← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

وقيل: حُذِفَتِ اللَّامُ على نِيَّةِ تقديمِ جوابِ القسَمِ، وتقديرُه: قد علِمْنا ما تنقُصُ الأرضُ منهم، والقرآنِ المجيدِ. وقال ابنُ كَيْسانَ: جوابُه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ (١). والصَّحيحُ: أنَّ جوابَه محذوفٌ، ودليلُ ذلك قولُه: ﴿بَلْ﴾؛ لأنَّه لِنَفْيِ ما قَبْلَه، فدلَّ على مَنْفِيٍّ (٢) مُضْمَرٍ، وتقديرُه: أُقْسِمُ بجبَلِ (ق) الذي به بقاءُ دنياكم، وبالقرآنِ المجيدِ الذي به بقاءُ دينِكم، ما كذَّبوك لِمعرفتِهم بكَذِبِكَ. * * * (٢ - ٣) - ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾: وهو كقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢]، ولم يقل: (فقالوا)، بل قال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ تقبيحًا لهم ووَصْفًا لهم بما هو أسوأُ صفاتِهم -وهو مِن فَرْطِ جهالتِهم- أنْ تَعَجَّبوا وأنكروا أنْ يكونَ مَن مِثْلُهم نبيًّا مبعوثًا، واستجازوا أنْ يكون الصَّنَمُ الذي هو دونَهم إلهًا مَعْبودًا. ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾: أي: وقالوا أيضًا هذا: أئذا مِتْنا وبَلِينا وصِرْنا تُرابًا أَنُبْعَثُ؟! فهذا مُضْمَرٌ. ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: أي: رَدٌّ بعيدٌ عن العقل؛ أي: قولُه: إنا نُردُّ بعد الموت إلى الحياة، مُحالٌ لا يقبَلُه العقلُ، وهو كقولهم: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، والرَّجْعُ مُتَعَدٍّ، والرُّجوعُ لازمٌ.

стр. 6827

قال مقاتل: نزلت في أُبَيٍّ وأُمَيَّةَ ابني خلَفٍ الجُمَحِيَّينِ، ونُبَيْهٍ ومُنَبِّهٍ ابني الحَجَّاج السَّهْمِيَّينِ، وأسيدُ بنُ كَلَدَةَ أبي الأَشَدَّين لعنَهم اللَّهُ (١). * * * (٤) - ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾: أي: ما تأكلُه الأرضُ بعد موتهم مِن أجسادهم لَحْمِها وعَظْمِها وشَعْرِها وبَشَرِها وكلِّ ما فيها، ما يَغيبُ شيءٌ منها عن عِلْمِنا، ولا يتعذَّرُ إعادتُها علينا. ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾: أي: وعندنا في السماء كتابٌ حافظٌ لذلك كلِّه؛ أي: هو مُثْبَتٌ فيه، فكأنَّه حافِظٌ له، وهو فَعيلٌ بمعنى فاعلٍ؛ كـ (السَّميعِ) بمعنى (السَّامِعِ). وقيل: هو بمعنى مفعول، وهو كقوله: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾: أي: نحفَظُ نحن فلا نُضَيِّعُ. وقيل: يعني: عندنا كتابٌ حفيظٌ لأعمالِ بني آدم خيرِها وشَرِّها ولأسمائِهم وعَدَدِهم لِنُحْضِرَهم ونَجْزِيَهم يومَ البَعْثِ. وقال الحسن: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ﴾: مِن هؤلاء الكفار بالقَتْلِ والموت والانتقال مِن الكفر، ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾: فيه أعمالُهم وما وعدتُّكَ مِن النَّصْر، وهو كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، وهو في وَعْدِ النبي ﷺ بالنَّصْر والظَّفَر عليهم (٢). * * * (٥) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾.

стр. 6828

قولُه تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: قيل: يرجِعُ إلى قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وليس عَجَبُهم لاستحالتِه، بل لِتَكذيبِهم للحقِّ عِنادًا، وهو الرَّسولُ. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾: قال مجاهد: أي: مُلْتَبِسٍ مُخْتَلِطٍ (١). وقال ابن عباس ﵄: أي: فاسدٍ (٢). وقال الضحاك: في لَبْسٍ وضلالٍ (٣). ومعنى الاختلاطِ: أنهم مَرَّةً قالوا: هو مجنونٌ، ومَرَّةً قالوا: هو ساحِرٌ، ومَرَّةً قالوا: هو كاهِنٌ، ومَرَّةً قالوا: هو شاعِرٌ، ومَرَّةً قالوا: هو كاذِبٌ، ومَرَّةً قالوا: هو مُفْتَرٍ.

стр. 6829

وقيل: هذا (١) يرجِعُ إلى إنكار البَعْثِ، وتقديرُه: ما أنكَروه لِجَهْلِهم فإنَّهم مُقِرُّون بقُدْرة اللَّهِ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِـ﴾ هذا الخبَرِ ﴿الْحَقِّ﴾ لَمَّا جاءهم، ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾: مُلْتَبِسٍ مِن حديث البَعْثِ، فمنهم مَن يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، ومنهم مَن يقول: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، ومنهم مَن يقول: ﴿مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]. وقيل: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾؛ أي: جوابٍ مُتَناقِضٍ، فإنهم يُقِرُّون (٢) بالقُدْرةِ على الإنشاء، ويُنْكِرون القُدْرةَ على الإعادة، وهو تناقُضٌ. * * * (٦ - ٧) - ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾: أي: أيُّ عُذْرٍ لهم في إنكار البَعْثِ؟! أمَا يَنْظُرون بأبصار قلوبِهم إلى أصناف ما خَلَقْتُه مِن السماء والأرض وما بينهما؟! فيتنبَّهوا بذلك على قُدْرَتي على إعادة الموتى؛ إذ قد رأوا بأبصار رؤوسِهم السماءَ كيف جعلناها (٣) كالبِناءِ المُظِلِّ فوقهم ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالكواكب والشمس والقمر ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾؛ أي: شُقوقٍ. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: أي: بَسَطْناها ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابتَ ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾؛ أي: مِن كلِّ نوعٍ حَسَنٍ مِن النبات.

стр. 6830

(٨ - ٩) - ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾. ﴿تَبْصِرَةً﴾: أي: تعريفًا لِمَن نظَرَ إليها وتدبَّرَ خَلْقَها أني أنا خالِقُها؛ إذ لا يتهَيَّأُ ذلك لأحدٍ مِن المخلوقين، ولا يُتَصَوَّرُ تكوُّنُها مِن غير تكوينِ مُكَوِّنٍ كوَّنَها لا يُشْبِهُها، قادرٍ عالمٍ واحد. ﴿وَذِكْرَى﴾: أي: تذكيرًا للعباد يتذكَّرون بها قُدْرتي ووحدانِيَّتي. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: أي: جعَلْتُ هذا التَّبْصيرَ والتَّذْكيرَ لكلِّ عبدٍ أقبلَ إليَّ بإرادتِه ونِيَّتِه، وعلَّقَ قلبَه بالتَّفَكُّر في أصناف خَليقَتي، فهو الذي أُوَفِّقُه لِلتَّذْكار والاستبصار. وقولُه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾: أي: مطرًا كثيرَ الخيرِ والبرَكةِ. ثم ذكَرَ بعضَ تلك البركاتِ، فقال: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾: أي: بساتينَ مُشْتَمِلَةً على الأنهار (١) والثِّمار. ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾: أي: الزَّرْعِ، واحدٌ بمعنى الجَمْع؛ لأنَّه جنسٌ، وأضاف الحَبَّ إلى الحَصيدِ لأنَّ الحَصيدَ هو المحصودُ، وهو السُّنْبُلُ، وهو الجوابُ الصَّحيحُ عن هذا السؤال أنَّه: لماذا أُضِيفَ إليه؟ وقال (٢) الفرَّاء: الحَبُّ هو الحَصيدُ، فأُضِيفَ إلى نفْسِه؛ كقولكَ: (حَقُّ اليقينِ)، و (مسجدُ الجامعِ)، و (صلاةُ الأولى) (٣).

