← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: أي: لِتَقْصِيرهم في قيام اللَّيل مع جُهْدِهم في إحسانهم. ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾: وهو صِفَةُ المُتَّقين أيضًا، ومنهم مَن حَمَلَ هذا الحقَّ على الزكاة. وقيل: السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، والزكاةُ فُرِضَتْ بالمدينة، فهي على الصَّدَقةِ النَّفْلِ، ويدلُّ عليه أوَّلُ الآيةِ، فإنها في مدح المتقين بإحياء الليل بنوافل العبادات، وكان هذا مدحًا لهم بإمضاءِ (١) النهار بنوافل الصَّدَقات، ومعنى (٢): ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾: أي: جعَلوا على أنفسهم ذلك حقًا لازمًا يَقْسِمونه (٣) لا محالةَ للسائل والمحروم. وقال الشَّعْبيُّ: لقد سألتُ عن المحروم منذ سبعين سنةً، فما أنا اليومَ بأعلمَ به مني مِن يومئذٍ (٤). وعن الحسن بنِ محمد بنِ عليٍّ: أنَّ النبيَّ ﷺ بعَثَ سَرِيَّةً، فغَنِموا، فجاء قومٌ لم يَشْهَدوا الغَنيمةَ، فنزلت: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥). وقيل: هو الذي ذهَبَ مالُه بسَيْلٍ أو جائحةٍ، فلم يبقَ له شيءٌ؛ كما قال اللَّه تعالى في قصة أصحاب الجنة: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، وقال في الواقعة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.

стр. 6862

وقيل: هو الذي لا سَهْمَ له في الفَيْءِ فيستغنيَ به، وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ ومُجاهدٍ والرَّبيعِ بنِ أنسٍ (١). وقيل: هو الذي لا يَنْمِي له مالٌ، فكلما أصابَ شيئًا ذهبَ منه، قالَه الزَّجَّاجُ (٢). وقيل: هو المُحارَفُ الذي انحرَفَ عنه الرِّزقُ. والأشبَهُ: أنَّ السائلَ هو الذي يَتَعَرَّضُ فيَسأَل، والمحرومَ هو الذي يَتعفَّفُ فلا يَسأَلُ، ولا يُعْلَمُ حالُه، والغالِبُ في حَقِّه الحِرْمانُ. * * * (٢٠ - ٢١) - ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾: أي: علاماتٌ دالَّةٌ على قُدْرَةِ اللَّه تعالى ووَحْدَانِيَّتِه، وخَصَّ المُوقنين لأنَّ الانتفاعَ لهم. ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: آياتٌ أيضًا على ما مرَّ شَرْحُه في آخر سورة ﴿حم﴾ السجدة. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: أي: كلَّ هذه الآياتِ، استفهامٌ بمعنى الأمر. وقيل: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أنفسَكم مع قُرْبِها منكم، فمَن قرأَ كُتبَ علماءِ الأطباء في تشريح البدَنِ، عَلِمَ بذلك عجائبَ صُنْعِ اللَّه تعالى في نفْسِه. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ فيمَن أَهلكتُ قبلكم مِن

стр. 6863

الأُمَم ينظرون إذا سافروا إلى منازلهم، وما في الأرض مِن الجبال والبحار والأشجار والأنهار والنبات والثِّمار والليل والنهار، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: يعني: البلايا والأمراضَ (١). وقال عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَير: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾: مَخْرَجُ الغائطِ والبولِ (٢). وقال الضَّحَّاكُ: يأكلُ ويشربُ مِن مكانٍ واحدٍ، ويُخْرِجُ مِن مكانين (٣). وقال أبو بكرٍ الوَرَّاقُ: يعني: في تحويل الحالاتِ، وضَعْفِ القُوَّةِ، وعَجْزِ الأركانِ، وفَسْخِ الصَّرِيمةِ (٤). وقيل: في الأحوال مِن غنًى وفَقْرٍ، وقُوَّةٍ وضَعْفٍ، وقُدْرَةٍ وعَجْزٍ، ومرضٍ وصحةٍ، وحياةٍ وموتٍ، فيَعْتَبرون ويعرفون مُحَوِّلَ الأحوالِ. * * * (٢٢ - ٢٣) - ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾.

стр. 6864

وقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾: المطرُ والثَّلْجُ، وبهما نباتُ الأَقْواتِ. ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾: يجوزُ مِن الوَعْد، ويجوزُ مِن الوعيد، وقد سبَقَ ذِكْرُهما في أوَّلِ هذه السُّورةِ. وقال مجاهدٌ والضَّحَّاكُ: يعني: الجنَّةَ والنارَ (١). قولُه تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾: أقسَمَ بنفْسِه على أنَّ كلَّ ما أخبَرَ به في هذه السُّورةِ مِن الوعد والوعيد حَقٌّ. وقيل: أي: الرِّزق، وعن النبي ﷺ أنه قال: "أبى ابنُ آدمَ أنْ يُصَدِّقَ ربَّه حتى أقسَمَ له، فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ " (٢). قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ: ﴿مِثْلُ﴾ بالرَّفْع نعتًا لقوله: ﴿لَحَقٌّ﴾، وقرأ الباقون بالنَّصْب على أنه يُسلَكُ به مَسْلَكَ الأدواتِ، وهي على الفَتْحِ (٣). وقيل: هي على حَذْفِ الكافِ. وقيل: تِقديرُه: قد حَقَّ حَقًّا مِثْلَ، ومعناه: هو حَقٌّ ككَونِ النُّطْق منكم حَقٌّ. وقيل: معناه: إنَّ اللَّهَ رازقُكم، هذا القولُ حقٌّ كما أنَّكم إذا سُئِلْتُم: مَن خالِقُكم؟ قلتم: اللَّهُ، ذلك حقٌّ، فهذا أيضًا حقٌّ.

стр. 6865

وقيل: معناه: كما أنكم تنطِقون به -وهو قولُكم: لا إلهَ إلا اللَّهُ حقٌّ- فهذا أيضًا حقٌّ. وقيل: أي: كما أنَّ نُطْقَكَ لا يتكلَّمُ به غيرُك، ورزقُكَ لا يأكلُه غيرُكَ. وقيل: معناه: كما أنك تَنْطِقُ، والحروفُ تَأْتَلِفُ (١) ولا تدري كيف تَأْتَلِفُ، وكذلك الرِّزْقُ يجتمِعُ عندك ولا تدري كيف يجتمِعُ. وقيل: فائدةُ إحالةِ الرِّزق إلى السماء ولا سبيلَ لكَ إلى العُروج إليه: لِتَشْتَغِلَ بما كلَّفَكَ، ولا تَتَعَنَّى في طلَبِ ما لا تَصِلُ إليه. وقيل: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾: وإليها يُرْفَعُ عمَلُكم، فإنْ أردتَّ أنْ ينزِلَ عليكَ رِزْقُكَ فليَصْعَدْ إلى السماء عمَلُكَ، ولهذا قالوا: الصلاةُ مِفْتاحُ بابِ الرِّزْقِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢]. * * * (٢٤) - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾: وانتظامُها بما قبلَها: أنه قال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾، وقال في هذه القصة في آخرها: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾. أي: يقولُ: ومِن الآيات في الأرض ما بَقِيَ مِن آثارِ قومِ لُوطٍ الذين أهلَكْناهم، وكانت بدايةُ ذلك مجيءَ الملائكةِ إبراهيمَ. وقولُه: ﴿هَلْ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقْرير؛ أي: قد أتاكَ. وقيل: أي: إنْ لمْ يَأْتِكَ فها نحن نُخبِرُكَ. والضَّيْفُ معناه: الأَضْيافُ؛ لأنَّه مَصْدَرٌ فصلَحَ للجَمْع، وهمُ الملائكةُ، سمَّاهم ضَيْفًا لأنَّهم جاؤوا مَجيءَ الأضياف.

