأويلُه دخولُ مكةَ، فأخبرَ أصحابَه، ولَمَّا صُدُّوا عن المسجد الحرام وأمرَهم رسولُ اللَّه ﷺ بالتَّحَلُّلِ والانصراف، قالوا: ألستَ كنتَ تَعِدُنا أنْ نأتيَ البيتَ فنَطوفَ به، فقال: "هل أخبرتكم أَنَّا نأتيه هذا العامَ؟ "، فقالوا: لا، فقال: "إنك ستأتيه وتطوفُ به"، قالَه لرجلٍ قال له ذلك (٢).

стр. 6772

وقولُه تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بتحقيق ما أَراه. ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾: وهذا قسَمٌ، ورُؤْيا الأنبياءِ وحيٌ (١) لا خَطَأَ فيه، وخبَرٌ لا كَذِبَ فيه، والقسَمُ تأكيدٌ لا وَهْنَ (٢) فيه. ثم قال: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾: وهو في كلامِنا يُذْكَرُ فيما يكون ولا يكون، فما معناه مع ما سبق؟ وجوابُه من وجوه: أحدُها: أنَّ مَلَكَ الرُّؤْيا خاطبَه في الرُّؤْيا بذلك إِطْماعًا، فنزَلَ الكتابُ بذلك إسماعًا. والثَّاني: أنه تحقيقٌ لا تعليقٌ، وتقديرُه: لَتَدْخُلُنَّه بإدخال اللَّه، وهو بمشيئتِه وإرادتِه، لا مُعْتَرِضَ عليه، ولا مُنازِعَ له، ولا مانِعَ دونه. والثَّالثُ: أنَّ اللَّهَ علِمَ أنَّ بعضَهم يموتُ قَبْلَ ذلك. والرَّابعُ: أنَّه على قوله: ﴿آمِنِينَ﴾، لا على قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، فكان الدُّخولُ مَوْعودًا مُتَحَقِّقًا، وكان الأمانُ عند ذلك مَوْعودًا مُعَلَّقًا. والخامسُ: أنَّ معناه: إذ شاء اللَّهُ؛ كما قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: إذ كنتم. ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾: أي: تَدْخُلونه مُحْرِمين بالعمرة، ثم تَحْلِقون رؤوسَكم للتَّحلُّل، ويُقَصِّرُ بعضُكم. والتَّشديدُ للتَّكْثير، وهو تكثيرُ مَحالِّ الحَلْقِ، وهي الرُّؤوسُ، والتَّقْصيرُ: قَطْعُ أطرافِ الشُّعور.

стр. 6773

وقولُه تعالى: ﴿لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾: مِن الحكمة في تأخير الرُّؤيا إلى العام القابل، وهو ما مَرَّ. ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: فَتْحَ خيبرَ. * * * (٢٨) - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: أي: بالتوحيد ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بالإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾؛ أي: لِيُعْلِيَه على الأديان كلِّها. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: أي: شاهِدًا على صِدْقِ رسولِه بإقامة حُجَجِه (١). * * * (٢٩) - ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾: مُبتدأٌ وخبرٌ، وهو وقفٌ تامٌّ، وما بعده مُبتدأٌ وخبَرٌ أيضًا. وقال أبو حاتمٍ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾: مبتدأ، وما بعده معطوفٌ عليه، وخبَرٌ الكلِّ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ (٢). ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: أي: مِن الصحابة ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾؛ أي: غِلاظٌ عليهم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: عاطِفون على أهل الإسلام.

стр. 6774

ومِن الشِّدَّةِ على الكفار: حِرْصُهم على دخول مكةَ بالسيف، وأَنَفَتُهم مِن إعطاء الدَّنِيَّةِ. ومن رحمتِهم بينهم: أنه شَقَّ عليهم قَبولُ الشَّرطِ في رَدِّ مَن أتاهم مُسْلِمًا إليهم. ثم شِدَّتُهم على الكفار في كلِّ مَوْطِنٍ وعَطْفُهم على المسلمين في كلِّ مَوْضعٍ مما لا يَخفى. ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: مع جهادهم في سبيل اللَّه كانوا مُجْتَهِدين في العبادة للَّه تعالى. ﴿يَبْتَغُونَ﴾: بذلك ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾: بتَضْعيفِ الحسنات ﴿وَرِضْوَانًا﴾: بعَفْوِ السيئات. وقولُه تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: أي: علامتُهم. قيل: هي صُفْرَةُ (١) الوُجوهِ بكثرة التَّهَجُّد. وقيل: هي إشراقُ وجوهِهم مِن أَثَرِ السُّجود، قال ﷺ : "مَن كثُرَتْ صلاتُه بالليل حَسُنَ وجهُه بالنهار" (٢). وقيل: هي ما يَظْهَرُ عليها مِن النور يوم القيامة.