стр. 6831

(١٠ - ١١) - ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾: أي: وأنبَتْنا النَّخْلَ، وهو (١) جَمْعُ نَخْلَةٍ. ﴿بَاسِقَاتٍ﴾: قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ: أي: طِوالًا (٢). وقيل: الباسِقُ: العالي بذهابه في (٣) جِهَة الارتفاع. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾: قال مجاهدٌ وقتادةُ: نُضِدَ بعضُه على بعضٍ (٤)، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ. وقيل: النَّضيدُ: المُتَرَاكِبُ، والطَّلْعُ: الكُفُرَّى (٥)، وهو نَضيدٌ ما دام في وعائه. وقيل: الطَّلْعُ: التَّمْرُ، وهو نضيدٌ؛ أي: مُتراكِبٌ في رؤوس النَّخْلِ، ليس كسائر الأشجار التي تتفرَّقُ ثمارُها.

стр. 6832

﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾: أي: أنبَتْنا هذه الأشياءَ عَطِيَّةً منا وقُوتًا دارًّا للعباد، ولم نخلُقْها لأنفسنا. ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾: أي: بالماء المبارك ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾؛ أي: أرضًا يابسةً قد ذهَبَ نباتُها. ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾: مِن قبوركم يومَ البَعْثِ بعد إذ كنتم أمواتًا. * * * (١٢ - ١٤) - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: أي: قبلَ هؤلاء المشركين ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾: نبيَّهم ﴿وَثَمُودُ﴾: صالحًا ﴿وَعَادٌ﴾: هودًا. ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾: موسى وهارونَ. ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾: أي: قومُ لوطٍ وأنسباؤُه (١) لوطًا. ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾: أي: الغَيْضَةِ شُعيبًا. ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾: رسولَهم. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: أي: كلُّ واحدٍ كذَّبَ رسولَه. وقيل: كلُّ واحدٍ كذَّبَ جميعَ الرُّسُل؛ لأنَّ تكذيبَ الواحدِ تكذيبُ الكلِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الرسل يدعو إلى تصديق الكُلِّ. ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾: أي: وجَبَ عليهم ما كنتُ توَعَّدتُهم به، وقد مَرَّ ذِكْرُ كلِّ قِصَّةٍ فيما تقدَّمَ.

стр. 6833

وأصحابُ الرَّسِّ ذكَرْناهم في سورة الفرقان. قال ابن عباس: كانوا أصحابَ آبارٍ (١). وقال الضحاك: كانوا بناحية أَذَرْبيجانَ (٢). وقال عكرمة: كان لهم نبيٌّ رَسُّوه في بئرٍ (٣). وقال مقاتل: الرَسُّ بئرٌ، قيل: أُلْقِيَ فيها حبيبٌ النَّجَّارُ صاحبُ ياسين (٤). وقال سعيدُ بنُ جُبير: هُم قتَلوا نبيَّهم، ورَسُّوه في بئر ببَطْنِ فَلَجٍ نحوَ اليمامة، واسمُ نبيِّهم حَنْظَلَةُ بنُ صفوان (٥). وقال عكرمة: كانوا قومًا مِن بُطون إسماعيل وأولادِه. وقال وَهْبٌ: كانوا أهلَ بئرِ قعودًا عليها وأصحابَ مَواشٍ، وكانوا يعبدون الأصنامَ، فوجَّهَ إليهم شعيبٌ النبيُّ ﵇ نبيًّا يَدْعوهم إلى الإسلام، فأتاهم وأقام عندهم بُرْهَةً يدعوهم فيَأْبَون، وهو يُلاطِفُهم إلى أنْ تمادَوا في أذاه، فحذَّرَهم

стр. 6834

عِقابَ اللَّهِ وبأسَه، فبينما هُم حولَ البئر في منازلهم انهارَتِ البئرُ، وانخسَفَتْ بهم، وانخسَفَتْ رِباعُهم ودُورُهم، وهلَكوا جميعًا (١). وأما تُبَّعٌ، فقد ذكَرْنا فيه الأقاويلَ والأحاديثَ في سورة الدُّخان. وقال الحسن: لم أسمَعْ مِن أصحاب رسول اللَّه ﷺ يذكُرون مِن تُبَّعٍ أكثرَ ممَّا ذكَرَه اللَّهُ تعالى في كتابه، وقد كذَّبَ قومُه رسولَهم. وقال وَهْبٌ ومحمدُ بنُ إسحاقَ والواقديُّ: هُم قومٌ مِن حِمْيَرَ، وكان تُبَّعٌ مُسْلِمًا، وسُمِّيَ تُبَّعًا لكثرة مَن تَبِعَه، وكان تُبَّعٌ أعجبَه غِلْمانٌ مِن فَدَك كانوا يختلفون إليه، فقالوا: قد أكرَمَنا هذا الرجلُ، وإنا نراه يعبُدُ نارًا لا تُغْني عنه شيئًا، أفلا نَدْعُوه إلى أمرِنا ونخبرُه أنَّ اللَّهَ بعَثَ رسولًا، يَعْنون به موسى، وأنزَلَ عليه التَّوراةَ فيها الحلالُ والحرامُ والأمرُ والنَّهْيُ؟! فقال بعضُهم: نخافُ أنْ يقتُلَنا، وقال أَصْغَرُهم: أنا أقولُ له ذلك، فإن قال شيئًا قلتم: هو أصغرُنا وأحدَثُنا سِنًّا، فلما خلا بهم ذكَرَ أمرَ موسى، فقال تُبَّعٌ للآخرين: ما يقول هذا الفتى؟ فقالوا: صدَقَ، فإنْ شئتَ عرَضْنا عليك أمرَنا، قال: فافعلوا، فعرَضوا عليه أمرَهم، فقَبِلَه وتابعَهم، ثم عرَضوا على حاشِيَتِه وخاصَّتِه فقَبِلوه، وفشا في الناس ذلك، وقالوا: إنَّ الملِكَ ترَكَ دِينَه، فصاروا إليه، فقالوا: بلَغَنا أنكَ ترَكْتَ دِينكَ، فإنْ كنتَ فعلتَ ذلك لم تكن بعد هذا علينا مَلِكًا، وإنْ لم تفعلْ ذلك فادفَعْ إلينا هؤلاء الغِلْمانَ، وكانت لهم نارٌ في أسفَلِ جبلٍ يُقال لها: نِدًّا، يتحاكمون إليها، فتَحْرِقُ الظالمَ، فتحاكَموا إليها، فجاء الفَدَكِيُّون بالتوراة، وجاء الحِمْيَرِيُّون بأصنامهم، فخرجَتْ نارٌ، فأحرقَتِ الحِمْيَرِيِّينَ، ولم تَحْرِقْ أحدًا مِن أصحاب التوراة، فهُم قومُ تُبَّعٍ (٢).