стр. 6866

﴿الْمُكْرَمِينَ﴾: نعتٌ للأَضْياف، أكرَمَهم إبرأهيمُ، وقامَ لهم بنفْسِه، وكان لا يقومُ لسائر الأضياف. وقال مجاهدٌ: أكرَمَهم إبراهيمُ؛ أي: خدمَهم بنفْسِه، وجاء بعِجْلٍ (١). وقيل: هو مِن قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾: أي: عند اللَّه. وقيل: إكرامُهم مِن إبراهيمَ كان بأنْ لم يتكلَّفْه لهم، ولم يَعْتَذِرْ إليهم، فلم يُكَلِّفْهم مُؤْنَةً أو مِنَّةً. * * * (٢٥) - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. ﴿إِذْ دَخَلُوا﴾: أي: دخَلَ هؤلاءِ الأضيافُ وهمُ الملائكةُ، وقد بيَّنَّا ذلك في سورة هودٍ. ﴿عَلَيْهِ﴾: أي: على إبراهيمَ. ﴿فَقَالُوا سَلَامًا﴾: أي: نِلْتَ سَلامًا، أو اسْلَمْ سلامًا؛ أي: سلامةً مِن كلِّ مكروهٍ. ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾: أي: ولكم سلامٌ، أو: عليكم سلامٌ أيضًا. ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾: أي: لا أعرِفُهم؛ كما قال: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]. قيل: قال ذلك في نفْسِه. وقيل: أي: قال لهم: لا أعرِفُكم، فمَن أنتم؟

стр. 6867

وقيل: أَنْكَرَهم؛ لأنَّهم كانوا على غيرِ هَيْئَةِ أهلِ بلَدِه. وقيل: لأنهم سلَّموا عليه، ولم يكن ذلك مَعْهودًا لهم. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿قال: سِلْمٌ﴾ (١)؛ أي: بيني وبينكم سِلْمٌ؛ أي: صُلْحٌ، فلا تُرَوِّعُوني. * * * (٢٦ - ٢٩) - ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾. ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾: أي: فرجَعَ إليهم في خُفْيَةٍ. ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾: أي: وقد شواهُ. ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾: وها هنا مُضْمَرٌ: فأمسَكوا عن تناوُله ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾: أي: فكُلوا، فلم يأكلوا. ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾: أي: أضمَرَ خوفًا؛ إذ لم يَتَحَرَّموا بطعامه، فمَن لم يَتَحَرَّمْ بطعام إنسانٍ لم يَأْمَنْه. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾: وقَفوا على خوفِه، فأمَّنوه وأعلَموه أنهم ملائكةٌ. ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾: بولَدٍ ذكَرٍ يصيرُ عالِمًا إذا بلَغَ أوانَه، وهو إسحاقُ ﵇. ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾: أي: زوجتُه سارةُ في صَيْحَةٍ (٢)، وقيل: في رَنَّةٍ تَعَجُّبًا مِن ذلك.

стр. 6868

﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾: أي: ضرَبَتْ جَبْهَتَها -قالَه السُّدِّيُّ ومُجاهدٌ وسُفيانُ- تعَجُّبًا واستعظامًا على ما هو عادةُ النِّساءِ (١). ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾: أي: عاقِرٌ لم تلِدْ قطُّ، فكيف يكونُ لها ولَدٌ؟! * * * (٣٠) - ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾: أي: كما أخبَرْناكِ به قال لنا ربُّكِ، وعنه نُخْبِرُكِ، فلا تَشُكِّي فيه. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾: أي: لا يجوزُ عليه الخطَأُ في قولٍ ولا فعلٍ، ولا يخفى عليه شيءٌ مِن ظاهرٍ أو باطنٍ. وقال ابن عباس ﵄: ﴿فَأَقْبَلَتِ﴾: لم تُقْبِلْ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، لكن جعلَتْ تصيحُ، ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾؛ أي: جمَعَتْ أطرافَ أصابعِها، فضربَتْ جَبْهَتَها، وقالت: كيف يكون مِنِّي ولدٌ وأنا عجوزٌ عقيمٌ؟! وكانت يومئذٍ بنتَ ثمانٍ وتسعين سنةً، وإبراهيمُ يومئذٍ ابنَ تسعٍ وتسعين سنةً (٢). وقيل: لَمَّا تَعَجَّبَتْ قال لها جبريلُ: انْظُري إلى سَقْفِ بَيْتِكِ، فنظَرَتْ، وكانت جُذوعُه مِن النَّخْلِ اليابسةِ، فإذا هي مُورِقَةٌ مُثْمِرَةٌ (٣)، فقال لها: أَتَعْجَبِين مِن أمرِ اللَّه تعالى، ومِثْلُ هذا يكونُ بأمرِ اللَّه تعالى؟! * * *

стр. 6869

(٣١ - ٣٤) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾: أي: فما شأنُكم؟ ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾: مُكْتَسِبين لأنفُسِهم الهلاكَ بأعمالِهم السَّيِّئَةِ مِن تكذيبِ رسولِهم وفواحشِهم. ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾: وهي الآجُرُّ، وهو المُسَمَّى سِجِّيلًا في آيةٍ أخرى. وقيل: هي حِجارةُ الأرضِ، وأصلُها طِينٌ، فصارت حَجَرًا بإِحْماءِ الشمس على مَرِّ الدُّهور. ﴿مُسَوَّمَةً﴾: أي: مُعَلَّمَةً فيها خُطوطٌ سُودٌ وبِيضٌ. وقيل: سُودٌ وحُمْرٌ. وقيل: أي: مكتوبةٌ عليها أسماءُ المَرْجومين بها. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: أي: مُعَلَّمَةً عند اللَّه تعالى. وقيل: أي: مُعَدَّةً خزانةِ اللَّه تعالى. ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾: أي: المُجَاوِزين الحَدَّ في ارتكابِ المعاصي. وقيل: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: أي: مُرْسَلَةً؛ مِن تَسْويمِ المواشي. * * * (٣٥ - ٣٧) - ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أمَرْنا لُوطًا بأنْ يخرُجَ مع مَن كان معه مِن المؤمنين قبلَ نُزولِ العذاب بقومه.