стр. 6775

وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾: أي: صفَتُهم؛ كما قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [محمد: ١٥]، وقال: ﴿وَلَهُ اَلْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]. أي: ذُكِروا في التوراة أنهم أشَدُّ على الكفار. . . إلى آخره. وقولُه تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾: هذا على حقيقة المَثَل. ﴿كَزَرْعٍ﴾: أي: مَثَلُهم في توادِّهم وتراحُمِهم فيما بينهم، وتآلُفِهم على الجهاد في سبيل اللَّه، ونُصْرَةِ دِين اللَّه؛ كزَرْعٍ. ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: قال الأخفشُ: أي: فِراخَه (١). وقيل: قوائمَه. وقيل: سُنْبُلَه. وقال الفراء: هو أنْ يُنْبِتَ سبعًا وثمانيًا وعشرًا (٢). قرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ بنصب الشين والطاء، والباقون بتسكين الطاء (٣)، وهما واحدٌ. وقولُه تعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾: أي: قوَّى الشَّطْءُ أَصْلَ الزَّرعِ بالتفافِه عليه وتكاثُفِه. ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾: أي: فغلُظَ قَصَبُ الزَّرع. ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾: جَمْعُ ساق. ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾: أي: يروقُ هذا الزَّرْعُ الزَّارِعَ. تمثيلُ إعجابِ النَّبيِّ ﵇ بأصحابه، وتوافُقِهم على الطاعة، وتظاهُرِهم

стр. 6776

على نُصْرَةِ الدِّين، فيتعجَّبُ الأنبياءُ منهم يومَ القيامة؛ لِمَا يَرَوْنَ مِن فضلِهم على كل الأُمَم، فالزُّرَّاعُ مَثَلُ الأنبياءِ. ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾: أي: قد جعَلَهم اللَّهُ كذلك لِيُكْمِدَ بتآلُفِهم قلوبَ الكفار، وتنقَطِعَ بذلك أطماعُهم في الظُّهور عليهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]. وقال عكرمة: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: أبو بكر كان معه في كلِّ حَضَرٍ وسفَرٍ، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾: عمرُ بن الخطاب، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: عثمانُ بن عفان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: عليُّ بن أبي طالب ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾: عامَّةُ الصحابةِ رِضْوان اللَّه عنهم (١). ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾:

стр. 6777

قال ابن عباس ﵄: أثَرُ السَّهرِ (١). وقال مجاهد: أثَرُ الخُشوعِ (٢). وقال أبو العالية: يسجدون على التُّراب لا على الأثواب (٣). وقال عطاء بن أبي رباحٍ: استنارتْ وجوهُهم مِن طُول ما صَلَّوا (٤). وقال منصور: سألتُ مُجاهدًا عن قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾: أهو الأثَرُ يكون بين عَيْنَيِ الرجل؟ قال: ربما يكون بين عَيْنَيِ الرجل ذلك الأثَرُ وهو أقسى قَلْبًا مِن الحَجَر، ولكنه نورٌ في وجوههم مِن الخُشوع (٥).

стр. 6778

وقال ابن جُريجٍ: هو الوَقارُ والبَهاءُ (١). وقال الزُّهْري: يكون ذلك يوم القيامة (٢). وقال شَهْرُ بن حَوْشَبٍ: تكون مواضِعُ السجود مِن وجوههم كالقمر ليلةَ البدرِ يومَ القيامة (٣). وقولُه تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾: قيل: هو محمد ﵇، ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: هو أبو بكر، ﴿فَآزَرَهُ﴾: هو عمر أعانَه على كفار مكة، ﴿فَاسْتَوَى﴾: هو عثمان سَوَّاهم وقوَّاهم بنفقته ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾: هو عليُّ بن أبي طالب قام بنَصرِ الدِّين وقَهْرِ الكافرين، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾: جميعَ المؤمنين، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾: جميعَ المشركين. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾: هو لِتَمييز الجنس، لا للتَّبْعيض. وقيل: أي: مِن هؤلاء الصحابة. ﴿مَغْفِرَةً﴾: عَفْوًا عن السيئات. ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾: في الجنة بما لا ينقطِعُ مِن الكرامات. وقال أبو العالية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أي: أَحَبُّوا أصحابَ رسولِ اللَّه ﷺ ، فعُرِضَ هذا القول على الحسن، فاستحسَنه (٤). والحمدُ للَّه ربِّ العالمين

