← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

وقال ابنُ مسعودٍ في روايةٍ: قال النبيُّ ﷺ : "اشهَدُوا شهدوا"، فقال المشركون: سحَرَ محمدٌ القمَرَ (١). وقال ابن عباس: إنَّ المشركين قالوا لَمَّا انشَقَّ القمرُ: سحَرَ محمدٌ القمرَ، فنَسْتَخْبِرُ السُّفَّارَ والقادمين، فكلَّما قدِموا سألوهم، فأخبَروهم أنَّهم قد رأوا ذلك، فتعجَّبوا منه (٢). * * * (٢) - ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾: أي: مِثْلَ ما رأوا مِن انشقاق القمر. ﴿يُعْرِضُوا﴾: أي: عن الإيمان بها. ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾: أي: ويُلَبِّسوا على الضَّعَفة، ويقولون: هذا تخييلٌ قَوِيٌّ، فعَلَه حاذِقٌ بالسِّحر، فيَتَصَوَّرُ بصُورة الانشقاق وهو بحاله لم يَنْشَقَّ، وهو مأخوذٌ مِن إمرار الحَبْل، وهو إحكامُ فَتْلِه. وقال الأخفش: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: شديدٌ (٣)، والمِرَّةُ: القُوَّةُ والشِّدَّةُ.

стр. 6967

وقال الكسائي والفراء: أي: يستمِرُّ ويذهبُ عن قليلٍ (١)؛ لأنَّه لا حَقيقةَ له؛ مِن المُرور. وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: أي: يُشْبِهُ أفعالُ محمدٍ بعضُها بعضًا؛ كما يقول الفقهاء: (قياسٌ مُسْتَمِرٌّ)؛ أي: يجري على وجهٍ واحدٍ. وقيل: أرادوا أنه سحرٌ مستمِرٌّ في الدُّهور قبل محمد؛ أي: هذا شيءٌ كان يفعلُه أمثالُ محمدٍ في الأُمَمِ الماضية. وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: أي: مُمْتَدٌّ مِن الأرض إلى السماء، وكان قبلَ هذا سَحَرَةٌ في الأرض، فصار الآنَ سِحْرٌ في السماء. * * * (٣) - ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾. ﴿وَكَذَّبُوا﴾: أي: محمدًا فيما جاء به مِن هذه الآيةِ وغيرِها. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: أي: فعلوا ذلك بالشَّهَوات والأهواء، لا بالحُجَّة. وقولُه تعالى: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾: أي: وكلُّ أمرٍ مِن الخير والشَّرِّ، والحَقِّ والباطل، والهوى والحُجَّة، يستقِرُّ يومًا قرارُه، ويتناهى نهايتَه، فتخرُجُ حقيقته، وتزولُ شُبْهَتُه، وعند العواقب تظهَرُ الحقائقُ. وهذا وعيدٌ للمشركين، ووعدٌ وبِشارةٌ للرسول والمؤمنين، وهو كقوله:

стр. 6968

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أي: إنَّ مُدَّتَه وإنْ طالَتْ فلا بُدَّ مِن أنْ يستقِرَّ قرارُه، وتنكشِفُ حقيقتُه مِن حقٍّ وباطل. * * * (٤ - ٥) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾: أي: مِن أخبار الأُمَم الماضية التي هي غُيوبٌ، ولا يعلَمُها محمدٌ إلا بوحيٍ. ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾: أي: زَجْرٌ ومَنْعٌ، وقد زجَرَه وازْدَجَرَه، وهو للمصدر ها هنا كالازدجار؛ كالمُصْطَبَر يُستعمَلُ في معنى الاصطبار. ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾: قيل: هو ترجمةٌ عن الأوَّلِ ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾؛ أي: حِكْمةٌ. وقيل: إنها ترجمةٌ وبدلٌ عن قوله: ﴿مُزْدَجَرٌ﴾. وقيل: أُضْمِرَ ابتداؤُه، وهذا خبَرٌ عنه؛ أي: هذه ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾: أي: بالِغَةٌ نهايةَ الإحكامِ. ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾: يجوز أنْ يكون نَفْيًا، ويجوز أنْ يكون استفهامًا بمعنى التَّوْبِيخ؛ أي: فما يُغْنِي النَّذِيرُ بعد النَّذير لِمَن أعرَضَ عنه ولم يتأمَّلْه وعانَدَ؟! وقيل: فما يُغْنِي الأنبياءُ عن هؤلاء الكفار شيئًا مِن العذاب وما يَصْرِفُونه عنهم وهم لم يَقْبَلوا إنذارَهم؟! * * * (٦) - ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾.

стр. 6969

وقولُه تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: أَعْرِضْ عن مُكَافأَتِهم الآنَ، إنَّ لهم يومًا يُجازَون فيه. ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: قيل: تقديرُه: فتولَّ عنهم لِيومِ يَدْعُ الدَّاعِ. وقيل: تمَّ الكلامُ عند قولِه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، وقولُه: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ يتعلَّقُ بقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. وقيل: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: ظرفٌ لقوله: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾؛ كما قال: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]، وهو إسرافيلُ في النَّفْخَة الثانية. ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾: أي: هائلٍ مُنْكَرٍ لا يُطاقُ، ويُسَمَّى (نُكرًا)؛ لِغِلَظِه على النَّفْس. وقيل: لأنهم لم يروا مِثْلَه قَطُّ، فيُنْكِرونه استعظامًا له. وقيل: أي: إلى شيءٍ كانوا يَجْحَدونه في الدنيا، ويُنْكِرونه في الدنيا، ولا يؤمنون به. * * * (٧) - ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾. قولُه تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (١): قرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿خاشِعًا أَبصارُهم﴾، وتقدُّمُ الصِّفة كتقدُّمِ الفعل، فيجوزُ تذكيرُه وتوحيدُه، قال الشاعر: وشبابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهم... مِن إيادِ بنِ نزارِ بنِ مَعَدّْ (٢)

стр. 6970

وقرأ الباقون: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ على الجَمْع (١)؛ لأنَّها نَعْتٌ لـ (أبصار) حقيقةً، وهي جَمْعٌ. ونصبُه على الحال مِن: ﴿يَخْرُجُونَ﴾. وقيل: نُصِبَ لأنه مفعولٌ به مِن قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: أي: قومًا هُم كذا. ومعناه: خاضِعين أَذِلَّةً لأمرِ اللَّه. وأضافَ الخُشوعَ إلى الأبصار؛ لأنَّ ذِلَّة الذَّليلِ وعِزَّةَ العزيزِ يَظْهَران في النَّظَر. وقيل: هو دليلُ الخوفِ والحياء، فيُنَكِّسُ رأسَه، ويَخْفِضُ بصرَه. ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: أي: القُبورِ. ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾: وحَّدَ اللَّفْظَةَ، ومعناه: خاضعين كأنَّهم جرادٌ مُنْتَشِرٌ في كَثْرَتِهم وتفرُّقِهم في كلِّ جِهَةٍ. وقيل: أي: يخرُجون فَزِعين لا يَهْتَدون، مُتَحَيِّرين لا جِهَةَ لأحدٍ منهم يَقْصِدُها. * * * (٨ - ١٠) - ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾: قيل: مُسْرِعين. وقيل: رافِعين أبصارَهم إليه.

