← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

وقيل: أوحى إليه: وَهَبْتُ لكَ ثُلُثَ أُمَّتِكَ الليلةَ، وأَهَبُ لكَ الثُّلثين يومَ القيامة. وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: يا محمدُ، لم أُكْثِرْ مالَ أُمَّتِكَ لئلا يكثُرَ (١) في القيامة حِسابُهم، ولم أُطِلْ أعمارَهم لِئلَّا تقسوَ قلوبُهم، ولم أُفاجِئْهم بالموت لِئلَّا يكونَ بدون التوحيد خروجُهم مِن الدنيا (٢)، وأخَّرْتُهم في الدنيا عن الآخرين لِئلَّا يطولَ في القبور حَبْسُهم. وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: إنَّ أُمَّتَكَ يُطيعون وَيعْصون، وطاعتُهم برِضَائي، ومعصيتُهم بقضائي، فما كان برضائي أَقْبَلُه فأنا كريمٌ، وما كان بقضائي أغفِرُه فإني رحيمٌ. وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: "عِشْ ما شِئْتَ فإنكَ مَيِّتٌ، وأحبِبْ ما شِئْتَ فإنكَ مُفارِقُه، واعمَلْ ما شئتَ فإنك مَجْزِيٌّ به" (٣). وقيل: أوحى إليه: كُنْ آيِسًا مِن الخَلْق فليس بأيديهم شيءٌ، واجعل صُحْبَتَكَ معي فإنَّ مَرْجِعَكَ إليَّ، ولا تجعلْ قلبَكَ مُتَعَلِّقًا (٤) بالدنيا فما خَلَقْتُكَ لها. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾: أي: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ.

стр. 6932

﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾: قيل: مَرَّةً أخرى، و ﴿نَزْلَةً﴾: مَرَّةٌ مِن النزول؛ أي: نزَلَ بسِدْرَةِ المنتهى ليلةَ المعراج، فرآه بها على صورته. قال ﷺ : "رأيتُه عند سِدْرةِ المنتهى، عليه سِتُّ مئةِ جَناحٍ، يتناثَرُ منها الدُّرُّ والياقوتُ" (١). وسِدْرَةُ المُنْتَهى: شجرةُ نَبِقٍ، ولها حُسْنُ المَنْظَرِ، وطِيبُ الرائحةِ، وحلاوةُ الثَّمَرِ، وورقُها كآذانِ الفِيَلَةِ في الكِبَر، وثمَرُها كقِلالِ هَجَرٍ (٢)، وهي مقامُ جبريلَ، وأَمَّ فيها رسولُ اللَّه ﷺ ملائكةَ السماء في الوِتْر، فكان إمامَ الأنبياءِ في بيت المَقْدِس، وإمامَ الملائكةِ عند سِدْرَةِ المنتهى، فظهَرَ بذلك فَضْلُه على أهل الأرض والسماء. وسُمِّيَتْ سِدْرَةَ المنتهى عند كعبٍ؛ لأنَّ رؤيةَ الملائكةِ تنتهي إليها، لا تَرى ملائكةُ السماوات ما فوقَها، وهي في السماء السابعة (٣). وقال ابن مسعود والضحاك: ينتهي إليها ما يعرُجُ إلى السماء (٤).

стр. 6933

وقيل: تنتهي إليها أرواحُ الشُّهداءِ. وقال ابن عباس: إليها ينتهي عِلْمُ العُلَماءِ، ولا يَعْلَمَ ما وراءَها إلا اللَّهُ (١). وقيل: إليها ينتهي ما يَهْبِطُ مِن فوقها، وإليها ينتهي ما يَصْعَدُ مِن تحتها. وقيل: إليها تنتهي كرامةُ اللَّهِ لأوليائه. وقولُه تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾: وهي جنَّةُ الخُلْدِ. وقيل: أوى إليها آدمَ وحوَّاء. وقيل: تأوي إليها أرواحُ الشُّهداءِ. وقيل: يأوي إليها أهلُها يوم القيامة. * * * (١٦) - ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾: أي: يُغَطِّيها. قيل: النُّورُ والبهاءُ والحُسْنُ والصَّفاءُ الذي يروقُ الأبصارَ. وقيل: العجائبُ الدَّالَّةُ على قُدْرةِ اللَّه تعالى وعظيمِ سُلْطانِه. وقيل: غَشِيَها ملائكةُ اللَّهِ الصَّاعدون إليها مِن ملائكة السماوات، والنَّازِلون إليها مِن ملائكة العرش للقاء النبيِّ ﷺ . وقيل: طولُها مَسيرةُ خمسين سنةً، وغَشِيَها مِن الملائكة ما غطَّاها كُلَّها، وهُم على صورة الجراد مِن الذَّهَبِ.

стр. 6934

وقال قتادة: استأذنوا للقاءِ النَّبيِّ ﷺ فأذِنَ لهم، وقيل لهم: لا تأتُوه بغير نِثَارٍ، فجاء كلُّ واحدٍ منهم بطَبَقٍ مِن أطباقِ الجنة عليه مِن اللَّطائفِ ما لا يُحصَى، فنَثَروه بين يديه تَقَرُّبًا إليه. وقال مُقاتلٌ: فلو أنَّ رجلًا ركِبَ حِقَّةً، وطافَ على ساقِها حتى أدرَكَه الهرَمُ، ما وصَلَ إلى المكان الذي رَكِبَ منه (١). تَحْمِلُ لأهل الجنة الحُلِيَّ والحُلَلَ وجميعَ ألوانِ الثِّمار. ويُقالُ: هي عن يمينِ العرشِ تخرُجُ أنهارُ الجنة مِن أَصْلِها. * * * (١٧) - ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. وقولُه تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾: أي: ما مالَ (٢) بصَرُ محمد عما رأى، وما جاوزَه إلى غيره، يعني: ما عدَلَ عن رؤيتِه قبلَ إحاطةِ عِلْمِه به، وما تعدَّى عن رؤيتِه إلى غيره رَغْبَةً عنه وفي حقِّ النَّظَرِ، فتيَقَّنَ بما أبصرَ؛ كما قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. وقيل: ما زاغَ بصرُه حين عُرضَتْ عليه الدنيا رَغْبَةً فيها، وما طغى حين عرضَتْ عليه الآخرةُ تَعَلُّقًا بها، بل ترَكَ ذلك كلَّه مُكْتَفِيًا بالمولى. وقيل: ﴿مَا زَاغَ﴾: أي: ما مالَ يمينًا ولا شمالًا، ولا طغى ولا تقدَّمَ؛ أي: وقَفَ حيث وُقِّفَ، وتصَرَّفَ على ما صُرِّفَ. * * * (١٨) - ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾.

стр. 6935

وقولُه تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: أي: العُظْمى، وهي عظائِمُ (١) السماوات، وطوائفُ الملائكةِ، وسِدْرَةُ المنتهى، وجنَّةُ المأوى، وما في الجِنان لأهل الإيمان، وما في النِّيران لأهل الطُّغْيان، والحُجُبُ والبحار، والظُّلَمُ والأنوار، وما تعجِزُ عنه الأفكار، وتحارُ فيه الأبصار. وقال محمَّدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ والرَّبيعُ بنُ أنسٍ: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : هل رأيتَ ربَّكَ؟ قال: "رأيتُه بفؤادي، ولم أرَه بعيني" (٢). وقال ابن عباس: رآه ببصَرِه بلا كَيْفٍ. وهو قولُ أنسٍ وكعبٍ وأسماءَ (٣). وقالت عائشة: مَن قال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى ربَّه ليلةَ المعراجِ ببَصَرِه فقد أعظَمَ الفِرْيَةَ، ومَن قال: إنه كان يَعْلَمُ ما في غدٍ فقد أعظَمَ الفِرْيَةَ، ومَن زعَمَ أنه كتَمَ شيئًا مما أنزلَه اللَّهُ تعالى عليه فقد أعظَمَ الفِرْيَةَ، وإنما رآه بقلبه (٤).