стр. 6870

وقوله: ﴿فِيهَا﴾: أي: في القرية، وهي مَفْهومةٌ غيرُ مَذْكورة؛ لأنَّ القومَ كانوا فيها. ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ﴾: وهو بيتُ لوطٍ، وذُكِرَ أنَّهم لوطٌ وابنتاه، فأما امرأتُه فكانت كافرةً. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: دليلٌ على أنَّ الإيمانَ والإسلامَ واحدٌ. ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾: أي: علَامةً. والآيةُ نَفْسُ القريةِ، وقد جُعِلَتْ أعلاها أسفلَها. وقيل: الآيةُ: ما فيها مِن الحِجارةِ المُلْقاةِ المَنْضُودةِ التي رُجِموا بها. ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: أي: هُمُ الذين ينتفعون بالنَّظَرِ في هذه الآية. والقصَّةُ قد مرَّتْ بسياقِها في سورة الأعراف، وبعضُها في سورة هود. وقال السُّدِّيُّ ومُقاتلٌ: كانوا ستَّ مئةِ ألفٍ، وأدخلَ جبريلُ جناحَه تحت الأرض، فاقتلَعَها ورفَعَها حتى سمِعَ أهلُ السَّماءِ أصواتَهم، ثم قلَبَها، ثم أرسَلَ عليهم الحجارةَ، ثم تتبَّعَتِ الحجارةُ شُذَّاذَهم ومُسافريهم، وأصبَحَ إبراهيمُ جالسًا في مسجده فرأى الدُّخانَ ساطِعًا، وبين إبراهيمَ وبينهم أربعةُ فراسِخَ، فلما رأى الدُّخانَ عَلِمَ أنَّ العذابَ نزَلَ بهم (١). * * * (٣٨ - ٣٩) - ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى﴾: أي: وفيه أيضًا آيةٌ. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: بحُجَّةٍ ظاهرةٍ.

стр. 6871

﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾: أي: أعرَضَ فرعونُ عن قَبولِ الحقِّ مع مَن كان رُكْنًا له يَعْتَمِدُ عليهم، ويتقوَّى بهم، ويركَنُ إلى نُصْرَتِهم، وهُم مَلَؤُه وقومُه، وهو كقوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]. والباءُ بمعنى (مع)؛ كما يُقالُ: خرَجَ الأميرُ بحَشَمِه (١). وقيل: تولَّى برُكْنِه؛ أي: بقُوَّتِه في نفْسِه. قالَه نِفْطَوَيْهِ (٢). وقيل: أي: أعرَضَ بجانبِه؛ كقوله: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]. ﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾: أي: قال فرعونُ: هو ساحرٌ بما يُري مِن العصا واليد، أو مجنونٌ فيما يَدَّعي ولا يُفَكِّرُ في عاقِبَتِه كالذي لا يَعْقِلُ. وقال أبو عبيدة: أي: ساحرٌ ومجنون، و (أو) بمعنى الواو في القرآن كثيرٌ (٣). * * * (٤٠ - ٤١) - ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قولُه تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾: الذين هُم رُكْنُه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾: أي: ألقَيْناهم في البحر، وهو نيلُ مِصْرَ. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: أي أتى بما يُلامُ عليه.

стр. 6872

وقولُه تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ﴾: أي: وفيهم أيضًا آيةٌ. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾: أي: الرِّيحَ التي لا تُنْبِتُ، ولا تُلْقِحُ شجَرًا، ولا تُنْشِئُ سحابًا مُمْطِرًا؛ كالمرأةِ العَقيمِ التي لا تَلِدُ. * * * (٤٢) - ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾: أي: لا تدَعُ هذه الرِّيحُ شيئًا، و ﴿مِنْ﴾ لِتأكيدِ النَّفْيِ وتعميمِه؛ أي: مما أُمِرَتْ بإهلاكِه. ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾: أي: كالعَظْمِ البالي. قال ابن عباس: كانت تلك الرِّيحُ هي الدَّبُورَ (١). وقال عليٌّ ﵁ (٢): هي النَّكْباءُ (٣). وقال سعيدُ بنُ المُسَيِّب: هي الجَنوبُ (٤).

стр. 6873

والصَّحيحُ الأوَّلُ، قال النَّبيُّ ﷺ : "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبُور" (١). وقال ابن عباس: كانت الرِّيحُ تحمِلُ البعيرَ والشَّاةَ والعبدَ والأَمَةَ، فتُلْقِيه بالوادي، ولم تضر غريبًا ليس منهم، وكانت العَمالِقَةُ بجَنبَتَيِ الوادي ينظُرون إليهم، فلم تَضُرَّهمْ شيئًا (٢). وقال عُبيدُ بنُ عُمَير: الرِّيحُ العقيمُ في الأرض الرَّابعةِ، ولم يُرْسَلْ منها على عادٍ إلا بِقَدْرِ مَنْخرِ ثَوْرٍ (٣). وقال ابن عباس: ﴿جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾: أي كالعَظْم البالي الذي إذا فُتَّ يتفتَّتُ (٤). وقيل: ﴿كَالرَّمِيمِ﴾: أي: كالتُّراب المَدْقُوق، وقد مرَّ سياقُ القصة في سورة الأعراف. * * * (٤٣ - ٤٤) - ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾: أي: وفي ثمودَ آيةٌ أيضًا. ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾: قيل: هو قولُه: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] بعد ما عقَروا النَّاقةَ.

стр. 6874

وقيل: ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ﴾ (١): إنْ لم تَعْقِروا الناقةَ تمَتَّعْتُم إلى زمانٍ مَديدٍ، فعقَروها، فعُجِّلَتْ عُقوبَتُهم، وهو قولُه تعالى: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: أي: تَرَفَّعُوا عن قَبول الأمر به. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: أي: العذابُ المُهْلِكُ. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: أي: كانوا أَيْقاظًا وفي نهارٍ، لم يكونوا نِيامًا (٢) ولا بِلَيْلٍ، فكانوا يُبْصِرونه. وقيل: أي: وهُم ينتظُرون العذاب (٣) حين قيل لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾. * * * (٤٥ - ٤٦) - ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾: أي: صَرَعَتْهم الصاعقةُ فلم يَقْدِروا أنْ يقوموا. وقال قَتادةُ وجماعةٌ: أي: ما قَدِروا أنْ يقوموا لعذاب اللَّه تعالى، فيَدْفَعوه عن أنفسهم (٤). ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾: أي: وما قَدِروا على الانتقام لِمَن أحلَّ بهم الصَّاعقةَ. وقيل: أي: مُمْتَنِعين عن العذاب بمانِعٍ، والنُّصْرَةُ: المَنع، والانتصارُ: الامتناعُ بقُوَّةِ مانعٍ.