стр. 6835

وقال سعيدُ بنُ المُسَيِّب: سأل أبو مِجْلَزٍ لاحِقُ بنُ حُمَيدٍ ابنَ عباسٍ عن قومِ تُبَّعٍ، فقال سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ سَلامٍ، فقال: تُبَّعٌ كان رجلًا مِن العرب، وإنه ظهَرَ على الناس، وسبى فِتْيَةً مِن الأحبار، فتابعَهم، وإنَّ قومَه استنكَروا (١) ذلك، وقالوا: بَدَّلَ دِينَه، فقال للفِتْيَةِ: ما ترون؟ قالوا: بيننا وبينهم النَّارُ، فينجو الصادقُ، ويحترِقُ الكاذبُ، فعمَدوا إلى النار، فأمرَ تُبَّعٌ الفِتْيَةَ أنْ يدخُلوها، ففعَلوا ومصاحفُهم (٢) في أعناقهم، فلما أرادوا دُخولَها سفَعَتِ النارُ وجوهَهم فنكَصوا، فقال تُبَّعٌ: لَتَدْخُلُنَّ، فدخَلوها، فانفرَجَتْ عنهم حتى قطَعوها، ثم قال لقومه: ادخُلوها، فلما أرادوا دخولَها سفَعَتِ النارُ وجوهَهم، فنكَصوا، فقال تُبَّعٌ: لَتَدْخُلُنَّ، فدخَلوها، فانفرجَتْ عنهم، حتى إذا توسَّطوها أحاطَتْ بهم، فأحرَقَتْهم عن آخرهم، فأسلَمَ تُبَّعٌ عند ذلك (٣). * * * (١٥) - ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾: أي: أَفَعَجِزْنا عن الخَلْق الأول؟! استفهامٌ بمعنى النَّفْيِ. قال الحسن: الخَلْقُ الأولُ آدمُ (٤)، وقد كانوا يُقِرُّون به وأنهم مِن ولَدِه.

стр. 6836

وقيل: هو الإنشاءُ، وهو احتجاجٌ عليهم أنَّ مَن قَدِرَ على الإنشاء قَدِرَ على الإعادة. ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾: أي: ما عَيِينا، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾: أي: لبَّسَ الشيطان عليهم وموَّهَ، فأعرَضوا عن التَّدَبُّر؛ أي: لا يُنْكِرون البعثَ عن دليلٍ، بل عن تقليدٍ بجَهْلٍ. ﴿مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أي: البعثِ والتَّجديدِ بعد البِلى، وهو كما قالوا: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]. * * * (١٦) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾: الوسوسةُ: حديثُ النَّفْسِ في خفاءٍ، ومنها وسوسةُ الشيطانِ؛ أي: لا يخفى علينا ما يخطُرُ بباله. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: قال ابن عباس ومجاهد: هو عِرْقٌ في الحَلْقِ (١)، وهما الوَريدان في العُنُقِ عن يمينٍ وشمالٍ، ويَرِدُ إليهما ما يَنْصَبُّ مِن الرأس. وقيل: هو العِرْقُ الذي بين الحُلْقُوم والعِلْبَاوَينِ (٢). وقال الفراء: الحَبْلُ هو الوَريدُ، وأُضِيفَ إليه لاختلاف اللَّفْظَين (٣). وقال الأخفش: أُضِيفَ إليه كما أُضِيفَ إلى العاتِقِ. وقيل: الحَبْلُ: العِرْقُ، وهو اسمُ جنسٍ، وأُضِيفَ إلى نوعه كما يُقالُ: (عِرْقُ

стр. 6837

النَّسا)، ومعنى هذا الكلامِ: ونحن أقرَبُ إلى ضميرِه مِن هذا العِرْقِ إلى بدَنِه، ولا يُرادُ به قُرْبُ المكانِ جلَّ اللَّهُ تعالى عن ذلك، بل يُرادُ به أنه عالِمٌ به، لا يخفى عليه منه شيءٌ. * * * (١٧ - ١٨) - ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. قولُه تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾: قيل: أي: اذْكُرْ إذ يتلَقَّى. وقيل: أي: نَعْلَمُ منه ما يكونُ منه إذ يتلَقَّى الملَكانِ المُوَكَّلانِ به عمَلَه (١)، فيكتبان ذلك عليه؛ كمَن يُمْلِي على آخرَ شيئًا، فيَتَلَقَّاه المُمْلَى عليه فيكتُبُه. والتَّلَقِّي: هو الأَخْذُ والقَبولُ، قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: أي: أحدُ الملَكين قَعيدٌ له عن يمينه، والآخَرُ عن شماله، كأنَّهما جَليسان قاعدان في مَجْلِسٍ واحدٍ، والإفرادُ لهذا التَّقْدير. ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾: أي: ما يَتكَلَّمُ، وأصلُه: الرَّمْيُ. ﴿إِلَّا لَدَيْهِ﴾: أي: عنده، ويجوز أنْ يكون كِنايةً عن الإنسان، ويجوز أنْ يكونَ كِنايةً عما يَلْفِظُ. ﴿رَقِيبٌ﴾: أي: حافِظٌ، وهو الملَكُ الكاتِبُ ﴿عَتِيدٌ﴾؛ أي: مُعَدٌّ. وقال الزَّجَّاجُ: أي: ثابتٌ لازمٌ (٢). وهذه الآيةُ في كتابة الأقوال، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وهذا في كتابة الأفعال.

стр. 6838

وهذه حالةُ الحَياة، ثم ذكَرَ حالةَ الموت، فقال: * * * (١٩ - ٢٠) - ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾. ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾: أي: تجيءُ شِدَّةُ الموتِ التي تَغْلِبُ على فَهْمِ الإنسان حتى تغمُرَه كَسَكْرَةِ الشَّراب. ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بأمر اللَّه الذي هو حَقٌّ. وقيل: أي: تأتي بالموت الذي هو كائنٌ. وقيل: أي: ببيان (١) ما يَصيرُ إليه مِن جنة أو نار، فإنه يظهَرُ له ذلك عند الموت. ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾: أي: ويُقالُ له: هذا الذي كنتَ تَنْفِرُ منه وتكرَه لقاءَه. والحَيْدُ: المَيْلُ والرَّوَغانُ. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: أي: يُنْفَخُ فيه نَفْخَةُ البَعْثِ، ويُبْعَثُ الإنسانُ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾: أي: ذلك اليومُ الذي أُوعِدُ به الناسَ لِيَرْغَبوا في الطاعات، ويَجْتَنِبوا السَّيِّئاتِ (٢). * * * (٢١) - ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾: أي: تجيءُ كلُّ نفْسٍ يومئذٍ. ﴿مَعَهَا سَائِقٌ﴾: يَسوقُها إلى مَوْقِفِ الحساب. ﴿وَشَهِيدٌ﴾: يَشْهَدُ عليها بما عَمِلَتْ مِن خيرٍ أو شرٍّ.

стр. 6839

فلا مَهْرَبَ مِن ذلك الأمرِ ومعه السَّائِقُ، ولا جُحودَ ومعه الشَّاهِدُ، واختُلِفَ فيهما: فقيل: السَّائِقُ ملَكٌ، والشَّاهِدُ كذلك. وقيل: السَّائِقُ إلى الجنة وإلى النار؛ كما قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الزمر: ٧١]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر: ٧٣]. وقال القُتَبِيُّ: السَّائِقُ: قرينُه مِن الشياطين، والشَّهيدُ: الملَكُ (١). وقيل: الشَّهيدُ: كاتِبُ عمَلِه. وقيل: هو الرَّسولُ، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. وقيل: أعضاءُ الإنسانِ. وقيل: اللَّيلُ والنَّهارُ. وقيل: البِقاعُ التي عَمِلَ فيها الإنسانُ. وقال الضَّحَّاكُ: السَّائِقُ: كاتبُ السَّيِّئاتِ، والشَّهيدُ: كاتِبُ الحسَناتِ (٢). وقال أبو هريرة: السَّائِقُ: الملَكُ، والشَّهيدُ: العمَلُ (٣). وقال القُرَظِيُّ: السَّائِقُ والشَّهيدُ: الملَكان المُتَلَقِّيان.