стр. 6779

سورة الحجرات

стр. 6780

سورة الحجرات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باسمِ اللَّهِ الذي أمرَنا بمُتابعة السُّنَّة والقرآن، الرَّحمنِ الذي كرَّهَ إلينا الكفرَ والفُسوقَ والعِصْيان، الرَّحيمِ الذي مَنَّ علينا أنْ هدانا للإيمان. وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ الحُجُراتِ أُعْطِيَ عشرَ حسناتٍ بعدَدِ مَن أطاعَ اللَّهَ وعصاه" (١). وهذه السُّورةُ مَدَنِيَّةٌ، وهي ثماني عشرةَ آيةً، وثلاثُ مئةٍ وسبعٌ وأربعون كلمةً، وألفٌ وأربعُ مئةٍ وثلاثةٌ وستون حرفًا. وانتظامُ خَتْمِ تلك السُّورةِ بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ خَتْمَ تلك السُّورةِ في ذِكْرِ النبي ﷺ ومُوافِقيه ومُخالِفيه، وافتتاحَ هذه بذلك أيضًا. وانتظامُ السُّورتين: أنَّ تلك السُّورةَ في أصول الدِّين مِن الإيمان والإيقان والبيعة والجهاد في سبيل اللَّه ﵎، ومُؤازرةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وهذه في فروع الدِّين، ومَكارم الأخلاق، وجَلائل الآداب، والمُجاملة في المُعاملة. * * *

стр. 6781

(١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: قرأ الضَّحَّاكُ ويعقوبُ الحَضْرَمِيُّ -رحِمَهما اللَّهُ- بفتح التاء والقاف والدال مِن التَّقَدُّم، وقرأ العامَّةُ بضم التاء وفتح القاف وكسر الدال مِن التَّقْدِيم (١). قال الفراء ﵀: هما واحدٌ؛ كقولك: علَّقْتُ الشَّيءَ وتَعَلَّقْتُه (٢). وعلى ظاهر اللُّغة معنى قراءةِ العامَّة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ قولًا ولا فعلًا على قولِ رسول اللَّه ﷺ وفعلِه فيما سبيلُه أنْ يُؤخَذَ عنه مِن أَمْرِ الدِّين، بل انتظروا حُكْمَ رسولِ اللَّه ﷺ فيه، فإنَّ حُكْمَه حُكْمُ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّه (٣) لا يَقْضي إلا بأمر اللَّه تعالى، وهو معنى ذِكْرِ اللَّهِ قَبْلَ ذِكْرِ رسولِه ﵊، وهو قولُه: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ إذ التَّقَدُّمُ على رسوله تَقَدُّم عليه تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وهذا التأويل يأتي على أكثر أقاويل المفسِّرين فيه. ومعنى قراءةِ الضَّحَّاكِ ويعقوبَ: لا تقولوا قَبْلَه ولا تفعلوا قَبْلَه شيئًا، بل كونوا تابِعين له قولًا وفعلًا. و ﴿بَيْنَ يَدَيِ﴾: مجازٌ واستعارةٌ عن مُطْلَقِ التَّقَدُّمِ؛ كما في قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾. وقيل: التَّقَدُّمُ بين يَدَيِ اللَّه مُخالفَةُ كتابِه، والتَّقَدُّمُ على رسوله مُخالَفَةُ سُنَّتِه.

стр. 6782

وقال الحسن البصري: إنَّ قومًا ذبَحوا قبل أنْ يُصَلِّيَ النبيُّ ﷺ يومَ النَّحْرِ صلاةَ العيدِ، فأمرَهم النبيُّ ﷺ أنْ يذبَحوا ذَبْحًا آخرَ، ونزلت الآيةُ (١). وقال مسروقٌ: كنا عند عائشةَ ﵂ يومَ الشَّكِّ، فأُتِيَ بلَبَنٍ، فقلتُ: إني صائمٌ، فقالت عائشة ﵂: نهى عن هذا، وتلَتْ هذه الآيةَ، وقالت: هذه في الصوم وغيرِه (٢). وقال الحسن: أي: لا تعمَلوا بخِلاف الكتاب والسُّنَّة (٣). وقال مقاتل: نزلت في ثلاثة نفَرٍ، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ بعَثَ سَرِيَّةً وأمَّرَ عليهم المنذرَ بن عمرو، فخرج بنو عامر بن صَعْصَعَةَ عند بئر مَعُونةَ، فرَصَدُوهم على الطريق وقتلوهم، فرجعَ ثلاثةٌ منهم (٤)، فلما دنوا إلى المدينة خرَجَ رجلان مِن بني سُلَيمٍ صالَحا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وقد كان أعطاهما وكساهما، فقالا: نحن مِن بني عامر؛ لأنَّ بني عامرٍ كانوا أقربَ إلى المدينة، فقتلوهما وأخذوا ثيابَهما، وجاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت هذه الآيةُ (٥).

