﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾: جَمْعُ سَريرٍ.
وقال الكلبيُّ: صُفَّ بعضُها إلى بعض (١)، طولُها مئةُ ذِراعٍ في السماء، يتقابلون عليها في الزِّيارة، وإذا أراد أحدُهم القُعودَ عليها تطامَنَتْ واتَّضَعَتْ، وإذا قعَدَ عليها ارتفعَتْ (٢).
﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾: أي: قَرَنَّاهم بحُورٍ؛ أي: سُودِ الأعيُنِ واسعاتِها.
وقال ابن عباس: يعني: أتَوْنا فُرادى، فجعلناهم أزواجًا بالحُور العِين (٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿وأَتْبعناهم﴾ بالألف والنون ﴿ذرِّيّاتِهِم﴾ على الجمع، ﴿وأَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم﴾ على الجَمْعِ أيضًا، وقرأ الباقون: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾.
وقرأ نافعٌ: ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ في الأول على التوحيد بالرفع، والثاني ﴿ذُرِّيَّاتِهم﴾ على الجمع بالألف.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ وابنُ كثيرٍ كليهما على التوحيد، والأولى رَفْعٌ، والثانيةُ نَصْبٌ.
وقرأ ابنُ عامرٍ: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ بالتاء (٤)، ﴿ذُرِّيَّاتُهم﴾ على الجمع رفعًا، ﴿ألحقنا بهم ذرياتِهم﴾ على الجمع نصبًا (٥).
стр. 6897
وهذا مِن تَكْميلِ النِّعَمِ عليهم في الجنة، يقول: وهؤلاء المُتَّقون الذين آمَنوا وآمَنَ أولادُهم كما آمَن آباؤُهم ألْحَقْنا الذُّرِّيَّةَ -وهُم الأولادُ- بالآباء في الجنة في درجةٍ واحدةٍ.
يقول: وأرفَعُ الجميعَ إليها لِتَقَرَّ أعينُهم بالاجتماع في الجنة كما كان كذلكَ في الدنيا، فلا يَتَنَغَّصُ عليهم الحالُ بتَفَرُّقِ الشَّمْلِ.
ثم قيل: هذا في أولادٍ هم أقلُّ حسناتٍ مِن الآباء، يتفضَّلُ اللَّهُ على الآباء فيُثِيبُ (١) الأبناءَ مثلَ ثوابِ الآباء، ويتجاوزُ عن تقصير الأبناء.
وقيل: هذا في أولادٍ لم يُقَصِّروا في العمل، لكنْ كان عُمُرُهم أقصرَ مِن أعمار الآباء، فيُثِيبَ الأولادَ مثلَ ثوابِ الآباء؛ لأنَّه على الأعمال لا على الأعمار، فلم يَنْتَقِصْ بنُقْصانِ العُمُر.
﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: ما نَقَصْناهم -أي: الأبناءَ- مِن ثواب أعمالهم بقِصَرِ أعمارهم.
وقيل: ما نَقَصْناهم مِن ثواب الآباء بسبب إلحاق الأبناءِ بهم، مع أنَّهم أقلُّ عملًا (٢) مِن الآباء، وهو كما يُروى: "مَن فطَّرَ صائمًا فله مِثْلُ أَجْرِه مِن غير أنْ يَنْقُصَ مِن أجرِه شيءٌ" (٣).
وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾: أي: بإيمانِ آبائِهم، ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أي: أعطيناهم مِن الثواب ما أعطينا الآباءَ (٤).
стр. 6898
وقال ابن عباس: مَن أدرَكَ العملَ وعمِلَ صالحًا أُلْحِقَ بآبائِه بعمَلِهم، ومَن كان صغيرًا أُلْحِقَ بآبائِه بإيمانِ آبائِه (١).
وقال أبو مِجْلَزٍ: تُجْمَعُ له ذُرِّيَّتُه في الجنة كما كان يُحِبُّ في الدنيا أنْ يجتمعوا إليه (٢).
وقال سعيدُ بنُ المسيِّب (٣): بلَغَني أنَّ الرجل مِن أهل الجنَّة يرى درجةً أرفعَ مِن درجتِه، فيقول: أنَّى لي هذا ولم يَبْلُغْه عملي؟ فيُقال: نشأَ لكَ ولدٌ صالحٌ مِن بعدكَ، فدعا لكَ (٤).
وقال خارجةُ بن مُصْعَبٍ السَّرَخْسِيُّ: يُلْحِقُ اللَّهُ تعالى الذُّرِّيَّةَ الصِّغارَ بآبائهم في الدرجات، ولم يكن للذُّرِّيَّةِ أعمالٌ يَبْلُغون بها درجاتِ آبائِهم، فبلَّغَهم اللَّهُ تعالى تلك الدَّرَجاتِ بأعمال آبائِهم (٥).
стр. 6899
وقولُه تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾: قال ابنُ عباس: أي: مَجْزِيٌّ بكَسْبِه (١).
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾: أي: أَتْبَعْنا ما أعطيناهم فاكهةً كثيرةً لا تَنْقَطِعُ، كُلَّما أكلوا ثمرةً عادَ مكانَها مِثْلُها.
قولُه تعالى: ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: أي: وأَمْدَدْناهم بهذا أيضًا.
﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾: أي: يَتَعَاطَون ويتداولون في الجنة قَدَحًا فيه شرابٌ، ولا يُسَمَّى كأسًا حتى يكونَ فيها شرابٌ؛ كما لا تُسَمَّى مائدةً حتى يكونَ عليها طعامٌ.
﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾: قرأ أبنُ كثيرٍ كليهما بالفتح مِن غيرِ تنوينٍ، وقرأ الباقون بالرفع والتنوين (٢)؛ أي: لا يَذْهَبُ هذا الشَّرابُ بعقولِهم فيتكلَّموا باللغو -وهو الكلامُ الباطلُ- فيَأْثَموا به.
وقيل: اللَّغْوُ في القول، والتَّأْثيمُ في الفعل.
وقيل: أي: هو مُباحٌ لهم، لا تأثيمَ فيه بالتحريم.
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
стр. 6900
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: لِلخِدْمَة.
﴿غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾: خُلِقوا في الجنة.
﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾: أي: مَصُونٌ لِلَطافَتِهم وصَفْوَتِهم، وقال في الجواري: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، وهو معَ صفائِه ولَطافَتِه مأكولٌ، فأشارَ بذلكَ أنَّ الجواريَ يُتَمَتَّعُ بهن نَظَرًا وتناوُلًا، والغِلْمانَ للنَّظَر دون التَّناوُل، وجمَعَتْ هذه الآيةُ نهايةَ ما يُشْتَهى، وكمالَ ما يُبْتَغى، وليس وراءَه مُنْتَهى.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: وهو مِن المُفاوضة التي يتِمُّ بها الاستئناسُ.
أي: أقبَلَ بعضُ أهلِ الجنة على بعضيى يتساءلون عن أعمالهم في الدنيا التي بها وصَلوا إلى هذه النِّعَمِ بوعد اللَّه تعالى.
* * *
(٢٦ - ٢٧) - ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾.
﴿قَالُوا﴾: أي: قال المسؤولون:
﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ﴾: أي: قبلَ هذا ﴿فِي أَهْلِنَا﴾: أي: مع أهلنا ﴿مُشْفِقِينَ﴾: أي: خائِفين.
وهؤلاء كانوا مِن أهل التقوى والطاعة، أَدَّوا فرائضَ اللَّهِ تعالى، واجتنبَوا مَحارِمَه، إلَّا أنهم استَصْغَروا أنفسَهم، واستَقْصَروا (١) أعمالَهم، فكانوا مُشفقين أنْ يُؤْخَذوا بتقصيرهم.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: بقَبولِ الطاعات مع تقصيرِها، وعفا عن السيئات مع توفيرِها.
﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾: أي: حَفِظَنا مِن عذاب السَّموم؛ أي: الحَرُور.
стр. 6901
(٢٨) - ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾.
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: في الدُّنيا ﴿نَدْعُوهُ﴾ أنْ يمُنَّ علينا، ويَقِيَنا عذابَ السَّموم.
قال ابن عباس: أي: حرَّ النارِ (١).