стр. 6840

(٢٢) - ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: أي: يُقالُ له: ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ في الدنيا، ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: لا تتفكَّرُ فيه. ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: أَوْضَحْنا لكَ ما كان مَخْفِيًّا عنكَ. ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾: أي: فعِلْمُكَ اليومَ ثاقبٌ نافذٌ، وهو مَجازٌ واستعارةٌ. وقال الكلبي: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾: يعني: الحياةَ بعد الموتِ (١). وقال مجاهد: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾؛ أي (٢): نظَرُكَ إلى لسانِ ميزانِكَ حتى تَرى حسناتِكَ وسيِّئاتِكَ (٣). وقال السُّدِّيُّ: الآيةُ في الكافر (٤). وقيل: أي: في كُلِّ بَرٍّ وفاجِر. * * * (٢٣ - ٢٤) - ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾: أي: قرينُ هذا الإنسانِ، وهو الملَكُ الكاتِبُ عمَلَه. ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾: أي: الذي كتبتُه عليه عندي مُعَدٌّ، فإنْ كانت الآيةُ في الكافر على ما قال بعضُهم، فالقَرينُ هو كاتِبُ السَّيِّئاتِ، وليس له كاتِبُ الحسَناتِ، فلذلك وُحِّدَ.

стр. 6841

وقولُه تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾: أي: ويُقالُ للزَّبانِيَةِ: أَلْقُوا، والتَّثْنِيَةُ على عُرْفِ العرب، فإنَّ أكثرَ مُخاطباتِهم بالنداء والأمرُ على التَّثْنِيَةِ؛ لأنَّ أعدَلَ الرِّفْقَةِ ثلاثةٌ، فيُخاطِبُ أحدُهم صاحِبَيْهِ بذلك، وصار الأكثرُ على هذا الأغلَبِ، ولذلك قال امرؤ القيس: قِفَا نَبْكِ مِن ذكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ (١) وقال المُبَرِّدُ: هذا خِطابُ الشَّاهدِ للسائقِ (٢)، والتَّثْنِيَةُ بمعنى التكرير بمعنى: أَلْقِ ألقِ، ونُقِلَ إلى التَّثْنِيَةِ (٣)، وعلى هذا قال الشاعرُ: فقلتُ لصاحبي لا تَحْبِسانا (٤) قولُه تعالى: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾: مُبالغَةٌ للكافر، ﴿عَنِيدٍ﴾: أي: عادلٍ عن الصواب.

стр. 6842

وقيل: ذاهِبٍ عن الحقِّ. وقيل: جاحِدٍ مع (١) المعرفة. * * * (٢٥ - ٢٧) - ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾: بخيلٍ بالمال، وقيل: بما ينفَعُ النَّاسَ. ﴿مُعْتَدٍ﴾: مُجاوزٍ حُدودَ الشَّرْعِ (٢). ﴿مُرِيبٍ﴾: صاحبِ رِيبَةٍ، وهي التُّهمَةُ. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: أي: أشرَكَ به غيرَه. ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾: عذابِ النَّارِ. ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾: هو الشَّيطانُ الذي قُرِنَ به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. أي: يُلْقَى الكافرُ في النار مع قَرينِه، فيَلْعَنُ (٣) قرينَه، ويقول: هو أَضَلَّني، فيقول: ما أطغيتُه أنا. ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾: طغى باختياره، وضلَّ ضلالًا بعيدًا عن الحق بإرادتِه. * * *

стр. 6843

(٢٨ - ٣٠) - ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾: يقول اللَّهُ تعالى للكفار وقُرنائِهم مِن الشياطين: لا تَخْتَصِموا عندي ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ﴾: الكتابَ والرَّسولَ ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ بهذا. ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾: أي: لا يُغَيِّرُ قولُ السَّائِقِ أني أُخَلِّدُ الكافرَ في النار. ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: لا أُعَذِّبُ عبدًا بغير ذَنْبٍ. قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: أي: نَمْلَؤُها مِن الجِنَّةِ والناسِ أجمعين كما كنا وعدنا (١)، ثم نقول لها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: فإني أَحْتَمِلُه، وهذا على طلَبِ المزيدِ؛ إظهارًا للتَّغَيُّظِ على الكفار. وقيل: أي: لا مَوْضِعَ للزِّيادة فِيَّ، وهو كقول النبي ﷺ : "وهل تركَ لنا عقيلٌ مِن دار" (٢)؛ أي: وما ترك، وكقول الشاعر: ألا هل أخو عَيْشٍ لذيذٍ بدائمٍ (٣)

стр. 6844

وقيل: هو طلَبُ الزِّيادةِ في سَعَتِها. وقيل: مَن حَمَلَ على طلَبِ الزِّيادة فعند دُخولِ البعض، ومَن حَمَلَ على نَفْيِ احتمالِ الزِّيادة فعند (١) دُخولِ الكل. وقيل: هذا الخِطابُ لِجَهَنَّمَ، وجوابُها على الحقيقة، ويُنْطِقُها اللَّهُ تعالى بذلك كما يُنْطِقُ الجوارح. وقيل: هذا الخِطابُ لِخَزَنةِ جهنَّمَ، والجوابُ منهم، وهو على الإضمار، وتقديرُه: يومَ نقولُ لخَزَنَةِ جهنَّمَ. وقيل: هو على التَّمْثيلِ؛ أي: تصيرُ بحيث لو قيل لها ذلك وهي ناطِقَةٌ لَقالَتْ ذلك، وهو كقول الشاعر: امتلَأَ الحَوْضُ وقال: قَطْني... مَهْلًا رُوَيْدًا قد ملأْتَ بَطْني (٢) وقرأ نافعٌ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ: ﴿يومَ يقولُ﴾ بالياء؛ أي: يقولُ اللَّهُ تعالى، والباقون بالنُّون (٣)؛ أي: نقول نحن، وهو خبَرٌ مِن اللَّه تعالى عن نفْسِه بخِطاب الملوك جَمْعًا.

стр. 6845

(٣١ - ٣٢) - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. وهذه الآياتُ في الكفار، ثم قال في المؤمنين: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: قُرِّبَتْ ورأَوْها مِن قُرْبٍ إذا فرغوا مِن الحساب. والمُتَّقون: الذين اتَّقوا الشركَ والمعاصي. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: أي: دخوُلهم فيها، وهو نَصْبٌ على الحال. والإِزْلَافُ: تَقْريبُ الرُّؤْيةِ، و ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: تقريبُ الدُّخول. وقيل: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ عن العاصين. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾: رَجَّاعٍ إلى اللَّه بالطَّاعات. ﴿حَفِيظٍ﴾: حافظٍ للحُدود والعُهود، مُحافِظٍ على الخيرات، ذاكرٍ لِمَا سلَفَ مِن السَّيِّئاتِ لِيَسْتَغْفِرَ منها. وقيل: حافظٍ لِحَواسِّه وأنفاسِه. * * * (٣٣ - ٣٤) - ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾: أي: في دار الغَيْبِ. وقيل: في الغَيْبَةِ عن شُهودِ الخَلْقِ. وقيل: بالقلب. وقال الضَّحَّاك: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: حين لا يَراهُ أحَدٌ. وقال السُّدِّيُّ: في الخَلْوة. وقال الحسن: إذا أُرْخِيَ السِّتْرُ، وأُغْلِقُ البابُ (١).