стр. 6875

قولُه تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾: قرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿وقومِ نوحٍ﴾ بالخفض عطفًا على المذكورات قبلَه: ﴿وَفِي عَادٍ﴾ و ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾. وقرأ الباقون: ﴿وَقَوْمَ﴾: بالنصب (١)؛ أي: وأخَذَ اللَّهُ قومَ نوحٍ، أو (٢): واذكُرْ قومَ نوحٍ، والصَّحيحُ هو الأوَّلُ؛ لأنَّ قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يقتضي وقوعَ فعلٍ بهم مُتَقَدِّمًا على هلاكِ هؤلاء. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: مُسْتَحِقِّين لذلك. * * * (٤٥ - ٤٦) - ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾. ﴿وَالسَّمَاءَ﴾: أي: ومِن الآيات الدَّالَّةِ على قُدْرَةِ اللَّه تعالى بعد الآيات بهذه القِصَصِ خَلْقُ السَّماءِ. ﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾: أي: بقُوَّةٍ، ونَصْبُ السماءِ بإضمارِ فعلِ: (بَنَيْنا)، ودلَّ عليه إعادتُه بعدَه. ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾: أي: لنا سَعَةُ خَلْقِها، وخَلْقُ مِثْلِها، وخَلْقُ ما شِئْنا. وقيل: أي: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ما أرَدْنا إيساعَه؛ كما أوسَعْنا السماءَ فجعلناها واسعةً. وقيل: المُوسِعُ: الغَنِيُّ؛ كما قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ أي: لنا غنًى عنها وعن كلِّ خَلْقٍ. ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾: أي: بسَطْناها، ونَصبُه كنَصْبِ ﴿السماءَ﴾.

стр. 6876

﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾: أي: الباسِطون، فلا نطلُبُ منهم عِوَضًا على ذلك، وجعلنا (١) ذلك لمنافعهم لا لِحاجةٍ بنا. * * * (٤٩) - ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾: أي: وخلَقْنا (٢) مِن كلِّ شيءٍ لونين يكون أحدُهما مُزاوِجًا للآخَر: إما مِن شَكْلِه، وإما مِن خلافه؛ كالليل والنهار، والنُّور والظُّلْمة، والذَّكَر والأنثى، والشتاء والصيف، والجن والإنس، والبُكْرَةُ والعَشِيُّ، والبَرُّ والبحر، والشمس والقمر، والسهل والجبل، وكذا الألوان والطُّعوم والأَرايِح والأصوات والملموسات؛ لِيَسْتَدِلُّوا بذلك على كمال قُدْرَتِنا أنَّا نفعَلُ ذلك باختيارِنا، وليس ذلك كالذي يَظْهَرُ مِن الشيء المُسَخَّر بطَبْعِه أنه نوعٌ واحدٌ؛ كالنارِ شأنُها التَّسْخين، والثَّلْجِ شأنُه التَّبريد، والماءِ شأنُه التَّرْطيب. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: أي: لِتَتَفَكَّروا وتَعْلَموا ذلك، وتَسْتَدِلُّوا به على قُدْرَتِنا على البعث بعد الموت. * * * (٥٠) - ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: فانقَطِعوا إليه بطاعتِكم، فهو الواحدُ الخالقُ مِن كلِّ شيءٍ زوجين، وهو الواحدُ الفَرْدُ لا زوجَ له.

стр. 6877

وقال ذو النُّون: أظهَرَ اللَّهُ معنى الرُّبوبيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ بأنْ خلَقَ الأزواجَ؛ لِتَخْلُص له الفَرْدانِيَّةُ (١). وقال ابن عباس: فِرُّوا مِن اللَّه إليه، واعمَلوا بطاعته (٢). ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ﴾: أي: مِن اللَّه إنْ لم تَفِرُّوا إليه. ﴿نَذِيرٌ﴾: مُخَوِّفٌ. ﴿مُبِينٌ﴾: مُظْهِرٌ لكم مِن اللَّه. وقال أبو بكرٍ الورَّاقُ: فِرُّوا مِن عِقاب اللَّه إلى رحمته، ومِن طاعةِ الشيطان إلى طاعة اللَّه. وقال الحُسين بنُ الفضل: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: احتَرِزوا مِن كلِّ شيءٍ دونَه، فمَن فَرَّ إلى غيره لم يمتنع منه. وقال الجُنيدُ: الشيطانُ داعٍ إلى الباطل، ففِرُّوا إلى اللَّه يَمْنَعْكم منه. وقال ذو النُّون: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: مِن الجهل إلى العلم به، ومِن الكُفْران إلى الشُّكْر له. وقال الواسطيُّ: فِرُّوا إلى ما سبَقَ لكم مِن اللَّه، ولا تعتمِدوا على حركاتِكم وسكَناتِكم. وقال عُرْوةُ بنُ عثمان: فِرُّوا مِن أنفسكم إلى ربكم (٣). وقال الإمامُ القُشَيريُّ: مَن صَحَّ فرارُه إلى اللَّه صَحَّ قَرارُه مع اللَّه (٤).

стр. 6878

(٥١ - ٥٣) - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: وهذا ظاهِرٌ. وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: مِن قَبْلِ هؤلاء المشركين الذين يقولون لكَ: أنتَ ساحرٌ ومجنونٌ. ﴿مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا﴾ لرسولهم ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾: أي: هو ساحِرٌ، أو قالوا: هو مجنونٌ، مِثْلَ هذه الأُمَمِ التي ذَكَرْنا، قال فرعونُ لموسى ذلك، وكذلك سائرُ الكفار. ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾: أي: أَتَوافَقوا على ذلك؟ وهو أنْ أوصى بعضُهم لبعضٍ بذلك. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: أي: لم يتواصَوا بذلك، بل اجتماعُهم على هذا القول لِرسُلهم لمعنًى جامعٍ جمعَهم على ذلك، وهو طُغيانُهم وعُتُوُّهم على اللَّه، لم يَنْقادوا له، ولم يُتابِعوا (١) رسُلَه، ولم يتركوا رياسَتهم، فكابَروا وواجَهوا الرسلَ بما قالوا. وقيل: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾: هُم قريشٌ، يعني: أوصاهم بذلك آباؤُهم، ثم قال: بل يفعلون ذلك لِطُغيانِ أنفسِهم، والأوَّلُ أَعَمُّ. * * * (٥٤ - ٥٥) - ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: تَوَلَّ عن مُكافاتِهم ومُبَادَأَتِهم بالقتال. ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾: أي: فما قصَّرْتَ فيما أمَرْناكَ به مِن الدَّعوة. ﴿وَذَكِّرْ﴾: وَعِظْ ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: العِظَةَ تنفَعُ المؤمنين، فلا تترُكْها لامتناعِ الكفار عن قَبولِها.

стр. 6879

ورُوِيَ عن عليٍّ ﵁ أنه قال: لَمَّا نزلَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ لم يَبْقَ أحدٌ منا إلا أيقَنَ بالهلَكَةِ؛ إذ أُمِرَ النبيُّ ﷺ أنْ يتولَّ عنهم، حتى نزل: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: فطابَتْ أنفسُنا (١). وقال ابن عباس ﵄: لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ حَزِنَ رسولُ اللَّه ﷺ مَخافةَ أنْ يَنْزِلَ بقومه العذابُ، وشَقَّ على أصحابه مَخافةَ أنْ يكون قد انقطَعَ عنهم الوحيُ، فنسَخَتْها آيةُ القتالِ (٢). وقال الإمامُ القُشَيريُّ: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ذَكِّرِ العاصِين عُقوبَتي لِيَرْجِعوا عن مُخالفَةِ أمري، وذكِّرِ المُطِيعين جزيلَ ثوابي لِيَزدادوا طاعةً وعبادةً لي، وذَكِّرِ العارفين ما صَرَفْتُ عنهم مِن بلائي، وذَكِّرِ الأغنياءَ ما أبحتُ لهم مِن إحساني وعَطائي، وذَكِّرِ الفقراءَ ما أوجبْتُ لهم بصَرْفِ الدنيا عنهم، وأعددتُ لهم مِن لقائي (٣). * * * (٥٦) - ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: قال ابنُ عباس ﵄: إلا لِيُقِرُّوا لي بالعُبوديَّةِ طَوْعًا أو كَرْهًا (٤).