стр. 6971

وقيل: مُدِيمين النَّظَرَ إليه. ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾: أي: شديدٌ عَسيرٌ. وقولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾: أي: رسولَهم نوحًا. ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾: أي: هو مجنونٌ. ﴿وَازْدُجِرَ﴾: أي: زجَروه عن تبليغِ الرِّسالة بالتَّهديد والشَّتْم، و (ازدَجَرَ) مُتَعَدٍّ كـ (زجَرَ)، وهو كما قالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]. ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾: أي: لَمَّا أَيِسَ مِن إيمانهم: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾: أي: غلَبَني قومي بتمَرُّدِهم، ومنَعُوني عن الدُّعاء إليكَ. ﴿فَانْتَصِرْ﴾: أي: فانتَقِمْ لي منهم. وعن عاصمٍ: (إني مَغْلوبٌ) بكسر الألف (١)؛ أي: دعا فقال: إني، والفتحُ لِوُقوعِ الفعلِ -وهو الدُّعاءِ- عليه. * * * (١١ - ١٢) - ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾. ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾: أي: فأجَبْناه وأمَرْناه باتِّخاذ السَّفينة، ثم لَمَّا بلَغَ الكتابُ أجَلَه فتَحْنا أبوابَ السَّماءِ فوقهم. ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾: أي: كثيرٍ مُنْصَبٍّ خارجًا عن المُعْتاد.

стр. 6972

وقيل: هو الكثيرُ السَّريعُ الانصِبابِ. ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾: أي: سَيَّلْنا عُيونَ الأرضِ مِن تحتهم. ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾: أي: اجتمَعَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرضِ، ولم يُثَنَّ لأنه اسمُ جِنْسٍ، وبالاجتماعِ يجوزُ أنْ يُقالَ: هذا ماءٌ واحدٌ. ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾: أي: قدَّرَه اللَّهُ، وعَلِمَ مِقْدارَه ومَبْلَغَه، وقَدَّرَ في أُمِّ الكتاب هلاكَ القومِ به، فلم يَزِدْهم على ما سبَقَ عِلْمُه به، ولم يَنْقُصْ (١) عنه. وقيل: أي: التقى الماءانِ على مِقْدارٍ واحدٍ، فكان ماءُ السَّماءِ بقَدْرِ ماءِ الأرض، لا يزيدُ أحدُهما على الآخَرِ. * * * (١٣ - ١٤) - ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾. ﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾: أي: حَمَلْنا نوحًا. ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾: أي: على سفينةٍ ذاتِ صَفائِحَ مِن الخَشَبِ التي تُؤَلَّفُ منها السَّفينةُ. ﴿وَدُسُرٍ﴾: جَمْعُ دِسارٍ. وقال قُطْرُبٌ: هي المِسْمارُ. وقال الخليل: الدِّسارُ: خَيْطٌ مِن لِيفٍ تُشَدُّ به ألواحُ السُّفُنِ (٢). وقال الفرَّاء: الدُّسُرُ: مساميرُ السفينة وشُرُطُها التي تُشَدُّ بها (٣)، واحدتُها: دَسِيرة.

стр. 6973

وقال مُجاهد: الدُّسُرُ: أَضْلاعُ السَّفينةِ (١). وقال الضَّحَّاكُ: طرَفاها وأَصْلُها (٢). وقال نِفْطَوَيْهِ: الدُّسُرُ: السُّفُنُ نفْسُها تُدَسِّرُ الماءَ بصَدْرِها؛ أي: تَدْفَعُه. ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾: أي: بمرأى مِنَّا، نحن نراها ونحفَظُها. ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: أي: فعَلْنا ذلك جزاءً لنوحٍ بصَبْره على أذى قومِه وكُفْرِهم به، وتَرْكِهم الشُّكْرَ له على دعائه إياهم إلى ما فيه نَجاتُهم. * * * (١٥ - ١٦) - ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾: أي: ولقد ترَكْنا السَّفينةَ علامةً على قُدْرَةِ اللَّهِ تعالى، ولُطْفِه بأهل ولايته، وتمييزِه بين أهل الإيمان وأهل الكفر، والكنايةُ راجعةٌ إلى ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾. وقيل: أي: ترَكْنا هذه الفِعْلَةَ آيةً للعالمين، يَعْتَبِرُ بها كلُّ مَن بلَغَه هذا الخبَرُ. وقال قتادة: أبقى اللَّهُ سفينةَ نوحٍ على الجُوديِّ حتى أدرَكَها أوائلُ هذه الأُمَّةِ (٣). وعن ابن عباسٍ مِثْلُه (٤).

стр. 6974

وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾: أي: بَقَّيْناها؛ كما قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: أي: مُتَّعِظٍ منكم مَعاشِرَ المشركين؟ ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾: أي: إنذاري؛ أي: ألم يكن عذابي شديدًا مُهْلِكًا، أوَلم يكن إنذاري صِدْقًا واقِعًا؟ * * * (١٧ - ١٨) - ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. قولُه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: قال ابن عباس: هوَّنَّا قراءةَ القرآنِ لِيَتَّعِظَ المُتَّعِظُ به، ولولا أنَّ اللَّهَ تعالى يسَّرَه ما استطاعَ أحدٌ أنْ يتكَلَّمَ بكلام اللَّه تعالى (١). وقال سعيد بن جُبيرٍ: يسَّرْناه للحفظ ظاهِرًا، وليس مِن كُتُبِ اللَّهِ تعالى يُقْرَأُ ظاهِرًا إلا القرآنُ (٢). وقال الحسن: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: أي: خائفٍ مِثْلَ عُقوبَتِهم (٣). وقيل: يسَّرَ قراءتَه على ألسنةِ قومٍ، وعلَّمَه على قلوبِ قومٍ، وفهَّمَه على قلوب قومٍ، وحَفِظَه على قلوبِ قومٍ، وكلُّهم أهلُ القرآنِ، وكلُّهم أهلُ اللَّهِ وخاصَّتُه.

стр. 6975

وقولُه: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾: أي: رسولَهم هودًا. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي﴾: أي: بالرِّيحِ العَقيم. ﴿وَنُذُرِ﴾: أي: إنذاري على لسان رسولي، أليس كان العذابُ أليمًا شديدًا، والإنذارُ حقًّا وصِدْقًا؟ * * * (١٩ - ٢٠) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾: يعني: شديدةً باردةً، ذاتَ بَرْقٍ وصوتٍ هائلٍ. ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾: أي: في يومٍ كان مَشْؤومًا عليهم. ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾: استمَرَّ بهم العذابُ حتى أهلَكَهم. وقال قتادة: استمَرَّ عليهم شَرُّه؛ أي: دام إلى أن صاروا في نار جهنَّمَ (١). وقال الفَرَّاءُ: أي: استمَرَّ عليهم بنُحُوسَته (٢)؛ أي: قَوِيَ واشتَدَّ. وقال الكسائيُّ: هو مِن المرارة، وقد استمَرَّ الشيءُ وأَمَرَّ (٣). وقال نِفْطَوَيْهِ: في يوم شُؤْمٍ مُسْتَحْكِمٍ، بكسر الكاف (٤). قولُه تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾: أي: تَقْلَعُهم مِن مواضِعهم.

стр. 6976

قيل: كانت تأتيهم مِن تحت أقدامِهم فتَقْلَعُهُم كما تَنْقَعِرُ النَّخْلَةُ مِن أَصْلِها. وقيل: كانت تَقْتَلِعُ الناسَ فتَرْمِي بهم على رؤوسهم، فتَدُقُّ رقابَهم، وتَبِينُ مِن أجسادِهم، فشُبِّهوا بأُصول النَّخْلِ لهذا. وقيل: بل أحْرَقَتْهم فقَطَّعَتْهم الرِّيحُ قِطَعًا، فكان كلُّ عُضْوٍ منهم كعَجُزِ النَّخْلِ المُنْقَعِرِ، فذلك قولُه: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾: والأعجازُ: جَمْعُ عَجُزٍ، وهو أَصْلُ النَّخْلَةِ. والمُنْقَعِرُ: المُنْقَلِعُ مِن أصلِه. والنَّخْلُ يؤنَّثُ إذا أُريدَ بها جَمْعُ نَخْلَةٍ، وعلى ذلك قولُه: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، ويُذَكَّرُ إذا أُرِيدَ به الواحدُ، ويجوز أنْ يكون جَمْعًا ها هنا وذَكَّرَ نَعْتَه للفظه، والأَولى أنْ تكون جَمْعًا؛ لأنَّه شبَّه بها الجماعةَ. وقيل: كأنهم حفَروا حُفَرًا دَخَلوا فيها، فكانت الرِّيحُ تَنْزِعُهم؛ أي: تُخْرِجُهم منها، فتَكْسِرُهم، فتبقى تلك الحُفَرُ كأنها أصولُ نخلٍ قد هلَكَ ما كان قائمًا فيها، فبَقِيَ موضعُها مُنْقَعِرًا، وهو الشيءُ الذي له قَعْرٌ. وقال الأخفش: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾: أي: أَسافِلُ نَخْلٍ مُنْقَلِعٍ (١). * * * (٢١ - ٢٤) - ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾: فسَّرْناه.