стр. 6846

﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾: أي: مُقْبِلٍ على اللَّه بطاعته، راجعٍ إليه بعَمَلِه وأَمَلِه. ﴿ادْخُلُوهَا﴾: أي: ويُقالُ لهم، وجُمِعَ لأنَّ (مَن) كلمةُ جنسٍ. ﴿بِسَلَامٍ﴾: أي: بسلامةٍ مِن كلِّ مكروهٍ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾: لأهل الجنة في الجنة، ولأهل النار في النار. * * * (٣٥) - ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾: أي: في الجنة. وقال الإمام القشيري: يُقال لهم: قد قُلْتُم في الدنيا: ما شاءَ اللَّهُ كان، فاليومَ ما شئتُم كان، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] (١). ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: قال عِكْرمةُ: أي: على ما يشاؤون مِمَّا لم يَخْطُرْ ببالِهم (٢). وقال الرَّقَاشِيُّ: ما يسُرُّني بحَظِّي مِن المزيدِ الدنيا وما فيها. وقال ابن عباس ﵄: وذلك حين يجتمعون إلى ربِّهم كلَّ يومِ جمعةٍ في أرضٍ كُثْبانُها المِسْكُ، فلا يسألونه شيئًا إلَّا أعطاه إياهم، ثم يرجعون إلى منازلِهم، فتأتيهم الملائكةُ مِن كلِّ بابٍ معهم الأطعمةُ والأشربةُ والكِسْوةُ، فيقولون: سلام عليكم، هذه هَدِيَّةٌ مِن ربكم، ولكم في كلِّ جمعةٍ مِثْلُ هذا، وهو المزيدُ مِن اللَّه تعالى.

стр. 6847

وقال محمدُ بنُ كعبٍ في قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: يعني: لأهل الجنة، إنَّ أدنى أهلِ الجنة مَنْزِلَةً لو نزَلَ به أهلُ الجنة لَوَسِعَهم (١). وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ: يُزادُون كلَّ ساعةٍ نعيمًا وسرورًا؛ كما يُزادُ لأهل النارِ العذابُ، قال تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾. وقال جابرُ بنُ عبد اللَّه: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: يتجلَّى لهم ربُّهم بلا كَيْفٍ (٢). وعن معاذِ بنِ جبلٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ الرجلَ مِن أهل الجنَّةِ لَيُنَعَّمُ في تُكَأَةٍ واحدةٍ سبعين عامًا، فتُناديه أبهى منها وأجملُ مِن غُرْفةٍ أخرى، تقول: ما ينالُنا منكَ دَوْلَةٌ بعدُ؟ قال: فيَلْتَفِتُ إليها، فيقول: مَن أنتِ؟ فتقول: أنا مِن التي قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، فيتحوَّلُ إليها، فيَتَنَعَّمُ معها سبعين عامًا في تُكَأَةٍ واحدةٍ" (٣). * * * (٣٦) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾: عاد القَوْلُ إلى تَذْكِيرهم ووَعْظِهم.

стр. 6848

يقول: كثيرًا ما أهلَكْنا قَبْلَ هؤلاء المشركين مِن أُمَّةٍ مِن الأُمَم السَّالِفة ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾: أي: تَجَبُّرًا وسَطْوَةً على الناس؛ كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ لُوطٍ. ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾: قال مجاهد: ضرَبوا في البلاد (١). وقيل: طافُوا فيها وساروا في أقاصيها لِلتِّجارات وغيرِها، وقال امرؤُ القيسِ: لقد نقَّبْتُ في الآفاق حتى... رَضِيتُ مِن الغَنِيمة بالإيابِ (٢) ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: قال الفراء: أي: هل كان لهم مَحيصٌ (٣)؛ أي: مَهْرَبٌ عن الهلاك؛ أي: لم يكنْ. وقيل: ﴿فَنَقَّبُوا﴾: أي: طافَ هؤلاء المشركون ﴿فِي الْبِلَادِ﴾؛ أي: بلادِ أولئكَ (٤)، وشاهَدوا آثارَ أولئكَ، ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: هل لهؤلاءِ مِن مَحيصٍ عمَّا حَلَّ بأولئكَ. * * * (٣٧) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾: أي: فيما ذُكِرَ في هذه السُّورة مِن البَعْثِ وأحوالِ يومِ (٥) القيامة وإِهْلاكِ القُرونِ لِعِظَة.

стр. 6849

﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾: قال الفراء وجماعةٌ: أي: عَقْلٌ (١). وقيل: أي: قَلْبٌ مُتَدَبِّرٌ. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: أي: استمَعَ لِكتابِ اللَّه ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾: حاضِرُ القلبِ فيَفْهَمُ، أشارَ إلى أنَّ التَّنْبِيهَ يقعُ بالعَقْل والسَّمْع. وقال قتادة: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾: مِن هذه الأُمَّة، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾: رجلٌ مِن أهل الكتاب سَمِعَ القرآنَ، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾: فصَدَّقه لِمَا في كتابه مِن بَيانه (٢). * * * (٣٨) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: أي: أَهْلَكْنا القرونَ بذُنوبهم، ولم نُعاجِلْ إِهْلاكَ هؤلاء مع استحقاقهم؛ لِحِكْمَةٍ، كما خلَقْنا السماواتِ والأرضَ وما بينهما في ستَّةِ أيَّامٍ، ولم نُعاجِلْ خَلْقَها مع القُدْرة على ذلك لِحِكْمَةٍ، وقد بيَّنَّا ذلك في سورة الأعراف و (حم) (٣) الدُّخان. ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾: أي: إِعياءٍ، والفعلُ مِن باب (دخَلَ). قال سعيدُ بنُ جُبير: ﴿مِنْ لُغُوبٍ﴾: أي: كَلالٍ (٤).

стр. 6850

وقال الثَّوْريُّ: مِن سَآمَةٍ (١). وقال يَمانُ بنُ رِئابٍ: مِن تعَبٍ (٢). وقال مجاهد: مِن نَصَبٍ (٣). وقال ابن عباس ﵄: إنَّ اليهودَ أتَتِ النَّبيَّ ﷺ ، فسألَتْه عن خَلْق السماوات والأرض، فقال: "خلَقَ اللَّهُ الأرضَ يومَ الأحدِ والإثنين، وخلَقَ الجبالَ وما فيها مِن المَنافع يومَ الثُّلاثاءِ، وخلَقَ الشَّجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخرابَ يومَ الأربعاء، وخلَقَ السَّماءَ يومَ الخميس، وخلَقَ الشمسَ والقمرَ والنُّجومَ والملائكةَ يومَ الجمعة"، فقالت اليهودُ: ثُمَّ ماذا يا محمدُ؟ قال: "ثم استوى على العرش"، قالوا: قد أصَبْتَ، لو أَتْمَمْتَ، قال: "وما هو؟ " قالوا: ثم استراحَ يوم السَّبْتِ، فغَضِبَ النبيُّ ﷺ غضَبًا شديدًا، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٤). * * * (٣٩ - ٤٠) - ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾.