стр. 6783

وعن عبد اللَّه بن الزُّبَير قال: قَدِمَ وَفْدَ تميمٍ سبعون رجلًا أو ثمانون رجلًا، فقال أبو بكر الصِّدِّيقُ ﵁ لرسول اللَّه ﷺ : أَمِّرْ عليهم القَعْقَاعَ بن حكيم، وقال عمر: لا، بل أَمِّرْ عليهم الأَقْرَعَ بن حابِسٍ، فقال أبو بكر: ما أردتَ إلا خِلافي، فقال عمر: ما أردتُ خلافَكَ، فترادَّا وارتفعَتْ أصواتُهما، فنزلت هذه الآيةُ (١). ورُويَ أنهما كانا لا يُكَلِّمان بعد ذلك رسولَ اللَّه ﷺ إلا كأَخِي سِرارٍ (٢). وقولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: في التَّقَدُّم بين يَدَيِ اللَّه ورسوله. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾: لِما تقولونه ﴿عَلِيمٌ﴾: بما تفعلونه. * * * (٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾: أي: في مُخاطباتِه. ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أي: عليه؛ كقولك: سقَطَ لِفِيه؛ أي: على فِيه. ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾: أي: لا تستعملوا في خِطاب النبيِّ ﷺ التَّصريحَ بالاسم كما يُصَرِّحُ بعضُكم لبعض، فيقول: يا محمَّدُ، يا أبا القاسِمِ، بل خاطِبوه بالنُّبُوَّةِ والرِّسالة: يا نبيَّ اللَّهِ، يا رسولَ اللَّهِ، فإِنَّ الأوَّلَ تَرْكٌ للحُرْمَةِ، وتَسْوِيَةٌ بينه وبين الأُمَّةِ.

стр. 6784

﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾: أي: لئلا يَبْطُلَ ثوابُ أعمالِكم التي هي طاعاتٌ وقُرُباتٌ بالاستخفاف بحقِّ رسولِ اللَّه ﷺ ، وهو كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ﴾ [النساء: ١٧٦]: أي: لئلَّا تَضِلُّوا. قال جابر بن عبد اللَّه: جاءت بنو تميمٍ وهم سبعون أو ثمانون، وفيهم الأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، والزِّبْرِقانُ بنُ بدرٍ، وعُطاردُ بنُ حاجبٍ، فنادَوا على الباب: يا محمَّدُ، اخرُجْ علينا، فإنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ، وإنَّ ذمَّنا شَيْنٌ، قال: فسَمِعَها رسولُ اللَّه ﷺ ، فخرَجَ عليهم وهو يقول: "إنما ذلكم اللَّهُ الذي مَدْحُه زَيْنٌ وذَمُّه شَيْنٌ"، قالوا: نحن ناسٌ مِن بني تميمٍ جئنا بشاعرِنا وخطيبِنا لِنُشاعِرَكَ ونُفاخِرَكَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما بالشِّعْرِ بُعِثْتُ، ولا بالفَخارِ أُمِرْتُ، ولكنْ هاتوا"، فقال الزِّبْرِقانُ بنُ بدرٍ لشابٍّ مِن شبَّانهم: قُمْ واذكُرْ فَضْلَكَ وفَضْلَ قومِكَ، فقام فقال: الحمدُ للَّه الذي جعلَنا خيرَ خَلْقِه، وآتانا أموالًا نفعلُ بها ما نشاءُ، فنحن مِن خير أهل الأرض، مِن أكثرِهم عُدَّةً ومالًا وسلاحًا، فمَن أنكرَ علينا قولَنا، فليأتِ بقولٍ أحسنَ مِن قولنا، وبفِعالٍ هو خيرٌ مِن فِعالِنا. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ لثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وكان خطيبَ رسولِ اللَّه ﷺ : "قُمْ فأجِبْهُ"، فقام، فقال: الحمدُ للَّه أحمَدُه، وأستعينُه وأومِنُ به وأتوكَّلُ عليه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، دعا المهاجرين مِن بني عمِّه أحسنَ الناسِ وُجوهًا، وأعظمَهم أحلامًا (١)، فأجابوه، الحمدُ للَّه الذي جعلَنا أنصارَ دينِه ووُزَراءَ رسولِه وعِزًّا لدِينه، فنحن نُقاتِلُ الناسَ حتى يشهدوا أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ، فمَن قالَها مُنِعَ مِنَّا مالُه ونفْسُه، ومَن أباها قاتَلْناه، وكان زعمُه في اللَّه هَيِّنًا، أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ اللَّهَ للمؤمنين والمؤمنات.