وقيل: ﴿السَّمُومِ﴾: الحَرُّ الذي يدخُلُ مَسامَّ البدَنِ فيؤلِمُه.
﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: قرأَ نافعٌ والكسائيُّ: ﴿إِنَّهُ﴾ بفتح الألف؛ أي: نَدْعُوه بأنه، وقرأَ الباقون بالكسر على الاستئنافِ (٢).
﴿الْبَرُّ﴾: البَارُّ اللَّطيفُ.
وقال الضَّحَّاكُ: أي: الصَّادِقُ فيما وعَدَ (٣).
﴿الرَّحِيمُ﴾: الرَّؤوفُ العَطوفُ.
وقال ابن عباس: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾: خائفين مِن عذاب اللَّه (٤).
وقال الضَّحَّاكُ: خائفين أنْ يُنْزَعَ منا الإيمانُ (٥).
وقال الإمامُ القُشَيريُّ: لولا أنهم قالوا: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، لكانوا قد لاحَظوا
стр. 6902
إشفاقَهم، ولكنَّ الحقَّ اختطَفَهم عن شُهودِ إشفاقِهم، حيث أشهَدَهم مِنَّتَه عليهم حتى قالوا: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾، وقالوا: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾.
* * *
(٢٩ - ٣٠) - ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾: أي: فَدُمْ على تذكيرِهم بهذا كلِّه، ولا تَلْتَفِتْ إلى قولِهم لكَ: إنك كاهنٌ أو مجنونٌ، فما أنتَ كذلك ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾؛ أي: قد أنعَمَ اللَّهُ عليكَ بكمال العقلِ، وبرَّأَكَ مِمَّا وصفَكَ به أهلُ الجهلِ.
﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾: وهذه مُحاجَّةٌ للمشركين، يقولُ: أتقولون: إنَّ محمدًا شاعرٌ ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾؛ أي: ننتظِرُ به الموتَ فنستريحُ منه؛ كما ماتَ شاعرُ بني فُلانٍ فاستراحَ الناسُ مِن لسانِه وشَتْمِه.
و ﴿الْمَنُونِ﴾: عند الكسائيِّ والأخفشِ والفرَّاءِ: الدَّهْرُ (١)، و ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾: حوادثُ الدَّهرِ.
والخليلُ يقولُ: ﴿الْمَنُونِ﴾: الموتُ (٢)، وهي مُؤَنَّثةٌ سماعًا، ورَيْبُها: أوجاعُها (٣)، وسُمِّيَ الدهرُ مَنونًا؛ لأنَّه يذهَبُ بمُنَّةِ الإنسان؛ أي: قُوَّتِه، وسُمِّيَ الموتُ مَنونًا لأنه
стр. 6903
يَقْطَعُ العُمُرَ، والمَنُّ: القَطْعُ، و ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]؛ أي: غيرُ مَقْطوعٍ.
* * *
(٣١ - ٣٢) - ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾: هو تهديدٌ لا أَمْرٌ؛ أي: أنتم تتربَّصون موتي، وأنا أترَبَّصُ أنْ يُظْفِرَني اللَّهُ عليكم فتنقادوا إليَّ بالإسلام (١)، أو يَقْتُلَكم اللَّهُ بيَدِي وأيدي أصحابي، أو تموتوا على الكفر على الذُّلِّ والقَهْرِ.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾: أي: إنَّهم يدَّعون أنهم أصحابُ عُقولٍ، ويفتخرون بها، أَفَعُقُولُهم تَدْعُوهم إلى الكذب عليكَ، وتَسْمِيَتِكَ بهذه الأسماء القبيحة، والعُقولُ تدُلُّ على براءَتِكَ عن هذه الصِّفات؟
﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: أي: بل يفعلون (٢) ذلك لِطُغْيانِهم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾: أي: اختَلَقَه؛ أي: القرآنَ.
﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بل هُم لا يُصَدِّقون بما يأتيهم مِن الحقِّ.
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾.
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾: أي: فليأتوا بمِثْلِ هذا القرآنِ مُتَقَوَّلًا إنْ كانوا صادقين أنَّ محمدًا تقوَّلَه، فإنهم مِثْلُ محمَّدٍ في اللِّسانِ، ومعرفةِ ضُروبِ الكلام.
стр. 6904
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾: أي: أم يقولون: إنَّهم خُلِقُوا مِن غير خالِقٍ، أم يَدَّعون أنهم خَلَقوا أنفُسَهم؟
يعني: فإذا كانوا لا يَدَّعون واحدًا مِن هذين، بل يُقِرُّون أنَّ لهم صانِعًا غيرَه، فما الذي يمنَعُهم عن إفرادِه بالعِبادةِ، وعن إثباتِ القُدْرةِ له على الإعادة؟
وقيل: أم خُلِقُوا مِن غير تُرابٍ ولا نُطْفَةٍ؟ فليسوا يدَّعون هذا، بل يُقِرُّون أنَّ آدمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ، وهُم خُلِقُوا مِن ماءٍ مَهينٍ، فما يمنَعُهم أنْ يُقِرُّوا أنهم يُخْلَقُون مَرَّةً أخرى مِن عظامٍ رَميمٍ؟
وقيل: أم خُلِقُوا مِن غيرِ آباءٍ وأُمَّهاتٍ، فهُم كالجَماد لا يعقلون ما يُذَكَّرون به، أم هُم الخالِقون هذا الخلقَ، فكذلك لا يَأْتَمِرون ولا ينتهون؛ لأنَّ الأمرَ والنَّهْيَ للخالق.
وقيل: معناه: أم خُلِقُوا مِن غيرِ حسابٍ ولا ثوابٍ وعقابٍ -وتقديرُه: لغير شيءٍ؛ كقولكَ: فعلْتُ هذا مِن غير شيءٍ- فبئس ما يَظُنُّون.
وقال ابنُ كَيْسَانَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾؛ أي: بغير شيءٍ؛ أي: تُرِكوا سُدًى، لا يُؤْمَرون ولا يُنْهَونَ.
وقال أيضًا: أَخُلِقوا عبَثًا، وترُكِوا سُدًى (١)؟ قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾.
стр. 6905
قولُه تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: أي: أم يَدَّعون خَلْقَهما، فإذا لم يدَّعوا خَلْقَ البعضِ ولا خَلْقَ الكُلِّ، واعترَفوا بأنَّ خالقَ الكُلِّ هو اللَّهُ تعالى، فلِمَ امتناعُهم عن توحيدِه، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عنه؟
﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾: أي: ليس تكذيبُهم الرُّسُلَ وجُحودُهم البعثَ عن دليلٍ يَتَيَقَّنون به.
وقيل: ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ بوعيد اللَّهِ بتَرْكِ النَّظَر والإصرارِ على الكفر.
وقيل: أي: لا يجحدون البعثَ مُوقِنين باستحالتِه، بل شَاكِّينَ في كونه.
قولُه تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾: قيل: أم يقولون: ﴿عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ مِن عِلْمِ الغَيبِ، فعَلِموا بذلك أنه كاذبٌ، وأنَّ البعثَ غيرُ كائنٍ؟
وقال عكرمةُ: ﴿خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾: أي: النُّبُوَّةُ (١).
وقيل: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾: مِن أرزاقِه وعَطائِه، فهُم يَمْلِكون الضُّرَّ والنَّفْعَ لأنفُسِهم ولغيرهم، فيستغنون بذلك عن ربهم؟
﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾: أي: أم ليس شيءٌ مِن هذا بل هُم يتمرَّدون ويتسلَّطون عليكَ جهلًا؟
وقيل: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ فهُم المالِكون أرزاقَ العبادِ، أم هُم المُسَلَّطون على الناس، المالِكون تَصْرِيفَهم كيف أرادوا؟
أي: فإذا كانوا غيرَ مالِكين ذلك، بل يُقِرُّون أنَّ اللَّهَ مالِكُ ذلك كُلِّه، فهل يجوزُ أنْ يكونَ عاجزًا عن البعث، أو عاجزًا عن إبانة الصَّادقِ مِن الكاذب بالدليل؟
стр. 6906
وقال أبو عبيدةَ والأخفشُ: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾: أي: الأربابُ، يُقالُ: سَيْطَرَ فلانٌ عليَّ؛ أي: اتَّخَذَني مِن خَوَلِه (١).