стр. 6851

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: مِن الشِّرْكِ والتَّشْبيهِ والتَّكْذيبِ. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: أي: وصَلِّ شُكْرًا للَّه، وقيل: بأمرِ ربِّكَ. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: صلاةِ الفجرِ. ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾: أي: غُروبِها: صلاةِ الظُّهر وصلاةِ العَصْرِ. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: صلاةِ المغربِ والعشاءِ. ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: قرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وحمزةُ بكسر الألف، وهو الانقضاءُ، وقرأ الباقون بفَتْحِها (١)، وهي جَمْعُ (الدُّبُر)، وهو عَقِيبُ الشَّيءِ. وقال ابن عباس ﵄ موقوفًا عليه ومرفوعًا: هو الرَّكعتان بعد المغرب، أكَّدَ اللَّهُ النَّدْبَ إليهما، وهو قولُ عمرَ وعليٍّ والحسنِ بنِ عليٍّ وأبي هريرةَ وعِدَّةٍ مِن التابعين ﵃ (٢). والسُّجودُ: هو الصَّلاةُ، سُمِّيَتْ به لأنَّه فيها؛ كما تُسَمَّى تَسْبيحًا لذلك. وقيل: هو التَّنَفُّلُ بعد كلِّ فرضٍ ورَدَ فيه نَفْلٌ. وقيل: هو نَفْسُ التَّسْبيحِ بعد الصلوات، يقول: رَوِّحْ قلبَكَ إذا آذَوْكَ بالصلاة للَّه ومُناجاتِه. * * *

стр. 6852

(٤١) - ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾: أي: واستَمِعْ يا محمدُ صَيْحَةَ يومِ القيامة، فإنها قريبةٌ تأتيهم غيرَ مُبْطِئَةٍ. ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: قال ابن عباس ﵄: هي النَّفْخَةُ الأخيرةُ، يقومُ إسرافيلُ على صَخْرَةِ بيتِ المَقْدِسِ -وهي أقرَبُ الأرض إلى السماء باثني عشر مِيلًا، وهو المكانُ القريبُ- يُنادي: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ، واللُّحومُ المُتَمَزِّقَةُ، والأوصالُ البالِيَةُ، والعُروقُ المُنْبَتَّةُ، قوموا إلى مُحاسبةِ ربِّ العزة، فيخرُجون، فينتشِرون على وجه الأرض (١). وقال عكرمة: ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: كأنه مِن تحت أقدامِهم (٢). وقال الضَّحَّاك: يُسْمِعُ البعيدَ كما يُسْمِعُ القَريبَ (٣). وقيل: ﴿مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: عندكم في الدنيا. ثم الاستماعُ لا يقَعُ على اليوم، وإنما يقَعُ في اليوم، وأما ما يقع عليه: فقيل: هو نِداءُ المُنادي، وهو مُضْمَرٌ. وقيل: هو الصَّيْحَةُ. وقيل: هو دُعاءُ الكافرين بالوَيلِ والثُّبورِ.

стр. 6853

(٤٢ - ٤٥) - ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾: قال الضَّحَّاكُ: صيحةَ إسرافيلَ صلواتُ اللَّهِ عليه (١). ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بأمر اللَّه الذي هو حَقٌّ. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾: أي: مِن القُبور. ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾: أي: مَصِيرُهم. ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾: أي: تَصَدَّعُ عنهم فيَخرجون ﴿سِرَاعًا﴾: إلى دَعْوَةِ المُنادي. ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾: أي: هَيِّنٌ. قولُه تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾: أي: بقولِ هؤلاء المشركين مِن تَكْذِيبِكَ، والافتراءِ على ربِّكَ، وإنكارِ البَعْثِ. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾: أي: بِمُسَلَّطٍ تُجْبِرُهم على الإسلام، إنما عليك الدَّعْوَةُ. قال الحسن: وما أنتَ عليهم برَبٍّ تُجازيهم على أعمالهم (٢). وقيل: بفَظٍّ غليظٍ، فأعرِضْ عنهم، ولا تَنْتَقِمْ منهم إلى أنْ تُؤْمَرَ بقتالهم. ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾: خَصَّ الخائفَ به لأنه هو المُنْتَفِعُ به. واللَّهُ المُوَفِّقُ

стр. 6854

سورة الذاريات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باسمِ اللَّه الذي مدَحَ المُتَّقين بقِلَّةِ الهُجوع، الرَّحمنِ الذي أهلَكَ العاتين مع كثرة الجُموع، الرَّحيمِ الذي أمَرَنا بالفِرار إليه والرُّجوع. وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأَ سورةَ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ أُعْطِيَ عشرَ حسناتٍ بعدد كلِّ رِيحٍ هبَّتْ وجرَتْ في الدنيا" (١). وهذه السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، وهي ستُّون آيةً، وكلماتُها ثلاثُ مئةٍ وستون كلمةً، وألفٌ وخمسُ مئةٍ وعشرون حرفًا. وانتظامُ خَتْمِ تلك السُّورر بافتتاح هذه السُّورةِ: أنَّه خَتَمَ تلك السُّورةَ بالوَعيد، وافتتَحَ هذه السُّورةَ بالقسَمِ على صِدْقِ ذلك الوعيد. وانتظامُ السُّورتين: أنهما في ذِكْرِ المؤمنين والكافرين الأوَّلين والآخِرين، ووَعْدِهم ووَعيدِهم في الدُّنيا ويومِ الدِّين. * * * (١ - ٥) - ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾.

стр. 6855

قولُه تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾: قال ابن عباس ﵄: أقسمَ بالرِّياح التي تَذْرُو بالأشياء التي تَسْعى بها. ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾: أقسَمَ بالسَّحابِ الثِّقالِ (١) المُوقَرَةِ بالماء. ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾: أقسَمَ بالسُّفنِ جَرَتْ بالسَّيْر على الماء. ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾: قال: أربعةٌ مِن الملائكة: جِبْرِيلُ، وميكائيلُ، وإِسْرافيلُ، وعِزْرائِيلُ، صلواتُ اللَّهِ عليهم، لكلِّ واحدٍ منهم أمرٌ مَقْسومٌ، وهُم المُدَبِّراتُ أَمْرًا، أقسَمَ اللَّه بهؤلاء الأشياءِ. ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾: مِن قِيامِ السَّاعةِ ﴿لَصَادِقٌ﴾ (٢). وعن أبي الطُّفَيل قال: شَهِدتُّ عَلِيًّا ﵁ وهو يخطُبُ ويقولُ: سَلوني عن كتاب اللَّه تعالى، فوَاللَّهِ ما مِن آيةٍ إلا وأنا أعلمُ بليلٍ أُنْزِلَتْ أمْ بنهارٍ، فسألَه ابنُ الكَوَّاءِ، فقال: ما الذَّارياتُ ذَرْوًا؟ قال: الرِّياحُ، قال: وما الحامِلاتُ وِقْرًا؟ قال: السَّحابُ، قال: وما الجارياتُ يُسْرًا؟ قال: السُّفُنُ، قال: وما المُقَسِّماتُ أَمْرًا؟ قال: الملائكةُ (٣).

стр. 6856

وكذا قال مجاهدٌ وجماعةٌ (١). وقالوا: الغرَضُ بالقسَمِ تأكيدُ المَحْلُوفِ عليه، وتعظيمُ المَحْلُوف به، وذِكْرُ هذه الأشياءِ تَذْكِيرٌ مِن اللَّه تعالى بأنها نِعَمٌ عظيمةٌ. وقال جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: أضمَرَ في هذه الأشياءِ اسمَ اللَّهِ تعالى، وتقديرُها: وَرَبِّ الذَّاريات ذَرْوًا. .، إلى آخرها (٢)، وهو قسَمٌ بنفْسِه، وتعظيمٌ بحالِ ما أَقْسَمَ عليه. وقيل: هذه الأشياءُ كلُّها الرِّياحُ، والعَطْفُ بالفاء دليلُ الاتِّحادِ وتعاقُبِ هذه الصفات على ذاتٍ واحد، فتَذْروا، وتَحْمِلُ السَّحابَ المُوقَرَةَ بالماء، وتَجْري بتيسير اللَّه تعالى لها، وتعُمُّ وتُقسِّمُ (٣) الأمطارَ في الأقطار على ما جرَتْ به الأقدارُ. وقيل: بل هي أربعةُ أشياءَ، والعطفُ بالفاء دليلُ الاتِّصالِ، فالرِّياحُ تَذْرو ذَرْوًا، وتُنْشِئُ السَّحابَ الحاملاتِ وِقْرًا، وتُسَيِّرُ السُّفُنَ الجارياتِ يُسْرًا، والملائكةُ تعمَلُ فيها إذا أمرَها اللَّهُ تعالى بذلك أَمْرًا. وقيل: الفاءُ لاتِّصالِ الكُلِّ بعضِه ببعضٍ لِتحقيقِ ما أقسَمَ اللَّهُ تعالى عليه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾: أي: مَصْدُوقٌ فيه؛ كما يُقال: (ليلٌ نائمٌ). وقيل: أي: ذو صِدْقٍ؛ كقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧]. * * *

