← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

بها، وهي في ناحيةٍ مِن العسكر، وعنده فرس يَسْتَنُّ في طِوَلِه (١)، وقد وضَعَ على دِرْعي بُرْمةً، فأتِ خالدَ بن الوليد فأخبره حتى يَسْتَرِدَّ دِرْعي، وائتِ خليفةَ رسول اللَّه ﷺ فقل له: إنَّ عَليَّ دَينًا حتى يَقضيَ دَيني، وفلانٌ مِن رقيقي حُرٌّ، وإياك أنْ تقول: هذا حُلُمٌ، فتُلْغِيَه، فأخبرَ الرجلُ خالدَ بن الوليد، فوجدَ دِرْعَه حيث قال، فاسترَدَّها، فلما رجَعوا أخبرَ خالدُ بن الوليد أبا بكر بذلك، فأجازَ وصيَّتَه (٢). قال مالك بن أنسٍ: لا أعلَمُ وصيَّةً أُجيزَتْ بعد موت صاحبِها إلا هذه الوصيةَ (٣). * * * (٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: قرأ أبو جعفرٍ بفتح الجيم (٤)، وهي جَمْعُ جَمْعٍ: (حُجْرَةٌ)، و (حُجَرٌ)، و (حُجَراتٌ)، وهي

стр. 6792

مأخوذةٌ مِن التَّحَجُّر، وهي أنْ يتَّخِذَ المرءُ لنفْسِه مَنْزِلًا يسكُنُه يمنَعُ غيرَه مِن مُشاركتِه فيه، والحَجْرُ: المَنْعُ. أي: إنَّ الذين يَصيحون بك خارجَ منزلكَ وأنتَ في منزلكَ، ولا ينتظرون خروجَكَ إلى الناس مِن قومٍ الغالبُ عليهم الجَفاءُ والجهلُ لِخُلُوِّهم مِن عِلْم الدِّين، وفيه ذَمُّ هذه الفِرْقَةِ، وتسخيفٌ لعقولهم بهذه المُعاملة، وتسليةٌ للنبي ﷺ بما لَحِقَه مِن الأَذِيَّة أنَّهم كالمجانين الذين لا عُقولَ لهم، فليَهُونَنَّ عليكَ ذلك. قال مجاهد: هُم أعرابُ بني تميمٍ (١). ورُوِيَ: أنَّ الأَقْرَعَ بنَ حابِسٍ هو الذي نادى رسولَ اللَّه ﷺ مِن وراء الحُجُرات (٢). وقال: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: ولم يَقُلْ: (كلُّهم)؛ لأنَّ المُناديَ بعضُهم، ولعلَّ فيهم مَن يَعْقِلُ. * * * (٥) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أي: أنفعَ وأصلحَ في دِينهم ودنياهم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: إنْ تابوا غفَرَ لهم ورَحِمَهم. قال ابن عباس ﵄: بعثَ رسولُ اللَّه ﷺ سَرِيَّةً إلى حيِّ بني العَنْبَرِ، وأمَّرَ عليهم عُيَيْنَةَ بنَ حِصنٍ، فلما علِموا أنَّه توجَّهَ نحوَهم هرَبوا، فتركوا

стр. 6793

عِيالاتِهم، فسَباهم عُيَيْنَةُ، وقدِمَ بهم على رسول اللَّه ﷺ ، فجاء بعد ذلك رجالُهم يَفْدون الذَّراري، فقَدِموا وقتَ الظَّهيرةِ، ووافقوا رسولَ اللَّه ﷺ في أهله قائلًا، فلما رأَتْهم الذَّراري أجهَشوا إلى آبائهم يَبكون، وكان لكلِّ امرأةٍ مِن نساء رسول اللَّه ﷺ بيتٌ وحُجْرَةٌ، فجعلوا يُنادون: يا محمَّدُ، اخْرُجْ إلينا، حتى أيقَظوه مِن نومه، فخرَجَ إليهم، فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَرْضَون أنْ يكونَ بيني وبينكم سَبْرَةُ بنُ عمرو وهو على دينكم؟ "، قالوا: نعم، قال سَبْرةُ: أنا لا أحكُمُ بينهم وعمي شاهدٌ، وهو الأعورُ بنُ بَشامةَ بنِ ضِرارٍ، فقال الأعورُ: فأنا أرى أنْ يُفادى نصفُهم ويُعْتَقَ نصفُهم، فقال عليه الصلاة السلام: "مَن كان عليه مُحَرَّرٌ مِن ولد إسماعيل فليُعْتِقْ بعضَهم"، فنزلت هذه الآيةُ (١). وقال الكلبي: نزلت الآيةُ في بني تميمٍ وفي بني عنبر (٢) حين قدِموا، فجاؤوا إلى حُجُراتِ النبي ﷺ ، فجعلوا يقولون: اخْرُجْ إلينا، ما لنا نُسْبى وتُسْبى ذرارينا ولم ندَعْ لكَ مِن طاعة؟! فحكَّمَ بينه وبينهم الأعورَ بنَ بَشامةَ. وقال في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾: فتُطْلِقَهم كلَّهم بلا فِداءٍ كان خيرًا لهم (٣). وقال مقاتلٌ: نزلت في تسعةِ نفرٍ من بني تميمٍ: الأقرعِ بنِ حابسٍ، وقيسِ ابنِ عاصمٍ، والزِّبْرِقانِ بنِ بدرٍ، وخالدِ بنِ مالكٍ وسُوَيْدِ بنِ هاشمٍ النَّهْشَلِيَّيْنِ،

стр. 6794

والقَعْقَاعِ بنِ مَعْبَدٍ، وعُطارِدِ بنِ حاجبٍ، ووكيعِ بنِ وكيعٍ الدَّارِمِيِّ، وعُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ الفَزارِيِّ (١). وقال الزُهْري: ناداه رجلٌ واحدٌ (٢). * * * (٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾: قال ابنُ إسحاقَ: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ بعَثَ الوليدَ بنَ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ إلى بني المُصْطَلِقِ، وكان بينه وبينهم إِحْنَةٌ (٣)، فلما سمِعوا به ركِبوا إليه، فلما سمِعَ بهم خافَهم، فرجَعَ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبرَه أنَّ القومَ قد هَمُّوا بقَتْلِه ومنَعوا صدقاتِهم فأكثَرَ المسلمون في [ذكر] غزوهم حتى همَّ رسولُ اللَّه ﷺ أنْ يغزوَهم، فبينما هُم في ذلك قدِمَ وَفْدُهم على رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، سمِعْنا برسولكَ حين بعَثْتَه إلينا، فخَرَجْنا إليه لِنُكْرِمَه ونُؤَدِّيَ إليه ما قِبَلَنا مِن الصدقات، فاستمرَّ راجعًا، فبلَغَنا أنه يزعمُ لرسول اللَّه أنا خرَجْنا إليه لِنُقاتِلَه، واللَّهِ ما جئنا لذلك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤).

стр. 6795

قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿فتثبَّتوا﴾ مِن التَّثَبُّتِ (١)، وهو التَّأَنِّي وتَرْكُ التَّسَرُّعِ مِن الثَّباتِ على الشيء، وقرأ الباقون: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ مِن التَّبَيُّن (٢)، وهو النَّظَرُ في الشيء إلى أنْ يتبيَّنَ ويتحقَّقَ ذلك، وهما قريبان. ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾: أي: لِئلَّا تُصيبوا قومًا بقول ذلك الفاسقِ على جهلٍ بحاله (٣)، وتقديرُ الآية: إنْ جاءكم فاسقٌ بخبَرٍ فتأنَّوا ولا تَعْجَلوا إلى أنْ يتَّضِحَ صِدْقُه؛ لئلَّا تُصيبوا إنْ عجِلْتم القضاءَ به قومًا في نُفوسِهم وذَراريهم وأموالِهم بجهلٍ منكم بحالهم في استحقاق (٤) ما تُصيبونهم به. ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾: وهو دليلٌ على أنَّ شهادةَ الفاسقِ شهادةٌ، فإنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بالتَّأَنِّي في قَبوله لا بِرَدِّه. * * * (٧) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: أي: فاتَّقوا أنْ تقولوا الباطل عنده وتَكذِبوا، فإنه يتثبَّتُ ويكشِفُ اللَّهُ له الصِّدْقَ (٥)، فيَنْهَتِكُ سِتْرُ الكاذبِ (٦).