стр. 6936

وهو قولُ الحسن (١)، وأبي صالحٍ، وأبي العاليةِ، وإبراهيمَ التَّيْمِيِّ، ومسروقٍ، وهو الصَّحيحُ، وتقديرُ قولِه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: لقد رأى آياتٍ مِن آياتِ ربِّه الكبرى. ووجهٌ آخَرُ: لقد رأى الكبرى مِن آياتِ ربِّه. وقصَّةُ المعراجِ أورَدْناها بطُرُقِها مُستوفاةً في كتاب: "ما ورَدَ مِن الأخبار في معراجِ النبيِّ المختار"، وهو قريبٌ مِن دَفْتَرٍ. * * * (١٩ - ٢٠) - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾: كلمةُ استفهامٍ، ومعناها: أَخْبِروني عن هذه الأصنام التي تعبُدونها وتعتقِدونها آلهةً: هل فَعَلَتْ ما فعَلَ اللَّهُ تعالى مِمَّا مَرَّ ذِكْرُه في هذه السُّورة مِن الإسراء بمحمدٍ ﷺ إلى السماء، وإيحائِه إليه؟! فهذا هو المُضْمَرُ. وقيل: المُضْمَرُ: أَنَفَعَتْكم عبادتُها؟! وهذه أصنامٌ كانت مِن حجارةٍ، وكانت في جَوْفِ الكعبة. وقيل: العُزَّى: شجرةٌ كانوا يعبُدونها، وكانت لِغَطَفانَ، بعَثَ إليها رسولُ اللَّه ﷺ خالدَ بنَ الوليد فقطَعَها، فخرَجَتْ منها شيطانةٌ ناشِرةٌ شَعْرَها، داعِيَةٌ وَيْلَها، واضِعَةٌ

стр. 6937

يدَها على رأسها، فجعَلَ خالدٌ يضرِبُها بالسيف حتى قتَلَها، وهو يقول: كُفْرانَكِ اليومَ ولا سُبحانَكْ... إني رأيتُ اللَّهَ قد أهانَكْ ثم رجعَ خالدٌ فأخبَرَ النبيَّ ﷺ بذلك، فقال: "تلك العُزَّى، ولن تُعْبَدَ أبدًا" (١). وكان وضعَها لِغَطَفانَ سعدُ بنُ ظالمٍ الغَطَفانيُّ، وذلك أنَّه قدِمَ مكَّةَ فرأى الصَّفا والمروةَ، ورأى أهلَ مكَّةَ يطوفون بهما، فعاد إلى بَطْنِ نَخْلَةَ، وقال لقومه: إنَّ لأهلِ مكَّةَ الصَّفا والمروةَ وليست لكم، ولهم إلهٌ يعبُدونه وليس لكم ذلك، قالوا: فما تأمرُنا؟ قال: أصنَعُ لكم كذلك، فأخَذَ حجَرًا مِن الصَّفا، وحجَرًا مِن المروة، ونقَلَهما إلى نَخْلَةَ، فوضَعَ الذي أخذَ مِن الصَّفا، فقال: هذا مِن الصَّفا، ووضَعَ الذي أخذَه مِن المروة، وقال: هذا مِن المروة، ثم أخَذَ ثلاثةَ أحجارٍ، فأسنَدَها إلى شجرةٍ، فقال: هذا ربُّكم، فجعَلوا يطوفون بين الحَجَرين، ويعبُدون الحِجارةَ، حتى افتتَحَ رسولُ اللَّهِ مكَّةَ، فأمَرَ برفع (٢) الحجارة، وبعَثَ خالدَ بنَ الوليدِ إلى العُزَّى فقَطَعَها (٣).

стр. 6938

وقال مُقاتلٌ: كانت مناة حجَرًا يُعْبَدُ (١) بأرضِ هُذَيلٍ على الساحل (٢). وقال قتادة: اللَّاتُ كانت بالطَّائفِ، والعُزَّى بشِعْبِ بَطْنِ نَخْلَةَ، ومَناةُ بقُدَيد (٣). وقيل: كانت العُزَّى لقريشٍ، ومَناةُ للأنصارِ. و ﴿اللَّاتَ﴾ كان الكسائيُّ يقِفُ عليها بالهاء (٤). وقال الزَّجَّاجُ: الأجودُ الوقفُ بالتَّاءِ على ﴿اللَّاتَ﴾، أرادوا: (اللَّاهة)، فأسقَطوا الهاءَ تخفيفًا، وبَقِيَتْ هاء التأنيث (٥). وكان مُجاهدٌ يقرأ: (اللاتَّ) بتشديد التاء، وقال: كان رجلٌ يَلُتُّ السَّوِيقَ، فمات، فاتُّخِذَ قبرُه مُصَلًّى (٦). وعن ابن عباس قال: (اللَّاتُّ): رجلٌ يلُتُّ السَّوِيقَ يَسْقِيه الحاجَّ (٧). وقال أبو الجَوْزاءِ: (اللاتُّ): حجَرٌ كان يُلَتُّ عليه السَّوِيقُ، فسُمِّيَ (اللَّاتَّ) (٨).

стр. 6939

وقال أبو صالحٍ: (اللاتُّ) رجلٌ كان يقوم على آلهتِهم، وكان يلُتُّ لهم السَّوِيقَ (١). و ﴿وَمَنَاةَ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ بالمدِّ والهمزِ، والباقون بالقَصْر (٢). قيل: سُمِّيَ بها؛ لِمَا يُمْنَى عندها مِن الدِّماء؛ أي: يُهَرَاقُ؛ كما تُسَمَّى (مِنًى)؛ لأنَّه مَذْبَحُ الهدايا والضَّحايا. ﴿وَالْعُزَّى﴾: تأنيثُ الأَعَزِّ. قولُه تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾: قال الخليل: لا يُقالُ للثالثة: الأخرى، إنما يُقالُ ذلك للثانية، ولكنْ تقديرُ الآيةِ: أفرأيتُم اللَّاتَ والعُزَّى الأُخْرى ومَناةَ الثالثةَ، لكنْ أَخَّرَ ﴿الْأُخْرَى﴾ في الذِّكْر؛ لِتَتَّفِقَ الفواصِلُ (٣). وقيل: بل هي على نَظْمِها، وسُمِّيَتْ (أخرى)؛ لأنَّهم كانوا يُؤَخِّرُونها في الذِّكْرِ. وقيل: هذا جائزٌ، ويُرادُ بها الغَيْرِيَّةُ، ألا ترى أنَّ رجلًا لو أعطى رجلًا درهمًا، فقال له: هاتِ آخرَ، فأعطاه، فقال له: هاتِ آخَرَ، جاز وهو ثالثٌ، فكذلك ما بعده. * * * (٢١ - ٢٢) - ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قولُه تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾: قيل: كانوا يقولون: الأصنامُ بناتُ اللَّهِ، فرَدَّ اللَّهُ عليهم بهذا. وقيل: هذا في قولِهم: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ.

стр. 6940

﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾: أي: جائِرَةٌ، وهي على وزن (فُعْلَى) بضم الفاء، فكُسِرَتِ للياءُ، وقد ضازَ يَضيزُ: إذا جارَ. ورُوِيَ عن محمد بنِ كعب القُرَظِيِّ أنه قال: جلس رسول اللَّه ﷺ ذات يوم في ناد من أندية قريش، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ حتى إذا بلغ هذه الآية: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ألقى الشيطان في قراءته (١): تلك الغرانيق العلى منها الشفاعةُ تُرتجى، ثم ختم تلك رسول اللَّه ﷺ السورة وسجد وسجد المشركون، وكان الوليد بن المغيرة شيخًا كبيرًا فلم يسجد وأخذ كفًا من تراب ووضع جبهته عليه، وقال: يا محمد، إنَّا لنعلم أن اللَّه يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولكنا نقول: إن آلهتنا شفعاء لنا عنده، فأما إذا جعلتَ لها نصيبًا في الشفاعة فنحن معك (٢). وقد ذكرنا القصة وتأويلها في سورة الحج (٣). * * * (٢٣) - ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنْ هِيَ﴾: أي: ما هذه الأصنامُ اللَّاتُ والعُزَّى ومَناةُ. ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾: مُسَمَّياتٌ ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ﴾: تَقْلِيدًا ﴿وَآبَاؤُكُمْ﴾: جَهْلًا، لا معانيَ لها، ولا حقائِقَ، ولا أُلُوهِيَّةَ للَّاتِ، ولا عِزَّةَ لِلعُزَّى، ولا يُمْنَى لَمَناةَ؛ أي: لا تَقْدِرُ شيئًا.