وقيل: أم هُم المُتَسَلِّطون بالغَلَبة بحُجَّةٍ أو عُدَّةٍ؟!
* * *
(٣٨ - ٣٩) - ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾.
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾: أي: أم يَدَّعون أنَّ لهم سُلَّمًا يتوصَّلون بصُعوده إلى السماء فيَسْتَمعون الأخبارَ بها، ويَصِلون بذلك إلى أخبار السماء كما يَصِلُ محمَّدٌ إليه، فيستمعون بذلك أنَّ ما هُم فيه حقٌّ، فهُم كذلك مُتَمَسِّكون به.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: أي: فلْيَأْتِ مَن يَدَّعي سماعَ ذلك بحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ على سماعِه، وذلك أنْ يُخْبِرَ بغَيبٍ، فيَظْهَرَ كما أَخْبَرَ.
﴿لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾: أي: هُم مِن ضَعْفِ العُقول بهذه المرتبة يُضِيفون إلى اللَّه تعالى البناتِ مع أَنَفَتِهم منهنَّ، ومَن كان مِن قِلَّةِ التَّمييز بهذه المنزلة، كيف تَنْجَعُ فيه الحُجَّةُ والموعظةُ؟
وقيل: معناه: أم قد تَقَرَّرَ عندكم أنَّ ربَّكم له البناتُ، واختارَهنَّ أولادًا لنفْسِه وأَصْفاكم بالبَنينَ، فاستَدْلَلْتُم بذلكَ على كرامتِكم عليه، فقلتم: يَتْرُكنا سُدًى لا حِسابَ علينا ولا جَزاءً؟ فلذلك لا تُبالون بشِرْكِكم ومَعاصيكم، كلَّا ما هذا كذا.
* * *
стр. 6907
(٤٠ - ٤٣) - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قولُه: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾: أي: جُعْلًا لكَ مِن أموالهم على الإيمان بكَ.
﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾: فلذلك لا يُؤمنون بكَ.
﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾: أي: أم يَدَّعون أنَّ عندهم عِلْمَ الغَيبِ، فهم يكتبون مِن ذلك مِثْلَ ما تأتيهم به، فيُعارِضونكَ به؟
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾: أي: إنْ يَمْكُروا بكَ بتَنْفِيرِ الناس عنكَ، وتَأْلِيبِهم عليكَ احتيالًا لِقَتْلِكَ أو لِغَلَبَتِكَ ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾؛ أي: بل ضَرَرُ كيدِهم يعودُ عليهم، فيُغْلَبون ويُخْزَون ويُهْلَكون، وهذه بشارةٌ لهم.
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾: يَعْتَضِدون به، ويَلْتَجِئون إليه مما نُريدُ إنزالَه بهم مِن العذاب؛ كما قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: هو مُنَزَّهٌ عن ذلكَ.
وقال مُقاتلٌ ﵀: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِر﴾: نزَلَتْ في أبي جهلٍ، والنَّضْرِ بن الحارثِ، وعُقْبَةَ، والحارثِ بنِ قيسٍ، ومُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ، ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾: تُوُفِّيَ أبوه شابًا، ونحن نرجو أنْ يكونَ موتُه كَمَوْتِ أبيه (١).
وقال الحسن: ﴿الْمَنُونِ﴾: الموتُ (٢).
وقال ابن عباس: الدَّهْرُ (٣)، وأنشدَ:
стр. 6908
تَرَبَّصْ بها رَيْبَ المَنونِ لعلَّها... تُطَلَّقُ يومًا أو يموتُ حليلُها (١)
وقال في قوله: ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾: أي: لِنُزولِ العذابِ بكم، فعُذِّبوا يومَ بدرٍ.
* * *
(٤٤ - ٤٥) - ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾: أي: وإنْ يرَ هؤلاء المشركون قِطْعةً مِن السماء ساقطًا يَسْقُطُ عليهم وهُم يُعايِنُونها بإنزال اللَّه ذلك حُجَّةً لكَ عليهم؛ كما سألوكَ تَعَنُّتًا فقالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾، لَأَدْخَلوا على أنفسهم التَّمْوِيهَ، وقالوا: إنه سحابٌ مَرْكومٌ؛ يعني: رُكِمَ بعضُه على بعضٍ؛ أي: جُمِعَ، فسَقَطَ علينا، وليس بسماءٍ، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: وهذا قد يكون مِن المُعاند
стр. 6909
بعد التَّيَقُّنِ والمعرفةِ، وقد يكون مِمَّنِ استولى عليه الإِلْفُ والتَّمادي في تَرْكِ النَّظَرِ لِلحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ، فكُلُّ ما ورَدَ عليه مِن الحُجَجِ الباهرةِ أَدْخَلَ على نفْسِه التَّلبيسَ، وتَرْكَ النَّظَرِ والتَّفْتيش.
قولُه تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾: أي: أَعْرِضْ عنهم، ولا تَحْرِصْ على أنْ يُعاجَلوا بالعذاب.
﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾: أي: يُهْلَكون بالصَّاعقة، وهي العذابُ المُهْلِكُ.
وقيل: هي عند النَّفْخَةِ الأولى، قال تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨].
* * *
(٤٦ - ٤٧) - ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾: أي: يومَ القيامةِ.
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: لا يَمْنَعُهم مِن عذابِ اللَّهِ مانِعٌ.
قرأ عاصِمٌ وابنُ عامرٍ: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضَمِّ الياء، والباقون بفتحها (١).
(صُعِقَ) بضم الصاد: أُنْزِلَتْ به الصاعقةُ، و (صَعِقَ) بالفتح: وقَعَ في الصاعقة.
﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: أَشْرَكوا، فوضَعوا العِبادةَ في غير مَوْضِعِها.
﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾: أي: قَبْلَ اليومِ الذي فيه يُصْعَقون، وهو ما نالَهم مِن القَحْطِ والسَّبْيِ والقَتْلِ يومَ بدرٍ.
وقيل: هو أنْ يقولَ إذا قام إلى الصلاة: سُبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِكَ. قالَه الضَّحَّاكُ والرَّبيعُ بن أنسٍ (١).
وقيل: تقومُ مِن القَيْلُولةِ، وهي صلاةُ الظُّهرِ.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: أي: فصَلِّ لِرَبِّكَ أيضًا باللَّيلِ، وهي صلاةُ المغربِ والعشاءِ.
﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: قال عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وأبو هريرةَ، والحسنُ، وقتادةُ، وعكرمةُ، ومُجاهدٌ، والشَّعْبِيُّ، وزاذانُ: أي: الرَّكعتين قبل الصُّبح (٢).
стр. 6912
وقال الحسنُ: هو أَمْرٌ بالمُواظبة على الصلوات مَفْروضِها ومَسْنُونِها.
وقيل: هي صلاةُ الفجرِ، والأمرُ للفريضة.
وقيل: التَّسبيحُ: هو الذِّكْرُ باللِّسان إذا قام مِن فراشِه إلى أنْ يدخُلَ في الصلاة. قاله عوف بن مالك (١).
وقيل: هو في حَقِّ مَن قامَ مِن مَجْلِسِه. وهو قولُ مجاهد، وعطاء، وأبي الأَحْوَصِ (٢).
وعن النبي ﷺ أنه كفَّارةُ المجلسِ (٣).
والحمدُ للَّهِ الواحدِ الأحدِ، ونشكُرُه على جميع ما وعَدَ.
* * *
стр. 6913
سورة النجم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّهِ الذي أوحى إلى عبْدِه ما أوحى، الرَّحمنِ الذي أَغْنى وأَقْنى، الرَّحيمِ الذي إليه المُنْتَهى.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأَ سُورةَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ أُعْطِيَ عشرَ حسناتٍ بعدَدِ مَن صَدَّقَ بمحمد وجحَدَ به بمَكَّةَ" (١).
وهذه السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، وهي اثنتان وستون آيةً، وقيل: إحدى وستون، والاختلافُ في قوله: ﴿إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.
وكلماتُها: ثلاثُ مئةٍ وستون كلمةً.
وحروفُها: ألفٌ وثلاثُ مئةٍ وستةٌ وثمانون.