стр. 6796

﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾: لو عَمِلَ بقولكم، وبعَثَ إليهم مَن يُقاتِلُهم. ﴿لَعَنِتُّمْ﴾: أي: لَأَثِمْتُم، وقيل: أي: لَهَلَكْتُم. وقال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ: هذا نبيُّكم وخِيارُ أُمَّتِكم، لو يُطيعُهُم في كثيرٍ مِن الأمر لَعَنِتُوا، فكيف بكم اليومَ (١)؟! ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أي: حسَّنَه. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾: فأنتم لذلك أطَعْتُم رسولَ اللَّه، ولم تُقاتِلوهم، ولم تَعْجَلوا في أمرِهم. ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ وجَّهَ (٢) إليهم خالدَ بنَ الوليد، وقال له: "أَخْفِ قُدومَكَ، وادخُلْها ليلًا، وتحسَّسْ، هل ترى أثَرَ الإسلامِ؟ " - ففعلَ، فسَمِعَ النِّداءَ، ورأى تهجُّدَهم بالليل، وأصبحَ معهم في جَماعتهم، ثم قال لهم: أرسَلَني رسولُ اللَّهِ في صَدَقاتِكم، فدفَعوها إليه (٣). وهذا لا يُخالِفُ ما رَوَيْنا مِن مجيءِ وَفْدِهم إلى رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنَّ الجَمْعَ مُمْكِنٌ، وهو أنْ يكونوا بعَثوا وَفْدًا، وقَبْلَ وصولِهم بعثَ إليهم رسولُ اللَّهِ خالدَ بنَ الوليدِ. ودلَّت الآيةُ على خَلْقِ أفعالِ العبادِ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾: فرجَعَ الكلامُ مِن المُخاطَبَة إلى المُغايَبَة لِيَعُمَّ المُخاطَبين وغيرَهم.

стр. 6797

أي: الذين حبَّبَ اللَّهُ إليهم الإيمانَ وكرَّهَ إليهم الكفرَ والفُسوقَ والعِصْيانَ منكم ومِن غيركم هُم المهتدون، وهو كقوله تعالى: ﴿آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]؛ أي: فالمُريدون وَجْهَ اللَّهِ منكم ومِن غيركم هُم المُضْعِفون، فأريدوا وَجْهَ اللَّهِ. * * * (٨ - ٩) - ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾: وهذا يُبْطِلُ قولَ القائلين بالأَصْلَحِ، فإنه لو وجبَ ذلك على اللَّه لم يكن ذلك فَضْلًا مِن اللَّه ونِعْمَةً. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: عليمٌ بِمَن يُحِبُّ الإيمانَ ومَن يَكْرَهُه منكم، حكيمٌ في تَدْبير أمورِ خَلْقِه. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾: ولم يقُلْ: (اقتَتَلَتَا)؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ جَمْعٌ، فهما جَمْعان؛ أي: قاتلَتْ إحداهما الأخرى. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾: ثنَّى على ظاهرِ تَثْنِيَةِ الطائفتين. ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾: أي: استطالَتْ طائفةٌ منهما على الطائفة الأخرى. ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي: تَرْجِعَ إلى الصُّلْحِ، وتَرْكِ البَغْيِ. ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾: أي: اعدِلوا.

стр. 6798

ورُوِيَتْ في نزول هذه الآيات رواياتٌ كلُّها مُجْتَمِعَةٌ على أنها نزلت في خلافٍ (١) وقعَ بين نفَرَينِ مِن الأنصار تعصَّبَ لكلِّ واحدٍ منهما قومُه، حتى خرَجوا إلى القتال بالجَريدِ والعِصِيِّ والأيدي والنِّعالِ، ويَحتمِلُ أنْ تكون كلُّها صحيحةً، ونزولُ الآيةِ كانت عَقِيبَ جميعِها. وانتظامُ هذه الآيةِ بما قبلَها: أنهم أُمِروا بترك التَّقَدُّمِ على رسول اللَّه ﷺ بالقول والفعل وبإجلالِه (٢)، ونُهُو عن إيذائه. قال ابن عباس ﵄: مرَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ يومًا على ملَأٍ مِن الأنصار فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ على حِماره، فوقَفَ عليهم يَعِظُهم، فبالَ حِمارُه أو راثَ، فأمسكَ عبدُ اللَّه بنُ أُبَيٍّ -لعنَه اللَّهُ- بأنفه، وقال: نَحِّ (٣) عنا نَتْنَ حِمارِكَ فقد آذيْتَنا بنَتَنِ حِماركَ، فمَن جاءك مِنَّا فعِظْهُ، فسَمِعَ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ، فقال: أَلِحِمارِ رسولِ اللَّهِ ﷺ تقول هذا؟! واللَّهِ إنَّ بولَ حمارِ رسولِ اللَّهِ أطيبُ مِن رائحتكَ، فمرَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وطالَ الكلامُ بين عبد اللَّه بن أُبَيٍّ المنافق وبين عبد اللَّه بن رواحة، حتى استَبَّا وتجالَدا، وجاء قومُ عبد اللَّه بن رواحة، وهُم الأَوْسُ، وقومُ عبد اللَّه بن أُبَيٍّ، وهُم الخَزْرَجُ، وتجالَدوا بالعِصِيِّ (٤).

стр. 6799

وقال السُّدِّي: تجالَدوا بالنِّعالِ والأيدي (١). وقال الضحاك: بالأيدي والنِّعال والسُّعُف، فرجعَ إليهم رسولُ اللَّه ﷺ ، وأصلحَ بينهم، ونزلت الآيةُ (٢). وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ الآيةَ نزلَتْ في رجلين كانت بينهما مُخاصَمَةٌ، فقال أحدُهما للآخر: لَآخُذَنَّ حَقِّي منكَ عَنْوَةً؛ لِكَثْرَةِ عَشيرتِه، وأبى الآخرُ ذلك، وحمَلَه على إتيان رسول اللَّه ﷺ لِيَحْكُمَ بينهما، فأبى صاحبُه، فاختصما، فنزلت الآيةُ (٣). وقال الكلبي: نزلَتْ في حاطِبٍ وسُمَيرٍ، وكان سُمَيرٌ قتَلَ حاطِبًا، فجعلوا يقتتلون في الجاهلية إلى أنْ أتاهم النبيُّ ﷺ ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٤). وعلى الأوَّلِ: إنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ كان مُنافقًا، والآيةُ في طائفتين مِن المؤمنين، لكنْ يرجِعُ ذلك إلى أصحاب عبد اللَّه بن أُبَيٍّ وعَشيرته، ولم يكونوا كلُّهم مُنافقين، فالآيةُ تتناولُ المؤمنين منهم. وجُمْلةُ ذلك: أنَّ طائفتين مِن المؤمنين إذا تنازَعوا، وأدَّى بهم ذلك إلى التَّقاتُلِ، نظر الإمامُ أو نائبه في ذلك، وحمَلَهما على حُكْمِ الشَّرع، فإنْ عمِلا بذلك وتصالَحا، وإلا منَعَ الباغي منهما مِن ذلك بالكلام والعمل، وحَبَسَ إنْ احتاجَ إلى ذلك، فإنْ كانت الطائفتان مُمْتَنِعَتَين قاتلَ الطائفةَ الباغِيَةَ إلى أنْ ترجِعَ إلى حُكْم الشَّرع.