стр. 6941

﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: مِن حُجَّةٍ. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾: أي: ما يتَّبِعون ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾: أنَّ آباءَهم لم يَعْبُدوها إلَّا لاستحقاقِها، وإلا ظَنًّا أنها تَشْفَعُ لهم وتُقَرِّبُهم إلى اللَّه. ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾: عَطْفٌ على ﴿الظَّنَّ﴾؛ أي: وما يَتَّبِعون إلَّا ما تهواه أنفسُهم مِن تعظيمِ قَدْرِ الآباء وتصويبِهم. وقيل: أي: إلَّا ما تهواه أنفسُهم مِن عبادةِ ما يَسْتَحْسِنُونه. ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾: أي: البيانُ، ولكنَّهم مُقَلِّدون. * * * (٢٤ - ٢٦) - ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾: ﴿أَمْ﴾: تَقْتَضِي ألفَ الاستفهامِ قَبْلَه، وتقديرُه: أتفعلون هذا بحُجَّةٍ أم للإنسان أنْ يَتَمَنَّى ما شاءَ، فيعبُدَ ما شاءَ، ويُعْطِيَ العِزَّةَ مَن يشاءُ، ويجعلَ للَّهِ البناتِ، ولنفْسِه البنينَ؟! وللَّه العزة ولرسوله (١). ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: أي: فليس للإنسان أنْ يتمنَّى على اللَّه، إنَّما له ما يجعلُه اللَّهُ له؛ إذ له الدنيا والآخرةُ ومَن فيهما وما فيهما. وقيل: معناه: أَلِلإنسانِ ما تمنَّى مِن شفاعة الأصنام والملائكة؟! ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: بل للَّه الأمرُ جميعًا، والحُكْمُ في أمرِ (٢) الدنيا والآخرة. وقولُه تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي﴾: أي: لا تَنْفَعُ.

стр. 6942

﴿شَفَاعَتُهُمْ﴾: جُمِعَ مع سَبْقِ ذِكْرِ الملَكِ وهو واحدٌ؛ لأنَّ (كمْ) للتكثير، فصار جَمْعًا، وليس معناه أنهم يَشْفَعون ولا تَنْفَعُ شفاعتُهم، بل معناه: أنهم لا يَشْفَعون؛ لأنَّه لا يُؤْذَنُ لهم. قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: مِن الملائكة لِتَشْفَعَ. وقيل: أي: مِن البشَرِ لِتَشْفَعَ الملائكةُ له. ﴿وَيَرْضَى﴾: أي: يرضى بشفاعةٍ مِن الملائكة. وقيل: يرضى بالشَّفاعةِ له مِن البَشَر. * * * (٢٧ - ٢٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: وهُم مُشْركو العربِ. ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾: أي: يقولون: هُم بناتُ اللَّهِ؛ كما تقول عبَدَةُ الأصنامِ في الأصنام. ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾: مِن جِهَةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أو كتابٍ. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: ما يُتَخَيَّلُ في ظُنونِهم، لا عن مُشاهدةٍ وخبَرٍ صحيحٍ. ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: أي: لا ينوبُ الظَّنُّ مَنابَ الحقِّ، ولا ينفَعُ صاحبَه، ولا يُنَزِّلُه مَنْزِلَةَ المُحِقِّ. ﴿فَأَعْرِضْ﴾: يا محمد ﴿عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾: عن كتابِنا ووَعْظِنا، فلم يُصَدِّقْه ولم يَقْبَلْه.

стр. 6943

﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: أي: ومالَ إليها. وقيل: ﴿عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾: عن الثَّناء علينا، والدُّعاء لنا، وذلك مما يُجْتَلَبُ به الثَّوابُ في الآخرة، واقتَصرَ على عَرَضِ الدنيا، ورَضِيَ به ثوابًا لنفْسِه. * * * (٣٠) - ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: وهو العمَلُ لثواب الدنيا، وهو مَبْلَغٌ خَسِيسٌ لا يرضى به عاقلٌ، وهو مِن طَبْعِ (١) البهائمِ التي لا تَرْغَبُ إلا في الحاضِرِ التَّافِهِ. وقيل: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أنْ يقولوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، وهو جَهْلٌ مَحْضٌ تَصَوَّرَ عندهم بصُورةِ العلم. والأظهَرُ هو الأوَّلُ، فقد كان النبيُّ ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ لا تجعَلِ الدنيا أكبَرَ هَمِّنا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنا" (٢). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾: فيَجْزِي كُلًّا على وَفْقِ عمَلِه، فأَعْرِضْ أنتَ عنهم. * * * (٣١) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.

стр. 6944

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: مُلْكًا ومِلْكًا وخَلْقًا خَلَقَهم وتعبَّدَهم. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾: فيُمَيِّزَ بين الضَّالِّ والمُهْتَدي، والمُسِيءِ والمُحْسِنِ، فيَجْزِيَ المُسِيءَ المُشْرِكَ في الدنيا بالسَّبْيِ والقتلِ والهَوان، وفي الآخرة بالخُلود في النِّيران، ويَجْزِيَ المؤمنَ المُحْسِنَ في الدنيا بالنَّصْر والظَّفَر والإِمْكان، وفي الآخرة بالخُلودِ في الجِنان. * * * (٣٢) - ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾: هو نَعْتٌ لـ ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾. وقرأ ابنُ كثيرٍ: ﴿كَبِيرَ الإثمِ﴾: وهو الكفرُ، وقرأ الباقون: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ (١): وهي عَظائِمُ الذُّنوبِ، ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾: القبائحُ. وقيل: ﴿كَبَائِرَ﴾: ما أوعَدَ اللَّهُ عليها بالنار، ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾: ما شرَعَ فيه الحُدودَ، وقد ذَكَرْنا الأقاويلَ في الكبائر في سورة النساء. قولُه تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: هو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لأنَّه ليس مِن الكبائر والفواحش. قال ابن عباس وابن زيد (٢): معناه: لكنِ الذين ألَمُّوا به قبلَ الإسلامِ قد غفَرَ اللَّهُ لهم ذلك (٣). وقيل: اللَّممُ: أنْ لا يُصِرَّ على ما ارتكَبَه، بل يُبادِرُ بالتوبة عنه، مِن قولهم: (ما

стр. 6945

يأتينا فُلانٌ إلا لِمامًا)؛ أي: في الحِين بعد الحِين، واللَّمَمُ: ما يقَعُ فيه حِينًا بعد حِينٍ، لا يدومُ عليه، ولا يعتادُه. وقيل: اللَّمَمُ: الصَّغائِرُ. وقيل: اللَّمَمُ: ما يُقارِبُ الإثمَ. وقيل: اللَّمَمُ: الهَمُّ بالخَطيئةِ، وحديثُ النَّفْسِ بها مِن غير مُواقَعَةٍ (١). وقال الحسن: هو اللَّمَّةُ مِن الزِّنا والسَّرقةِ وشُربِ الخمر، ثم لا يعودُ (٢). وقال قتادة: وهو أنْ يقعَ الوَقْعَةَ ثم ينتهي (٣). وقال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ: هي النَّظْرَةُ والغَمْزةُ (٤) والقُبْلةُ (٥)، فإذا مسَّ الخِتانُ الختانَ فقد زنى (٦). وقال أبو الجَوْزاءِ: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ عن اللَّمَمِ، فقال: لم أرَ شيئًا أشبَهَ به مِن قولِ أبي هريرة: "كُتِبَ على ابنِ آدمَ حَظُّه مِن الزِّنا، أدرَكَ ذلك لا محالةَ، وزنا العَين النَّظَرُ، وزنا اليدِ البَطْشُ، وزنا اللِّسانِ النُّطْقُ، وزنا الرِّجْلِ المشيُ، وتصديقُ ذلك كلِّه الفَرْجُ" (٧).