وانتظامُ خَتْمِ تلك السُّورةِ بافتتاح هذه السورة: أنَّ تلك في ذِكْرِ النُّجوم، وهذه في ذِكْرِ النَّجْمِ.
وانتظامُ السُّورتين: أنَّهما في مُحاجَّة المشركين، وفي هذه زيادةُ كرامةٍ لِسَيِّدِ المرسَلين، وبيانُ قِصَص الأوَّلين.
стр. 6914
(١) - ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾: قال ابن عباس: أقسَمَ اللَّهُ تعالى بالقرآن إذا نَزَلَ نُجومًا (١)، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥].
وقال مجاهد: أقسَمَ اللَّهُ تعالى بالثُّرَيَّا إذا غابَتْ (٢)، والعربُ تُسَمِّي الثُّرَيَّا نَجْمًا.
ويُقالُ: المرادُ به: جِنْسُ النُّجومِ، وهَوِيُّها: غروبُها.
وقيل: هَوِيُّها: انقضَاضُها لِرَجْمِ الشياطين، وهو قولُ (٣) ابنِ عباس أيضًا (٤).
وقيل: هو إِسْراعُها في السَّيْرِ، لا تَفْتُرُ طالِعةً وغارِبةً.
وقال جعفرٌ الصَّادقُ: هو القسَمُ بالنَّبيِّ ﷺ إذا نزَلَ ليلةَ المِعْراج مِن السماء (٥).
وقيل: هو قسَمٌ بالعالِم إذا وُضِعَ في قَبْرِه؛ قال النبيُّ ﷺ : "عُلَماءُ أُمَّتي كالنُّجوم، بها يُهْتَدى في البَرِّ والبحر" (٦).
стр. 6915
وقيل: هو قسَمٌ بنُورِ المعرفة إذا وقَعَ في القلب، قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥].
وقيل: هو قسَمٌ بالنَّبْتِ الضَّعيفِ إذا سَقَطَ، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، وتخصيصُه بالذِّكْرِ تأكيدٌ لِتَقْوِيَةِ قُلوبِ الضُّعفاء.
وقيل: هو قسَمٌ برَبِّ النَّجْمِ؛ كما مَرَّ في الذَّارِياتِ.
* * *
(٢ - ٣) - ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾.
قولُه تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾: هو جوابُ القسَمِ؛ أي: ما عدَلَ عن الصَّوابِ المبعوثِ به إليكم رَسُولًا، وما جَهِلَ ما خُوطِبَ به.
وقيل: ما خابَ مِمَّا طلَبَ مِن رضى اللَّهِ ورحمتِه.
وقيل: أي: ﴿مَا ضَلَّ﴾: في دِينِه الذي يَدْعوكم إليه، ﴿وَمَا غَوَى﴾: أي: ما خرَجَ عن الرُّشْدِ في أسباب نفْسِه مِن أُمور دنياه ومُعاملاتِه، عرَّفَهم ما لم يَزَلْ معروفًا به مِن الأمانة والسَّداد، وكان يُسَمَّى: الأمين، ويُتَحَاكَمُ إليه في عَظائِمِ الأمور.
وقيل: ما ضلَّ قَبْلَ الوحيِ، ولا غوى بعد الوحيِ، فلم يَزَلْ كان يعبُدُ ربَّه ويُوَحِّدُه، لا يُطاوِعُ نفْسَه في شهواتِها، ويَتَوَقَّى مُسْتَقْبَحاتِ الأمور والأفعال ومُسْتَشْنَعاتِها.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾: أي: بهوى نفْسِه بغير ما أُوحِيَ إليه.
و (عن) بمعنى الباء؛ كما يُقال: (رمى عن قوسِه).
* * *
стр. 6916
(٤) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾: أي: ما هو إلا وحيٌ يُوحِيه اللَّهُ تعالى إليه.
ولَمَّا قال مُشْرِكو (١) قريشٍ: ضلَّ محمدٌ عن دين آبائِه، أجابَ اللَّهُ بهذا، وسائرُ الناس كانوا يُجِيبون بأنفسهم، قال قومُ نوحٍ لنوحٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١]، وقال عادٌ لِهُودٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦]، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧]، وقال فرعونُ لموسى: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١]، قال له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
واللَّهُ تعالى تولَّى جوابَ ما قالوا للمصطفى ﷺ : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٢]، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].
وخُصُوصِيَّةٌ أخرى: قال لداود ﵇: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال للمصطفى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقال لآدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقال للمصطفى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾.
ورُوِيَ عن عُرْوةَ بنِ الزُّبير أنه قال: أرادَ عُتْبَةُ بنُ أبي لَهَبٍ الخُروجَ إلى الشَّام، فقال: لآتِيَنَّ محمدًا ولَأُوذِيَنَّه، فأتاه فقال: يا محمدُ، كفَرْتُ بالنَّجْمِ إذا هوى، والذي دنا فتدلَّى، فقال النبيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ سَلِّطْ عليه كَلْبًا مِن كلابِكَ"، وكان أبو طالبٍ حاضِرًا، فوجَمَ لها وقال: لقد أغناكَ اللَّهُ يا ابنَ أخي عن هذه الدَّعوة، خَوْفًا على ابن أخيه، فرجَعَ عُتْبَةُ إلى أبيه فأخبَرَه، ثم خرَجَ إلى الشام، فنزَلوا مَنْزِلًا، فأشرَفَ
стр. 6917
عليهم راهِبٌ مِن الدَّيْرِ، فقال لهم: إنَّ هذه أرضٌ مُسْبِعَةٌ؛ أي: ذاتُ سِباعٍ (١)، قال عُتْبَةُ لأصحابه: أَعِينُوني هذه اللَّيْلةَ، فإني أخافُ دعوةَ محمدٍ، فجمَعوا جِمالَهم، فأناخوها حولهم، وأَحْدَقوا بعُتْبَةَ، وفرَشوا له وَسَطَهم، وناموا، فجاء الأسدُ يتَشَمَّمُ وُجوهَهم، ثم دنا منه، فخَدَشَه وضرَبَه حتى قتَلَه، فقال في ذلك حسانُ بنُ ثابتٍ ﵁:
سائِلْ بني الأَشْعَرِ إنْ جئتَهم... ما كان أنباءُ أبي واسِعِ؟
لا وسَّعَ اللَّهُ له قَبْرَه... بل ضيَّقَ اللَّهُ على القاطِعِ
رَحِمَ نبيٍّ جَدُّه جَدُّه... يدعو إلى نورٍ له ساطعِ
رمى رسولَ اللَّهِ مِن بينهم... دُونَ قُرَيشٍ رَمْيَةَ القارعِ
أَسْبَلَ بالحِجْرِ لِتَكْذِيبِه... دُونَ قُرَيشٍ نُهْزَةُ (٢) القادِعِ
فاستوجَبَ الدَّعوةَ منة بما... بَيَّنَ للنَّاظِرِ والسَّامعِ (٣)
أنْ سَلَّطَ اللَّهُ به كَلْبَه... يمشي الهُوَيْنا مِشْيَةَ الخادِعِ
حتى أتاه وَسْطَ أصحابِه... وقد عَلَتْهُمْ سِنَةُ الهاجِعِ
فالتقَمَ الرأسَ بِيَافوخِهِ (٤) ... والنَّحْرَ منه فَغْرَةَ الجائعِ
ثم علا بعدُ بأنيابِه... مُنْعَفِرًا وَسْطَ دمٍ ناقِعِ
стр. 6918
قد كان هذا لكمُ عِبْرَةً... للسَّيِّدِ المَتْبوعِ والتَّابعِ
مَن يرجِعُ العامَ إلى أهلِه... فما أكيلُ السَّبْعِ بالرَّاجعِ (١)
* * *
(٤ - ٦) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾: أي: عَلَّمَ محمدًا ﷺ جبريلُ وحيَ اللَّهِ، وهو شديدُ القُوى. قالَه (٢) ابنُ عباس وقتادة والرَّبيع (٣)؛ أي: في نفْسِه وعِلْمِه، وهو كما قال في موضعٍ آخَرَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ﴾.