стр. 6857

(٦ - ٨) - ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾. ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾: أي: الجزاءَ. وقيل: الحسابَ. وقيل: القضاءَ. ﴿لَوَاقِعٌ﴾: أي: لَكائِنٌ. ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: أي: الطَّرائقِ، جَمْعُ حَبِيكةٍ وحِباكٍ. وقال الكلبيُّ والضَّحَّاكُ ومُقاتلٌ: ذاتِ الإتقان والإِحكام (١). وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ وعكرمةُ: ذاتِ الخَلْقِ الحسَنٍ (٢). وقيل: ذاتِ الاستواءِ والارتفاعِ. واللُّغَةُ أتَتْ بذلك كُلِّه، والسَّماءُ تُوصَفُ بذلك كلِّه، يُقال للطَّرائقِ في الماء بهُبوب الرِّيحِ ولِطَرائقِ الرَّمْلِ بذلك: (حبك)، وكذلك الشُّعورُ بالتجعيد يظهرُ فيها: (حبك)، وحبَكَه بالسيفِ: إذا قطَعَه فصار في لَحْمِه طرائقُ، وفرَسٌ مَحْبُوكُ المَتَنِ (٣)، مَحْبوكُ الكَفَلِ: إذا كان في ذلك استواءٌ وارتفاعٌ، وحَبَكَ الثَّوْبَ مِن حدِّ (ضَرَبَ)؛ أي: أجادَ نَسْجَه، واحتبَكَ؛ أي: شَدَّ الإِزارَ وأَوْثَقَه، والسَّماءُ شديدةُ الخَلْقِ، وثيقةٌ مُزَيَّنَةٌ بالكواكب، ذاتُ طرائقَ، أقسَمَ بها على قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾: أي: إنكم مَعاشِرَ المسلمين والكافرين بين مُصَدِّقٍ بالقرآن ومُكَذِّبٍ به.

стр. 6858

(٩) - ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾: أي: يُصْرَفُ عن الإيمان به (١) مَن صُرِفَ عن كلِّ خيرٍ وسعادةٍ. وقيل -وهو قولُ الحسينِ بنِ الفَضْل-: يُصْرَفُ عن الإيمان به الآنَ مَن صُرِفَ عنه في سابقِ الحُكْمِ (٢). وقيل: ﴿إِنَّكُمْ﴾: مَعاشِرَ الكفارِ في القرآن، ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾: مَرَّةً تقولون: هو سِحْرٌ، ومَرَّةً تقولون: هو شِعْرٌ، ومَرَّةً: هو كَهانةٌ، ومَرَّةً: هو أساطيرُ الأوَّلين، وهو معلومُ المُراد وإنْ لم يَسْبِقْ ذِكْرُه. وقيل: ليس هو في القرآن خاصَّةً، بل كلُّ قولٍ لهم فإنه باطلٌ مُتناقِضٌ؛ كقول اليهود بالتَّشْبِيه، وقولِ النصارى بالصَّاحِبَة والولد، وقولِ المشركين بالأنداد، مع إقرارهم بأنَّ اللَّهَ هو الخالقُ والرَّازقُ بالانفراد، ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾: أي: يُصْرَفُ عن التوحيد مَن صُرِفَ. وقيل: القولُ المختلِفُ في البعث، فمنهم مَن يُنْكِرُه، ومنهم مَن يَشُكُّ فيه، ومنهم مَن يُثْبِتُه ويَدَّعِي لنفْسِه فيه كلَّ خيرٍ. وقيل: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ في البعث حيثما أقرَرْتُم بالقُدْرة على الإبداء، ثم أنكَرْتم الإعادةَ. * * * (١٠ - ١٢) - ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾.

стр. 6859

وقولُه تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾: قيل: أي: لُعِنَ الكذَّابون؛ لأنَّ المَقْتولَ تفوتُه الحياةُ وكلُّ نِعْمَةٍ، وكذا الملعون (١) تفوتُه كلُّ سعادةٍ وكرامةٍ. وقيل: هو أَمْرٌ مِن اللَّه تعالى بالدعاء على الكذَّابين على اللَّه وعلى رسُلِه (٢) بأن يقتُلَهم اللَّهُ ويُهْلِكَهم بأيدي المؤمنين، أو بعذابٍ مِن عنده. وقال الحسن: ﴿الْخَرَّاصُونَ﴾: الكَذَّابون (٣). وقال مُجاهدٌ وغيرُه: القائلون بالظَّنِّ (٤)، وهو ما ذَكَرْنا مِن قولِهم في القرآن، وقولِهم في البعث بعد الموت. وأصلُ الخَرْصِ: الحَزْرُ في النَّخْلِ والكَرْمِ والعَدَدِ والكَيْلِ. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾: أي: في غَمْرَةِ الجَهْلِ وهو غلَبَتُه، غافلون عن الحقِّ، مُتَمادُونَ في الباطل. ﴿يَسْأَلُونَ﴾: أي: النَّبيَّ ﷺ والمؤمنين. ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾: أي: متى هذا اليومُ الذي حلَفَ ربُّكم بالذَّارِياتِ وغيرِها أنه واقعٌ يُدانُ فيه العبادُ بأعمالهم؛ أي: يُجازَون ويُحاسَبون بها، يقولون ذلك تَعَنُّتًا واستهزاءً. * * * (١٣ - ١٦) - ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾.

стр. 6860

قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾: أي: يومُ الدِّين هو اليومُ الذي فيه بالنار يُعَذَّبون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠]؛ أي: عذَّبوهم. وقيل: ﴿يُفْتَنُونَ﴾: أي: يُحْرَقون، وقد فَتَنْتُ الذَّهَبَ والفِضَّةَ بالنار؛ أي: أَذَبْتُهما بها. ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾: أي: يُقال لهم: ذوقوا عذابَكم ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾: أي: هذا العذابُ الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا؛ أي: تسألون تَعْجِيلَه استهزاءً. ثم ذكَرَ حالَ مَن يُخالِفُه، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: الذين يَتَّقون الشركَ والمعاصِيَ. ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾: أي: بساتين. ﴿وَعُيُونٍ﴾: جاريةٍ فيها. ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾: أي: واصلين إلى ما أعطاهم ربُّهم؛ أي: وعَدَهم ذلك في الدنيا، وأَوْصَلَه إليهم في العُقْبى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾: أي: قبلَ يومِ الدِّين. ﴿مُحْسِنِينَ﴾: في الدنيا، مُطِيعين يُحْسِنون الأعمالَ، ويُحْسِنون بذلك إلى أنفسهم. * * * (١٧ - ١٩) - ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾: أي: يَنامون، و (ما) مع الفعل مَصْدَرٌ، وتقديرُه: قليلًا هُجوعُهم. ووجهٌ آخرُ: كانوا يَهْجَعون قليلًا مِن الليل، و (ما) صِلَةٌ.