стр. 6946

ثم هذا ليس بتَرْخِيصٍ في هذه الأشياء، ولكنْ بيانُ أنها ليست مِن الكبائر والفواحش إذا لم يَتَهاوَنْ بها. وقد روى أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صغيرةَ مع الإصرار، ولا كبيرةَ مع الاستغفار" (١). وقيل: نزلت الآيةُ في نَبْهانَ التَّمَّارِ، وذلك أنَّ امرأةً أتَتْه تريدُ تمرًا، فقال لها: ادْخُلي الحانوتَ، فإنَّ فيه تَمْرًا جَيِّدًا، فدخلَتْ، فراودَها عن نفْسِها، فأبَتْ، فضرَبَ عَجِيزَتَها بيده، فقالت المرأةُ: واللَّهِ ما نِلْتَ مِنِّي حَظًّا، وما حَفِظْتَ غَيْبَ أخيكَ، فنَدِمَ نَبْهانُ، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبرَه، فقال: ويحكَ، فلعلَّها امرأةُ غازٍ في سبيل اللَّه، ثم لَقِيَ عمرَ فأخبرَه، فصَرَعه عمرُ، ووَطِئَه برِجْلِه، ثم أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: إخوانُنا غُزاةُ في سبيل اللَّه تُكْسَرُ الرِّماحُ في صُدورهم، يَخْلُفُ هذا ونحوُه في أهاليهم، دعني يا رسولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَه، فضَحِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وقال: أَرْسِلْه يا عمرُ فليَتُبْ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى قولَه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: يعني: ضَرْبَه بيدِه عَجِيزَتَها (٢).

стр. 6947

وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾: فلِسَعَةِ مغفِرَتِه يغفِرُ ما تِيبَ عنه، ويغفِرُ اللَّمَمَ، ويغفِرُ ما سلَفَ في الجاهلية، ويغفِرُ ما شاءَ مِن الذُّنوب مِن غير توبةٍ. وقال عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: اللَّمَمُ: الذي تُحَدِّثُ به نفْسَكَ مِن الشَّرِّ أنْ تفعلَه، ثم يصرِفُكَ اللَّهُ عنه، فلا تفعلُه (١). وقولُه تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾: أي: بضَعْفِكم وغلَبَةِ الهوى عليكم. ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: أنشَأَ أباكم مِن الأرض آدمَ، عَلِمَ حينئذٍ أحوالَكم مِن الضَّعْفِ، واستيلاءِ الشَّهْوةِ عليكم. ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾: جَمْعُ جَنينٍ، وهو الولدُ المُجْتَنُّ في البُطون في أرحام الأُمَّهاتِ، وهو قولُه تعالى: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾: فلا تَرْفَعوها فوق قَدْرِها وحالُكم هذه في استيلاءِ الهوى عليكم، حتى لا يَخْلُوْ أحدُكم عن اللَّمَمِ. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾: منكم مِمَّن لم يَتَّقِ، فلا حاجةَ بكم إلى تَزْكِيَةِ أنفسكم؛ لأنكم تَعْمَلون له، وعِلْمُه كافٍ لكم. وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، وما بعده مُبْتَدَأٌ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾: بسرائرِكم وظواهرِكم وأوائلِكم وأواخرِكم، وأنتم تَنْسَون وتخفى عليكم الحقائقُ، واللَّهُ لا ينسى ولا يخفى عليه شيء ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾: بما ليس فيها، أو بما تفعلونه بما لا تَقِفون على حقيقته عند اللَّه تعالى، فهو أعلمُ بمَنِ اتَّقى، فاكتفُوا بعِلْمِه عن عِلْمِ الناس، وبجزائِه عن ثَناء الناس. نزلَتْ في ناسٍ كانوا يعملون أعمالًا حسنةً ثم يذكُرونها.

стр. 6948

وقيل: بل نزلَتْ في قومٍ يُخْبِرون عن أنفسِهم بخلافِ ما هم فيه. وعن عائشة ﵂ قالت: كانت اليهودُ إذا هلَكَ لهم صبيٌّ قالوا: هذا (١) صِدِّيقٌ، فبلَغَ ذلك النَّبيَّ ﷺ فقال: "كذَبوا، ما مِن نَسَمةٍ يخلُقُها اللَّهُ في بَطْنِ أُمِّها إلا شَقِيٌّ أو سعيدٌ"، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٢). ورُوِيَ عن عبد اللَّه بنِ مسعودٍ أنه قال لأصحابه: السَّعيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّه، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّه، فأنكَروا عليه، فقال: أين تذهبون عن عِلْمِ اللَّه تعالى، ثم تلا قولَه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٣). * * * (٣٣) - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾: ذكَرَ اللَّهُ تعالى جَهْلَ المشركين بأمور الآخرة، ثم عيَّنَ جَهْلَ واحدٍ منهم، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾: وهذا تعجيبٌ مِن حاله.

стр. 6949

رُوِيَ: أنَّ الوليدَ بنَ المُغيرة كان أرادَ الدُّخولَ في الإسلام، فعاتبَه بعضُ المشركين، وقال له: إنْ أعطَيْتَني شيئًا مِن مالكَ، ورجَعْتَ إلى شِرْكِكَ ودينِ آبائِكَ، ضَمِنْتُ لكَ أنْ أتحمَّلَ خطاياكَ وعذابَ الآخرةِ على شركِكَ، فأجابَه الوليدُ إلى ذلك، وأعطاه بعضَ ما كان ضَمِنَ له به، ومنَعَه البعضَ (١). وقيل: إنَّ هذا رجلٌ أسلَمَ، فلَقِيَه بعضُ مَن عيَّرَه فقال: ترَكْتَ دِينَ الأشياخ وضلَّلْتَهم، وزعَمْتَ أنهم في النار، وكان ينبغي لكَ أنْ تنصُرَهم، فكيف تفعلُ بآبائكَ؟! فقال: إني خشِيتُ عذابَ اللَّهِ، فقال: أَعْطِني شيئًا وأنا أَحْمِلُ كلَّ عذابٍ كان عليكَ عنكَ، فأعطاه شيئًا، فقال: زِدْنا، فتعاسَرا حتى أعطاه شيئًا، وكتَبَ له كتابًا، وأشهَدَ له بذلك، فذلك قولُه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ (٢): أي: أعرَضَ عن الإيمان باللَّه ورسوله. * * * (٣٤) - ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾: مِن المال على أنْ يتحَمَّلَ عنه ما يَسْتَحِقُّه مِن العذاب بكفره وتَوَلِّيه، ثم قطَعَ إعطاءَه، فلم تَسْنَحْ نفْسُه ببَذْلِ مالِه على تحمُّلِ العذاب عنه، فجمَعَ جَهْلًا وبُخْلًا، وذلك قولُه:

стр. 6950

﴿وَأَكْدَى﴾: قال الكسائيُّ: يُقالُ: (أكدى)؛ أي: بلَغَ المكانَ الذي لا يستطيعُ أنْ يَحْفِرَ، وهو الكُدْيَةُ، فامتنَعَ (١). وقال الأخفشُ: (أكدى)؛ أي: قطَعَ (٢)، اشْتُقَّتْ مِن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ (٣). وقال الفرَّاءُ: (أكدى)؛ أي: أمسَكَ عن العَطِيَّةِ وقطَعَ (٤). وقال قُطْرُبٌ: الكُدْيَةُ: الصَّفاةُ الغَليظةُ (٥)، ﴿وَأَكْدَى﴾: أي: بلَغَ مجهودَه، فلم يَحْصُلْ على شيءٍ (٦). وقال القُتَبِيُّ: الكُدْيَةُ: صلابةُ الرَّكِيَّةِ (٧)، فإذا بلَغَها الحافرُ يَئِسَ، فقيل لكُلِّ مَن طلَبَ شيئًا فلم يَبْلُغْ آخِرَه أو أعطى فلم يُتِمَّ: أكدى (٨). وقيل: معناه: وأعطى قليلًا مِن الإيمان بما عزَمَ عليه منه (٩)، ثم لَحِقَه الخُذْلانُ فأكدى؛ أي: قطَعَ به فيه.