стр. 6785

فقال الزِّبْرِقانُ بنُ بدرٍ لشابٍّ مِن شُبَّانِهم: قُمْ يا فلانٌ، فقل أبياتًا تذكُرُ فيها فَضْلَكَ وفَضْلَ قومِك، فقام الشابُّ فقال: نحن الكرامُ فلاحَيٌّ يُعادِلُنا... فينا الرُّؤوسُ وفينا يُقْسَمُ الرُّبُعُ (١) ونُطْعِمُ الناسَ عند القَحْطِ كلَّهُمُ... مِن السَّديفِ إذا لم يُؤْنَسِ القَزَعُ (٢) إنَّا أَبَيْنا ولا يأبى (٣) لنا أحدٌ... إنا كذلك عند الفَخْرِ نَرْتَفِعُ فأرسلَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى حسان بن ثابتٍ، فانطلَقَ إليه الرسولُ، فقال: وما يريدُ مني وكنتُ عنده آنفًا؟ قال: جاءت بنو تميمٍ بشاعرهم وخطيبهم، وأمرَ رسولُ اللَّه ﷺ ثابتًا فأجابه، وتكلَّمَ شاعرُهم، فأرسلَ إليكَ لِتُجِيبَه، وذكَرَ له قولَ شاعرِهم، قال: فجاء حسان، فأمرَه رسولُ اللَّه ﷺ أنْ يُجيبَه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، فليُسْمِعْني ما قال، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أَسْمِعْه ما قلتَ"، فأنشدَ ما قال، فقال حسان ﵁: إنَّ الذَّوائِبَ (٤) مِن فِهْرٍ وإخوتِهم... قد شرَّعوا سُنَّةً للناس تُتَّبَعُ يَرضى بها كلُّ مَن كانت سريرتُه... تقوى الإلهِ وكلُّ الخيرِ يُصْطَنَعُ ثم قال حسان:

стр. 6786

نَصَرْنا رسولَ اللَّهِ والدِّينَ عَنْوَةً... على رَغْمِ عاتٍ (١) مِن مَعَدٍّ وحاضرِ بِضَرْبِ كإِيزاغ المَخاضِ مُشاشُه (٢) ... وطَعْنٍ كأفواه اللِّقَاحِ المَصادرِ (٣) وسَلْ أُحُدًا يوم استقلَّتْ جُموعُهم... بِضَرْبٍ لنا مِثْلَ اللُّيوثِ الخَوادرِ (٤) ألَسْنا نخوضُ الموتَ في حَوْمَة الوَغا... إذا طابَ وِرْدُ الموتِ بين العساكرِ ونَضْرِبُ هامَ الدَّارِعين وننتمي... إلى حسَبٍ مِن جِذْمِ غسَّانَ (٥) قاهرِ فلولا حياءُ اللَّهِ قلنا تَكَرُّمًا... على الناس بالخَيْفَينِ (٦): هل مِن مُنافرِ؟ فأحياؤُنا مِن خيرِ مَن وطِئَ الحَصا... وأمواتُنا مِن خيرِ أهل المقابرِ (٧) قال: فقام الأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، فقال: إني واللَّهِ يا محمَّدُ لقد جئتُ لأمرٍ ما جاء له هؤلاء، وإني قد قلتُ شعرًا فاسْمَعْه، فقال: "هاتِ"، فقال:

стр. 6787

أتيناكَ كيما يعرفَ الناسُ فَضْلَنا... إذا خالَفُونا عند ذِكْرِ المَكارمِ وأنَّا رؤوسُ الناس في كلِّ مَعْشَرٍ... وأنْ ليسَ في أرض الحجازِ كَدَارمِ وأنَّ لنا المِرْباعَ في كل غارةٍ... تكون بنجدٍ أو بأرض التَّهائِمِ (١) فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا حسانُ، قُمْ فأَجِبْه"، فقام حسان فقال: بني دارمٍ لا تَفْخَروا إنَّ فَخْرَكم... يعودُ وبالًا عند ذِكْرِ المكارمِ هَبِلْتُم علينا (٢) تفخَرون وأنتمُ... لنا خَوَلٌ مِن بين ظِئْرٍ وخادمِ (٣) فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد كنت غَنِيًّا يا أخا بني دارمٍ أنْ يُذْكَرَ منكَ ما قد ظننتَ أنَّ الناس قد نسُوه"، قال: فكان قولُ رسولِ اللَّه ﷺ أشدَّ عليهم مِن قول حسان، ثم رجَعَ حسان إلى شِعْرِه، فقال: وأفضلُ ما نِلْتُم مِن المجد والعُلا... رِدافَتُنا مِن بعد ذِكْرِ الأكارمِ فإنْ كنتُمُ جئتُمْ لِحَقْنِ دمائِكم... وأموالِكم أنْ تُقْسَموا في المقاسِمِ