стр. 6800

وقولُه تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: أي: اعدلوا في الإصلاح بينهما. ويحتَمِلُ: أَقْسِطوا أيها الناسُ جميعًا، فلا تتمانَعوا الحُقوقَ. * * * (١٠) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾: أي: مُتَآخُون على الإسلام بعضُهم أولياءُ بعضٍ، والإيمانُ أشرفُ أنسابِهم، وقد قطَعَ اللَّهُ الوِلايةَ بينهم وبين مَن خالَفَ دِينَهم مِن عشائرهم. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: وهو أقلُّ مَن يقَعُ بينهم القتالُ، وإذا أُمِروا بهذا في الأقلِّ، تَنَبَّهوا (١) به على الأكثر. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فلا تُمانِعوا الحُقوقَ، فيُؤَدِّيكم ذلك إلى الاقتتال. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أي: لِتُرْحَموا بذلك. * * * (١١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾: قد بيَّنَّا أنَّ السُّورةَ في الأمر بمَكارم الأخلاق، وكان مُعْتادًا في أكثر العرب في النُّظَراء التَّفاخرُ بالأنساب، والاستهزاءُ والسُّخْرِيَةُ والاستخفافُ، وكان أكثرُ مشركي العرب (٢) يترفَّعون على فُقراء المسلمين

стр. 6801

وضُعَفائهم، فنزلت السُّورةُ نَهْيًا لهم عن مَساوئِ الأخلاق، وافتتحَتْ بالواجب مِن ذلك في مَعاشرِ الرُّؤساء، ثم أتبَعَ بالمرؤوسين مِن النُّظَراء والأَكْفاء، وقد كان مِن أفاضل الصحابة مَن يَبْدُرُ منهم البادرةُ في هذا الباب. كما رُوِيَ في سبب نزول هذه الآية: أنَّ خالدَ بنَ الوليد ﵁ ذكَرَ عمَّارَ ابن ياسرٍ فنالَ منه (١). وقال ابن عباس ﵄: نزلَتْ في ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وذلك أنَّه كان في أُذُنِه ثِقَلٌ، فكان إذا أتى رسولَ اللَّهِ ﷺ وقد سبَقوه في المجلس أوسَعوا له، ففاتَتْه ذاتَ يومٍ ركعةٌ مِن الفجر، ثم أتى فجعَلَ يَتَخَطَّى النَّاسَ وهو يقول: تَفَسَّحوا، حتى انتهى إلى رسول اللَّه ﷺ بينه وبينه رجل، فقال له: تفسَّحْ أو تَنَحَّ، فقال الرجل: أصبتَ مَجْلِسًا فاجلِسْ، فجلسَ ثابتٌ خَلْفَ الرجل مُغْضَبًا، فلما انجلَتِ الظُّلْمَةُ غمَزَ ثابتٌ الرجلَ، فقال: مَن هذا؟ فقال: أنا فلانٌ، فقال له: ابنُ فُلانةَ، ذكَرَ أُمًّا له كان يُعَيَّرُ بها، فنكَسَ الرجلُ رأسَه، واستحيى، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (٢). قال ابن عباس ﵄: يعني: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾: في المَعيشة والخِسَّة، يقول الرجلُ للرجل: أنتَ فقيرٌ، وأنتَ دَنيءٌ (٣).

стр. 6802

﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾: أي: أوفرَ نصيبًا منهم في الآخرة، فقال ثابتٌ بعد نُزول هذه الآية: لا أَفْخَرُ على أحدٍ في النَّسَب (١) بعد هذا أبدًا. وقال مقاتلٌ: نزلت في أبي مالكٍ وعبد اللَّه بن أبي حَدْرَدٍ، وذلك أنَّ عبدَ اللَّه قال لأبي مالكٍ: يا أعرابيُّ، وهو كما يقول الرجلُ مِن أهل البلد: يا رُسْتاقي (٢)، فقال له أبو مالكٍ: يا يهوديُّ، فقال النبي ﷺ لهما: "لا تدخُلا عليَّ حتى يُبَيِّنَ اللَّهُ توبتَكما"، فأوثَقا أنفسَهما إلى ساريةِ المسجد، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (٣). وقال الضحاك: فأما الذين استهزَؤوا فقومٌ مِن بني تميمٍ، استهزؤوا مِن بلالٍ وخَبَّابٍ وعمارٍ وصُهَيبٍ وأبي ذرٍّ وسالمٍ مولى أبي حُذيفة (٤). وقال أبو جَبيرةَ: نزلت الآيةُ فينا بني سَلِمَةَ، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدِمَ المدينة ولم يكن منا رجلٌ إلا وله اسمان أو ثلاثةٌ، فكان الرجل يُدْعى بأحد أسمائه، فيكرَهُه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (٥).

стр. 6803

وقال عطاءٌ الخُراسانيُّ: كان الرجل يُعَيَّرُ بِخَلَّةٍ كانت فيه (١) في الجاهلية وقد رجَعَ عنها وأسلَمَ. ورُوِيَ: أنَّ أبا ذرٍّ دعا رجلًا مِن أصحاب رسول اللَّه ﷺ بأُمٍّ كانت له في الجاهلية، فقال له النبيُّ ﷺ : "إنَّ فيك لَجاهليَّةً"، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، أَجاهِلِيَّةُ الإسلامِ أم جاهِلِيَّةُ الكفرِ؟ فقال: "بل جاهليةُ كفرٍ"، ثم قال له: "ما بها أَسْودُ ولا أحمرُ أنتَ خيرٌ منه حتى يرضى عنكَ صاحِبُكَ"، فخرَجَ أبو ذرٍّ ﵁ يبتغي صاحبَه، فبصُرَ به الذي استطالَ عليه، فجاء الرجلُ، فاستغفرَ له رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال له أبو ذرٍّ: إنما جئتُكَ يا أخي لِأُسَلِّمَ عليك، فذُكِرَ ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: "سبقَكَ الرجلُ يا أبا ذرٍّ"، فقال أبو ذرٍّ: فاستغفِرْ لي يا رسولَ اللَّه، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "يغفِرُ اللَّهُ لِصاحبِكَ"، فأعادَ عليه: استغفِرْ لي يا رسولَ اللَّه، فاستغفَرَ لصاحبِه ثلاث مرات، ثم استغفَرَ لأبي ذر، ثم قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الغضبَ طُغْيانٌ مِن الشيطان، فإنما ينفُخُ فيها في جَمْرةٍ، ألا ترونه تَحْمَارُّ عيناه، وتدِرُّ (٢) أوداجُه" (٣).

стр. 6804

وقوله: ﴿قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾: أي: رجالٌ مِن رجال، قال الشاعر: وما أدري وسوف إِخالُ أدري... أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساءُ (١) وقولُه تعالى: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾: يدلُّ على ما قُلْنا أنَّ القومَ هُم الرجالُ. وقال ابن عباس ﵄: نزلت في امرأتين مِن أزواج النبيِّ ﷺ سخِرَتا مِن أُمِّ سلَمةَ، وذلك أنَّ أُمَّ سلَمةَ ربَطَتْ حَقْوَيْها بسَبِيبَةٍ (٢)، وهي ثوبٌ (٣) أبيضُ، وسدَلَتْ طرفَها خَلْفَها، وكانت تجُرُّه، فقالت عائشةُ لِحَفْصَةَ ﵄: انظُري ما تجُرُّ خَلْفَها، كأنَّها لسانُ كلبٍ، فكان هذا سُخْرِيَتَهما (٤). وروى عكرمةُ عن ابن عباس أنَّ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيِّ بنِ أَخْطَبَ أتَتْ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالت: إنَّ عائشة تُعَيِّرُني وتقول: يا يهوديةُ، فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "هلَّا