стр. 6951

وقال مُجاهدٌ: كان الوليدُ بنُ المُغيرة يأتي النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ فيَسْمَعُ ما يقولان، فذلك ما أعطى مِن نفْسِه؛ أي: أعطى الاستماعَ، ﴿وَأَكْدَى﴾: انقطَعَ عطاؤُه ذلك (١) وترَكَه. * * * (٣٥) - ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾: أي: أَعِنْدَ هذا المُعْطي المُكْدِي عِلْمَ الغيبِ ﴿فَهُوَ يَرَى﴾: أي: يَعْلَمُ عِلْمَ الآخرةِ وما غابَ عنه مِن أمرِه، فيَعْلَمُ أنَّ مَن ضَمِنَ له يَحْمِلُ أوزارَه عنه. وهذا العِلْمُ يكون على أحد وجهين: أحدُهما: أنه يَفِي له به، فيُخَلِّصَه عنه (٢). والثاني: أنْ يجعَلَ نفْسَه فِداءً عنه. فليس عنده عِلْمٌ بواحد مِن هذين، فما اعتمادُه عليه إلا غايةُ جَهْلٍ منه. وقال ابن عباس: كان رجلٌ مِن قريشٍ له أموالٌ يتصدَّقُ بها، فقال له عبدُ اللَّهِ بنُ سعدِ بنِ أبي سَرْحٍ: ما هذا الذي تصنَعُ؟ يوشِكُ ألا يبقى لكَ شيءٌ، فقال له الرجلُ: إنَّ لي ذُنوبًا وخطايا، وإني أطلُبُ بما أصنَعُ رضى اللَّهِ تعالى، فقال له عبدُ اللَّهِ: أَعْطِني ناقتَكَ هذه بزِمامِها، وأنا أتحمَّلُ عنكَ ذُنوبَكَ وخطاياكَ، ففعَلَ، ثم أقْصَرَ عن النَّفَقَةِ والصَّدَقة، فنزلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ (٣): يعني: عن الحقِّ والصَّدَقةِ.

стр. 6952

وقال عطاءُ بنُ يسارٍ: نزلت في رجلٍ قال لأهله: جَهِّزوني أَنْطَلِقْ إلى هذا الرجل، يعني: إلى النَّبيِّ ﷺ ، فتجهَّزَ وخرَجَ، فلَقِيَه رجلٌ مِن الكفار، فقال له: أين تُريدُ؟ فقال محمدًا: لعلِّي أُصِيبُ مِن خيرِه، فقال له الرجل: أعطِني جَهازَكَ، وأَحْمِلُ عنكَ إِثْمَكَ، وفيه أنزَلَ اللَّهُ هذه الآيةَ (١). وقال محمدُ بنُ كعبٍ: نزلت في أبي جهلٍ، وذلك أنه قال: واللَّهِ ما يأمُرُنا محمَّدٌ إلا بمَكارمِ الأخلاقِ، وذلك قولُه: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾: أي: لم يؤمنْ به (٢). وروى عليُّ بنُ إسحاقَ في "المُشافَهات" عن الكلبيِّ أنها نزلت في عثمانَ، عاتبَه ربُّه فيه كما عاتَبَ أكرَمَ البَرِيَّةِ عليه في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، وكان عثمان مُعْطِيًا جَوادًا، فقال له مولاه عبدُ اللَّهِ بنُ سعدِ بنِ أبي سَرْحٍ، وقيل: كان أخاه مِن الرَّضاعة: أراكَ قد أسرَعْتَ في مالِكَ، ولا تدري على ما أنتَ عليه مِن أمرِ هذا الرجل أَيُتِمُّ أَمْرَه أم لا؟ فهل لكَ أنْ تُعْطِيَني هذه الرَّاحِلَةَ بما عليها، وأتحمَّلُ عنكَ كلَّ خطيئةٍ عَمِلْتَها؟ فقال: هي لكَ، وكَفَّ عن بعضِ عطاياه، فنزلَتْ فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾: عمَّا كان يُعْطِي، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾: يقول: فلو أنَّ رجلًا أعطى اللَّهَ الدنيا وما فيها كان قليلًا فيما يرجو، ﴿وَأَكْدَى﴾: أي: قطَعَ عطاياه (٣).

стр. 6953

وقال السُّدِّيُّ: نزلَتِ الآيةُ في العاصِ بنِ وائلٍ السَّهْمِيِّ (١)، وهو الذي أنزَلَ اللَّهُ فيه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. قولُه تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ هو كقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] وهو فيه. * * * (٣٦ - ٣٧) - ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: أي: ألم يُنَبَّأْ هذا المَضْمونُ له (٢) -وهو استفهامٌ بمعنى التَّقْرير- بما سبَقَ مِن حُكْمِ اللَّهِ تعالى على أَلْسِنة أنبيائِه المتقدِّمين أنه لا يُقْبَلُ أحدٌ بَدَلًا عن غيره فيما يستحِقُّه مِن العذاب على ذَنْبِه، ولا يَحْمِلُ عن أحدٍ عقابًا يستحِقُّه غيرُه؟ وقولُه تعالى: ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾؛ أي: وفي صُحُفِ إبراهيم الذي وفَّى؛ أي: وفَّى بعُهودِ اللَّه تعالى. وقيل: أي: أتمَّ كلَّ ما أُمِرَ به؛ كما قال: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقيل: أي: أدَّى جميعَ ما أُرْسِلَ به، وهو التَّبْلِيغُ. وعن النبي ﷺ أنه قال: " ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: أي: وفَّى عمَلَ يومِه بأربعِ ركَعاتٍ مِن أول النهار" (٣).

стр. 6954

(٣٨ - ٣٩) - ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: أي: لا تحمِلُ نفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ نفْسٍ أخرى. وبهذه الآيةُ رَدَّت عائشةُ ﵂ على مَن روى أنَّ الميِّتَ يُعَذَّبُ ببُكاءِ أهلِه عليه (١). فأما ما رُوِيَ عن النبي ﷺ : "مَن سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً فعليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عمِلَ بها بعدَه إلى يوم القيامة" (٢)، وقوله ﷺ : "ما سَفَكَ أحدٌ دمًا حرامًا إلا كان على ابنِ آدمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن ذلك" (٣)، فليس في ذلك حَمْلُ ذنْبِ غيرِه عليه، بل الأوَّلُ استوجَبَ ذلك بفعل نفْسِه، لا أنه حُمِلَ عليه ذنْبُ غيرِه. فأما تحمُّلُ العاقلةِ الدِّيَةَ عن القاتل خطَأً، فذلك مُواساةٌ منهم له، وتخفيفٌ عنه. وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾: أي: ثوابُ طاعتِه، وعِقابُ معصيتِه. * * *

стр. 6955

(٤٠ - ٤٢) - ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾: أي: هو يراه في الآخرة؛ أي: يرى جزاءَه؛ كما قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، ويراه أهلُ الموقِفِ أيضًا والملائكةُ، وهو تشريفٌ للمُطيعِ، وإِخْزاءٌ للعاصي. ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾: الهاءُ راجِعٌ (١) على السَّعْيِ، وهو خبَرُ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، ويُقالُ: (جزاه عملَه) كما يُقالُ: (جزاه بعَمِله) و (على عمَلِه). و ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾: الأَتَمُّ. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾: أي: إلى جزاء اللَّهِ مَرْجِعُ الخَلْقِ. * * * (٤٣) - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾: وهو دليلُ خَلْقِ اللَّهِ تعالى أفعالَ العِبادِ. قيل: أضحَكَ المسرورين، وأبكى المحزونين. وقيل: أضحَكَ الرَّاجين، وأبكى الخائفين (٢). وقيل: أضحَكَ اللَّوْحَ بما أثبَتَ فيه مِن أحكامِه في العِباد، وأبكى القلَمَ بما أجرى على سِنِّه مِن المِداد. وقيل: أضحَكَ العرشَ بإضافته إليه، وأبكاه لافتراء المُجَسِّمَةِ عليه. وقيل: أضحَكَ الجنَّةَ بالنَّعيم، وأبكى النَّارَ بالحَميم.