стр. 6977

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: فسَّرْناه مَرَّةً، وكرَّرَه لأنَّ معناه: سَهَّلْنا سبيلَ التَّذَكُّرِ والاتِّعاظ به لمَّا وصَّلْنا به القولَ مِن قِصَصِ الأوَّلين تَنْبِيهًا للآخِرين. وقولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾: قيل: بالإنذار، وهو واحدٌ. وقيل: بالآيات التي هي نُذُرٌ، جَمْعُ نذيرٍ. وقيل: بصالحٍ ومَن تقدَّمَه مِن الرُّسُل، جَمْعُ نذيرٍ، وهو الرسولُ المُنْذِرُ. قولُه تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾: أي: استَنْكَروا أنْ يَلْزَمَهم الانقيادُ لِبَشَرٍ هو واحدٌ منهم؛ أي: مِن جِنْسِهم وجُمْلَتِهم يأكُلُ الطَّعامَ، ويمشي في الأسواق. ﴿إِنَّا إِذًا﴾: لو اتَّبَعناه. ﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾: أي: ذهابٍ عن الحقِّ. ﴿وَسُعُرٍ﴾: أي: جنونٍ، وهو قولُ القُتَبِيُّ، قال: هو مِن تَسَعُّرِ النارِ، ويُقالُ: ناقةٌ مَسْعورةٌ؛ كأنها مجنونةٌ مِن النَّشاط (١). وقال قتادة: أي: عذابٍ وعَناءٍ (٢). وقال الأخفش: هو مِن الاستعار (٣)؛ أي: الالتهاب؛ أي: في تعَبٍ شديدٍ يَلْتَهِبُ مِن التَّمادي فيه، ومَن حمَلَه على الجُنون، فإنَّ الجُنونَ يُحَرِّكُ صاحبَه ويُلْهِبُه. وقيل: أي: في أمرٍ يُسْعِرُ مِثْلُه؛ أي: يُلْهِبُ صاحبَه ويُحَرِّكُه حتى يُحميَه فيأنَفَ منه. * * *

стр. 6978

(٢٥ - ٢٦) - ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾: أي: الوحيُ، وذكْرُ ما بالناس إليه حاجةٌ مِن أمور الدِّين والدنيا وفينا مَن هو أكثرُ مالًا وأعلى حَسَبًا منه؟! ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾: أي: ليس كما يقول أنَّ الوحيَ أُنْزِلَ عليه مِن بيننا، بل هو كذَّابٌ في ذلك. ﴿أَشِرٌ﴾: لَجُوجٌ (١) يلتمِسُ التَّجَبُّرَ والتَّكَبُّرَ علينا مِن غير استحقاقٍ. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾: أي: يومَ القيامةِ ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. وقيل: ﴿غَدًا﴾: أي: يومَ يَنْزِلُ بهم العذابُ المُسْتَأْصِلُ في الدنيا. وقال الحسَنُ: قرَّبَ اللَّهُ تعالى الآخرةَ مِن الدنيا كقُرْبِ الغَدِ مِن اليوم (٢). * * * (٢٧ - ٢٨) - ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾. ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾: أي: لَمَّا كذَّبوه سألوه آيةً، وهو أنْ يُخْرِجَ لهم ناقةً مِن الجبل، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾: أي: مُخْرِجُوها وباعِثُوها. ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾: أي: اختبارًا وامتحانًا حتى يَظْهَرَ للعباد ما نحن عالِمون بما يكون منهم.

стр. 6979

وقيل: أي: تشديدًا للتَّعَبُّد عليهم بما يَلْزَمُهم مِن الصَّبر على ضِيقِ الماء والكلَأِ بخُروج الناقة لحاجَتِها إلى الكثير منها مع فَصيلِها. ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾: أي: فانتظِرْهم، وتَبَصَّرْ ما يكون منهم، ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على ارتقابِهم، ولا تَعْجَلْ إلى أنْ يؤمنوا، أو يَهْلِكوا. وقولُه تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾: أي: خَبِّرْهم ﴿أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾: أي: مَقْسومٌ بين القوم وبين الناقة، والقِسْمَةُ ما ذُكِرَ في سورةٍ أخرى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]. ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾: أي: كلُّ نصيبٍ مِن الماء يُحْضِرُه صاحبُه في يومه. * * * (٢٩) - ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. قولُه تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾: رُوِيَ أنَّ الأمرَ لما طالَ بهم في الناقة، غلَبَ عليهم الشَّقاءُ، فائتَمَرَ تسعةُ نفَرٍ منهم، وهُم المذكورون في قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] منهم قُدَارُ بنُ سالِف، ائتمَروا بها، فلما أَجْمَعوا على قَتْلِها قال بعضُهم لبعضٍ: أيُّكم يَكْمُنُ للناقة حين تمُرُّ إذا صدَرَتْ عن الماء، فتحاماها القومُ، وكمَنَ لها قُدارُ بنُ سالِفٍ لِيَقْتُلَها، وصاح بها بَقِيَّةُ الرَّهْطِ وهي على الماء، فقتلَها قُدَارُ بنُ سالِفٍ، فكان معنى قولِه: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾: أي: فنَبَّهوه على مَجيئِها وقُرْبِها مِن مَكْمَنِه، ودَعَوْه إلى قَتْلِها. وقيل: لَمَّا ائتمَروا بها قال أحدُهم: أنا أَكْفِيكُمُوها، فلما هَمَّ بها هابَها، فناداه أصحابُه فشَجَّعوه. ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾: أي: فتناوَلَ ما دَعَوْه إليها فقتَلَها.

стр. 6980

وقيل: رماها رجلٌ منهم فأصابَ عَضَلَةَ ساقِها، ثم صاحَ: دونَكَ يا قُدَارُ، فهي هذه تمُرُّ عليك، فمَرَّتْ بقُدار، فضرَبَ ساقَها الأخرى فصُرِعَتْ لِجَنْبِها، ثم وجَأَ بالسيف في لَبَّتِها حتى فرَغَ منها. وقيل: عقَرَها قُدارٌ؛ أي: جَرَحَها، فلما صرَعَها مالوا (١) جميعًا عليها فقتَلوها. وقيل: بل عقَرَها هو وقتَلَها، والعَقْرُ: هو القَتْلُ، قال ﷺ : "مَن عُقِرَ جوادُه" الحديث (٢). * * * (٣٠ - ٣١) - ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾: فسَّرْناه. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: أي: صاعِقَةً، فأهلَكَتْهم جميعًا. ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾: أي: فصاروا بعد غَضارَتِهم وحُسْنِهم كيَبْسِ الشَّجَر والنبات الذي يَجْمَعُه صاحبُه ويَحْتَظِرُه لمواشيه؛ أي: يَتَّخِذُ لها حَظِيرةً يَجْمَعُها، وذلك مُتَكَسِّرٌ مُتَفَتِّتٌ، وذلك يحتمِلُ معانيَ ثلاثةً: أحدُها: أنْ يكون صاحِبُ الحَظِيرةِ قد احتَظَرَ لِغَنَمِه، ثم لم يَجْمَعْ فيها الهَشِيمَ مِن النَّبات للغنم لِتَأْكُلَه. والثاني: أنْ يكون المُحْتَظِرُ اتَّخَذَ الحَظِيرةَ للنبات اليابس.