стр. 6788

فلا تجعلوا للَّه نِدًّا وأَسْلِموا... ولا تَفْخَروا عند النَّبِيِّ بدَارمِ وإلَّا وربِّ البيتِ مالَتْ أَكُفُّنا... على هامِكم بالمُرْهَفَاتِ الصَّوارمِ (١) قال: فقامَ الأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، فقال: إنَّ محمدًا لَمُؤْتًى له، واللَّهِ ما أدري ما هذا الأمرُ، تكلَّمَ خطيبُنا، فكان خطيبُهم أرفعَ (٢) صوتًا وأحسنَ قولًا، وتكلَّمَ شاعرُنا، فكان شاعرُهم أَشْعَرَ وأحسَنَ قولًا، ثم دنا مِن النبي ﷺ ، فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ، وأشهدُ أنَّكَ رسولُ اللَّه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لا يَضُرُّكَ ما كان قَبْلَ هذا"، ثم أعطاهم رسولُ اللَّه ﷺ وكساهم، وقد كان تخلَّفَ في رِكابهم عمرو بن الأَهْتَمِ -وهو الذي أخذَ شِقَّ شَعَرِ رسولِ اللَّه ﷺ حين حلَقَه في حِجَّة الوَداعِ، وغيرُه مِن الناس قسَموا الشِّقَّ الآخرَ، فأعطاه رسولُ اللَّهِ مثلَ ما أعطى القومَ (٣) - وكان قيس بن عاصمٍ يُبْغِضُه لِحَداثةِ سِنِّه، فأزرى به قيسٌ، وقال فيه قيسٌ أبياتَ شعرٍ، وارتفعَتِ الأصواتُ، وكثُرَ اللَّغَطُ عند رسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٤): يعني: جزاءً وافرًا، وهو الجنة. * * *

стр. 6789

(٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾: أي: يَخْفِضونه احترامًا له. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾: أي: اختبرَهم بما تعبَّدَهم به مِن هذه العبادة؛ لِيُظْهِرَ للعباد طاعتَهم له باتِّقائِهم رُكوبَ ما نهاهُمُ اللَّهُ عنه، فخلَصوا على الاختبار، وظهرَ منهم التقوى، وانتفَتْ عنهم الشُّكوكُ؛ كما يُمْتَحَنُ الذَّهبُ بالنار فيَخْلُصُ. وقال عمر بن الخطاب ﵁: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ يعني: ذهَبَ بالشَّهوات عن قلوبهم (١). ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: وهذا ثَناءٌ عَجيبٌ وثوابٌ عظيمٌ، وقد كان منهم أبو بكرٍ وعمرُ ﵄ على ما روَّينا (٢). وقيل: نزلت (٣) في ثابتِ بن قيسِ بن شَمَّاسٍ، وكان جَهِيرَ الصَّوتِ، ويرفَعُ صوتَه عند رسول اللَّه ﷺ ، فلما نزلت هذه الآيةُ جلَسَ يبكي في بيته، ويقول: أخاف أنْ يكون قد حَبِطَ عملي، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ ، فدعاه وبشَّرَه بالجنَّة (٤). وقال الزُّهريُّ: إنَّ ثا بتَ بنَ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ أتى رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ،

стр. 6790

هلَكْتُ، فقال: "بِمَ هلَكْتَ يا ثابتُ؟ "، قال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ اللَّهَ نهانا أنْ نرفَعَ أصواتَنا فوق صَوْتِكَ، وأنا امرؤٌ جَهِيرَ الصوت، ونهانا اللَّهُ عن الخُيَلاء، وإني أُحِبُّ الجَمالَ حتى إني لَأُحِبُّه في شِسْعِ نَعْلِي (١) وجِلازِ (٢) سَوْطي، ونهانا أنْ يُحِبَّ المرءُ أنْ يُحْمَدَ بما لم يفعل، وأنا واللَّهِ أَجِدُني أُحِبُّ الحَمْدَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا ثابتُ، إنَّ اللَّهَ جميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، وليس ذلك بالكِبْرِ، إنما الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحقَّ، وتَغْمِضَ الناسَ في عينيكَ، أفلا ترضى أنْ تعيشَ حَميدًا، وتذهَبَ فقيرًا، وتُقْتَلَ شهيدًا؟ "، فقال: بلى، قد رَضِيتُ يا رسولَ اللَّه، فعاشَ حَميدًا، وذهَبَ فقيرًا، وقُتِلَ شهيدًا يومَ مُسَيْلَمَةَ الكَذَّابِ لعنَه اللَّه" (٣). قال أنس: فكُنَّا ننظرُ إلى رجلٍ مِن أهل الجنة يمشي بين أيدينا، فلما كان يومُ اليَمامة وانهزمَ المسلمون، قال ثابتٌ لسالمٍ مولى أبي حُذيفةَ: ما كنا نقاتلُ أعداءَ اللَّه مع رسول اللَّه مِثْلَ هذا، فثبَتا حتى قُتِلا، وعلى ثابتٍ يومئذ دِرْعٌ، فرآه رجل مِن الصحابة بعد موته في المنام إذ قال له ثابتُ: اعلَمْ أنَّ فلانًا مِن المسلمين نزَعَ دِرْعي فذهب