стр. 6805

قلتِ: إنَّ أبي هارونُ، وإنَّ عمي موسى، وإنَّ زوجي محمد"، فنزلت هذه الآيةُ (١). ورُوِيَ أنَّ عائشة ﵂ كانت تَسْخَرُ مِن زينبَ بنتِ خُزيمةَ الهِلاليَّةِ، وكانت امرأةً قَصيرةً تُسَمَّى أُمَّ المساكين، وكانت تقوم على ضَيْفِ رسول اللَّه ﷺ ، فجعلَتْ عائشةُ ﵂ تَسْخَرُ منها لِقِصَرِها، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه (٢) الآيةَ (٣). ﴿عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾: أي: عند اللَّه في المَنْزِلة كما قُلْنا في الرجال. وقيل فيهما: عسى أنْ يكونوا بعد هذا في الدنيا خيرًا منهم، وعسى أنْ يكُنَّ بعد هذا في الدنيا خيرًا منهن. يعني: إنْ كانت السُّخْرِيَةُ بفَقْرٍ أو ضَعْفٍ أو عِلَّةٍ، فعسى تزولُ مِن ذلك ويُبْتَلى به السَّاخِرُ، فنبَّهَ اللَّهُ على أنه قادرٌ على أنْ يُزيلَه مِن ذلك، ويجعلَه في هذا. وقيل: هذا قد يكون في التَّعيير بذَنْبٍ يكون الإنسان فيه، فنُدِبوا على (٤) أنْ يستُروا على الناس ولا يُعَيِّروهم، ويروا فَضْلَ اللَّهِ على أنفسهم بالعِصْمَة، ويخافوا أنْ يَصيروا مِثْلَهم.

стр. 6806

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: هو العَيْبُ والطَّعْنُ مِن باب (دخَلَ) و (ضرَبَ) جميعًا، وقرأ يعقوبُ بضم الميم، والعامَّةُ بالكسر (١). أي: لا يَعِبْ بعضُكم بعضًا ولا يطعَنُ، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. وقيل: لا تَعيبوا أهلَ دينِكم، فإنَّ المسلمين كنَفْسٍ واحدةٍ. ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾: النَّبْزُ: التَّلْقِيبُ بتسكين (٢) الباء، والنَّبَزُ: اللَّقَبُ بفتحها، والتَّنابُزُ: التَّداعي بها. وقال الضحاك: هو كلُّ اسمٍ أو صِفَةٍ يكرَه الرجلُ أنْ يُدْعَى به. وقال قتادة: أي: لا تقُلْ لأخيكَ المسلمِ: يا فاسِقُ، يا مُنافِقُ (٣). وقال الحسن: كان اليهوديُّ والنَّصْرانيُّ يُسْلِمُ فيُلَقَّبُ، فيقال: يا يهوديُّ، يا نصرانيُّ، فنُهُوا عن ذلك (٤). وقال ابن عباس ﵄: أي: لا تَدْعُ أخاك بما يَكْرَه مِن الأسماء، ولكنِ ادْعُه بما يُحِبُّ، فإنَّ ذلكَ أَعْطَفُ لبعضكم على بعض، وأَحَبُّ إلى اللَّه تعالى (٥).

стр. 6807

وعن العلاء بن سفيان عن أبي (١) مريم الغساني أنَّ رجالًا مِن الجُنْدِ خرَجوا يَنْتَضِلون وفيهم سعيدُ بنُ عامرٍ، فبينما هُم كذلك أصابَهم الحَرُّ، فوضَعَ سعيدٌ قَلَنْسُوَتَه عن رأسِه، وكان أَصْلَعَ، فلما رمى سعيدٌ صاحَ به رجلٌ: يا أَصْلَعُ، وهو لا يعرِفُه، فقال له سعيد: قد كنتَ لَغَنِيًّا عن أنْ تلعنَكَ الملائكةُ، فقال رجلٌ منهم: وعن ماذا تلعنُه الملائكةُ؟ فقال: مَن دعا امرأً بغير اسمِه لعنَتْه الملائكةُ (٢). قولُه تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: قالوا: كان (٣) اليهوديُّ أو النَّصْرانيُّ يُسْلِمُ، فيكون مِن صالِحي المسلمين، فيغضَبُ عليه الرجلُ مِن المسلمين، فيدعوه باسمه الأول، فيُحْتَقَرُ (٤) بذلك، فنهى اللَّهُ عن ذلك، فقال: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: قولُه: يا يهوديُّ، بعد إسلامِه. وقيل: هو تعظيمٌ لهذه الجِناية، يقول: بئس هذا الاسمُ الذي تُسَمِّيه به بعد ما آمنَ. وقيل: معناه: مَن سَخِرَ به أو لَمَزَه أو لقَّبَه (٥) فقد فسَقَ، وبئس الاسمُ له هذا مع إيمانه.

стр. 6808

وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: ومَن لم يتُبْ عن هذه الأشياء التي نهى اللَّهُ تعالى عنها، فقد وضَعَ الشيءَ في غير مَوْضِعِه وظلَمَ نفْسَه. وجمَعَ قولَه: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ مع (١) توحيد قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾؛ لأنَّه اسمُ جِنْسٍ، فكان واحدًا بلفظه، جَمْعًا بمعناه. * * * (١٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾: وهو أنْ يَظُنَّ بالمؤمن سوءًا مِن حيث لم يتحقَّقْ عليه، ولم يُوجَدْ منه مِن إعلان المعاصي ما يُخْرِجُه مِن حُسْنِ الظَّنِّ به. ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾: وهو هذا. ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾: أي: ولا يتَّبعْ بعضُكم عيبَ بعضٍ (٢)، ولا يبحَثْ عن سرائره (٣). والتَّجَسُّسُ: التَّبَحُّثُ، ومنه: جَسُّ الشَّاةِ، وجَسُّ العِرْقِ، وهو التَّبَحُّثُ عن سِمَنِ الشَّاةِ وهُزالِها، وعن قوَّةِ حرَكةِ العِرْقِ وضَعْفِها، ومنه الجاسوسُ: وهو الذي يبحَثُ عن الأخبار. ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: أي: ولا يذكُرْ أحدٌ منكم غيرَه بظَهْرِ الغَيبِ بما لو كان حاضرًا فشافهَه به كَرِهَه؛ صِدْقًا كان ذلك أو كَذِبًا، وقال النبي ﷺ : "إذا

стр. 6809

ذكَرْتَ أخاك بما فيه فقد اغتَبْتَه، فإنْ لم يكن فيه فقد بهتَّه" (١). ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾: أي: فإنكم لا تُحِبُّون ذلك، وإذ كنتم لا تُحِبُّونه فالغِيبةُ له وهو حيٌّ مِثْلُ أكلِ لحمِه وهو ميِّتٌ، فلا تُحِبُّوه أيضًا. ولعلَّ معناه: أنَّ الميِّتَ لا يشعُرُ بما يُؤكَلُ مِن لحمِه، وليس (٢) به انتصارٌ فيدفعَ عن نفْسِه، فأكلُ لحمِه لُؤْمٌ، فكذلك الغائبُ لا يشعُرُ بما يُغْتابُ به، وليس به حينئذٍ انتصارٌ، فذِكْرُه بالسُّوء لُؤْمٌ، والميِّتُ أيضًا لا يَنالُ آكلَ لحمِه بسُوءٍ، فلم يحسُنْ أنْ يُنالَ منه، فكذلك الغائبُ لا يَنالُ مَن يغتابُه في حين اغتيابه بسُوءٍ، فلم يَحسُنْ أنْ ينالَ منه. ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾: أي: فقد كَرِهْتم في طِباعكم وعُقولِكم أكْلَ لحمِ أخيكم ميِّتًا، فاكرَهوا اغتيابَه، فإنه مِثْلُ أكلِ لحمِه. وقيل: أي: فكَرِهْتُم أنْ تُغتابوا، فلا تَغتابوا غيرَكم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: عطفٌ على ﴿اجْتَنِبُوا﴾، ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، ﴿وَلَا يَغْتَبْ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾: يقبَلُ توبةَ مَن تابَ، ويرحمُ مَن أنابَ إليه. قال ابن عباس ﵄: نزلت في رجلين مِن أصحاب رسول اللَّه ﷺ ظنَّا برَفيقٍ لهما، وذلك أنَّ رسول اللَّه ﷺ ضمَّ إليهما سلمانَ يخدِمُهما ويخِفُّ لهما في حوائجهما، ويتقدَّمُ إلى المنزل فيُهَيِّئُ لهما ما يُصْلِحُهما (٣) مِن الطعام والشراب،