стр. 6981

والثالثُ: أنْ يَحْتَظِرَ النَّباتَ الرَّطْبَ، فيَيْبَسَ ويَسْقُطَ ويصيرَ هَشيمًا بوَطْءِ الناس والبهائم. وقرأ الحسَنُ: (المُحْتَظَر) بفتح الظاء (١)، وله وجهان: أحدُهما: أن يكون المُحْتَظَرُ هو الهَشِيمُ، وأُضِيفَ إلى نفْسِه. والثاني: أن يكون المُحْتَظَرُ هو الحَظِيرةُ، والهَشِيمُ مُضافٌ إليها. * * * (٣٢ - ٣٥) - ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: وقد مَرَّ سِياقُ القصة في سورة الأعراف. قولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾: فسَّرْنا النُّذُرَ بثلاثة أوجهٍ في هذه السورة في قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾: أي: سَحابًا حَصَبَهم؛ أي: رماهم بالحِجارة والحَصى. ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾: أي: لوطًا ومَن آمَنَ به. ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾: أي: أمَرْناه حتى خرَجَ بهم بِقِطْعٍ مِن الليل، وجاء العذابُ قومَه الصُّبْحَ. ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾: أي: إنعامًا مِنَّا على لوطٍ وأهلِه. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾: بإنعامنا، فآمَنَ ولم يُكَذِّبْ.

стр. 6982

قال الفرَّاءُ والكسائيُّ: إذا قُلْتَ: (خرَجْتُ بسَحَرٍ) أجْرَيْتَه بجَعْلِه نكرةً، وإذا حذَفْتَ الباءَ لم تُجْرِه (١). * * * (٣٦ - ٣٧) - ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾: أي: كان خوَّفَهم بأَخْذِنا إيَّاهم إذا أقاموا على كفرهم وتكذيبهم. وخرَجَ الكلامُ مَخْرَجَ المَرَّةِ الواحدةِ؛ لأنَّهم لم يَبْقَوا بعد تلك البَطْشَةِ الواحدةِ. ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾: أي: فشَكُّوا فيما أَنْذَرَهم به، وجادَلوه فيه وجَحَدوه، وقالوا: كيف يَتَهَيَّأُ له إِهْلاكُنا وهو واحدٌ مِنَّا؟! ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾: أي: طالَبوه بتسليم أضيافِه إليهم، وهُم الملائكةُ الذين رأوهم على صورة الغِلْمان، وظَنُّوهم مِن البَشَر، وقَصَدوا منهم ما اعتادوه مِن خَبائِثِهم (٢). ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾: قيل: فأَعْمَيْناهم؛ رُوِيَ: أنَّ جبريلَ مسَحَ وجوهَهم بجناحِه فأَعْماهم، فجعَلوا يجولون لا يَدْرون كيف يَتوَجَّهون. وقيل: صُيِّرَتْ أعينُهم كسائر الوجه لا شِقَّ لها؛ كما تَطْمِسُ الرِّيحُ الأعلامَ بالرَّمْلِ والتراب. وقيل: بل أعماهم مع بقاءِ صُوَرِ أعيُنِهم.

стр. 6983

﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾: أي: وقيل لهم ذلك. وقيل: معناه: أَذَقْناهم ذلك؛ كما قال: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]؛ أي: سَيَّرْناهم كذلك. * * * (٣٨ - ٤٠) - ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ﴾: أي: جاءهم صباحًا؛ كما قال: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١]. ﴿بُكْرَةً﴾: أوَّلَ النَّهارِ حين يَطْلُعُ الفجرُ. ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أي: ثابتٌ مُسْتَقِرٌّ فيهم إلى أنْ هلَكوا جميعًا، لم يكن كالشيء الذي يمُرُّ بالشيء فيأخُذُ بَعْضًا ويترُكُ بَعْضًا. وقيل: أي: يَسْتَقِرُّ بهم إلى أنْ يُوافُوا جهنَّمَ. ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُر﴾: فسَّرْناه. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: فسَّرْناه أيضًا، وهو سِياقُ القصَّةِ في سورة الأعراف وغيرِها. * * * (٤١ - ٤٢) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾. ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: أي: الآياتُ التي أُنْذِروا بها؛ كالضَّفادعِ، والدَّمِ، والطُّوفان، والجرادِ، والقُمَّلِ، والسِّنين، واليدِ، والعصا. ويَحْتَمِلُ أنْ يكون النُّذُرُ هُمُ الرُّسُلُ، فقد جاءهم يوسُفُ وبنوه إلى أنْ جاء موسى وهارونُ.

стр. 6984

﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾: أي: الأعلامِ الدَّالَّةِ على صِدْقِ الرُّسل. ويَحْتَمِلُ أن يكون أرادَ به آلَ فرعونَ، ويَحْتَمِلُ أن يكون أرادَ به كلَّ الأُمَمِ الذين ذكرَهم في هذه السورة. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾: أي: عاقَبْناهم مُعاقَبَةَ مَن لا يتهيَّأُ الاعتراضُ عليه، ولا مَنَعَةَ لِعِزِّه وسُلْطانِه ومعاقبِه، قادرٌ على كل شيءٍ، لا يفوتُه هارِبٌ، ولا يُعْجِزُه غالِبٌ. * * * (٤٣ - ٤٤) - ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾. قولُه تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ﴾: يُخاطِبُ مُشْركي قريشٍ. ﴿مِنْ أُولَئِكُمْ﴾: أي: الأُمَمِ الماضية؛ أي: ليسوا كذلك، بل كلُّكم (١) سواءٌ؛ لأنَّ الكلَّ كفارٌ مُكَذِّبون، فإذا شارَكْتُموهم في الجِناية، تُشارِكونهم في العُقوبة. ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾: أي: أم تدَّعون أنَّ لكم براءةً مِن اللَّه في الكُتُب المُنَزَّلة على أنبيائه بالسَّلامة مِن العُقوبة، وخروجِكم بذلك من الجُمْلَة؟! ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾: أي: مُنْتصِرون مُجْتَمِعون مُمْتَنِعون، فلا يَنالُنا أحدٌ بمكروهٍ، ولا يَقْدِرُ علينا. ووحَّدَ المُنْتَصِرَ لأنه نعَتَ به قولَه: ﴿جَمِيعٌ﴾، ولفظُه لفظُ الواحدِ؛ كـ (السَّميع) و (البديع). * * * (٤٥) - ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾: فلا ينفَعُهم الاجتماعُ. ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أي: الأَدْبارَ، وهو اسمُ جِنْسٍ يصلُحُ للجَمْع.