стр. 6956

وقيل: أضحَكَ أهلَ الجنَّةِ بتمام الحُبور، وأبكى أهلَ النار بدوام الثُّبور، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤]، وقال: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر: ٣٧]. وقيل: أضحَكَ السَّماءَ (١) بعُروج النبيِّ ﷺ إليها، وأبكاها بنُزولِه عنها. وقيل: أضحَكَ الملائكةَ حيث شغَلَهم بخِدْمَتِه، وأبكاهم حين أصابَ إبليسَ منهم بلَعْنَتِه. وقيل: أضحَكَ الأرضَ بالأنوار، وأبكى السَّماءَ بالأمطار. وقيل: أضحَكَ الأرضَ بولادة الرسول، وأبكاها بوفاة الرسول. وقيل: أضحَكَ الأرضَ بما يُعْمَلُ عليها مِن الحسنات، وأبكاها بما يُرْتَكَبُ عليها مِن السيئات. وقيل: أضحَكَ آدمَ بإدخالِه دارَ الجنَّةِ، وأبكاه بإِهْباطِه إلى دار المِحْنَة. وقيل: أضحَكَ آدمَ بالرَّحمة، وأبكى إبليسَ باللَّعْنة. وقيل: أضحَكَ نوحًا بإجابة دعوتِه، وأبكاه بإهلاكِ بعضِ ذُرِّيَّتِه. وقيل: أضحَكَ سارَةَ حين بشَّرَها بإسحاقَ، وأبكاها حين أوقَعَ بينها وبين إبراهيمَ بوفاته الفِراقَ. وقيل: أضحَكَ يعقوبَ بولادة يوسفَ، وأبكاه بغَيْبَةِ يوسفَ. وقيل: أضحَكَ موسى بإعطاء الكلام والقُرْبَة، وأبكاه بمَنْعِ اللِّقاء والرُّؤية. وقيل: أضحَكَ عيسى، وأبكى يحيى (٢).

стр. 6957

وقيل: أضحَكَ الوالدين عند ولادةِ الولدِ، وأبكى الولدَ. وقيل: أبكى أصحابَ السَّعادةِ الذين لا يُؤَدُّون زكاةَ أموالِهم في الدنيا، وأضحَكَ الذين يُؤَدُّون الزَّكاةَ في العُقْبى. وقيل: أضحَكَ المُفْسِدَ في الدنيا وأبكاه في العُقْبى، قال ﷺ : "مَن أذنَبَ وهو يضحَكُ، دخَلَ النَّارَ وهو يبكي" (١). وقيل: أضحَكَ المُذْنِبَ، وأبكى التَّائِبَ. وقيل: أضحَكَ قومًا عند الموت بإسماع: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]، وأبكى قومًا بإسماع: ﴿لَا بُشْرَى﴾ [الفرقان: ٢٢]. وقيل: أضحَكَ المُتَوفَّى على السَّعادة، وأبكى أهلَه بالمُصِيبة. * * * (٤٤ - ٤٧) - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾: أي: أماتَ الأحياءَ وأحيى الأمواتَ، وأماتَ الكفارَ وأحيى المؤمنين، وأماتَ الجُهَّالَ وأحيى العالِمين (٢). ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾: أي: مِن أولادِ آدمَ.

стр. 6958

﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: أي: مَنِيٍّ. ﴿إِذَا تُمْنَى﴾: أي يُمْنِيها الرَّجُلُ والمرأةُ؛ أي: يُريِقانِها، وهو فِعْلُ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه؛ مِن الإمناء. وقيل: هو مِن (مَنى يَمْنِي)، و (مَنا يَمْنو)؛ أي: قَدَّر؛ أي: يُقَدَّرُ أنْ يكون منها الولدُ. قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾: وفي قراءةِ ابنِ كثيرٍ وأبي عمرو بالمَدِّ على ميزان (الفَعالَة) كـ (البَراءةَ)، والباقون على (الفَعْلَة) (١)، وهما بمعنًى واحدٍ؛ مِن الإنشاء. والنَّشْأَةُ الأولى مِن النُّطْفة، والنَّشْأَةُ الأخرى البعثُ بعد ما ماتوا وصاروا رُفاتًا ورَمِيمًا. ومعنى ﴿عَلَيْهِ﴾: أنه فاعِلُه لا محالةَ بما وعَدَ ذلك مِن نفْسِه وَعْدًا حَتْمًا. * * * (٤٨) - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى﴾: أي: أغنى مَن شاءَ مِن خَلْقِه. ﴿وَأَقْنَى﴾: أي: أعطى ما يُقْتَنى؛ أي: يُتَّخَذُ أصلَ مالٍ يُسْتَثْمَرُ ويُسْتَنْمَى. وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: أعطى المالَ، ﴿وَأَقْنَى﴾: أعطى الخَدَمَ. وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: مَوَّلَ، ﴿وَأَقْنَى﴾: قَنَّعَ. وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: بالذهب والفضة، والملابس والمساكِنِ، ﴿وَأَقْنَى﴾: بالإبل والبقر والغنم.

стр. 6959

وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: أكثَرَ، ﴿وَأَقْنَى﴾: أقَلَّ. وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: أعطى ما يَكْفِي ويُغْنِي عن الغَير، ﴿وَأَقْنَى﴾؛ أي: جعَلَ بعد الغِنى زيادةً على الكِفايةِ مالًا يَبْقى أَصْلُه ويَنْمِي فَرْعُه. وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: بالمال، ﴿وَأَقْنَى﴾: بالقَناعة. * * * (٤٩) - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾: هُما شِعْرَيان نَجْمَان أحدُهما يُسَمَّى: الغُمَيْصَاء، والآخر: العَبُور، يعبُرُ المَجَرَّة وحدَه مِن بين الكواكب. وكان بعضُ أهلِ الجاهليَّةِ يعبُدها -وقيل: هو أبو كَبْشَةَ الخُزَاعِيُّ- ويقول: له ما ليس لسائر النُّجوم مِن عُبورِه المَجَرَّةَ. وفي الشِّعْرَيَيْنِ يقولُ الفَرَزْدَقُ: إذا اغْرَوْرَقَتْ عينايَ أسبَلَ منهما... إلى أنْ تَغِيبَ الشِّعْرَيانِ بُكَائِيا (١) واتَّبَعَتْ خُزاعةُ وبنو مُلَيْحٍ أبا كَبْشَةَ في عِبادة الشِّعْرى، ولَمَّا خرَجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ على خِلاف العربِ ونابَذَهم، شبَّهَتْه العربُ في خِلافِه إيَّاهم بأبي كَبْشَةَ، فقالتْ: ما لَقِينا مِن ابنِ أبي كَبْشةَ! فسَمَّوه بذلكَ لِخلافِه إياهم كخِلاف أبي كَبْشَةَ العربَ في عِبادةِ الشِّعْرى. * * *