стр. 6880

يعني: أنَّ المؤمنين يُقِرُّون له طَوْعًا، والكافرون يُقِرُّون له بما جبَلَهم عليه مِن الخِلْقَة الدَّالَّة على وحدانيَّةِ اللَّه تعالى، وانفرادِه بالخَلْقِ، واستحقاقِ العبادةِ دون غيرِه، فالخَلْقُ كلُّهم بهذا له عابِدون، وعلى هذا قولُه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقولُه تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقولُه: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ على معنى: ما يُوجَدُ منهم مِن دلائلِ الحُدوثِ المُوجِبَةِ لكونها مَرْبُوبةً مَخْلُوقةً مُسَخَّرةً. وقال مجاهد: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أي: إلا لِيَعْرِفون (١)، وكلُّ الجنِّ والإنسِ يَعْرِفون اللَّهَ اضطرارًا، لا يكفُرُ به إلا مُعانِدٌ، فهم مَخْلُوقون لِيَعْبُدُوه؛ أي: لِيَعْرِفوه، وقد عرَفوه، ومَن أظهَرَ غيرَ ذلك فهو كاذِبٌ (٢) على نفْسِه. وقال بعضُهم: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: في فِطْرَتِهم؛ لأنَّ ذلك فِطْرَتُهم إلَّا أنْ يَبْعُدوا (٣) عنه بالشُّبَهِ (٤) والتَّلْبيسِ. وقال عليٌّ ﵁: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أي: إلَّا لآمُرَهم أنْ يَعْبُدون (٥)، ويُؤَيِّدُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١]، وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].

стр. 6881

وقال الحُسينُ بنُ الفَضل: أي: إلَّا لِأَسْتَعْبِدَهم؛ أي: أُكَلِّفَهم العبادةَ (١)، وقد كلَّفَهم. وقريبٌ منه قولُ بعضِهم: إلَّا لِأُلْزِمَهم عبادتي. وقال الضَّحَّاكُ: هذا أمرٌ خاصٌّ لأهل طاعتِه (٢). ودليلُ الخُصوصِ: أنه قال قبلَه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ﴾؛ أي: مِن المؤمنين (٣)، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فأمَّا الكفارُ فقد قال في حَقِّهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. والحاصِلُ: أنَّ اللَّهَ خلَقَ كلَّ شيءٍ لِمَا عَلِمَ أنه يكون منه؛ إذ لو قيلَ غيرُ ذلك لأدَّى ذلك إلى إثبات العَجْزِ أو الجهل للَّه تعالى، ويتعالى اللَّه عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. وقال الإمامُ القُشَيريُّ: الذين اصْطَفيْتُهم في آزالي، وخصَصْتُهم اليومَ بحُسْنِ إقبالي، ووعدتُ لهم جزيلَ إِفْضَالي، ما خلقتُهم إلَّا ليعبدون، والذين سخِطتُ عليهم في آزالي، ورَبَطتُهم اليومَ بالخُذْلان فيما كلَّفْتُهم مِن أعمالي، وخلَقْتُ النارَ لهم بحُكْم إلهيَّتي وجلالي، ما خلقْتُهم إلا لِعَذابي وأنْكالي، ولِمَا (٤) أعددتُ لهم مِن سَلاسِلي وأَغْلالي. * * *

стр. 6882

(٥٧ - ٥٨) - ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: أي: أنْ يَرْزُقوا أنفسَهم. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾: أي: يُطْعِموا عبادي، وهو إضافةُ تَخْصِيصٍ؛ كقوله ﵊ خبَرًا عن اللَّه تعالى: "مَن أهانَ لي وليًّا فقد بارَزَني بالمُحاربة" (١). وقال النبي ﷺ أيضًا خبَرًا عن اللَّه تعالى: "مَن أكرَمَ مؤمنًا فقد أكرَمَني، ومَن آذى مؤمنًا فقد آذاني" (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾: أي: لكلِّ خَلْقِه. ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾: أي: شديدُ القُوَّةِ. * * *

стр. 6883

(٥٩ - ٦٠) - ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾: أي: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِن (١) قومِكَ يا محمد ﴿ذَنُوبًا﴾: أي: حظًّا (٢) ونَصيبًا مِن العذاب ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾؛ أي: مِثْلَ نَصيبِ أصحابِهم مِن الأُمَمِ التي ظلَمَتْ فوضَعَتِ العبادةَ في غير مَوْضِعِها. وأصلُ الذَّنُوبِ: الدَّلْوُ العظيمُ المَلْأَى ماءً، قال الراجزُ (٣): إنَّا إذا نازَعَنا شَريبُ... لنا ذَنوبٌ وله ذَنوبُ (٤) وقيل: عذابًا في إِثْرِ عذابٍ كذَنُوبِ البئرِ يَتْبَعُ بعضُه بعضًا. وقيل: إنَّ لهؤلاء الكفار حَظًّا مِن التَّمَتُّعِ بالدنيا إلى أنْ ينتهيَ مَدَدُهم. ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾: فإنه كائنٌ. ﴿فَوَيْلٌ﴾: أي: شِدَّةُ عذابٍ. وقيل وادٍ في جهنم. ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: وهو يومُ القيامةِ. وقيل: يومُ بدرٍ استُؤْصِلُوا فيه. والحمدُ للَّه ربِّ العالمين

стр. 6884

سورة الطور بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسمِ اللَّه الذي بشَّرَ المُتَّقين المؤمنين بجَنَّات النَّعيم، الرَّحمنِ الذي وقاهم عذابَ الجحيمِ، الرَّحيمِ الذي وعَدَ المؤمنين في الجنة بشَرابٍ لا لَغْوٌ فيه ولا تأثيم. وروى أبيُّ بنُ كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأَ سُورةَ ﴿وَالطُّورِ﴾ كان حقًّا على اللَّه تعالى أنْ يُؤَمِّنَه مِن عذابه، ويُنَعِّمَه في جنَّتِه" (١). وهذه السُّورةُ مكِّيَّةٌ، وهي سبعٌ وأربعون آيةً، وقيل: تسعٌ، والاختلافُ في ﴿وَالطُّورِ﴾، ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾. وكلماتُها: ثلاثُ مئةٍ واثنتا عشرة كلمةً. وحروفُها: ألفٌ وثلاثُ مئةٍ. وانتظامُ خَتْمِ تلك السُّورةِ بافتتاح هذه السُّورةِ: أنَّ خَتْمَ تلك بالوعيد بالعذاب، وافتتاحَ هذه بالقسَمِ على ذلك العذاب. وانتظامُ السُّورتين: أنهما في مُحاجَّة المشركين، وفي الأولى زيادةُ تقريرٍ بقِصص الأوَّلين.