стр. 6810

فتقدَّمَهما سلمانُ ذاتَ يومٍ إلى المنزل، فغَلَبَتْه عيناه فلم يُهَيِّئْ لهما شيئًا، فهجَما عليه، وقالا: ما أصْلَحْتَ لنا شيئًا؟! قال: غلَبَتْني عيناي، فنمتُ عن شأْني، فبعثاه إلى رسول اللَّه ﷺ يبتغي لهما إِدامًا، فلم يجِدْ عنده شيئًا، وكان أسامةُ بنُ زيدٍ خازنُ رسولِ اللَّه ﷺ على رَحْلِه، فوجَّهَه رسول اللَّه ﷺ إلى أسامةَ، وقال له: "قل له: إنْ كان عنده فَضْلٌ فليُعْطِ"، فأتى سلمانُ أسامةَ، فأخبرَه بذلك، فقال: ما عندي شيءٌ، فرجَعَ إليهما سلمانُ فأخبرَهما، فعند ذلك قالا: لو بعَثْناه إلى بئر سُمَيحةَ (١) لغارَ ماؤُها، فكان هذا غَيْبَتَهما، فلما رجَعا (٢) إلى رسول اللَّه ﷺ قال لهما: "ما لي أرى حُمْرَةَ اللَّحمِ في أفواهكما؟! "، فقالا: ما تناوَلْنا لَحْمًا، فقال لهما: "إنكما اغتبتُما" -والغِيبةُ: أنْ يذكُرَ الرجلُ مَن خَلْفَه بما يكرَهُه إذا سمِعَه، وهو يعدِلُ أكلَ لحمِه ميتًا- فقالا لرسول اللَّه ﷺ : ما عَلِمْنا أنه حرامُ علينا، ونحن نكرَهُ ذلك أيضًا، فقال ﵊: "فكما كرِهْتُما أنْ تأكُلا لحمَ أخيكُما ميتًا، فلا تغتاباه"، ونزلت الآية (٣). وقيل: إنهما كانا (٤) يتَجَسَّسان رَحْلَ أُسامةَ، فنزلَت فيهما: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. وهذه الخِلالُ الثلاثُ؛ أي: الظَّنُّ السُّوءُ، والتَّجَسُّسُ، والاغتيابُ، بمرتبةٍ في الفعل، فإنَّ مَن أساءَ الظَّنَّ بأخيه المسلم تجسَّسَ ما ظنَّه، فإذا تحقَّقَ ذلك عنده اغتابَه.

стр. 6811

يقولُ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ فإنْ ظننتُم فقد أسأتُم، فلا تجسَّسوا فتزدادوا إثمًا، فإنْ تجسَّسْتم فقد أسأتُم، فلا تغتابوا فتزدادوا إثمًا. وروى زيدُ بنُ أَسْلَمَ أنَّ عُمَرَ بنَ الخطابِ ﵁ خرجَ ذاتَ ليلةٍ ومعه عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ ﵄ يعُسَّان، إذ شَبَّ لهما نارٌ، فأتَيا البابَ فاستَأْذَنا، ففُتِحَ البابُ لهما ودخلا، فإذا رجلٌ وامرأةٌ تُغَنِّي، وعلى يد الرجل قَدَحٌ، فقال عمر ﵁: وأنتَ بهذا يا فلان؟ فقال: وأنتَ بهذا يا أميرَ المؤمنين؟ فقال له عمر ﵁: فمَن هذه منكَ؟ قال: امرأتي، قال: وما في القَدَح؟ قال: ماءٌ زُلالٌ، فقال للمرأة: وماذا تُغَنِّين؟ قالت: أقول: تطاولَ هذا الليلُ واسودَّ جانِبُه... وأرَّقَني ألَّا حبيبٌ أُلاعِبُهْ فواللَّهِ لولا خشيةُ اللَّهِ والتُّقى... لَزُعْزِعَ مِن هذا السَّريرِ جوانِبُهْ ولكنَّ عَقْلِيَ والحياءَ يَكُفُّني... وأُكْرِمُ بَعْلِي أنْ تُنالَ مراكبُهْ ثم قال الرجلُ: يا أميرَ المؤمنين، ما بهذا أُمِرْنا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، فقال عمر ﵁: صَدَقْتَ، وانصرفَ (١). وقيل لعبد اللَّه بن مسعود ﵁: هل لكَ في الوليد بن عُقْبَةَ تقطُرُ لِحْيَتُه خَمْرًا؟ فقال عبد اللَّه: إنا قد نُهِينا عن التَّجَسُّس إلَّا أنْ يظهَرَ لنا (٢).

стр. 6812

وقال ﷺ : "مَن تتَبَّعَ عورةَ أخيه المسلمِ تتبَّعَ اللَّهُ عورتَه، ومَن تتبَّعَ اللَّهُ عورتَه فضحَه ولو في جَوْفِ بيته" (١). وقال الإمام القُشَيريُّ: العارفُ لا يتفرَّغُ مِن شُهود الحقِّ إلى شُهود الخَلْق، فكيف يتفرَّغُ إلى التَّجَسُّسِ؟! ومَن اشتغلَ بالحقِّ لا يتفرَّغُ إلى نفسه، ومَن اشتغلَ بنفْسِه (٢) لا يتفرَّغُ إلى الخَلْق. وقال: غَيْبَةُ الخَلْقِ لا تكون إلا مِن الغَيْبَةِ عن الحَقِّ (٣). * * * (١٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾: وهذا تأكيدُ جميعِ ما مضى في هذه السُّورة، وإعلامٌ أنَّه لا يصِلُ إلى ذلك كلِّه إلا بالتقوى، فإنَّ مَن سَخِرَ بغيره أو

стр. 6813

طعَنَ عليه أو ظَنَّ به سوءًا أو اغتابَه، فذلك راجِعٌ إلى إِزْرائِه به، ولا يُزري بغيره إلا لِفَضْلٍ يُقَدِّرُه لِنفْسِه عليه، فبيَّنَ لهم أنَّهم مُتساوون في الأصل، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: وهذا نداءٌ عامٌّ، ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾: وهما آدمُ وحَوَّاءُ، فكُلُّكم أولادُ أبٍ واحدٍ وأُمٍّ واحدةٍ. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾: جَمْعُ شَعْبٍ، ﴿وَقَبَائِلَ﴾: جَمْعُ قَبيلةٍ. قال الزُّبَيرُ بن بَكَّارٍ: العربُ على ستِّ طبَقاتٍ: شَعبٌ، وقَبيلةٌ، وعِمارةٌ، وبَطْنٌ، وفَخْذٌ، وفَصيلةٌ، فالشَّعْبُ يجمعُ القبائلَ، والقَبيلةُ تَجْمَعُ العَمائر، والعِمارةُ تجمَعُ البُطونَ، والبطنُ يجمَعُ الأَفْخاذَ، والفَخْذُ يجمَعُ الفصائلَ، فمُضَرُ شَعْبٌ، وربيعةُ شَعْبٌ، ومَذْحِجٌ شَعْبٌ، وحِمْيَرُ شَعْبٌ، وسُمِّيَت شُعوبًا لأنَّ القبائلَ انشَعَبَتْ منها، فكنانةُ قَبيلةٌ، وقُرَيْشٌ عِمارةٌ، وقُصَيٌّ بَطْنٌ، وهاشمٌ فَخْذٌ، والعبَّاسُ فَصيلةٌ (١). ﴿لِتَعَارَفُوا﴾: أي: فعَلْنا كذلك لِتَقَعَ المعرفةُ بذلك، لا لِتُفاخِروا بها، فإنْ أردتُّم ذلك فهو بالتَّقْوى، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾: لا تخفى عليه ظواهرُكم وبواطنُكم. وقال ابنُ عمرَ ﵁: قال النبي ﷺ في خُطْبَتِه يومَ الفَتْح: "إنَّ اللَّهَ تعالى أذهَبَ عنكم عُبِّيَّةَ (٢). . . . . . .