стр. 6791

بها، وهي في ناحيةٍ مِن العسكر، وعنده فرس يَسْتَنُّ في طِوَلِه (١)، وقد وضَعَ على دِرْعي بُرْمةً، فأتِ خالدَ بن الوليد فأخبره حتى يَسْتَرِدَّ دِرْعي، وائتِ خليفةَ رسول اللَّه ﷺ فقل له: إنَّ عَليَّ دَينًا حتى يَقضيَ دَيني، وفلانٌ مِن رقيقي حُرٌّ، وإياك أنْ تقول: هذا حُلُمٌ، فتُلْغِيَه، فأخبرَ الرجلُ خالدَ بن الوليد، فوجدَ دِرْعَه حيث قال، فاسترَدَّها، فلما رجَعوا أخبرَ خالدُ بن الوليد أبا بكر بذلك، فأجازَ وصيَّتَه (٢). قال مالك بن أنسٍ: لا أعلَمُ وصيَّةً أُجيزَتْ بعد موت صاحبِها إلا هذه الوصيةَ (٣). * * * (٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: قرأ أبو جعفرٍ بفتح الجيم (٤)، وهي جَمْعُ جَمْعٍ: (حُجْرَةٌ)، و (حُجَرٌ)، و (حُجَراتٌ)، وهي

стр. 6792

مأخوذةٌ مِن التَّحَجُّر، وهي أنْ يتَّخِذَ المرءُ لنفْسِه مَنْزِلًا يسكُنُه يمنَعُ غيرَه مِن مُشاركتِه فيه، والحَجْرُ: المَنْعُ. أي: إنَّ الذين يَصيحون بك خارجَ منزلكَ وأنتَ في منزلكَ، ولا ينتظرون خروجَكَ إلى الناس مِن قومٍ الغالبُ عليهم الجَفاءُ والجهلُ لِخُلُوِّهم مِن عِلْم الدِّين، وفيه ذَمُّ هذه الفِرْقَةِ، وتسخيفٌ لعقولهم بهذه المُعاملة، وتسليةٌ للنبي ﷺ بما لَحِقَه مِن الأَذِيَّة أنَّهم كالمجانين الذين لا عُقولَ لهم، فليَهُونَنَّ عليكَ ذلك. قال مجاهد: هُم أعرابُ بني تميمٍ (١). ورُوِيَ: أنَّ الأَقْرَعَ بنَ حابِسٍ هو الذي نادى رسولَ اللَّه ﷺ مِن وراء الحُجُرات (٢). وقال: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: ولم يَقُلْ: (كلُّهم)؛ لأنَّ المُناديَ بعضُهم، ولعلَّ فيهم مَن يَعْقِلُ. * * * (٥) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أي: أنفعَ وأصلحَ في دِينهم ودنياهم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: إنْ تابوا غفَرَ لهم ورَحِمَهم. قال ابن عباس ﵄: بعثَ رسولُ اللَّه ﷺ سَرِيَّةً إلى حيِّ بني العَنْبَرِ، وأمَّرَ عليهم عُيَيْنَةَ بنَ حِصنٍ، فلما علِموا أنَّه توجَّهَ نحوَهم هرَبوا، فتركوا