стр. 6885

(١) - ﴿وَالطُّورِ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَالطُّورِ﴾: قال ابنُ عباسٍ والضَّحَّاكُ: هو الجبلُ الذي تجلَّى اللَّهُ تعالى له حين كان موسى ﵇ عليه، وكلَّمَه ربُّه، فسألَ الرُّؤيةَ (١). وقال مُقاتلٌ: هما طُورانِ: أحدُهما: طُور سيناء (٢)، والآخرُ طورُ زَيْتا، أحدُهما يُنْبِتُ التِّينَ، والآخرُ يُنْبِتُ الزيتونَ (٣)، وهما ما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. وقيل: الطُّورُ بمَدْينَ، واسمُه زَبيرٌ. وقيل: هو كلُّ جبلٍ. وقال مجاهدٌ: هو الجبلُ بالسُّرْيانِيَّةِ (٤). وقال أبو عبيدةَ والخليلُ وأبو عمرو والنَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ والأصمعيُّ وأبو عبيدٍ وأبو حاتِمٍ: هو عربيَّةٌ صحيحةٌ، وليس في القرآن سوى العربيِّ المَحْضِ، فإنْ وقَعَ فيه شيءٌ موافقٌ لبعض اللُّغات فهو وِفاقٌ وقَعَ بين اللُّغَتين. * * * (٢ - ٣) - ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾.

стр. 6886

قولُه تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾: أي: مكتوبٍ. ﴿فِي رَقٍّ﴾: أي: جِلْدٍ رقيقٍ مُهَيَّأٍ للكتابة. وقال أبو عبيدة: الرَّقُّ: الوَرَقُ (١). ﴿مَنْشُورٍ﴾: يُنْشَرُ للقراءة. قيل: هو قسَمٌ بالقرآن يكتُبُه المؤمنون وينشُرونه للقراءة. وقيل: هو مكتوبٌ عند اللَّه تعالى في رَقٍّ تقرَؤُه ملائكتُه، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]. وقيل: هو الكتابُ الأوَّلُ: التَّوراةُ، والإنجيلُ، والزَّبُورُ، والصُّحُفُ المُنَزَلَةُ على الأنبياء، وكان ذلك مكتوبًا في رَقٍّ ينشُرُه أهلُه لقراءته. وقيل: هو الذي كتبَه اللَّهُ لموسى ﵇. وقيل: هو كتابٌ عند اللَّه كتبَه لملائكتِه في السماء يقرؤونه. وقيل: هو اللَّوْحُ المحفوظُ. وقيل: هو صُحُفُ الأعمالِ التي تُخرَجُ يوم القيامة، فيُعْطَون بالأيمان أو بالشَّمائل (٢)، وهذا عن البراء بنِ عازِبٍ (٣).

стр. 6887

(٤) - ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾: أي: الذي يُعْمَرُ بكثرة الزُّوَّار، والمُتَرَدِّدِين إليه مِن الأقطار. قال الحسن: هو الكعبةُ (١)، أقسَمَ اللَّهُ به لِعِظَمِ (٢) قَدْرِه؛ إذ هو أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناس، وهو بيتُ اللَّهِ وقِبْلَةُ خَلْقِه. وروى أنسٌ وصَعْصَعَةُ وجماعةٌ عن النبي ﷺ أنه (٣): "بيتٌ في السَّماءِ الرَّابعةِ بِحِيال الكعبة مِن الأرض يدخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ، ثم لا يعودون إليه أبدًا، فهو مَعْمُورٌ بالملائكة" (٤). وقال عليٌّ لأصحابه: ما تقولون في البيت المعمور؟ قالوا: هو البيتُ الحرامُ، قال: بل هو بيتٌ في السماء يُقالُ له: الضُّراحُ -يُروى بالصاد والضاد جميعًا- بِحِيال هذا البيت، حُرْمَتُه في السماء كَحُرْمَةِ هذا في الأرض (٥).

стр. 6888

وقال ابن عباس: في السماء السادسة (١). وقال مُقاتلٌ: في السماء الدنيا (٢). ورُوِيَ أنَّ كعبَ الأحبارِ دخَلَ على ابن عباس، فقال له: أرأيتَ البيتَ المعمورَ أين هو؟ قال: هو بيتٌ في السماء يدخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ لم يدخُلُوه قطُّ قَبْلَه، ولا يدخُلُون حتى تقومَ الساعة، فقال ابن عباس: سبحانَ اللَّهِ! ما أكثَرَ خَلْقَ ربي! فقال: يا ابنَ عباس، والذي نفسي بيده، لَلملائكةُ التي في السماء أكثرُ مِن عدَدِ التُّراب في الأرض، وما في السماوات مَوْضِعُ قَدَمٍ إلا وفيه ملَكٌ يُسَبِّحُ اللَّهَ ويُقَدِّسُه، وإنَّ تحت العرش لَملائكةً ما زالوا خاضِعين رقابَهم ما ينظُرون إلى العرش مِن مَخافَةِ اللَّهِ تعالى (٣).

стр. 6889

وعن ابن عباس أنه قال: هو البيتُ الذي بناه آدمُ في الأرض، فرُفِعَ أيَّامَ الطُّوفان، ووُضِعَ حِيالَ الكعبةِ (١). وقال مُقاتل: يُصَلِّي فيه ما يشاءُ اللَّهُ كلَّ يومٍ صِنْفٌ مِن الملائكة يُقالُ لهم: الجِنُّ، كان منهم إبليسُ، فإذا فرَغوا نزَلوا إلى الأرض، وطافوا بالبيت الحرام، ثم يَصْعَدون إلى السماء ولا يَهْبِطون أبدًا (٢). * * * (٥ - ٦) - ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: هو السَّماءُ، رُفِعَ فوق كلِّ شيء، وفيها الملائكةُ، ومنها نزولُ الوحيِ ونزولُ المطرِ. ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾: قال الفرَّاء: أي: المَمْلُوء (٣). وقال عليٌّ: أي: المُوقَد (٤)، و (قد سَجَرْتُ التَّنُّورَ)؛ أي: أَوْقَدتُّه. وقال كعبٌ: هو البحرُ يُسْجَرُ فيكون جهنَّمَ (٥).

стр. 6890

وقيل: يُحْمى فيكون شرابَ أهلِ النار. وقيل: ﴿الْمَسْجُورِ﴾: أي: المَفْجُور، قال: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقال: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]. وقال ابن عباس: البحرُ المَسْجورُ: المُرْسَلُ (١)؛ كما قال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان: ٥٣]. وقال ابن كيسان: ﴿الْمَسْجُورِ﴾: المجموع (٢)، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (٣): أي: جُمِعَتْ حتى صارت بحرًا واحدًا. وقال الضَّحَّاكُ: ﴿الْمَسْجُورِ﴾: المُوقَدُ (٤). ثم رُوِي أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا يَرْكَبَنَّ البحرَ إلَّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهدٌ في سبيل اللَّه، فإنَّ تحت البحرِ نارًا، وتحت النار بحرًا، وتحت البحر نارًا" (٥). فهذه الأقاويلُ على أنَّ البحرَ هو على بحار الدنيا.