стр. 6960

(٥٠) - ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾. ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾: قرأ أبو عمرو ونافعٌ: ﴿عَادًا لُّولا﴾ بتشديد اللام الأولى، وحَذْفِ الهمزة، وإدغامِ التَّنوين في اللام (١). و ﴿عَادًا الْأُولَى﴾: هُم عادُ بنُ إِرَمَ بنِ عَوْصِ بنِ سامِ بنِ نُوحٍ قومُ هُودٍ، أهلَكَهم اللَّهُ برِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. وعادًا الآخرة: بنو لُقَيْمِ بنِ هزَّال بن هزيل بن عُتَيل بن صُدِّ بن عادٍ الأَكْبر، لم يكونوا مع الأوَّلين، وكانوا بحَضْرَمَوْتَ، وتفانَوا بالقَتْلِ. وقيل: الآخرةُ كانت في زمَنِ فارسَ الأولى. ومِن أهل العلم مَن قالَ: إنَّ قولَه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ يَتِمُّ عند قوله: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾، وما بعدَه في حُكْمِ المبتدأ، وما فيه مِن إعادة: (وأنَّ) و (أنَّ)، و (أنَّ) بالفتح للإِتْباعِ نَظْمًا، لا للوَصْلِ معنًى؛ كما في سورة الجنِّ: فتَحَ الكُلَّ بعضُ القُرَّاء، وبعضُها ليس مِن كلام الجِنِّ، وكذا قولُه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، يتِمُّ عند قوله: ﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾، وما بعدَه ليس في الصُّحُفِ، وذَكَرَ (أنَّ) و (أنَّ) لإيقاع قولِه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ عليها، وهو إِنْباءٌ آخَرُ سِوى ما في الصُّحُفِ. ومنهم مَن قال: يجوزُ أنْ يكون إلى قولِه: ﴿النُّذُرِ الْأُولَى﴾ في مُحاجَّةِ الوليد؛ لأنه كان يُنْكِرُ البعثَ، ويقولُ بكلِّ أقاويل المشركين. ويجوز أنْ يكون كلُّ ذلك في الصُّحُفِ أيضًا، وهو الإخبارُ بإهلاكِ مَن مضى، وإهلاكِ مَن يجيءُ. * * *

стр. 6961

(٥١ - ٥٣) - ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾: أي: وأهلَكَ ثمودًا فما أبقى منهم أحدًا. وقرأ حمزةُ وعاصمٌ في روايةِ حفصٍ: ﴿وَثَمُودَ﴾ بغير تنوين، والباقون: ﴿وثمودًا﴾ بالتنوين (١). وقال أبو عبيد: تُقْرَأُ بالتَّنوين لِمَكان الألفِ الثانية في المصحف. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾: عطفٌ على الأوَّلِ. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: مِن قبلِ عادٍ وثمودَ. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾: مِن عادٍ وثمودَ؛ لأنَّهم أصَرُّوا على الكفر وإيذاءِ نوحٍ ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، ولم يَسْلَمْ منهم إلا نفَرٌ يسيرٌ. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾: أي: وأهلَكَ قريَّاتِ لوطٍ المُنْقَلِبَةِ بأهلها. ﴿أَهْوَى﴾: أي: أسْقَطَها في النار. وقيل: أي: أسْقَطَها مِن السماء. وقيل: خسَفَ بها في الأرض. * * * (٥٤ - ٥٦) - ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. ﴿فَغَشَّاهَا﴾: أي: المُؤْتَفِكَةَ. ﴿مَا غَشَّى﴾: أي: الحِجارة، وغشَّاها: جلَّلَها.

стр. 6962

وقيل: هو في حَقِّ كلِّ مَن تقدَّم ذِكْرُه، وأَبْهَمَ لأنهم أُهْلِكوا بأنواعٍ مُخْتَلِفَةٍ. قولُه تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾: أي: بأيِّ نِعَمِ ربِّكَ تشُكُّ أيها الإنسانُ؟ وقيل: أي: تَجْحَدُ. وقيل: أي: تُجادِلُ مع وُضوحِها. والنِّعَمُ: هي الحُجَجُ الباهِرَةُ، والمواعِظُ الزَّاهِرَةُ. وقيل: الخِطابُ للنَّبيِّ ﷺ ، والمرادُ غيرُه؛ كما عُرِفَ في قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]. قولُه تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ﴾: أي: محمدٌ رسولُ اللَّهِ مُنْذِرٌ مِن النُّذُر ﴿الْأُولَى﴾؛ أي: المرسلين الأوَّلين. وقيل: ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾؛ أي: اقتصاصُ هذه القِصَصِ تخويفٌ مِن التَّخْوِيفات الماضية. * * * (٥٧ - ٦٠) - ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾. قولُه تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾: أي: قرُبَتِ القيامةُ، والأُزوفُ: الدُّنُوُّ، و ﴿الْآزِفَةُ﴾: مِن أسماء القيامة. ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾: أي: ليس لها من غير (١) اللَّه كشفٌ؛ أي: بيانُ الوقت، وهو (٢) كقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وقال الفرّاء والكسائي رحمهما اللَّه: هي مصدر كالباقية واللاغية (٣).

стр. 6963

وقال قطربٌ: هي نعتٌ والهاءُ للمبالغة، أو هي صفةٌ للنفس أو للجماعة. ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾: أي: من القرآن، استفهامٌ بمعنى التوبيخ. ﴿تَعْجَبُونَ﴾: إنكارًا ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾: استهزاء ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾: تدبُّرًا (١) بوعيده. * * * (٦١ - ٦٢) - ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾. ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾: قال الخليل: أي: ساهون غافلون (٢). وقال قطربٌ: لاعبون. وقيل: مغنُّون، وكانوا يعارضون القرآن بالغناء. وقيل: أي: قائمون حيَارى. وقيل: معرِضون طامحون بأبصاركم ناكسون رؤوسكم. وقيل: السامد: المطرِق الحزين، ويكون صلةً لقوله: ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾؛ أي: لا تبكون مطرِقين محزونين. ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: قيل: هي سجدة تلاوة، وقيل: هي سجدة الصلاة. ﴿وَاعْبُدُوا﴾: أي: وحِّدوه، وقيل: وأطيعوه. وقال الشعبي ﵁: سجَد رسول اللَّه ﷺ في النجم وسجَد معه المؤمنون والمشركون والجنُّ والإنس (٣). واللَّه الموفِّق

стр. 6964

سورة القمر (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باسمِ اللَّهِ الذي شَقَّ القمَر، الرَّحمنِ الذي خلَقَ كلَّ شيءٍ بقَدَر، الرَّحيمِ الذي وعَدَ المُتَّقين بجَنَّاتٍ ونَهَر. وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ غِبًّا، بعَثَه اللَّهُ يومَ القيامةِ ووجهُه مِثْلُ القمَرِ ليلةَ البَدْرِ، ومَن قرأَها في كل ليلةٍ فهو أفضلُ إنْ شاء اللَّهُ" (٢). وهي مَكِّيَّةٌ، وآياتُها: خمسٌ وخمسون. وكلماتُها: ثلاثُ مئةِ كلمةٍ واثنان وأربعون. وحروفُها: ألفٌ وأربعُ مئةٍ وتسعةٌ (٣) وأربعون. وانتظامُ آخرِ تلك السُّورة بأوَّلِ هذه السورة: بذِكْرِ القيامةِ وقُرْبِها، قال هناك: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾، وقال هنا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. وانتظامُ السُّورتين: أنَّهما في مُحاجَّةِ المشركين، وتنبيهِهم بقِصَصِ الأوَّلين.

стр. 6965

(١) - ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. قولُه تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾: أي: دنَتِ القيامةُ. ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: أي: وقد انشَقَّ القمرُ نِصْفَين، وفي قراءة حُذيفة بنِ اليَمان كذلك: (وقد انشَقَّ القمرُ) (١). قال أنسٌ: وذلك أنَّ المشركين سألوا رسولَ اللَّهِ ﷺ آيةً -وقيل: قد عَيَّنوا هذا- فأشارَ إليه، فانشَقَّ نِصْفَينِ (٢). وهو عند عامَّةِ الصَّحابة ومَن بَعْدَهم على أنه قد كان، والحسنُ البصريُّ يحمِلُه على أنه مما يكون إذا قامَتِ القيامةُ (٣). والصَّحيحُ هو الأوَّلُ، وقد رواه عبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ، وأنسُ بنُ مالكٍ، وعبدُ اللَّه بنُ عمر، وحُذَيفةُ بنُ اليَمان، وعبدُ اللَّهِ بنُ عباس، وجُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، ومُجاهدٌ، وإبراهيمُ (٤). قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: لقد رأيتُ حِراءَ بين فِلْقَتَيِ القمر، فتعجَّبَ أهلُ مكَّةَ مِن ذلك، وقالوا: سِحْرٌ مَصْنوعٌ سيَذْهَبُ، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآياتِ (٥).