ومن قُوَّتِه ما ذكَرْنا في قصة لوطٍ مِن رَفْعِه القريَّاتِ إلى السماء ثم تَقْلِيبِها، ومِن قُوَّتِه ما رُوِيَ أنه ضرَبَ بجناحِه إبليسَ على عَقِبِه (٤) بمكَّةَ فألقاه بالهند.
وقولُه: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: أي: ذو إِحْكامٍ كالحَبْلِ المُمَرِّ المُوثَقِ بالفَتْلِ.
وقيل: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾: في أوامرِ اللَّهِ تعالى ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾؛ أي: ذو قُوَّةٍ في جِسْمه.
стр. 6919
وقيل: أي: ذو خَلْقٍ حسَنٍ.
وقال قتادة: أي: ذو خَلْقٍ طويلٍ حسَنٍ (١).
وقيل: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: أي: ذو استمرارٍ ومُرورٍ في الجوِّ في انحدارِه وصُعودِه سريعًا في ذلك.
وقال نِفْطَوَيْهِ: أي: ذو رأيٍ مُحْكَمٍ.
وصَرْفُ هذه الصِّفَةِ (٢) إلى جبريل ﵇ قولُ مُجاهدٍ وقتادةَ وأبي العالية وجماعةٍ (٣)، وسياقُ هذه الآيةِ على قولهم.
﴿فَاسْتَوَى﴾ (٤): أي: جبريلُ واقِفًا في الهواء بعد أنْ كان ينزِلُ مُسْرِعًا في كلِّ مَرَّةٍ.
* * *
(٧ - ٩) - ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾.
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾: مِن الهواء قريبًا مِن السماء.
وقيل في ذلك: إنه كان بمَطْلَعِ الشمس. قالَه قتادةُ (٥)، والأفُقُ: النَّاحِيَةُ، وجمعُه: الآفاقُ.
стр. 6920
﴿ثُمَّ دَنَا﴾: جبريلُ مِن الأرض.
﴿فَتَدَلَّى﴾: أي: فاسترسَلَ إلى محمد ﷺ .
وقيل: نكَسَ رأسَه لِتَبْلِيغِ وحيِ اللَّه تعالى إلى محمد ﷺ .
﴿فَكَانَ﴾: قُرْبُ ما بينهما ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: أي: قَدْرَ قوسين.
وقيل -وهو قول ابن عباس-: أي: قَدْرَ ذِراعين (١)، ويُسَمَّى الذِّراعُ قوسًا؛ لأنَّه يُقاسُ به المَذْروعُ؛ أي: يُقَدَّرُ.
﴿أَوْ أَدْنَى﴾: قيل: بل أدنى مِن ذلك، فلم يكن بالقَريبِ المُلاصِقِ، ولا بالبعيد المانع مِن التَّمَكُّن مِن النَّظَر إليه، وهو المقدارُ المعقولُ مِن مَجالسِ الخَواصِّ مِن العُظَماء في الدنيا، وهو يَجْمَعُ تقريبًا مِن العَظيم للمُجالس، وتعظيمًا مِن المُجالِسِ له (٢).
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.
﴿فَأَوْحَى﴾: أي: بلغ جبريلُ الوحي.
﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾: أي: إلى عبد اللَّه.
﴿مَا أَوْحَى﴾: أي: ما أوحى اللَّهُ تعالى إلى جبريل، وأمرَه أنْ يُبَلِّغَه إلى المصطفى ﷺ .
стр. 6921
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: قرأ ابنُ عامرٍ (١): ﴿ما كذَّب﴾: بالتشديد، والباقون بالتخفيف (٢).
﴿الْفُؤَادُ﴾: أي: فؤادُه، بالألف واللَّامِ بدلٌ عن الإضافة؛ كقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]؛ أي: مأواه.
ومعنى التَّخفيفِ: ما كذَبَ فؤادُه فيما رأى محمدٌ بعينه جبريلَ، وفيما وعى مِن عِلْمِه، وبالتَّشديدِ: لم يوجَدْ مِن قلبِه التَّكذيبُ لِمَا رآه بعينه، ولا إنكارُه.
* * *
(١٢) - ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾.
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿أَفَتَمْرُونَه﴾، ومعناه: أَفَتَجْحَدُونه أيُّها المشركون؟
وقرأ الباقون: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ (٣): أي: أَفَتُجَادِلونه على ما يرى؟ فتقولون: إنه لم يرَ جبريلَ ﵇، وإنما رأى شيطانًا؛ كما ترى (٤) الكهَنةُ الشياطينَ.
وإنما قال: ﴿يَرَى﴾، ولم يقل: (رأى)؛ لأنَّه كان يراه في كلِّ نُزولٍ، فهو على الفعلِ الدَّائمِ.
قالت عائشةُ ﵂: قال النبي ﷺ : "رأيتُ جبريلَ مُنْهَبِطًا قد ملَأَ ما بين السماء والأرض، عليه ثِيابُ سُنْدُسٍ مُعَلَّقٌ بها اللُّؤْلُؤُ والياقوتُ" (٥).
стр. 6922
وعنها أيضًا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرَجَ ذاتَ يومٍ، فإذا هو بجبريل ﵇ على الشمس، له جَناحٌ بالمشرق، وآخَرُ بالمغرب (١).
ورُوِيَ: أنَّ حمزةَ بنَ عبد المُطَّلِب قال: يا رسولَ اللَّهِ، أَرِني جبريلَ في صُورتِه، فقال: "إنَّكَ لا تستطيعُ أنْ تنظُرَ إليه"، قال: بلى يا رسولَ اللَّهِ أَرِنِيه، فقعَدَ ونزَلَ جبريلُ على خَشَبَةٍ في الكعبة كان المشركون يَضَعون عليها ثيابَهم إذا طافوا، فقال النبيُّ ﷺ : "ارفَعْ طَرْفَكَ يا حمزةُ، فانْظُرْ"، فرفَعَ عينيه، فإذا قدَماه كالزَّبَرْجَدِ الأخضرِ، فخَرَّ مَغْشِيًّا عليه (٢).
ورُوِيَ: أنَّ النبيَّ ﷺ سأل جبريلَ أنْ يراه على صورته، فقال: إنَّ الأرضَ لا تَسَعُني، ولكنِ انظُرْ إلى السماء، فرآه على صُورته، ثم دنا منه، فكُلَّما دنا منه انتقَصَ (٣)، فلما قرُبَ منه مقدارَ قوسين رآه على صُورته التي كان يراه عليها في كلِّ مَرَّةٍ (٤).
ورُوِيَ: أنَّه رآه على فرَسٍ والدُّنيا كلُّها بين كَلْكَلِه (٥)، وفي وجْهِه أُخْدُودٌ مِن البُكاء، لو أُلْقِيَتِ السُّفُنُ فيها لَجَرَتْ، فقال في هذه الحادثة في سُورةٍ أخرى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٦).
стр. 6923
(١٣ - ١٥) - ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾: أي: رأى جبريلَ أيضًا مَرَّةً أخرى ليلةَ المعراجِ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾: في السماوات.
﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾: أي رآه على صُورته مَرَّةً في الدنيا، ومَرَّةً عند سِدْرَة المُنْتهى، على هذا بعضُ المُفَسِّرين.
وقال الحسنُ البَصْريُّ وجماعةٌ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾: أي: علَّمَه اللَّهُ (١)، وهو وصفٌ مِن اللَّه تعالى نفْسَه بكمال القُوَّةِ والقُدْرة، وهو كقوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢٢]، وقولِه: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].
﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾: أي: ذو إحكامٍ للأمور والقضايا، قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩]، وبَيَّنَ المكانَ الذي فيه عَلَّمَه بلا واسطةٍ فقال: ﴿فَاسْتَوَى﴾: أي: محمدٌ، ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾: أي: فوقَ السماوات، ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾: هو بيانُ قُرْبِ الكرامةِ لمحمد ﷺ مِن ربِّه.
والإسراءُ برسولِه ﷺ في اليقظة بجِسْمه ليلًا مِن المسجد الحرام إلى بيت المَقْدِس، ثم منه إلى السماء، ثم منه إلى سِدْرَةِ المنتهى، ثم منه إلى ما شاء اللَّه تعالى = حَقٌّ صِدْقٌ، ذكَرَه اللَّهُ تعالى في أوَّلِ سورة بني إسرائيل، وفي هذه السورة، وقد وردَتْ أحاديثُ كثيرةٌ أشَرْنا إلى بعضِها في أوَّلِ سورة بني إسرائيل، وقد أورَدْناها في كتابٍ جَمَعْناه في ذلك (٢)، وقد قال به أهلُ السُّنَّةِ والجماعة، وأنكَرَه أهلُ الضَّلالةِ والبِدْعَةِ.