стр. 6891

وقال عكرمةُ: هو بحرٌ تحت العرش (١). * * * (٧ - ٨) - ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾: أقسَمَ بهذه الأشياء أنَّ العذابَ واقِعٌ بالكفار لا محالةَ. ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾: عنهم إذا نزَلَ بهم، وذلك في اليوم الذي هُم به مُكَذِّبون. وعن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ أُكَلِّمُه في أُسارى بدرٍ، فألفيتُه في صلاة الفجر يقرأُ سورة ﴿وَالطُّورِ﴾، فلما بلَغَ قولَه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ أَسْلَمْتُ؛ خوفًا مِن أنْ يَنْزِلَ بي العذابُ (٢). وقال الإمام القُشَيريُّ: أقسَمَ بالطُّور؛ لأنَّه مَحَلُّ قَدَمِ الأحبابِ وقتَ سَماعِ الخِطاب، وسَمِعَ هناك موسى ذِكْرَ محمَّدٍ وأُمَّتِه حتى نادانا مِن أصلاب آبائنا: أعطيتُكم قبلَ أنْ تسألوني. و ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾: ما كتَبَ على نفْسِه مِن الرَّحمة لعباده، وما كتَبَ مِن قولِه: "سبَقَتْ رحْمَتي غضَبي"، وما قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.

стр. 6892

قولُه تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾: قلوبُ العارفين عُمِّرَتْ بمَحَبَّتِه ومعرفتِه. وقيل: هو مواضِعُ عباداتِهم، ومجالِسُ خَلَواتِهم. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾: عذابُه في الظَّاهرِ هو ما توعَّدَ به عبادَه العاصين، وفي الباطن الحِجابُ بعد الحُضور، والسَّتْرُ بعد الكَشْف، والرَّدُّ بعد القَبول. قولُه تعالى: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾: إذا رَدَّ عَبْدًا أُبْرِمَ القضاءُ بِرَدِّه، فلا قَبولَ له مِن بعده (١). * * * (٩ - ١٠) - ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾: أي: العذابُ واقِعٌ في يوم تمورُ السماءُ. وقال مُجاهدٌ: أي: تدورُ، وهو يومُ القيامة (٢). وقال الفراء: تدورُ بما فيها (٣). وقال القُتَبيُّ: يدورُ أهلُها فيها (٤). وقال الضَّحَّاكُ: أي: يموجُ أهلُها بعضُهم في بعضٍ (٥).

стр. 6893

وقال الأخفش: تَكَفَّأُ (١)، وأنشدَ بيتَ الأعشى: كأنَّ مِشْيَتَها مِن بيتِ جارتِها... مَوْرُ السَّحابةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ (٢) وهو: التَّكَفُّؤُ في المشي. وقيل: أي: تَضطربُ. وهذا كلُّه بيانُ حالِ السماء حالَ زوالِها وتشقُّقِها. وقولُه تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾: فإنَّ اللَّه تعالى يُسَيِّرُها، فتصيرُ الأرضُ قاعًا صَفْصَفًا. * * * (١١ - ١٤) - ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: أي: بالبعث والجزاء. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾: أي: في اضطرابٍ وتَرَدُّدٍ في الباطل، يقولون (٣) ما يعرِضُ لهم مِن غير حُجَّةٍ، بل بهوًى وشَهْوَةٍ. وقيل: أي: في خَوْضٍ في أسبابِ الدنيا يلعبون فيها، لا يُفَكِّرون في حسابٍ ولا جَزاءٍ. ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾: أي: يُدْفَعون إليها بعُنْفٍ وشِدَّةٍ. ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾: أي: يُقالُ لهم ذلك.

стр. 6894

﴿اصْلَوْهَا﴾: أي: ادْخُلوها وقاسُوا حَرَّها، هذا إلى آخِرِ الآيةِ مُقَدَّمٌ في المعنى، وهذا المُعْتَرِضُ (١) مُؤَخَّرٌ، وهو قولُه تعالى: * * * (١٥ - ١٦) - ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾: يُقالُ لهم: أَفَتَخْيِيلٌ هذا العذاب الذي ترونه؟! ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾: ليسَتْ لكم أَعْيُنٌ تُبْصِرون بها هذا؟! وهذا تقريعٌ لهم، فقد كانوا يقولون في الدنيا في الآيات: إنَّها سِحْرٌ وتَخْيِيلٌ، ولا يُتَيَقَّنُ بصِحَّتِها، فيُقالُ لهم عند رُؤية العذابِ: أَفَتَتَوَهَّمون هذا تَخْيِيلًا أم ليست لكم عُيونٌ باصِرَةٌ ترونه بها -والخَفاءُ يكون بهذين الطَّريقين- أم تتيقَّنون أنه عذابٌ؟! ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: صَبْرُكم وجَزَعُكم سواءٌ، فلا يُخَفَّفُ عنكم، ولا تُرْحَمون فتُخرَجوا منها، وكانوا يقولون في الدنيا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦]، فيُقالُ لهم في النار: سواءٌ عليكم أَصَبَرْتُم أم جَزِعْتُم، فلا فرَجَ لكم مِن العذاب المُهين، وهم يقولون أيضًا لأنفسهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾. ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أنتم جَلَبْتُم إلى أنفسكم هذا. * * * (١٧ - ١٩) - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 6895

وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾: وهذا بيانُ حالِ الذين يُخالِفونهم، وهُم الذين اتَّقوا الشركَ والمعاصيَ، وهُم في بساتينِ الفِرْدَوسِ ونَعيمِها. ﴿فَاكِهِينَ﴾: قال الفراء: أي: مُعْجَبين (١). وقال القُتَبِيُّ ونِفْطَوَيْهِ: ناعِمين (٢). وقيل: مُتَوَسِّعين فيما يَشْتَهونه مِن الفواكه وغيرِها. وقيل: طَيِّبين. ﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾: أي: أعطاهم. ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾: أي: حَفِظَهم. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾: أي: يُقال لهم: ﴿كُلُوا﴾: مِن أَطْعِمَتِها، ﴿وَاشْرَبُوا﴾: مِن أَشْرِبَتِها، ﴿هَنِيئًا﴾: سائِغًا طَيِّبًا لا أذًى فيها. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: جزاءً لكم بطاعتِكم في الدنيا، يُقالُ لهم هذا في مُقابلَةِ ما قيل لأولئك: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. و ﴿هَنِيئًا﴾: يجوزُ نعتًا للمصدر المحذوف، ويجوزُ دُعاءً؛ كما يُقالُ: هَنَّاكمُ اللَّهُ سَقْيًا ورَعْيًا. * * * (٢٠ - ٢١) - ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾.

стр. 6896

﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾: جَمْعُ سَريرٍ. وقال الكلبيُّ: صُفَّ بعضُها إلى بعض (١)، طولُها مئةُ ذِراعٍ في السماء، يتقابلون عليها في الزِّيارة، وإذا أراد أحدُهم القُعودَ عليها تطامَنَتْ واتَّضَعَتْ، وإذا قعَدَ عليها ارتفعَتْ (٢). ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾: أي: قَرَنَّاهم بحُورٍ؛ أي: سُودِ الأعيُنِ واسعاتِها. وقال ابن عباس: يعني: أتَوْنا فُرادى، فجعلناهم أزواجًا بالحُور العِين (٣). وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿وأَتْبعناهم﴾ بالألف والنون ﴿ذرِّيّاتِهِم﴾ على الجمع، ﴿وأَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم﴾ على الجَمْعِ أيضًا، وقرأ الباقون: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾. وقرأ نافعٌ: ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ في الأول على التوحيد بالرفع، والثاني ﴿ذُرِّيَّاتِهم﴾ على الجمع بالألف. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ وابنُ كثيرٍ كليهما على التوحيد، والأولى رَفْعٌ، والثانيةُ نَصْبٌ. وقرأ ابنُ عامرٍ: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ بالتاء (٤)، ﴿ذُرِّيَّاتُهم﴾ على الجمع رفعًا، ﴿ألحقنا بهم ذرياتِهم﴾ على الجمع نصبًا (٥).