стр. 6814

الجاهليَّةِ وتكبُّرَها (١)، إنما الناسُ رجلان: بَرٌّ تقِيٌّ كريمٌ على اللَّه تعالى، وفاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ على اللَّه تعالى"، ثم تلا هذه الآيةَ (٢). وقال ابن عباس ﵄: نزلت في ثابتِ بنِ قَيسِ بن شَمَّاسٍ حيث قال للرجل الذي لم يتفسَّحْ له: إنه ابنُ فُلانة، فقال النبي ﷺ : "مَن الذاكرُ فُلانة؟ "، فقام ثابت فقال: أنا يا رسولَ اللَّهِ، فقال: "انظُرْ في وجوه القوم"، فنظَرَ في وجوههم فقال: "ما رأيتَ يا ثابتُ؟ "، فقال: رأيتُ أبيضَ وأسودَ وأحمرَ، قال: "فإنك لا تَفْضُلُهم في شيءٍ إلَّا في الدِّين والتقوى"، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ، وأنزل في الذي لم يتفسَّحْ له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ الآية (٣). وقال مقاتل ﵀: لَمَّا كان يومُ فتحِ مكَّةَ، وأمرَ رسولُ اللَّه ﷺ بلالًا حتى أذَّنَ، قال عَتَّابُ بنُ أَسيدِ بنِ أبي العِيْصِ: الحمدُ للَّه الذي قبَضَ أبي حتى لم يرَ هذا اليوم، وقال الحارثُ بنُ هشامٍ: أوَما وجدَ محمد غيرَ هذا الغُرابِ الأسودِ مُؤَذِّنًا؟! وقال سُهَيلُ بنُ عمرو: إنْ يُرِدِ اللَّهُ شيئًا يُغَيِّرْه، وقال أبو سُفيانَ بنُ حَرْبٍ: إني لا أقول شيئًا أخافُ أنْ يُخْبِرَ به ربُّ السماوات والأرض، فأتى جبريلُ رسولَ اللَّه ﷺ

стр. 6815

فأخبرَه بما قالوا، فدعاهم رسولُ اللَّه ﷺ وقال لِعَتَّابٍ: "ما الذي قُلْتَ؟ "، قال: قلتُ: الحمدُ للَّه الذي قبَضَ أبي حتى لم يرَ هذا اليوم، قال: "صدَقْتَ"، قال: "فما الذي قلتَ يا حارثُ"، قال: قلتُ: أوَ ما وجدَ محمد غيرَ هذا الغُراب الأسود مُؤَذِّنًا؟! قال: "صَدَقْتَ"، قال: "فما قلتَ يا سهيلَ بنَ عمرو؟ "، قال: قلتُ: إنْ يُرِدِ اللَّهُ شيئًا يُغَيِّرْه، قال: "صَدَقْتَ"، قال: "ما الذي قلتَ يا أبا سفيان؟ "، قال: قلتُ: إني لا أقولُ شيئًا أخاف أنْ يُخْبِرَ به ربُّ السماوات والأرض، قال: "صَدَقْتَ"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآية (١)، فإنْ صَحَّتْ هذه القصةُ فالآيةُ مَكِّيَّةٌ، والسُّورةُ مَدَنِيَّةٌ. وقال ابن عباس ﵄: كرَمُ الدنيا الغِنى، وكرَمُ الآخرةِ التقوى (٢). وقال أبو هريرة ﵁: يُنادي مُنادٍ يومَ القيامة مِن بُطْنانِ العرشِ (٣): يا أُمَّةَ أحمدَ (٤)، إنَّ اللَّهَ تعالى يقول: إني وضَعْتُ لكم فيكم نسَبًا ولي نسَبًا، فرفَعْتُم أنسابَكم

стр. 6816

ووضَعْتُم نسَبي، فأنا اليومَ أرفعُ نسَبي وأضَعُ أنسابَكم، ألَا فليَقُمِ المُتَّقون (١). وقال الإمام القُشَيري ﵀: إذا كانت الأصولُ تُرْبةً ونُطْفةً وعَلَقةً، فالتَّفاخرُ بماذا؟ أَبِتُرْبٍ مَسْنونٍ، أو بنُطْفَةٍ في قَرارٍ مَكينٍ، أو بماءٍ يَنْطوي عليه ظاهرُكَ، أو بأفعالكَ التي هي بالرِّياء مَشُوبةٌ، أو بأحوالكَ التي هي بالإعجاب مَصحُوبةٌ، أو بمُعاملَتِكَ التي كلُّها خيانةٌ؟! قولُه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾: فـ ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ (٢) أبعدُكم مِن نفْسِه، وذلك أقربُكم مِن ربه (٣). * * * (١٤) - ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾: وهذا مُتَّصِلٌ بما مَرَّ في ذِكْرِ جَفاءِ الأعراب في أخلاقهم وعقائدهم ورُؤْيَتِهم الفَضْلَ بأنسابهم وعشائرهم.

стр. 6817

وقولُه تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾: أي: قالت طائفةٌ منهم: ﴿آمَنَّا﴾. واختُلِفَ فيهم، والأظهرُ أنهم كانوا مُنافقين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ لِيُلْحِقَهم رسولُ اللَّهِ ﷺ بمراتبِ المؤمنين المُخْلِصين، فأَطْلَعَ اللَّهُ نبيَّه عليهم (١)، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾: أي: لم تُصَدِّقوا بقلوبكم ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ أي: استَسْلَمْتم لِخوفِ القتل، فقولوا: ﴿أَسْلَمْنَا﴾؛ أي: خَضَعْنا وانْقَدْنا. ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أي: ولم يدخُلْ، و (ما) صِلَةٌ. قال ابن عباس ﵄: نزلت الآيةُ في نفَرٍ مِن بني أسَدِ بنِ خُزيمةَ، قدِموا على رسول اللَّه ﷺ المدينةَ في سَنَةٍ جَدْبَةٍ، فأَظْهَروا شهادةَ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ، ولم يكونوا مؤمنين في السِّرِّ، فأفسَدوا طُرُقَ المدينة بالعَذِراتِ، فأَغْلَوا أسعارَهم، وكانوا يَغْدُون ويَرُوحون على رسول اللَّه ﷺ ، ويقولون: أتَتْكَ العربُ بأنفسها على ظُهور رواحِلها، وجئناكَ بالأثقال والذَّراري، فيُريدون الصَّدَقَةَ، ويقولون: أَعْطِنا، ويَمُنُّون على رسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٢). وقال قتادةُ: واللَّهِ ما عَمَّتِ الأعرابَ؛ لأنَّ مِن العَرَبِ مَن يؤمِنُ باللَّه واليوم الآخر، ولكنْ كانوا حيًّا مِن أحياء العرب يَمُنُّونَ بإسلامهم على رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: آمنَّا ولم نُقاتِلْكَ كما قاتلَكَ بنو فُلانٍ وبنو فُلانٍ، فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ (٣). وقال السُّدِّي: نزلَتْ في الأعراب الذي ذكرَهم اللَّهُ في سورة الفتحِ، وهُم

стр. 6818

أعرابُ مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأَسْلَمَ وأَشْجَعَ وغِفارٍ، كانوا يقولون: آمنا باللَّه؛ لِيَأْمَنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استُنْفِروا إلى الحُدَيْبِيَةِ تخلَّفوا (١). وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: تُخْلِصوا وتتوبوا مِن النِّفاق. ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾: أي: لا يَنْقُصْكم مِن ثواب أعمالِكم شيئًا، مِن (لاتَ يَلِيتُ). وقال قُطْرُبٌ: ويجوزُ أنْ يكون مِن (وَلَتَ يَلِتُ)، وهو في معناه (٢). وقرأ أبو عمروٍ: ﴿ولا يَالِتْكُم﴾ بالألف وتَلْيين الهمزة (٣) كما هو طريقُه في المهموزات (٤)، وهو في معناه أيضًا، وقد (ألَتَه يَأْلِتُه)؛ أي: نقَصَه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. وقال قُطْرُبٌ: يُقال: (ألَتَه بيمينٍ يَأْلِتُه)؛ أي: غلَّظَ عليه (٥). ورُوِيَ أنَّ رجلًا قام إلى عمرَ فوعظَه، فقال له رجل: لا تَأْلِتْ يا أميرَ المؤمنين (٦)؛ أي: لا تُغَلِّظْ عليه.