стр. 6985

وحُقِّقَ ذلك يومَ بدرٍ، ودلَّتِ الآيةُ على صدقِ نُبُوَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ حيث أَخْبَرَ فكان كما أخبَرَ، فدلَّ أنه قال ذلك بوَحْيِ اللَّهِ تعالى، وهذا كلُّه توبيخٌ، يقولُ لهم: لم تُقاوِموا عبادَ اللَّهِ، فكيف تُقاوِمون عذابَ اللَّهِ؟! ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ قيل: معناه: أفأنتم. وقيل: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ أيَّتُها الأُمَّةُ. وقيل: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ خطابٌ لقومٍ أسْلَمَ بعضُهم، وهذا خِطابٌ، ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾: على المُغايَبَة، وهو مِن تلوينِ الكلام وأقسامِ البلاغة. * * * (٤٦) - ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: أي: القيامةُ، فلا نَقْتَصِرُ بعذاب الدنيا، بل نُدِيمُ عليهم العقابَ في العُقْبى. ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى﴾: أي: أعظَمُ وأنكَرُ. ﴿وَأَمَرُّ﴾: قيل: أشَدُّ. وقيل: أمَرُّ مَذاقًا. وقيل: نزل قولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ في أبي جهلٍ، وذلك أنه كان عنده فرَسٌ كُمَيْتٌ (١) يَعْلِفُها كلَّ يومٍ فَرَقًا من ذرةٍ، ويَحْلِفُ باللَّاتِ والعُزَّى لَيَقْتُلَنَّ عليه محمدًا، فلما كان يومُ بدرٍ رَكِبَه وجعلَ يُطارِدُ ويقول: نحن اليومَ جميعٌ مُنْتَصِرٌ ممَّن عادانا، فقتَلَه عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ يومَ بدرٍ، وأخبَرَ رسولَ اللَّه ﷺ بذلك، وقال: رأيتُ النَّارَ تَلْتَهِبُ مِن جسَدِه، فقال النبيُّ ﷺ : "ذلك ضَرْبُ الملائكةِ يا عبدَ اللَّه، فإذا كان

стр. 6986

يومُ القيامةِ وأُدْخِلَ النَّارَ قيل له: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] " (١). وعن عمر أنه قال: لَمَّا نزَلَ قولُه: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: كنت لا أدري أيَّ جَمْعٍ يُهْزَمُ، فلما كان يومُ بدرٍ رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يَثِبُ في دِرْعِه، ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٢). * * * (٤٧ - ٤٨) - ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾: أي: إنَّ المشركين في ضَلالٍ عن الحقِّ في الدنيا، وفي نيرانٍ تَسْتَعِرُ فيهم في العُقْبى، وهي جَمْعُ سَعيرٍ. وقيل: هو على مُقابَلَةِ قولِهم: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: أي: يُجَرُّون في نارِ جهنَّمَ بعد دخولِهم فيها، تَجُرُّهم الزَّبانِيَةُ. وقرأ ابن مسعود: (يوم يُسْحَبون إلى النار) (٣)، وذلك يكون قَبْلَ الإِدْخال.

стр. 6987

و ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: دِلالةُ نهايةِ الإذلال، وبيانُ أنَّهم لا يُجَرُّون على أَقْفِيَتِهم بل على وُجوهِهم. وقُرِئَتِ الآيةُ بين يدَيِ الفُضَيْلِ، فبكى حتى خَنَقَتْهُ العَبْرةُ، فقال: واللَّهِ لو سُحِبوا على الخَزِّ والحريرِ لكان شديدًا، فكيف إذا سُحِبوا على النار؟! ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾: أي: يُقالُ لهم هذا، وسَقَرُ مِن أسماء جهنَّمَ، ولا تُصْرَفُ لأنَّها مؤنثةٌ مَعْرِفَةٌ، وهي مِن سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ؛ أي: أَحْمَتْه. * * * (٤٩) - ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾: قال أبو هريرةَ: جاء مُشْرِكو قُرَيْشٍ إلى النبي ﷺ يُخاصِمونه في القدَرِ، فنزلَتْ هذه الآيةُ (١). وقال أنس: سمعتُ عمرَ يَحْلِفُ أنها نزلَتْ في القَدَرِيَّة (٢). وقال ابن عباس: إنَّ أصحابَ هذه الآيةِ ما كانوا، وليكونُنَّ بعدُ (٣). وقال كعبُ الأحبارِ: ويلٌ لأهلِ القَدَرِ! إنها لَمْكُتوبةٍ في التوراة: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي

стр. 6988

ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى قولِه: ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١)؛ أي: بتقديرٍ سبَقَ في عِلْمِنا وإرادتِنا. ونُصِبَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: بتقدير: إنا خلَقْنا كلَّ شيءٍ بقَدَرٍ. وقيل: يتَّصِلُ بقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾: لكن عند الوقتِ المقدَّر، ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ والتَّأْخيرُ إليها بما سبَقَ مِن القَدَر. * * * (٥٠ - ٥٢) - ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾. ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾: أي: قولةٌ واحدةٌ، وأمْرةٌ (٢) واحدةً؛ أي: وما أَمْرُنا لشيءٍ إذا أرَدْنا تكوينَه إلا أنْ نقولَ له: كُنْ فيكون. ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾: منكم، لا يُبْطِئُ ولا يتأخَّرُ ولا يَتَعَذَّرُ، فلو أرَدْنا قِيامَ الساعةِ أو أرَدْنا استئصالَكم لكانَ، وإنما التَّأْخيرُ لِتقديرٍ قد سبَقَ. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾: أي: مَن تابَعَكم على الكفر والتكذيب مِن هذه الأُمَمِ التي ذكَرْنا ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: أي: مُتَّعِظٍ؛ أي: فيتذَكَّر. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾: أي: فعَلَه أشياعُكم هو في الزُّبُرِ؛ أي: في الكُتُب التي عنده، وهي أمُّ الكتاب. وقيل: في كُتُبِ الحَفَظَةِ. * * * (٥٣ - ٥٥) - ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾.

стр. 6989

﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾: مِن عَمَلٍ ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أي: مكتوبٌ، وكلُّ كبيرٍ كذلكَ؛ ولذلك وحَّدَ النَّعْتَ؛ أي: محفوظٌ لا يُنْسَى، فيُجازَى عليه يومَ القيامة. وقال أبو العالية: ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أي: مَحْصِيٌّ ذلك في كتابِ أجَلِه ورِزْقِه واسمِه وشَقِيٍّ وسعيدٍ. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: وهُم على خِلاف المُجرمين. ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾: أي: بساتين. ﴿وَنَهَرٍ﴾: أي: أنهارٍ، نابَ الواحدُ عن الجَمْعِ لأنه جِنْسٌ؛ كما قال: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. وقيل: أي: في ضِياءٍ وسَعَةٍ؛ لأنَّ الجنّةَ لا ليلَ فيها. وهو قولُ الأخفشِ والكسائيِّ والفرَّاء (١)، ومنه اشتقاقُ النَّهارِ. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: أي: مَجْلِسِ حَقٍّ لا لغوٌ فيه ولا تأثيمٌ. وقيل: أي: موضِعٍ حسَنٍ؛ كما يُقالُ: ثوبُ صِدْقٍ. وقال الأشعريُّ: هو منابِرُ مِن الدُّرِّ والياقوتِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ (٢). وقال الإمام القُشَيريُّ: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: مكانِ أهلِ صِدْقٍ، والصادِقُ: مَن يعبُدُ اللَّهَ لا على مُلاحظَةِ الأعواضِ (٣). ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾: وهو قُرْبُ الكرامة، لا قُرْبُ المكانِ والمُقامَة. والحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين

стр. 6990

سورة الرحمن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باسمِ اللَّهِ الذي خلَقَ الإنسان، الرَّحمنِ الذي علَّمَ القرآن، الرَّحيمِ الذي جعلَ جزاءَ الإحسانِ الإحسانَ. وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأَ سُورةَ الرَّحمنِ رَحِمَ اللَّهُ ضَعْفَه، وأدَّى شُكْرَ ما أنعَمَ اللَّهُ عليه" (١). وهذه السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، ويُقال: مدنيَّةٌ، والأوَّلُ قولُ ابنِ عباسٍ والضحَّاكِ، والثاني قولُ مُقاتلِ بنِ حيَّانَ والواقديِّ (٢). وهي ستٌّ وسبعون آيةً، ويُقال: سبعٌ، ويقال: ثمانٍ (٣)، الاختلافُ في خمسٍ:

стр. 6991

﴿الرَّحْمَنُ﴾، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾، ﴿وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾، ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾، ﴿يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. وكلماتُها: ثلاثُ مئةٍ وإحدى وخمسون. وحروفُها: ألفٌ وخمسُ مئةٍ وخمسون. وانتظامُ خَتْمِ تلك السُّورةِ بافتتاح هذه السُّورةِ: أنَّ تلك خُتِمَتْ باسمٍ مِن أسماءِ اللَّه تعالى، وهذه أيضًا افتُتِحَتْ باسمٍ مِن أسماءِ اللَّه. وانتظامُ السُّورتين: أنَّ تلك السُّورةَ في جزاء أهلِ التَّكْذيب، وهذه السُّورةُ في تَقْريعِ الجنِّ والإنسِ على التَّكْذيب، قال في تلك: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القمر: ٣]، ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: ٩]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ [القمر: ١٨]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ [القمر: ٢٣]، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [القمر: ٣٣]، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [القمر: ٤٢]، وقال في هذه السُّورة: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مُكَرَّرًا، ﴿يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. وقيل: هذه السُّورةُ في ذِكْر الدنيا وأحوالِها، والقيامةِ وأهوالِها، والنارِ ودرَكاتِها، والجنَّةِ ودرجاتِها. وقيل: هذه السُّورةُ في ذِكْرِ الآلاءِ والنَّعْماءِ، وهي نِعَمُ الدنيا والدِّين، وذِكْرِ يومِ الدِّين، وما فيه للكفار والمؤمنين. وعن ابن عباسٍ أنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يكتُبُ في بَدْءِ الإسلام: (باسمِكَ اللَّهُمَّ)، كما كانت قريش تكتُبُ، حتى نزلَتْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، فكتَبَ حَوْلًا: (باسمِ اللَّهِ) حتى نزلَتْ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾، فكان يكتُبُ (بسم اللَّه الرحمن الرحيم)، فقالت قريشٌ: يا محمدُ، كنتَ إلى الآن تعبُدُ إلهًا واحدًا، وأنتَ

стр. 6992

الآن تعبُدُ إلهين؟! فبَيِّنْ لنا: أنعبُدُ اللَّهَ أم نعبُدُ الرَّحمنَ؟! فنزلَتْ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾، ثم نزلَتْ هذه السُّورةُ (١). والمعنى: الرَّحمنُ الذي يكفُرُ به أهلُ مكَّةَ هو الذي علَّمَ محمدًا القرآنَ. وقال الضَّحَّاكُ: قال أهلُ مكَّةَ: ما نعرِفُ الرَّحمنَ إلا صاحِبَ اليَمامةِ (٢)، فنزلَتْ هذه السُّورةُ. وقال الشَّعبيُّ: قالت اليهودُ لرسول اللَّه ﷺ : إنا لَنراكَ تُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ وتُقِلُّ ذِكْرَ الرحمن، فما بالُكَ؟ فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه السُّورةَ (٣). وقال عطاءٌ: لَمَّا نزلَتْ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٤). وعن هشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيه قال: كان أوَّلَ مَن جهَرَ بالقرآن بمكَّةَ بعد رسولِ اللَّه ﷺ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، وذلك أنَّ أصحابَ رسولِ اللَّه ﷺ اجتمَعوا، فقالوا: ما سَمِعَتْ قريشٌ القرآنَ يُجْهَرُ به، فمَن رجلٌ يُسَمِّعُهم؟ فقال عبد اللَّه بن مسعود: أنا، فقالوا:

стр. 6993

إنَّا نخشى عليكَ منهم، وإنَّا نريدُ رجلًا له عشيرةٌ يمنعونه، فقال: دَعُوني، فإنَّ اللَّهَ سيمنعُني، ثم قام عند المقام، فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رافِعًا بها صوتَه وقريشٌ في أَنْدِيَتِها، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، فتأمَّلوا وقالوا: ما يقولُ ابنُ أُمِّ عبدٍ؟ ثم قاموا إليه، فجعَلوا يضربونه وهو يقرأُ حتى بلَغَ منها إلى ما شاءَ اللَّهُ تعالى، ثم انصرَفَ إلى أصحابه وقد أثَّروا في وجهه، فقالوا: هذا الذي خَشِينا عليكَ (١). * * * (١ - ٤) - ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. قولُه تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾: قد ذكَرْنا الأقاويلَ في تفسيرِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ في أوَّلِ هذا الكتاب. ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: أي: محمدًا، وقيل: هذه الأُمَّةَ. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: أي: آدمَ، وقيل: جِنْسَ الإنسِ. ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: أي: الكلامَ الذي يَتبَيَّنُ به ما في قلبه، وما يحتاجُ إليه مِن أُمورِ دُنْياه ودِينه، ويدخُلُ في البيان: الكتابةُ، والإشارةُ، وما يقَعُ به الدِّلالةُ، وهو امتنانٌ منه على العباد بتعليم اللُّغاتِ المُخْتَلِفَة، ووجوهِ الكلامِ المُتَفَرِّقَة. وقيل: ﴿الْبَيَانَ﴾: إخراجُ شيءٍ عن حيِّزِ الإشْكال (٢) إلى حَيِّزِ التَّجَلِّي.

стр. 6994

وقيل: هو ما كَشَفَ عن الضَّمير، وأبرَزَ المستورَ. وقال مُجاهدٌ: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: الحلالَ والحرامَ (١). وقال قتادةُ: يعني: بيانَ الدُّنيا والآخرةِ (٢). وقال يمانُ بنُ رِئاب: علَّمَه الكتابةَ والخَطَّ والقلَمَ (٣). وقيل: لَمَّا قال أهلُ مكَّةَ: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾: يعنون: جَبْرًا، ويَسارًا، وعابِسًا، كذَّبَهم اللَّهُ تعالى، فقال: أنا علَّمْتُه (٤). وقال ابن كيسان: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: يعني: محمدًا ﷺ ، ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: يعني: بيانَ ما كان وما يكون؛ لأنَّه كان يُبِينُ عن الأوَّلين والآخِرين، وعن يوم الدِّين (٥). وقال الإمام القُشَيريُّ: علَّمَ آدمَ الأسماءَ، وقال له: نَبِّئْ بها الملائكةَ، وعلَّمَ هذه الأُمَّةَ القرآنَ، وقال: صلُّوا لي وناجوني فيها بما علَّمْتُكم. وقال في قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾: علَّمَ كلَّ قومٍ لِسانَهم الذي

стр. 6995

يُخاطَبون به، والبيانُ الذي خَصَّ به الإنسانَ للأغيار، حتى عُلِّموا كيف يُخاطِبون أمثالَهم وأشكالَهم، وأما أهلُ الإيمانِ والمعرفةِ فعلَّمَهم كيف يُخاطِبون مولاهم، وبيانُ العَبْدِ مع الحقِّ مُخْتَلِفٌ، فقومٌ يُخاطِبونه بلسانهم، وقومٌ بقلوبهم، وقومٌ بأنفاسِهم، وقومٌ بدُموعهم، وأنشدَ: دموعُ الفتى عما يُجِنُّ (١) تُتَرْجَمُ... وأنفاسُه تُبْدِين ما القومَ يَكْتُمُ (٢) وقومٌ بحنينِهم وأنينِهم: قل لي بألسنة التَّنَفْـ... فُسِ كيف أنتَ وكيف حالك (٣) * * * (٥) - ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾: قيل: هو جَمْعُ حِسابٍ، كالشِّهاب والشُّهْبان. وقيل: هو مصدرٌ؛ كالكُفْران والنُّقْصان. قيل: القمرُ يقطَعُ بروجَ السَّماءِ في ثمانيةٍ وعشرين يومًا، والشَّمسُ تقطَعُ البُروجَ في ثلاثِ مئةٍ وخمسةٍ وستين يومًا وشيءٍ. وقال السُّدِّيُّ: عليهما حسابٌ وأجَلٌ كآجالِ الناس، فإذا جاء أجلُهما هلَكا (٤)،