стр. 6897

وهذا مِن تَكْميلِ النِّعَمِ عليهم في الجنة، يقول: وهؤلاء المُتَّقون الذين آمَنوا وآمَنَ أولادُهم كما آمَن آباؤُهم ألْحَقْنا الذُّرِّيَّةَ -وهُم الأولادُ- بالآباء في الجنة في درجةٍ واحدةٍ. يقول: وأرفَعُ الجميعَ إليها لِتَقَرَّ أعينُهم بالاجتماع في الجنة كما كان كذلكَ في الدنيا، فلا يَتَنَغَّصُ عليهم الحالُ بتَفَرُّقِ الشَّمْلِ. ثم قيل: هذا في أولادٍ هم أقلُّ حسناتٍ مِن الآباء، يتفضَّلُ اللَّهُ على الآباء فيُثِيبُ (١) الأبناءَ مثلَ ثوابِ الآباء، ويتجاوزُ عن تقصير الأبناء. وقيل: هذا في أولادٍ لم يُقَصِّروا في العمل، لكنْ كان عُمُرُهم أقصرَ مِن أعمار الآباء، فيُثِيبَ الأولادَ مثلَ ثوابِ الآباء؛ لأنَّه على الأعمال لا على الأعمار، فلم يَنْتَقِصْ بنُقْصانِ العُمُر. ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: ما نَقَصْناهم -أي: الأبناءَ- مِن ثواب أعمالهم بقِصَرِ أعمارهم. وقيل: ما نَقَصْناهم مِن ثواب الآباء بسبب إلحاق الأبناءِ بهم، مع أنَّهم أقلُّ عملًا (٢) مِن الآباء، وهو كما يُروى: "مَن فطَّرَ صائمًا فله مِثْلُ أَجْرِه مِن غير أنْ يَنْقُصَ مِن أجرِه شيءٌ" (٣). وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾: أي: بإيمانِ آبائِهم، ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أي: أعطيناهم مِن الثواب ما أعطينا الآباءَ (٤).

стр. 6898

وقال ابن عباس: مَن أدرَكَ العملَ وعمِلَ صالحًا أُلْحِقَ بآبائِه بعمَلِهم، ومَن كان صغيرًا أُلْحِقَ بآبائِه بإيمانِ آبائِه (١). وقال أبو مِجْلَزٍ: تُجْمَعُ له ذُرِّيَّتُه في الجنة كما كان يُحِبُّ في الدنيا أنْ يجتمعوا إليه (٢). وقال سعيدُ بنُ المسيِّب (٣): بلَغَني أنَّ الرجل مِن أهل الجنَّة يرى درجةً أرفعَ مِن درجتِه، فيقول: أنَّى لي هذا ولم يَبْلُغْه عملي؟ فيُقال: نشأَ لكَ ولدٌ صالحٌ مِن بعدكَ، فدعا لكَ (٤). وقال خارجةُ بن مُصْعَبٍ السَّرَخْسِيُّ: يُلْحِقُ اللَّهُ تعالى الذُّرِّيَّةَ الصِّغارَ بآبائهم في الدرجات، ولم يكن للذُّرِّيَّةِ أعمالٌ يَبْلُغون بها درجاتِ آبائِهم، فبلَّغَهم اللَّهُ تعالى تلك الدَّرَجاتِ بأعمال آبائِهم (٥).

стр. 6899

وقولُه تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾: قال ابنُ عباس: أي: مَجْزِيٌّ بكَسْبِه (١). * * * (٢٢ - ٢٣) - ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾: أي: أَتْبَعْنا ما أعطيناهم فاكهةً كثيرةً لا تَنْقَطِعُ، كُلَّما أكلوا ثمرةً عادَ مكانَها مِثْلُها. قولُه تعالى: ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: أي: وأَمْدَدْناهم بهذا أيضًا. ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾: أي: يَتَعَاطَون ويتداولون في الجنة قَدَحًا فيه شرابٌ، ولا يُسَمَّى كأسًا حتى يكونَ فيها شرابٌ؛ كما لا تُسَمَّى مائدةً حتى يكونَ عليها طعامٌ. ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾: قرأ أبنُ كثيرٍ كليهما بالفتح مِن غيرِ تنوينٍ، وقرأ الباقون بالرفع والتنوين (٢)؛ أي: لا يَذْهَبُ هذا الشَّرابُ بعقولِهم فيتكلَّموا باللغو -وهو الكلامُ الباطلُ- فيَأْثَموا به. وقيل: اللَّغْوُ في القول، والتَّأْثيمُ في الفعل. وقيل: أي: هو مُباحٌ لهم، لا تأثيمَ فيه بالتحريم. * * * (٢٤ - ٢٥) - ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.

стр. 6900

﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: لِلخِدْمَة. ﴿غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾: خُلِقوا في الجنة. ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾: أي: مَصُونٌ لِلَطافَتِهم وصَفْوَتِهم، وقال في الجواري: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، وهو معَ صفائِه ولَطافَتِه مأكولٌ، فأشارَ بذلكَ أنَّ الجواريَ يُتَمَتَّعُ بهن نَظَرًا وتناوُلًا، والغِلْمانَ للنَّظَر دون التَّناوُل، وجمَعَتْ هذه الآيةُ نهايةَ ما يُشْتَهى، وكمالَ ما يُبْتَغى، وليس وراءَه مُنْتَهى. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: وهو مِن المُفاوضة التي يتِمُّ بها الاستئناسُ. أي: أقبَلَ بعضُ أهلِ الجنة على بعضيى يتساءلون عن أعمالهم في الدنيا التي بها وصَلوا إلى هذه النِّعَمِ بوعد اللَّه تعالى. * * * (٢٦ - ٢٧) - ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾. ﴿قَالُوا﴾: أي: قال المسؤولون: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ﴾: أي: قبلَ هذا ﴿فِي أَهْلِنَا﴾: أي: مع أهلنا ﴿مُشْفِقِينَ﴾: أي: خائِفين. وهؤلاء كانوا مِن أهل التقوى والطاعة، أَدَّوا فرائضَ اللَّهِ تعالى، واجتنبَوا مَحارِمَه، إلَّا أنهم استَصْغَروا أنفسَهم، واستَقْصَروا (١) أعمالَهم، فكانوا مُشفقين أنْ يُؤْخَذوا بتقصيرهم. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: بقَبولِ الطاعات مع تقصيرِها، وعفا عن السيئات مع توفيرِها. ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾: أي: حَفِظَنا مِن عذاب السَّموم؛ أي: الحَرُور.
следующие страницы →