стр. 6819

وقال هارون القارئُ على هذا: (لا يَأْلِتْكم)؛ أي: لا يُغَلِّظْ عليكم، وتحقيقُه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالأعمال بعد تصحيحِ الاعتقاد بالقلب، والإقرارِ باللِّسان، لا يُغَلِّظْ عليكم شيئًا مِن الأعمال؛ أي: الشَّرائعُ كلُّها سَهْلَةٌ سَمْحَةٌ لا غِلَظَ فيها. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يغفِرُ ما كان مِن الذُّنوب قبلَ (١) التوبة والإخلاص. * * * (١٥ - ١٦) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: صدَّقوا بقلوبهم، وأقرُّوا بألسِنَتِهم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾: أي: لم يَشُكُّوا. ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: أعداءَ اللَّهِ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: المُحَقِّقون دَعْواهم، المُسْتَكْمِلون معناهم. ولَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ جاؤوا وحلَفوا أنَّهم مُخْلِصون، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾: التَّعليمُ هو الإعلامُ؛ كالتَّعْظيمِ هو الإعظامُ، استفهامٌ بمعنى التَّوبيخِ والإنكارِ. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: مِن الإخلاصِ والنِّفاقِ وغيرِ ذلك. * * *

стр. 6820

(١٧ - ١٨) - ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. قولُه تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾: وهو بما حَكَيْنا عنهم. ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: ليس هذا بتحقيق الإيمان لهم، بل معناه على الشَّرْط المذكور في آخره: ولو كنتُم آمَنْتُم كما ادَّعَيْتُم فصدَّقْتُموني سِرًّا وعَلانِيَةً، لكانت المِنَّةُ للَّه عليكم بأنْ هداكم. قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ في روايةٍ (١) بياء المُغايبة رَدًّا على قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة رَدًّا على قوله: ﴿يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾ (٢). واللَّهُ تعالى أعلَمُ، وله الحمدُ والمِنَّةُ (٣) * * *

стр. 6821

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق سارية فايز عجلوني - جمال عبد الرحيم الفارس المجلد الرابع عشر دار اللباب

стр. 6822

سورة ق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باسمِ اللَّهِ مُنَزِّلِ القرآنِ المَجيد، الرَّحمنِ مُقَدِّمِ الوعدِ والوعيد، الرَّحيمِ المُبَشِّرِ بالجنة والمزيد. وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأَ سُورةَ ق هوَّنَ اللَّهُ عليه تاراتِ الموت وسَكَراتِه" (١). وهذه السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، وهي خمسٌ وأربعون آيةً، وثلاثُ مئةٍ وثلاثٌ وسبعون كلمةً، وألفٌ وأربعُ مئةٍ وأحدٌ وثمانون حرفًا. وافتتاحُ هذه السُّورةِ واختتامُ السُّورةِ التي قبلها باسم اللَّه تعالى، وهو وجهُ انتظامِها.

стр. 6823

وانتظامُ السُّورتين: أنَّ الأولى في تعليم آدابِ الشَّرْع وثوابِ عاملِها وعقابِ تاركِها في الآخرة، وهذه في مُحاجَّةِ مُنْكِري البعثِ، وبيانِ أحوالِهم في الآخرة. * * * (١) - ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. قولُه تعالى: ﴿ق﴾: قال ابن عباس ﵄: هو قسَمٌ، وهو اسمٌ مِن أسماء اللَّه تعالى (١). وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ: هو افتتاحُ أسماءِ اللَّه تعالى: قادر، وقدير، وقديم، وقاهر، وقَهَّار، وقريب، وقاضٍ، وقابض (٢). وقال قتادة: هو اسمٌ مِن أسماء القرآن (٣). وقيل: هو اسمُ هذه السُّورةِ، وتقديرُه: هذه سُورةُ (ق). وقال الضحاك: (ق) جبلٌ مُحيطٌ بالأرض (٤). وقال عكرمة: (ق) جبلٌ أخضرُ مُحيطٌ بالأرض، والأرَضون السَّبْعُ على عاتِقِ ملَكٍ، والملَكُ على الياقوتة، والياقوتةُ على الثَّور، والثَّورُ على ظَهْرِ الحوت، وبين كلِّ أرَضين بحرٌ، ولولا ذلك البحرُ لَأَحْرَقَتْ جهنَّمُ كلَّ شيءٍ فيها إلى مُنتهى

стр. 6824

الكرسيِّ، ثم أنبتَ اللَّهُ مِن الياقوتة جبلًا، فأحاطَ بالأرَضين السَّبع، ثم أنبَتَ اللَّهُ هذه الجبالَ كلَّها على وجه الأرض في بَرِّها وبحرِها مِن ذلك الجبل، فهي عروقُه (١). وقال ابن عباس ﵄: (ق) جبلٌ مُحيطٌ بالأرَضين مِن زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ (٢)، فخُضْرَةُ السماءِ منه، فليست مدينةٌ مِن المدائن إلا وفيها عِرْقٌ مِن عُروقه وملَكٌ مُوكَّلٌ به واضِعٌ يديه على تلك العُروق، فإذا أرادَ اللَّهُ بقوم هلاكًا، أوحى اللَّهُ إلى ذلك الملَكِ، فحرَّكَ منها عِرْقًا، فخسَفَ بأهلها، فالشياطينُ ينطلقون إلى ذلك الزَّبَرْجَدِ، فيأخذون منه، فيَبُثُّونه في الناس، فمِن ثمَّةَ هو قليلٌ (٣). وقيل: معناه: قُل يا محمدُ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. وقال أبو بكر الوراق: معناه: قِفْ يا محمد (٤) عند أَمْرِنا ونَهْيِنا ولا تتعدَّاهما (٥)، والعربُ قد تقتصِرُ مِن الكلمة على حرفٍ، قال قائلُهم:

стр. 6825

قلتُ لها قِفي فقالتْ قِ (١) وقال الفرَّاءُ: قيل: معناه: قضى ما هو كائنٌ (٢). قولُه تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾: أقسَمَ بالقرآن تَعْظيمًا له. و ﴿الْمَجِيدِ﴾: الشريفُ، وقيل: الكريمُ. واختُلِفَ في جواب هذا القسَمِ، وأصلُه: أنَّ جوابَه بأحدِ خمسةِ أشياءَ: (إنَّ) المُشَدَّدة؛ كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. و (ما) النَّافية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]. واللَّامُ المفتوحةُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]. و (إنْ) الخفيفةُ بمعنى (ما): ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧]. و (لا): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى﴾ [النحل: ٣٨]. وزاد البَعْلِيُّ على هذا: (قد)؛ كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. . . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. و (بل)؛ كما في قوله في هذه السورة: ﴿ق وَالْقُرْآنِ. . . بَلْ عَجِبُوا﴾. وقيل: إنَّ جوابَ هذا القسَمِ: ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾، وتقديرُه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾؛ كما في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ﴾، ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: لقد أفلَحَ.