стр. 6996

فالشَّمسُ تُكَوَّرُ، والقمرُ يُخْسَفُ. وقال ابن كيسان: يعني بهما: بحسَبِ السِّنونَ والأزمانِ والأعمارِ والآجالِ (١). وقال يمانُ بنُ رِئاب: يَجْريان بأجَلِ الدُّنيا وفنائِها (٢). وقيل: بيَّنَ بهذه الآياتِ أصنافَ خَليقَتِه العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ التي إنما خَلَقَها لِعِباده، ودَلَّهم بها على وَحْدانِيَّتِه وقُدْرَتِه، فقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾: أي: بحِسابٍ معلومٍ يَجْريان به، لا يَخْتَلِفُ جَرْيُهما، أخبَرَ أنهما مُسَخَّرانِ مَرْبُوبانِ ليسا بإلهَينِ مُسْتَحِقَّينِ للعبادة كما يعبُدُهما عبَدَةُ الشمس والقمر، بل المُسْتَحِقُّ للعبادة خالِقُهما ومُسَخِّرُهما. وقيل: أي: يَجْريان بحسابٍ يُتَوَصَّلُ به (٣) إلى عِلْمٍ كثيرٍ مِن أسباب الدنيا والدِّين، وذلك أحدُ ما علَّمَ اللَّهُ خَلْقَه مِن البَيان. * * * (٦) - ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾: قيل: النَّجْمُ: النَّبْتُ الذي لا ساقَ له، مأخوذٌ مِن نَجَمَ؛ أي: طلَعَ. ﴿وَالشَّجَرُ﴾: ما له ساقٌ وأغصانٌ، مأخوذٌ مِن الاشتِجار، وهو تداخُلُ الأَغْصانِ بعضِها في بعضٍ.

стр. 6997

و ﴿يَسْجُدَانِ﴾: أي: يَخْضَعانِ للَّه بالشَّهادة على أنفُسِهما بأنهما مُسَخَّرانِ مَرْبُوبان، ويدُلَّانِ على ألوهِيَّةِ خالِقِهما، وعلى وَحْدانِيَّتِه وكَمالِ قُدْرَتِه. وقيل: أرادَ (١) به نَجْمَ السَّماءِ وشَجَرَ الأرضِ، والنَّجْمُ: زِينَةُ السَّماءِ، والشَّجَرُ: زِينَةُ الأرضِ، فأخبَرَ أنَّ النَّوْعَينِ جميعًا للَّه تعالى ساجدان، وعلى وحدانيَّةِ اللَّهِ تعالى شاهدان. وقيل: إنَّ الصَّابِئين يعبُدون النَّجْمَ، وبعضَ الأعاجِمِ عبَدوا الشَّجَرَ؛ كما أنَّ كثيرًا مِن المشركين عبَدوا الشَّمْسَ والقمَرَ، فأخبَرَ أنَّ هذه الأشياءَ الأربعةَ ساجِدَةٌ للَّه تعالى، شاهِدَةٌ على اللَّه تعالى، فلا تسجُدوا لها، واسجُدوا لِمَن خَلَقَها وسَخَّرَها. * * * (٧) - ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾: أي: خلَقَها رَفِيعةً، وأنزَلَ منها البَرَكاتِ والوَحْيَ والكراماتِ. وقيل: أي: رفَعَ قَدْرَها، وأخرَجَ الخَلْقَ إلى ما يَنْزِلُ عليهم منها. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾: أي: وضَعَ في الأرض الميزانَ الذي يتناصَفون به في مُعاملاتِهم، ويزولُ به التَّنازُعُ الذي هو سبَبُ فسادِهم، مَنَّ به على خَلْقِه إذ هداهم لِصَنْعَتِه، وأَلْهَمَهم الوَزْنَ به، ولولا ذلك لم يَدْروا كيف يَسْتَوْفون الحُقوقَ، وكيف يُوَفُّونها، فكان يقَعُ بينهم التَّظالُمُ والتَّقاطُعُ. ولا ينبغي أنْ ينظُرَ إلى خِلْقَتِه، بل إلى المَصْلَحَةِ التي لا قِوامَ للدنيا إلا بها، وسببُ ذلك أنَّ الناسَ لَمَّا كانوا مَطْبوعين على الضِّنِّ بأملاكِهم، وكان بعضُهم مُحتاجًا

стр. 6998

إلى بعض فيما يأخُذُه منه ويُعطِيه إياه، وكان التَّنازُعُ غيرَ مأمونٍ عليهم، جعَلَ اللَّهُ لهم آلةً يَعْلَمُ بها كلٌّ منهم ما يأخُذُ وما يُعْطِي، وأيُّ شيءٍ أجَلُّ مِن هذا؟! ولهذا ذكَرَه اللَّهُ في آيةٍ أخرى مَقْرونًا بالكتاب، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]؛ لأنَّ الكتابَ يَهْدِي النَّاسَ إلى مَصالحِ دِينِهم، والميزانَ يتَضَمَّنُ مَصالِحَ دُنياهم. * * * (٨ - ٩) - ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾: أي: لِئَلَّا تَطْغَوا في الميزان. والطُّغْيانُ: هو مُجاوزَةُ الحَدِّ الذي جُعِلَ هو آلةً لذلك، وهو العَدْلُ. وقال الفَرَّاءُ: هو على النَّهْيِ، يدُلُّ عليه أنه قال بعدَه: ﴿وَأَقِيمُوا﴾، وهذا للأمر (١). وقولُه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾: قيل: أي: قَوِّمُوا وسَوُّوا. وقيل: أي: ائتُوا به على القِسْطِ؛ أي: العَدْلِ. ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾: أي: ولا تُنْقِصوا ما تُوَفُّون به مِن الحُقوق، ولا تزدادوا فيما تَسْتَوْفُون به. وقال مجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبيرٍ: ﴿الْمِيزَانَ﴾: أُريدَ به العَدْلُ (٢) وعلى هذا (وضَعَ) بمعنى: شَرَعَ وبَيَّنَ، وهو كوَضْعِ كتابٍ، ووَضْعِ رَسْمٍ.

стр. 6999

وقيل: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾: لِنُزولِ أرزاقِكم منها في الدنيا، ووضَعَ مِيزانَ وزنِ الأعمال لِتُوزَنَ به أعمالُكم في العُقْبى؛ لِئلَّا تَطْغَوا في الميزان الموضوع بينكم في الدنيا، فتَظْلِموا النَّاسَ، فتَخِفَّ موازينُكم يومَ القيامةِ. وقال الحُسينُ بنُ الفَضْل: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾: يعني: القرآنَ (١). وقال سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾: قال: الإِقامةُ باليد، والقِسْطُ بالقلب (٢). وقال أبو الدَّرْداءِ: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾: يعني: أَقِيموا اللِّسانَ بالحقِّ (٣). * * * (١٠ - ١١) - ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾: أي: للخَلْقِ، والأنامُ لا واحدَ له مِن لَفْظِه. قال الخليل: ما على وجهِ الأرضِ مِن جميع الخَلْقِ (٤). وقال الضَّحَّاكُ: كلُّ شيءٍ يَدِبُّ على وجه الأرض فهو مِن الأنام (٥)، يقولُ: وضَعَها لِمَنافِعِ الخَلْقِ ومَصالِحهم. ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾: أي: ما يَتَفَكَّه به الإنسانُ مِن المأكول؛ أي: يَتَعَلَّلُ وراءَ القُوتِ.