стр. 6793

عِيالاتِهم، فسَباهم عُيَيْنَةُ، وقدِمَ بهم على رسول اللَّه ﷺ ، فجاء بعد ذلك رجالُهم يَفْدون الذَّراري، فقَدِموا وقتَ الظَّهيرةِ، ووافقوا رسولَ اللَّه ﷺ في أهله قائلًا، فلما رأَتْهم الذَّراري أجهَشوا إلى آبائهم يَبكون، وكان لكلِّ امرأةٍ مِن نساء رسول اللَّه ﷺ بيتٌ وحُجْرَةٌ، فجعلوا يُنادون: يا محمَّدُ، اخْرُجْ إلينا، حتى أيقَظوه مِن نومه، فخرَجَ إليهم، فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَرْضَون أنْ يكونَ بيني وبينكم سَبْرَةُ بنُ عمرو وهو على دينكم؟ "، قالوا: نعم، قال سَبْرةُ: أنا لا أحكُمُ بينهم وعمي شاهدٌ، وهو الأعورُ بنُ بَشامةَ بنِ ضِرارٍ، فقال الأعورُ: فأنا أرى أنْ يُفادى نصفُهم ويُعْتَقَ نصفُهم، فقال عليه الصلاة السلام: "مَن كان عليه مُحَرَّرٌ مِن ولد إسماعيل فليُعْتِقْ بعضَهم"، فنزلت هذه الآيةُ (١). وقال الكلبي: نزلت الآيةُ في بني تميمٍ وفي بني عنبر (٢) حين قدِموا، فجاؤوا إلى حُجُراتِ النبي ﷺ ، فجعلوا يقولون: اخْرُجْ إلينا، ما لنا نُسْبى وتُسْبى ذرارينا ولم ندَعْ لكَ مِن طاعة؟! فحكَّمَ بينه وبينهم الأعورَ بنَ بَشامةَ. وقال في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾: فتُطْلِقَهم كلَّهم بلا فِداءٍ كان خيرًا لهم (٣). وقال مقاتلٌ: نزلت في تسعةِ نفرٍ من بني تميمٍ: الأقرعِ بنِ حابسٍ، وقيسِ ابنِ عاصمٍ، والزِّبْرِقانِ بنِ بدرٍ، وخالدِ بنِ مالكٍ وسُوَيْدِ بنِ هاشمٍ النَّهْشَلِيَّيْنِ،

стр. 6794

والقَعْقَاعِ بنِ مَعْبَدٍ، وعُطارِدِ بنِ حاجبٍ، ووكيعِ بنِ وكيعٍ الدَّارِمِيِّ، وعُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ الفَزارِيِّ (١). وقال الزُهْري: ناداه رجلٌ واحدٌ (٢). * * * (٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾: قال ابنُ إسحاقَ: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ بعَثَ الوليدَ بنَ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ إلى بني المُصْطَلِقِ، وكان بينه وبينهم إِحْنَةٌ (٣)، فلما سمِعوا به ركِبوا إليه، فلما سمِعَ بهم خافَهم، فرجَعَ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبرَه أنَّ القومَ قد هَمُّوا بقَتْلِه ومنَعوا صدقاتِهم فأكثَرَ المسلمون في [ذكر] غزوهم حتى همَّ رسولُ اللَّه ﷺ أنْ يغزوَهم، فبينما هُم في ذلك قدِمَ وَفْدُهم على رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، سمِعْنا برسولكَ حين بعَثْتَه إلينا، فخَرَجْنا إليه لِنُكْرِمَه ونُؤَدِّيَ إليه ما قِبَلَنا مِن الصدقات، فاستمرَّ راجعًا، فبلَغَنا أنه يزعمُ لرسول اللَّه أنا خرَجْنا إليه لِنُقاتِلَه، واللَّهِ ما جئنا لذلك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤).

стр. 6795

قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿فتثبَّتوا﴾ مِن التَّثَبُّتِ (١)، وهو التَّأَنِّي وتَرْكُ التَّسَرُّعِ مِن الثَّباتِ على الشيء، وقرأ الباقون: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ مِن التَّبَيُّن (٢)، وهو النَّظَرُ في الشيء إلى أنْ يتبيَّنَ ويتحقَّقَ ذلك، وهما قريبان. ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾: أي: لِئلَّا تُصيبوا قومًا بقول ذلك الفاسقِ على جهلٍ بحاله (٣)، وتقديرُ الآية: إنْ جاءكم فاسقٌ بخبَرٍ فتأنَّوا ولا تَعْجَلوا إلى أنْ يتَّضِحَ صِدْقُه؛ لئلَّا تُصيبوا إنْ عجِلْتم القضاءَ به قومًا في نُفوسِهم وذَراريهم وأموالِهم بجهلٍ منكم بحالهم في استحقاق (٤) ما تُصيبونهم به. ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾: وهو دليلٌ على أنَّ شهادةَ الفاسقِ شهادةٌ، فإنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بالتَّأَنِّي في قَبوله لا بِرَدِّه. * * * (٧) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: أي: فاتَّقوا أنْ تقولوا الباطل عنده وتَكذِبوا، فإنه يتثبَّتُ ويكشِفُ اللَّهُ له الصِّدْقَ (٥)، فيَنْهَتِكُ سِتْرُ الكاذبِ (٦).
следующие страницы →