стр. 6826

وقيل: حُذِفَتِ اللَّامُ على نِيَّةِ تقديمِ جوابِ القسَمِ، وتقديرُه: قد علِمْنا ما تنقُصُ الأرضُ منهم، والقرآنِ المجيدِ. وقال ابنُ كَيْسانَ: جوابُه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ (١). والصَّحيحُ: أنَّ جوابَه محذوفٌ، ودليلُ ذلك قولُه: ﴿بَلْ﴾؛ لأنَّه لِنَفْيِ ما قَبْلَه، فدلَّ على مَنْفِيٍّ (٢) مُضْمَرٍ، وتقديرُه: أُقْسِمُ بجبَلِ (ق) الذي به بقاءُ دنياكم، وبالقرآنِ المجيدِ الذي به بقاءُ دينِكم، ما كذَّبوك لِمعرفتِهم بكَذِبِكَ. * * * (٢ - ٣) - ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾: وهو كقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢]، ولم يقل: (فقالوا)، بل قال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ تقبيحًا لهم ووَصْفًا لهم بما هو أسوأُ صفاتِهم -وهو مِن فَرْطِ جهالتِهم- أنْ تَعَجَّبوا وأنكروا أنْ يكونَ مَن مِثْلُهم نبيًّا مبعوثًا، واستجازوا أنْ يكون الصَّنَمُ الذي هو دونَهم إلهًا مَعْبودًا. ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾: أي: وقالوا أيضًا هذا: أئذا مِتْنا وبَلِينا وصِرْنا تُرابًا أَنُبْعَثُ؟! فهذا مُضْمَرٌ. ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: أي: رَدٌّ بعيدٌ عن العقل؛ أي: قولُه: إنا نُردُّ بعد الموت إلى الحياة، مُحالٌ لا يقبَلُه العقلُ، وهو كقولهم: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، والرَّجْعُ مُتَعَدٍّ، والرُّجوعُ لازمٌ.

стр. 6827

قال مقاتل: نزلت في أُبَيٍّ وأُمَيَّةَ ابني خلَفٍ الجُمَحِيَّينِ، ونُبَيْهٍ ومُنَبِّهٍ ابني الحَجَّاج السَّهْمِيَّينِ، وأسيدُ بنُ كَلَدَةَ أبي الأَشَدَّين لعنَهم اللَّهُ (١). * * * (٤) - ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾: أي: ما تأكلُه الأرضُ بعد موتهم مِن أجسادهم لَحْمِها وعَظْمِها وشَعْرِها وبَشَرِها وكلِّ ما فيها، ما يَغيبُ شيءٌ منها عن عِلْمِنا، ولا يتعذَّرُ إعادتُها علينا. ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾: أي: وعندنا في السماء كتابٌ حافظٌ لذلك كلِّه؛ أي: هو مُثْبَتٌ فيه، فكأنَّه حافِظٌ له، وهو فَعيلٌ بمعنى فاعلٍ؛ كـ (السَّميعِ) بمعنى (السَّامِعِ). وقيل: هو بمعنى مفعول، وهو كقوله: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾: أي: نحفَظُ نحن فلا نُضَيِّعُ. وقيل: يعني: عندنا كتابٌ حفيظٌ لأعمالِ بني آدم خيرِها وشَرِّها ولأسمائِهم وعَدَدِهم لِنُحْضِرَهم ونَجْزِيَهم يومَ البَعْثِ. وقال الحسن: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ﴾: مِن هؤلاء الكفار بالقَتْلِ والموت والانتقال مِن الكفر، ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾: فيه أعمالُهم وما وعدتُّكَ مِن النَّصْر، وهو كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، وهو في وَعْدِ النبي ﷺ بالنَّصْر والظَّفَر عليهم (٢). * * * (٥) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾.

стр. 6828

قولُه تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: قيل: يرجِعُ إلى قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وليس عَجَبُهم لاستحالتِه، بل لِتَكذيبِهم للحقِّ عِنادًا، وهو الرَّسولُ. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾: قال مجاهد: أي: مُلْتَبِسٍ مُخْتَلِطٍ (١). وقال ابن عباس ﵄: أي: فاسدٍ (٢). وقال الضحاك: في لَبْسٍ وضلالٍ (٣). ومعنى الاختلاطِ: أنهم مَرَّةً قالوا: هو مجنونٌ، ومَرَّةً قالوا: هو ساحِرٌ، ومَرَّةً قالوا: هو كاهِنٌ، ومَرَّةً قالوا: هو شاعِرٌ، ومَرَّةً قالوا: هو كاذِبٌ، ومَرَّةً قالوا: هو مُفْتَرٍ.

стр. 6829

وقيل: هذا (١) يرجِعُ إلى إنكار البَعْثِ، وتقديرُه: ما أنكَروه لِجَهْلِهم فإنَّهم مُقِرُّون بقُدْرة اللَّهِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِـ﴾ هذا الخبَرِ ﴿الْحَقِّ﴾ لَمَّا جاءهم، ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾: مُلْتَبِسٍ مِن حديث البَعْثِ، فمنهم مَن يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، ومنهم مَن يقول: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، ومنهم مَن يقول: ﴿مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]. وقيل: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾؛ أي: جوابٍ مُتَناقِضٍ، فإنهم يُقِرُّون (٢) بالقُدْرةِ على الإنشاء، ويُنْكِرون القُدْرةَ على الإعادة، وهو تناقُضٌ. * * * (٦ - ٧) - ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾: أي: أيُّ عُذْرٍ لهم في إنكار البَعْثِ؟! أمَا يَنْظُرون بأبصار قلوبِهم إلى أصناف ما خَلَقْتُه مِن السماء والأرض وما بينهما؟! فيتنبَّهوا بذلك على قُدْرَتي على إعادة الموتى؛ إذ قد رأوا بأبصار رؤوسِهم السماءَ كيف جعلناها (٣) كالبِناءِ المُظِلِّ فوقهم ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالكواكب والشمس والقمر ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾؛ أي: شُقوقٍ. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: أي: بَسَطْناها ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابتَ ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾؛ أي: مِن كلِّ نوعٍ حَسَنٍ مِن النبات.

стр. 6830

(٨ - ٩) - ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾. ﴿تَبْصِرَةً﴾: أي: تعريفًا لِمَن نظَرَ إليها وتدبَّرَ خَلْقَها أني أنا خالِقُها؛ إذ لا يتهَيَّأُ ذلك لأحدٍ مِن المخلوقين، ولا يُتَصَوَّرُ تكوُّنُها مِن غير تكوينِ مُكَوِّنٍ كوَّنَها لا يُشْبِهُها، قادرٍ عالمٍ واحد. ﴿وَذِكْرَى﴾: أي: تذكيرًا للعباد يتذكَّرون بها قُدْرتي ووحدانِيَّتي. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: أي: جعَلْتُ هذا التَّبْصيرَ والتَّذْكيرَ لكلِّ عبدٍ أقبلَ إليَّ بإرادتِه ونِيَّتِه، وعلَّقَ قلبَه بالتَّفَكُّر في أصناف خَليقَتي، فهو الذي أُوَفِّقُه لِلتَّذْكار والاستبصار. وقولُه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾: أي: مطرًا كثيرَ الخيرِ والبرَكةِ. ثم ذكَرَ بعضَ تلك البركاتِ، فقال: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾: أي: بساتينَ مُشْتَمِلَةً على الأنهار (١) والثِّمار. ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: أي: الزَّرْعِ، واحدٌ بمعنى الجَمْع؛ لأنَّه جنسٌ، وأضاف الحَبَّ إلى الحَصيدِ لأنَّ الحَصيدَ هو المحصودُ، وهو السُّنْبُلُ، وهو الجوابُ الصَّحيحُ عن هذا السؤال أنَّه: لماذا أُضِيفَ إليه؟ وقال (٢) الفرَّاء: الحَبُّ هو الحَصيدُ، فأُضِيفَ إلى نفْسِه؛ كقولكَ: (حَقُّ اليقينِ)، و (مسجدُ الجامعِ)، و (صلاةُ الأولى) (٣).
следующие страницы →