стр. 7000

﴿وَالنَّخْلُ﴾: جَمْعُ نَخْلَةٍ. ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾: جَمْعُ كِمٍّ بكسر الكاف. وقال الحسنُ وقتادةُ: ذاتُ اللِّيفِ (١). وقال عبدُ الرحمن بنُ زيدٍ: ذاتُ الطَّلْعِ (٢). وقيل: ذاتُ الغُلُفِ، جَمْعُ غِلاف؛ لأنَّه يَتَكَمَّمُ به؛ أي: يَتَغَطَّى، ومنه: (كُمُّ القميصِ)؛ لِتَغْطِيَةِ يدِه، و (الكُمَّةُ): القَلَنْسُوَةُ تُغَطِّي الرَّأسَ، وقد يكون اللِّيفُ يُغَطِّي النَّخْلَةَ، وقد يكون الطَّلْعُ يُغَطِّيها، وقد يكون غِلافُ التَّمْرِ (٣) يُغَطِّيه. وقيل: خَصَّ النَّخْلةَ بالذِّكْرِ لِعَجيبِ خَلْقِها وشَبَهِها بالإنسان، فَلِيفُها في رأسِها كشَعرِ الإنسان، ولها قلبٌ كقلب الإنسان يموتُ بإخراجِه وبإصابةِ البَرْدِ إيَّاه، وإذا قُطِعَ رأسُها لم تُنْبِتُ، ولا تُثْمِرُ إلَّا باللِّقَاحِ، وطَلْعُها تشْبِهُ رائحتُه رائحةَ المَنِيِّ. وقيل على هذا: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾: تقَعُ على كلِّ الثمار عُمومًا، وهذا في النَّخْلَةِ خُصوصًا. * * * (١٢) - ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾.

стр. 7001

﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾: الحَبُّ: اسمُ جِنْسٍ يقَعُ على الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وكُلِّ حَبٍّ. ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾: قال الفرَّاءُ: هو بَقْلُ الزَّرعِ (١). وقال أبو سعيدٍ الضَّريرُ: هو ورَقُ الزَّرعِ، ولَفائِفُ الحَبِّ. وقال قتادةُ والضَّحَّاكُ: هو التِّبْنُ (٢). ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: قرأ ابنُ عامرٍ بالنَّصْبِ عَطْفًا على قولِه: ﴿وَالْأَرْضَ﴾، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ بالخفض عطفًا على ﴿الْعَصْفِ﴾، وقرأ الباقون بالرفع عطفًا على قولِه: ﴿وَالْحَبُّ﴾ (٣). ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: الرِّزْق؛ أي: الزَّرْعُ يكون أوَّلًا عَصْفًا، ثم يصيرُ أُكُلًا إذا سَنْبَلَ. وقيل: ﴿الْعَصْفِ﴾: للأنعامِ، ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: هو طعامُ الإنسانِ، وهو كما قال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣].

стр. 7002

وقيل: هو الريحان المشموم، قال ذلك ابنُ عباسٍ والحسَنِ (١)؛ أي: في الأرض ما يُؤْكَلُ وما يُشَمُّ. * * * (١٢) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: أي: فبِأَيِّ نَعْماءِ ربِّكما مِن هذه النِّعَمِ التي ذكَرْنا مِن تعليم البَيانِ والقرآنِ، ورَفْعِ السماء، ووضع الأرض، وما بيَّنَّا (٢) مِن النِّعَمِ والألوانِ (٣) أيُّها الجنُّ والأنس تَجْحدانِ؟ ودليلُ أنَّ الخِطابَ لهما: ما ذُكِرَ بعده: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾، ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، وسبَقَ ذِكْرُهما أيضًا في عموم قولِه: ﴿لِلْأَنَامِ﴾؛ أي: للخَلْقِ. وقيل: التَّثْنِيَةُ على مَذاهبِ العربِ في خِطاب الواحد بلفظ الاثنين، وعلى ذلك قولُه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ومَرَّتْ هنالك نظائرُ مِن كلام العرب، والأوَّلُ أصَحُّ. وروى جابرٌ عن النبي ﷺ أنه قرأ سورةَ الرحمنِ -أو قُرِئَتْ عنده- فقال: "ما لي أَسْمَعُ الجِنَّ أحسنَ جوابًا لها منكم؟! "، قالوا: وما ذاك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "ما أتيتُ

стр. 7003

على قول اللَّه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلَّا قالتِ الجنُّ: ما مِن شيءٍ مِن آلائِكَ ربَّنا نُكَذِّبُ، فلكَ الحمدُ" (١). * * * (١٤ - ١٥) - ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: أي: آدمَ. ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾: قال قتادة: أي: مِن طينٍ يابِسٍ يُسْمَعُ له صَلْصَلَةٌ (٢). ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ هو الطِّينُ الذي طُبعَ بالنَّارِ، وهو الخَزَفُ. وقيل: الصَّلْصالُ: الطِّينُ المُنْتِنُ؛ مِن قولهم: صَلَّ اللحمُ وأَصَلَّ؛ أي: أنتَنَ. قالَه (٣) الكلبيُّ.

стр. 7004

وتَشبيهُه بالفَخَّارِ لِصَوتِه باليَبْسِ، وقيل: لأنه أَجْوَفُ. قولُه تعالى: ﴿الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾: قال الحسنُ: الجانُّ أبو الجنِّ (١)، خُلِقَ مِن لهَبِ النارِ، وآدمُ أبو الإنسِ خُلِقَ مِن صَلْصَالٍ كالفخَّار. وقال مجاهد: ﴿مَارِجٍ﴾: مُخْتَلِطٌ أحمرُ وأسودُ وأبيضُ مِن نارٍ (٢). وقال الأخفش: ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾: مِن خَلْطٍ مِن نارٍ (٣). وقال القُتَبِيُّ: هو لهَبُ النَّارِ، يُقالُ: مرَجَ الشَّيءُ؛ إذا اضطرَبَ ولم يَسْتَقِرَّ (٤). وقال الفَرَّاءُ: المارجُ: نارٌ دون الحِجابِ، منها هذه الصَّواعِقُ (٥). وقال أبو سعيدٍ الضَّريرُ: المارِجُ: لسانُ النارِ (٦). وقال الخليلُ: المارِجُ مِن النَّار: الشُّعْلَةُ (٧).

стр. 7005

وأوَّلُ ما خُلِقَ منه الإنسانُ، كان تُرابًا، ثم بالماء صار طِينًا، ثم بمُرور الزَّمان صار حَمَأً مَسْنونًا، ثم باليَبْسِ صار صَلْصَالًا، ثم بشِدَّةِ اليَبْسِ والصَّوْتِ صار كالفخَّارِ. واختلافُ هذه الأسماءِ لاختلاف الأطوار، وفائدةُ ذِكْرِه هذه الأصولَ تعريفُنا قَدْرَنا لئلا نَعْدُوَ أطوارَنا. * * * (١٦ - ١٧) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: أي: فبِأَيِّ نَعْماءِ إلهكُما تَجْحَدانِ: أتخليقَه مِن هذه الأصول، أم تكميلَه وتفضيلَه بالعلوم والعقول؟! ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾: هو ربُّ المَشْرِقين: مَشْرِقِ الشتاءِ، ومَشْرِقِ الصيف، وربُّ مَغْرِبِ الشتاء، وربُّ مَغْرِبِ الصيف، وفي تدبير الفصول قِوامُ العالَمِ ومَصالِحُ العِباد. وقال محمد بن كعب: مَشْرِقُ الصَّيفِ أطولُ يومٍ في السَّنَةِ، وهو خمسَ عشرةَ ساعةً، ومَشْرِقُ الشتاءِ أقصرُ يومٍ في السَّنَةِ، وهو تسعُ ساعاتٍ، والمَغْرِبان على ذلك، والمشارقُ والمغاربُ: مَشْرِقُ كلِّ يومٍ ومَغْرِبُ كلِّ يومٍ، والمَشْرِقُ والمَغْرِبُ جهةُ الشُّروق وجهةُ الغُروب (١). * * * (١٨ - ١٩) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: أي: أَرْسَلَهما وخَلَّاهما (٢).
следующие страницы →