стр. 6924
واختلَفَتِ الرواياتُ في تعيين تلك الليلة:
قيل: كانت ليلةَ السَّابعِ والعشرين مِن رجَبٍ.
وقيل: كانت ليلةَ السَّادسَ عشرَ مِن شهر رمضانَ.
وقيل: كانت ليلةَ الثاني عشرَ مِن شهر ربيعٍ الأوَّلِ.
وقيل: كانت ليلةَ السبتِ.
وقيل: كانت ليلةَ الإثنينِ.
وقيل: كانت بعد المَبْعَثِ بسنتين.
وقيل: بثلاث سنين.
وقيل: كانت قبلَ الهجرةِ بثمانيةَ عشرَ شهرًا، أتاه جبريلُ ﵇ ومعه خمسون ألفَ ملَكٍ لهم زَجَلٌ بالتَّسْبيح، ورسولُ اللَّهِ ﷺ في بيتِ أمِّ هانئٍ ومعه ميكائيلُ، فقال: قُم يا محمَّدُ، فإنَّ الجَبَّارَ يَدْعوكَ إلى حَضْرَتِه (١)، فخرَجَ فإذا بالبُرَاقِ.
قال الواقديُّ: وهي دابَّةٌ فوق الحمار ودُونَ البَغْلِ، جسَدُها مِن ياقوتةٍ حمراءَ، وعنُقُها مِن زُمُرُّدٍ أخضَرَ، وأُذُناها بَيْضاوانِ، وذنَبُها كذَنَبِ البَقَرِ، وعيناها مِثْلُ الزُّمُرُّدَةِ.
وقال محمد بنُ إسحاقَ: كانت خضراءَ، وعُنُقُها حمراءُ.
وقيل: كان رأسُها مِن زَعْفَرَانٍ، وصَدْرُها مِن ياقوتٍ، ويداها مِن لُؤْلُؤٍ، ورجلاها مِن زَبَرْجَدٍ، ووَجْهُها كوجه الإنسان، وعُرْفُها كعُرْفِ الفرَسِ، وأذُناها كأذُنِ الفِيلِ، وعُنُقُها كعُنُقِ البعير، وصَدْرُها كصَدْرِ البغال (٢)، وقوائِمُها كقوائمِ البقَرِ، وبَطْنُها بالألوان المختلفة (٣).
стр. 6925
قال: "فرَكِبْتُها، فكانت إنْ ترَكْتُها سارَتْ، وإنْ حرَّكْتُها طارتْ، خَطْوُها مَدُّ البَصَرِ، والملائكةُ أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي" (١).
ثم كان في الطَّريقِ أعاجيبُ، وفي بيت المَقْدِس رأى النبيين وأَمَّهم، وبَشَّروه في أُمَّتِه بكل خيرٍ، ثم صَعِدَ إلى السماء، ورأى في كلِّ سماءٍ أعاجيبَ وجماعةً مِن الرسل، ورقَّاه اللَّهُ إلى ما رَقَّاه، ولَقَّاه ما لَقَّاه، وأراه ما أراه، وخَصَّه بقُرْبٍ لم يكن لأحدٍ قَبْلَه، ولا يكونُ لأحدٍ بَعْدَه، وهو قولُه تعالى: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾، أي: على طرف الكون.
﴿ثُمَّ دَنَا﴾: قيل: أي: دنا مِن كرامةِ اللَّه، ولم يُرِدْ به قُرْبَ المكانِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى مُنَزَّهٌ عن المكان، خلَقَ كلَّ مكانٍ، ولا حاجةَ له إلى مكانٍ، وإنما هو قُرْبُ المَنْزِلَةِ والدَّرَجة والكرامة والزُّلْفَة.
﴿فَتَدَلَّى﴾: أي: سجَدَ للَّهِ تعالى؛ لأنَّه قال: "وجدتُ ما وجدتُ بالخِدْمة فأزيدُ في الخِدْمة، وفي السَّجْدة وعدُ القُرْبةِ، فأزدادُ قُرْبًا على قُرْبٍ، وحُبًّا إلى حُبٍّ" (٢).
فانتهى إلى مكانٍ لم يَدْرِ الكونُ أين قدَمُه، ولم تَدْرِ قدمُه (٣) أين نفْسُه، ولم تَدْرِ نفْسُه أين قلبُه، ولم يَدْرِ قلبُه أين روحُه، ولم تَدْرِ روحُه أين سِرُّه، فكأنَّ الكونَ يطلُبُ قَدَمَه، وقَدَمَه تطلُبُ نفْسَه، ونفْسَه تطلُبُ قلبَه، وقلبَه يطلُبُ رُوحَه، ورُوحَه تطلُبُ سِرَّه.
стр. 6926
قالوا: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾: إشارةٌ إلى مَقامِ نفْسِه، ﴿فَتَدَلَّى﴾: إشارةٌ إلى مَقامِ قلبِه، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: إشارةٌ إلى مقامِ رُوحِه، ﴿أَوْ أَدْنَى﴾: إشارةٌ إلى مَقام سِرِّه، فكانت نفْسُه في مَقامِ الخِدْمة، وقلبُه في مَقام المَحَبَّة، ورُوحُه في مَقامِ القُرْبة، وسِرُّه في مَقامِ المُشاهدة، وكانت حياةُ نفْسِه بالخدمة، وبقاءُ قلبِه بالمحبَّة، وقيامُ رُوحِه بالقُرْبة، وغذاءُ سِرِّه بالمشاهدة، ولو نظَرَتْ نفْسُه إلى الكون لَبَقِيَتْ بلا خِدْمةٍ، ولو نظَرَ قلبُه إلى نفْسِه لَبَقِيَ بلا مَحَبَّةٍ، ولو نظَرَ رُوحُه إلى قلبه لَبَقِيَ بلا قُرْبَةٍ، ولو نظَرَ سِرُّه إلى رُوحه لَبَقِيَ بلا مُشاهدةٍ.
وسُئِلَ أبو الحسين النُّورِيُّ عن هذا المقام، فقال: لم يَسْعَ فيه جبريلُ، فمَن النُّوريُّ؟!
ثم قال: ﴿دَنَا﴾: يكونُ في أفهامنا بَعْدَ البُعْدِ ولا بُعْدَ ثَمَّ، ﴿فَتَدَلَّى﴾: يكونُ في مكانٍ ولا مَكانَ ثَمَّ، ﴿فَكَانَ﴾: عبارةٌ عن زمانٍ ولا عِبارةَ ثَمَّ ولا زمانَ، ﴿قَابَ﴾: إشارةٌ إلى مِقْدارٍ ولا إشارةَ ثمَّ، ﴿قَوْسَيْنِ﴾: مِثالٌ ولا مِثالَ ثَمَّ، ﴿أَوْ﴾: كلمةُ شَكٍّ ولا شَكَّ ثَمَّ، ﴿أَدْنَى﴾: مُبالغةٌ في أنه أدنى مِن دانٍ آخَرَ ولا دانٍ معه ثَمَّةَ، فقد قصُرَتْ عنه العلوم، وطاشَتْ عنده الفُهوم، ولم يكنْ لأهلِ المعرفة أنْ يذكُروا فيه شيئًا إلا أنْ قالوا: معناه: دنا عبدًا فتدلى فَرْدًا، دنا مَكِّيًّا فتدَلَّى مَلَكِيًّا، دنا قُرَشِيًّا فتدَلَّى عَرْشِيًّا، دنا مُجاهِدًا فتدَلَّى مُشاهِدًا، دنا طَالِبًا فتدلَّى واصِلًا، دنا ومعه الزَّحْمَةُ فتدَلَّى ومعه الرَّحْمةُ، دنا افتقارًا فتدلَّى افتخارًا، دنا مُنادِيًا فتدَلَّى مُناجِيًا، دنا مادِحًا فتدَلَّى مَمْدوحًا، دنا شاكِرًا فتدَلَّى مَشْكورًا.