стр. 6966

وقال ابنُ مسعودٍ في روايةٍ: قال النبيُّ ﷺ : "اشهَدُوا شهدوا"، فقال المشركون: سحَرَ محمدٌ القمَرَ (١). وقال ابن عباس: إنَّ المشركين قالوا لَمَّا انشَقَّ القمرُ: سحَرَ محمدٌ القمرَ، فنَسْتَخْبِرُ السُّفَّارَ والقادمين، فكلَّما قدِموا سألوهم، فأخبَروهم أنَّهم قد رأوا ذلك، فتعجَّبوا منه (٢). * * * (٢) - ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾: أي: مِثْلَ ما رأوا مِن انشقاق القمر. ﴿يُعْرِضُوا﴾: أي: عن الإيمان بها. ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾: أي: ويُلَبِّسوا على الضَّعَفة، ويقولون: هذا تخييلٌ قَوِيٌّ، فعَلَه حاذِقٌ بالسِّحر، فيَتَصَوَّرُ بصُورة الانشقاق وهو بحاله لم يَنْشَقَّ، وهو مأخوذٌ مِن إمرار الحَبْل، وهو إحكامُ فَتْلِه. وقال الأخفش: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: شديدٌ (٣)، والمِرَّةُ: القُوَّةُ والشِّدَّةُ.

стр. 6967

وقال الكسائي والفراء: أي: يستمِرُّ ويذهبُ عن قليلٍ (١)؛ لأنَّه لا حَقيقةَ له؛ مِن المُرور. وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: أي: يُشْبِهُ أفعالُ محمدٍ بعضُها بعضًا؛ كما يقول الفقهاء: (قياسٌ مُسْتَمِرٌّ)؛ أي: يجري على وجهٍ واحدٍ. وقيل: أرادوا أنه سحرٌ مستمِرٌّ في الدُّهور قبل محمد؛ أي: هذا شيءٌ كان يفعلُه أمثالُ محمدٍ في الأُمَمِ الماضية. وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: أي: مُمْتَدٌّ مِن الأرض إلى السماء، وكان قبلَ هذا سَحَرَةٌ في الأرض، فصار الآنَ سِحْرٌ في السماء. * * * (٣) - ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾. ﴿وَكَذَّبُوا﴾: أي: محمدًا فيما جاء به مِن هذه الآيةِ وغيرِها. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: أي: فعلوا ذلك بالشَّهَوات والأهواء، لا بالحُجَّة. وقولُه تعالى: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾: أي: وكلُّ أمرٍ مِن الخير والشَّرِّ، والحَقِّ والباطل، والهوى والحُجَّة، يستقِرُّ يومًا قرارُه، ويتناهى نهايتَه، فتخرُجُ حقيقته، وتزولُ شُبْهَتُه، وعند العواقب تظهَرُ الحقائقُ. وهذا وعيدٌ للمشركين، ووعدٌ وبِشارةٌ للرسول والمؤمنين، وهو كقوله:

стр. 6968

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أي: إنَّ مُدَّتَه وإنْ طالَتْ فلا بُدَّ مِن أنْ يستقِرَّ قرارُه، وتنكشِفُ حقيقتُه مِن حقٍّ وباطل. * * * (٤ - ٥) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾: أي: مِن أخبار الأُمَم الماضية التي هي غُيوبٌ، ولا يعلَمُها محمدٌ إلا بوحيٍ. ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾: أي: زَجْرٌ ومَنْعٌ، وقد زجَرَه وازْدَجَرَه، وهو للمصدر ها هنا كالازدجار؛ كالمُصْطَبَر يُستعمَلُ في معنى الاصطبار. ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾: قيل: هو ترجمةٌ عن الأوَّلِ ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾؛ أي: حِكْمةٌ. وقيل: إنها ترجمةٌ وبدلٌ عن قوله: ﴿مُزْدَجَرٌ﴾. وقيل: أُضْمِرَ ابتداؤُه، وهذا خبَرٌ عنه؛ أي: هذه ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾: أي: بالِغَةٌ نهايةَ الإحكامِ. ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾: يجوز أنْ يكون نَفْيًا، ويجوز أنْ يكون استفهامًا بمعنى التَّوْبِيخ؛ أي: فما يُغْنِي النَّذِيرُ بعد النَّذير لِمَن أعرَضَ عنه ولم يتأمَّلْه وعانَدَ؟! وقيل: فما يُغْنِي الأنبياءُ عن هؤلاء الكفار شيئًا مِن العذاب وما يَصْرِفُونه عنهم وهم لم يَقْبَلوا إنذارَهم؟! * * * (٦) - ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾.

стр. 6969

وقولُه تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: أَعْرِضْ عن مُكَافأَتِهم الآنَ، إنَّ لهم يومًا يُجازَون فيه. ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: قيل: تقديرُه: فتولَّ عنهم لِيومِ يَدْعُ الدَّاعِ. وقيل: تمَّ الكلامُ عند قولِه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، وقولُه: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ يتعلَّقُ بقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. وقيل: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: ظرفٌ لقوله: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾؛ كما قال: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]، وهو إسرافيلُ في النَّفْخَة الثانية. ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾: أي: هائلٍ مُنْكَرٍ لا يُطاقُ، ويُسَمَّى (نُكرًا)؛ لِغِلَظِه على النَّفْس. وقيل: لأنهم لم يروا مِثْلَه قَطُّ، فيُنْكِرونه استعظامًا له. وقيل: أي: إلى شيءٍ كانوا يَجْحَدونه في الدنيا، ويُنْكِرونه في الدنيا، ولا يؤمنون به. * * * (٧) - ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾. قولُه تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (١): قرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿خاشِعًا أَبصارُهم﴾، وتقدُّمُ الصِّفة كتقدُّمِ الفعل، فيجوزُ تذكيرُه وتوحيدُه، قال الشاعر: وشبابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهم... مِن إيادِ بنِ نزارِ بنِ مَعَدّْ (٢)

стр. 6970

وقرأ الباقون: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ على الجَمْع (١)؛ لأنَّها نَعْتٌ لـ (أبصار) حقيقةً، وهي جَمْعٌ. ونصبُه على الحال مِن: ﴿يَخْرُجُونَ﴾. وقيل: نُصِبَ لأنه مفعولٌ به مِن قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: أي: قومًا هُم كذا. ومعناه: خاضِعين أَذِلَّةً لأمرِ اللَّه. وأضافَ الخُشوعَ إلى الأبصار؛ لأنَّ ذِلَّة الذَّليلِ وعِزَّةَ العزيزِ يَظْهَران في النَّظَر. وقيل: هو دليلُ الخوفِ والحياء، فيُنَكِّسُ رأسَه، ويَخْفِضُ بصرَه. ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: أي: القُبورِ. ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾: وحَّدَ اللَّفْظَةَ، ومعناه: خاضعين كأنَّهم جرادٌ مُنْتَشِرٌ في كَثْرَتِهم وتفرُّقِهم في كلِّ جِهَةٍ. وقيل: أي: يخرُجون فَزِعين لا يَهْتَدون، مُتَحَيِّرين لا جِهَةَ لأحدٍ منهم يَقْصِدُها. * * * (٨ - ١٠) - ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾: قيل: مُسْرِعين. وقيل: رافِعين أبصارَهم إليه.
следующие страницы →