стр. 6861

﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: أي: لِتَقْصِيرهم في قيام اللَّيل مع جُهْدِهم في إحسانهم. ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾: وهو صِفَةُ المُتَّقين أيضًا، ومنهم مَن حَمَلَ هذا الحقَّ على الزكاة. وقيل: السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، والزكاةُ فُرِضَتْ بالمدينة، فهي على الصَّدَقةِ النَّفْلِ، ويدلُّ عليه أوَّلُ الآيةِ، فإنها في مدح المتقين بإحياء الليل بنوافل العبادات، وكان هذا مدحًا لهم بإمضاءِ (١) النهار بنوافل الصَّدَقات، ومعنى (٢): ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾: أي: جعَلوا على أنفسهم ذلك حقًا لازمًا يَقْسِمونه (٣) لا محالةَ للسائل والمحروم. وقال الشَّعْبيُّ: لقد سألتُ عن المحروم منذ سبعين سنةً، فما أنا اليومَ بأعلمَ به مني مِن يومئذٍ (٤). وعن الحسن بنِ محمد بنِ عليٍّ: أنَّ النبيَّ ﷺ بعَثَ سَرِيَّةً، فغَنِموا، فجاء قومٌ لم يَشْهَدوا الغَنيمةَ، فنزلت: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥). وقيل: هو الذي ذهَبَ مالُه بسَيْلٍ أو جائحةٍ، فلم يبقَ له شيءٌ؛ كما قال اللَّه تعالى في قصة أصحاب الجنة: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، وقال في الواقعة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.

стр. 6862

وقيل: هو الذي لا سَهْمَ له في الفَيْءِ فيستغنيَ به، وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ ومُجاهدٍ والرَّبيعِ بنِ أنسٍ (١). وقيل: هو الذي لا يَنْمِي له مالٌ، فكلما أصابَ شيئًا ذهبَ منه، قالَه الزَّجَّاجُ (٢). وقيل: هو المُحارَفُ الذي انحرَفَ عنه الرِّزقُ. والأشبَهُ: أنَّ السائلَ هو الذي يَتَعَرَّضُ فيَسأَل، والمحرومَ هو الذي يَتعفَّفُ فلا يَسأَلُ، ولا يُعْلَمُ حالُه، والغالِبُ في حَقِّه الحِرْمانُ. * * * (٢٠ - ٢١) - ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾: أي: علاماتٌ دالَّةٌ على قُدْرَةِ اللَّه تعالى ووَحْدَانِيَّتِه، وخَصَّ المُوقنين لأنَّ الانتفاعَ لهم. ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: آياتٌ أيضًا على ما مرَّ شَرْحُه في آخر سورة ﴿حم﴾ السجدة. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: أي: كلَّ هذه الآياتِ، استفهامٌ بمعنى الأمر. وقيل: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أنفسَكم مع قُرْبِها منكم، فمَن قرأَ كُتبَ علماءِ الأطباء في تشريح البدَنِ، عَلِمَ بذلك عجائبَ صُنْعِ اللَّه تعالى في نفْسِه. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ فيمَن أَهلكتُ قبلكم مِن

стр. 6863

الأُمَم ينظرون إذا سافروا إلى منازلهم، وما في الأرض مِن الجبال والبحار والأشجار والأنهار والنبات والثِّمار والليل والنهار، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: يعني: البلايا والأمراضَ (١). وقال عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَير: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: مَخْرَجُ الغائطِ والبولِ (٢). وقال الضَّحَّاكُ: يأكلُ ويشربُ مِن مكانٍ واحدٍ، ويُخْرِجُ مِن مكانين (٣). وقال أبو بكرٍ الوَرَّاقُ: يعني: في تحويل الحالاتِ، وضَعْفِ القُوَّةِ، وعَجْزِ الأركانِ، وفَسْخِ الصَّرِيمةِ (٤). وقيل: في الأحوال مِن غنًى وفَقْرٍ، وقُوَّةٍ وضَعْفٍ، وقُدْرَةٍ وعَجْزٍ، ومرضٍ وصحةٍ، وحياةٍ وموتٍ، فيَعْتَبرون ويعرفون مُحَوِّلَ الأحوالِ. * * * (٢٢ - ٢٣) - ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾.

стр. 6864

وقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾: المطرُ والثَّلْجُ، وبهما نباتُ الأَقْواتِ. ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾: يجوزُ مِن الوَعْد، ويجوزُ مِن الوعيد، وقد سبَقَ ذِكْرُهما في أوَّلِ هذه السُّورةِ. وقال مجاهدٌ والضَّحَّاكُ: يعني: الجنَّةَ والنارَ (١). قولُه تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾: أقسَمَ بنفْسِه على أنَّ كلَّ ما أخبَرَ به في هذه السُّورةِ مِن الوعد والوعيد حَقٌّ. وقيل: أي: الرِّزق، وعن النبي ﷺ أنه قال: "أبى ابنُ آدمَ أنْ يُصَدِّقَ ربَّه حتى أقسَمَ له، فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ " (٢). قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ: ﴿مِثْلُ﴾ بالرَّفْع نعتًا لقوله: ﴿لَحَقٌّ﴾، وقرأ الباقون بالنَّصْب على أنه يُسلَكُ به مَسْلَكَ الأدواتِ، وهي على الفَتْحِ (٣). وقيل: هي على حَذْفِ الكافِ. وقيل: تِقديرُه: قد حَقَّ حَقًّا مِثْلَ، ومعناه: هو حَقٌّ ككَونِ النُّطْق منكم حَقٌّ. وقيل: معناه: إنَّ اللَّهَ رازقُكم، هذا القولُ حقٌّ كما أنَّكم إذا سُئِلْتُم: مَن خالِقُكم؟ قلتم: اللَّهُ، ذلك حقٌّ، فهذا أيضًا حقٌّ.

стр. 6865

وقيل: معناه: كما أنكم تنطِقون به -وهو قولُكم: لا إلهَ إلا اللَّهُ حقٌّ- فهذا أيضًا حقٌّ. وقيل: أي: كما أنَّ نُطْقَكَ لا يتكلَّمُ به غيرُك، ورزقُكَ لا يأكلُه غيرُكَ. وقيل: معناه: كما أنك تَنْطِقُ، والحروفُ تَأْتَلِفُ (١) ولا تدري كيف تَأْتَلِفُ، وكذلك الرِّزْقُ يجتمِعُ عندك ولا تدري كيف يجتمِعُ. وقيل: فائدةُ إحالةِ الرِّزق إلى السماء ولا سبيلَ لكَ إلى العُروج إليه: لِتَشْتَغِلَ بما كلَّفَكَ، ولا تَتَعَنَّى في طلَبِ ما لا تَصِلُ إليه. وقيل: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾: وإليها يُرْفَعُ عمَلُكم، فإنْ أردتَّ أنْ ينزِلَ عليكَ رِزْقُكَ فليَصْعَدْ إلى السماء عمَلُكَ، ولهذا قالوا: الصلاةُ مِفْتاحُ بابِ الرِّزْقِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢]. * * * (٢٤) - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾: وانتظامُها بما قبلَها: أنه قال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾، وقال في هذه القصة في آخرها: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾. أي: يقولُ: ومِن الآيات في الأرض ما بَقِيَ مِن آثارِ قومِ لُوطٍ الذين أهلَكْناهم، وكانت بدايةُ ذلك مجيءَ الملائكةِ إبراهيمَ. وقولُه: ﴿هَلْ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقْرير؛ أي: قد أتاكَ. وقيل: أي: إنْ لمْ يَأْتِكَ فها نحن نُخبِرُكَ. والضَّيْفُ معناه: الأَضْيافُ؛ لأنَّه مَصْدَرٌ فصلَحَ للجَمْع، وهمُ الملائكةُ، سمَّاهم ضَيْفًا لأنَّهم جاؤوا مَجيءَ الأضياف.
следующие страницы →