وقيل: أحدُهما صفةُ اللَّهِ تعالى، والآخَرُ صفةُ محمد، ومعناه: كان هو يتقرَّبُ واللَّهُ يُقَرِّبُه، وكان هو يتكلَّمُ واللَّهُ يَسْمَعُه، وكان هو يسألُ اللَّهَ واللَّهُ يُعطِيه، وكان هو يَشْفَعُ واللَّهُ يُشَفِّعُه، وكان هو ينظُرُ في آياتِ اللَّه واللَّهُ ينظُرُ في آدابِ رسولِ اللَّه.
стр. 6927
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾: قد مَرَّ بعضُ الشَّرحِ فيه، وهو تقريرُ خاصِّيَّةٍ كانت له في تقريبِ المَنْزِلَةِ في الأفهام، وتأكيدُ حُرْمَةٍ وقعَتْ له مُصَوَّرَةً في الأوهام، مُمَثَّلَةً بما يتسارَعُ (١) إليه عُقولُ الأنام، فكانت عُظَماءُ العرب إذا أرادوا تأكيدَ عهدٍ وتوثيقَ عَقْدٍ لا يُنْقَضُ ولا يُرْفَض، أحضَرَ المتعاقدان قَوْسَيْهِما، فجَمَعا بينهما، وقَبَضا عليهما، ونزَعاهما جميعًا، ورَمَيَا عنهما سَهْمًا واحدًا، يُشِيران بذلك إلى الاتِّحادِ الكُلِّيِّ، والاجتماعِ (٢) الأصليِّ، فكان بعدَ ذلك رِضا أحدِهما رضا الآخَرِ، وسَخَطُ أحدِهما سَخَطَ الآخَرِ، فكأنَّه قال: أَكَّدْنا المحبَّةَ، وأَبْرَمْنا القُرْبَةَ، فمَقْبُولُه مَقْبولي، ومَرْدُودُه مَرْدودي، وأبانَ ذلك في آياتٍ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١٥]، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النور: ٥٢]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨]، ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥]، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، فما هوَ له فهو لي، وما هو لي فهو له، وهذا مَقامٌ ليس فوقَه مَقامٌ.
وقيل: ﴿فَتَدَلَّى﴾: أي: أرسَلَ نفْسَه في هذا المكان، فقال: أنا لا أرجِعُ عن هذا المكان، فإني لا أَصْبِرُ عنه، فقيل له: إنَّ الذي أحضَرَكَ هذا المقامَ قادِرٌ على أنْ
стр. 6928
يُحْضِرَكَ هذا المكانَ وأنتَ في الدنيا، فارجِعْ فادْعُ إلينا الهاربين، فإذا استَوْحَشْتَ مِن الخَلْقِ، واشتَقْتَ إلى هذا المكان، فتُحْرِمُ للصلاة نُقَرِّبُكَ ونُبَلِّغُكَ هذا المقامَ؛ ولذلك كان يقول: "أَرِحْنا يا بلالُ" (١)، وكان يقولُ: "وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة" (٢).
وقال الإمامُ القُشَيريُّ: أدناه حتى لا دُنُوَّ، وأخذَه عنه حتى لا غير، وأَصْحاهُ لَمَّا مَحاهُ عنه، وقال له ما قال، ولم يُطْلِعْ أحدًا على ما بينهما مِن السِّرِّ، وأخبَرَ أنه ما يَنْطِقُ عن الهوى، ومتى يَنْطِقُ عن الهوى مَن هو في مَحَلِّ النَّجْوى، وظاهرُه مَزْمُومٌ بزِمام التَّقوى، وفي السِّرِّ هو في إيواء المولى؟! مُصَفًّى عن كُدُوراتِ البَشَرِيَّةِ، مُرَقًّى إلى شُهودِ الأَحَدِيَّةِ، مُكاشَفٌ بجَلالِ الصَّمَدِيَّةِ، مُخْتَطَفٌ عثه بالكُلِّيَّةِ، لم تَبْقَ فيه إلا للحقِّ بالحقِّ بَقِيَّةٌ، فمَن كان هذا صِفَتُه أنَّى يَنْطِقُ عن الهوى؟! (٣)
وقولُه تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾: أي: أوحى اللَّهُ في ذلك المقامِ ما أوحى، فأخفى كلَّ شيءٍ نسَبَه إليه؛ إشعارًا بأنه الحبيبُ الأَخَصُّ، فقال في مَقامه: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾، وقال في نثاره: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، وقال فيما رآه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، وقال في الوحيِ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾.
стр. 6929
وكذلك أحوالُ الأحبابِ، وتكلَّموا فيه:
فقيل: الأقربُ إلى الأدَبِ السُّكوتُ، فإنه ما أخفاه ليكون لكلِّ أحدٍ إظهارُه.
وقيل: قَدَّرَ ما وقَفَ عليه بخَبَرٍ أو أثَرٍ أو استدلالٍ، فلا بأسَ بِذِكْرِه.
وقيل: أوحى إليه قولَه تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخره، كان ذلك وحيًا إليه في ذلك المقامِ بغير واسطة جبريل.
وقال ابن عباس: قال اللَّهُ تعالى له: عَبَدْتَنا في الخَلْوَةِ، فاشْفَعْ لِأُمَّتِكَ في الخَلْوَةِ (١).
وقالت عائشةُ: سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك فقال: "هو قولُ اللَّهِ تعالى: لولا العِتابُ ما كان معَ أُمَّتِكَ الحِسابُ" (٢).
ورُوِيَ: أنَّ اللَّهَ تعالى قال له: "قل لأُمَّتِكَ: إنْ أَحْبَبْتُم أحدًا لإحسانه إليكم فأنا أولى به منكم لِكَثْرَةِ نِعمتي عليكم، وإنْ أنتم خِفْتُم أحدًا مِن أهل السماء والأرض فأنا أولى بذلك لِكَمال قُدْرتي، وإنْ أنتم رَجَوْتُم أحدًا فأنا أولى بذلك لأنِّي أُحِبُّ عِبادي، وإنْ أنتم استحيَيْتُم مِن أحد لِجَفائِكم إياه فأنا أولى بذلك لأنَّ منكم الجَفاءَ ومني الوَفاء، وإنْ أنتم آثَرْتم أحدًا بأموالكم وأنفسكم فأنا أولى بذلك لأني مَعْبودُكم، وإنْ صَدَّقْتُم أحدًا في وعده فأنا أولى بذلك لأني أنا الصَّادقُ" (٣).
وقال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: أوحى اللَّهُ إليه: ألَمْ أَجِدْكَ يتيمًا فآوَيْتُكَ، ووجدتُكَ ضالًّا
стр. 6930
فهدَيْتُكَ، ووجدتُكَ عائِلًا فأَغْنَيْتُكَ، ألم أشرَحْ لكَ صدرَكَ، ألم أضَعْ عنكَ وِزْرَكَ، ألم أرفَعْ لكَ ذِكْرَكَ (١)؟!
وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: إنَّكَ القاسِمُ بين الجنة والنار.
وقيل: أوحى إليه: إنَّ الجنَّةَ مُحَرَّمَةٌ على الأنبياء حتى تَدْخُلَها أنتَ، وعلى الأُمَمِ حتى تَدْخُلَها أُمَّتُكَ.
وقيل: أوحى إليه: خصَصْتُكَ بحوضِ الكوثر، فكلُّ أهلِ الجنَّةِ أضيافُكَ بالماء، فلهم الخَمْرُ واللَّبَنُ والعَسَلُ.
وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: إنِّي ضَمِنْت الرزقَ لعبادي وأُمَّتُكَ لا يَثِقون بذلك، وخلقْتُ (٢) النارَ لأعدائي وهُم يجتهدون أنْ يدخلُوها، وأنا لم أُطالِبْهم بعمَل الغدِ وهُم يَطْلُبون مني رِزْقَ الغدِ، وأنا لا أُعْطِي رِزْقَهم غيرَهم وهُم يُؤَدُّون طاعتي لِرؤية غيري، وأنا المُعِزُّ والمُذِلُّ وهُم يَرْجُون ويخافون غيري، وأنا المُنْعِمُ عليهم وهم يشكُرون لغيري.
يُروى هذا عن فاطمةَ ﵂: أنها سألَتْ رسولَ اللَّه ﷺ عن هذا، فقال هو هذا (٣).
стр. 6931
وقيل: أوحى إليه: وَهَبْتُ لكَ ثُلُثَ أُمَّتِكَ الليلةَ، وأَهَبُ لكَ الثُّلثين يومَ القيامة.
وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: يا محمدُ، لم أُكْثِرْ مالَ أُمَّتِكَ لئلا يكثُرَ (١) في القيامة حِسابُهم، ولم أُطِلْ أعمارَهم لِئلَّا تقسوَ قلوبُهم، ولم أُفاجِئْهم بالموت لِئلَّا يكونَ بدون التوحيد خروجُهم مِن الدنيا (٢)، وأخَّرْتُهم في الدنيا عن الآخرين لِئلَّا يطولَ في القبور حَبْسُهم.
وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: إنَّ أُمَّتَكَ يُطيعون وَيعْصون، وطاعتُهم برِضَائي، ومعصيتُهم بقضائي، فما كان برضائي أَقْبَلُه فأنا كريمٌ، وما كان بقضائي أغفِرُه فإني رحيمٌ.
وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: "عِشْ ما شِئْتَ فإنكَ مَيِّتٌ، وأحبِبْ ما شِئْتَ فإنكَ مُفارِقُه، واعمَلْ ما شئتَ فإنك مَجْزِيٌّ به" (٣).
وقيل: أوحى إليه: كُنْ آيِسًا مِن الخَلْق فليس بأيديهم شيءٌ، واجعل صُحْبَتَكَ معي فإنَّ مَرْجِعَكَ إليَّ، ولا تجعلْ قلبَكَ مُتَعَلِّقًا (٤) بالدنيا فما خَلَقْتُكَ لها.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾: أي: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ.
стр. 6932
﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾: قيل: مَرَّةً أخرى، و ﴿نَزْلَةً﴾: مَرَّةٌ مِن النزول؛ أي: نزَلَ بسِدْرَةِ المنتهى ليلةَ المعراج، فرآه بها على صورته.
قال ﷺ : "رأيتُه عند سِدْرةِ المنتهى، عليه سِتُّ مئةِ جَناحٍ، يتناثَرُ منها الدُّرُّ والياقوتُ" (١).
وسِدْرَةُ المُنْتَهى: شجرةُ نَبِقٍ، ولها حُسْنُ المَنْظَرِ، وطِيبُ الرائحةِ، وحلاوةُ الثَّمَرِ، وورقُها كآذانِ الفِيَلَةِ في الكِبَر، وثمَرُها كقِلالِ هَجَرٍ (٢)، وهي مقامُ جبريلَ، وأَمَّ فيها رسولُ اللَّه ﷺ ملائكةَ السماء في الوِتْر، فكان إمامَ الأنبياءِ في بيت المَقْدِس، وإمامَ الملائكةِ عند سِدْرَةِ المنتهى، فظهَرَ بذلك فَضْلُه على أهل الأرض والسماء.
وسُمِّيَتْ سِدْرَةَ المنتهى عند كعبٍ؛ لأنَّ رؤيةَ الملائكةِ تنتهي إليها، لا تَرى ملائكةُ السماوات ما فوقَها، وهي في السماء السابعة (٣).
وقال ابن مسعود والضحاك: ينتهي إليها ما يعرُجُ إلى السماء (٤).
стр. 6933
وقيل: تنتهي إليها أرواحُ الشُّهداءِ.
وقال ابن عباس: إليها ينتهي عِلْمُ العُلَماءِ، ولا يَعْلَمَ ما وراءَها إلا اللَّهُ (١).
وقيل: إليها ينتهي ما يَهْبِطُ مِن فوقها، وإليها ينتهي ما يَصْعَدُ مِن تحتها.
وقيل: إليها تنتهي كرامةُ اللَّهِ لأوليائه.
وقولُه تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾: وهي جنَّةُ الخُلْدِ.
وقيل: أوى إليها آدمَ وحوَّاء.
وقيل: تأوي إليها أرواحُ الشُّهداءِ.
وقيل: يأوي إليها أهلُها يوم القيامة.
* * *
(١٦) - ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾: أي: يُغَطِّيها.
قيل: النُّورُ والبهاءُ والحُسْنُ والصَّفاءُ الذي يروقُ الأبصارَ.
وقيل: العجائبُ الدَّالَّةُ على قُدْرةِ اللَّه تعالى وعظيمِ سُلْطانِه.
وقيل: غَشِيَها ملائكةُ اللَّهِ الصَّاعدون إليها مِن ملائكة السماوات، والنَّازِلون إليها مِن ملائكة العرش للقاء النبيِّ ﷺ .
وقيل: طولُها مَسيرةُ خمسين سنةً، وغَشِيَها مِن الملائكة ما غطَّاها كُلَّها، وهُم على صورة الجراد مِن الذَّهَبِ.
стр. 6934
وقال قتادة: استأذنوا للقاءِ النَّبيِّ ﷺ فأذِنَ لهم، وقيل لهم: لا تأتُوه بغير نِثَارٍ، فجاء كلُّ واحدٍ منهم بطَبَقٍ مِن أطباقِ الجنة عليه مِن اللَّطائفِ ما لا يُحصَى، فنَثَروه بين يديه تَقَرُّبًا إليه.
وقال مُقاتلٌ: فلو أنَّ رجلًا ركِبَ حِقَّةً، وطافَ على ساقِها حتى أدرَكَه الهرَمُ، ما وصَلَ إلى المكان الذي رَكِبَ منه (١). تَحْمِلُ لأهل الجنة الحُلِيَّ والحُلَلَ وجميعَ ألوانِ الثِّمار.
ويُقالُ: هي عن يمينِ العرشِ تخرُجُ أنهارُ الجنة مِن أَصْلِها.
* * *
(١٧) - ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾: أي: ما مالَ (٢) بصَرُ محمد عما رأى، وما جاوزَه إلى غيره، يعني: ما عدَلَ عن رؤيتِه قبلَ إحاطةِ عِلْمِه به، وما تعدَّى عن رؤيتِه إلى غيره رَغْبَةً عنه وفي حقِّ النَّظَرِ، فتيَقَّنَ بما أبصرَ؛ كما قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.
وقيل: ما زاغَ بصرُه حين عُرضَتْ عليه الدنيا رَغْبَةً فيها، وما طغى حين عرضَتْ عليه الآخرةُ تَعَلُّقًا بها، بل ترَكَ ذلك كلَّه مُكْتَفِيًا بالمولى.
وقيل: ﴿مَا زَاغَ﴾: أي: ما مالَ يمينًا ولا شمالًا، ولا طغى ولا تقدَّمَ؛ أي: وقَفَ حيث وُقِّفَ، وتصَرَّفَ على ما صُرِّفَ.
* * *
(١٨) - ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾.
стр. 6935
وقولُه تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: أي: العُظْمى، وهي عظائِمُ (١) السماوات، وطوائفُ الملائكةِ، وسِدْرَةُ المنتهى، وجنَّةُ المأوى، وما في الجِنان لأهل الإيمان، وما في النِّيران لأهل الطُّغْيان، والحُجُبُ والبحار، والظُّلَمُ والأنوار، وما تعجِزُ عنه الأفكار، وتحارُ فيه الأبصار.
وقال محمَّدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ والرَّبيعُ بنُ أنسٍ: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : هل رأيتَ ربَّكَ؟ قال: "رأيتُه بفؤادي، ولم أرَه بعيني" (٢).
وقال ابن عباس: رآه ببصَرِه بلا كَيْفٍ. وهو قولُ أنسٍ وكعبٍ وأسماءَ (٣).
وقالت عائشة: مَن قال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى ربَّه ليلةَ المعراجِ ببَصَرِه فقد أعظَمَ الفِرْيَةَ، ومَن قال: إنه كان يَعْلَمُ ما في غدٍ فقد أعظَمَ الفِرْيَةَ، ومَن زعَمَ أنه كتَمَ شيئًا مما أنزلَه اللَّهُ تعالى عليه فقد أعظَمَ الفِرْيَةَ، وإنما رآه بقلبه (٤).