← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾: الحَبُّ: اسمُ جِنْسٍ يقَعُ على الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وكُلِّ حَبٍّ. ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾: قال الفرَّاءُ: هو بَقْلُ الزَّرعِ (١). وقال أبو سعيدٍ الضَّريرُ: هو ورَقُ الزَّرعِ، ولَفائِفُ الحَبِّ. وقال قتادةُ والضَّحَّاكُ: هو التِّبْنُ (٢). ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: قرأ ابنُ عامرٍ بالنَّصْبِ عَطْفًا على قولِه: ﴿وَالْأَرْضَ﴾، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ بالخفض عطفًا على ﴿الْعَصْفِ﴾، وقرأ الباقون بالرفع عطفًا على قولِه: ﴿وَالْحَبُّ﴾ (٣). ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: الرِّزْق؛ أي: الزَّرْعُ يكون أوَّلًا عَصْفًا، ثم يصيرُ أُكُلًا إذا سَنْبَلَ. وقيل: ﴿الْعَصْفِ﴾: للأنعامِ، ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾: هو طعامُ الإنسانِ، وهو كما قال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣].

стр. 7002

وقيل: هو الريحان المشموم، قال ذلك ابنُ عباسٍ والحسَنِ (١)؛ أي: في الأرض ما يُؤْكَلُ وما يُشَمُّ. * * * (١٢) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: أي: فبِأَيِّ نَعْماءِ ربِّكما مِن هذه النِّعَمِ التي ذكَرْنا مِن تعليم البَيانِ والقرآنِ، ورَفْعِ السماء، ووضع الأرض، وما بيَّنَّا (٢) مِن النِّعَمِ والألوانِ (٣) أيُّها الجنُّ والأنس تَجْحدانِ؟ ودليلُ أنَّ الخِطابَ لهما: ما ذُكِرَ بعده: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾، ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، وسبَقَ ذِكْرُهما أيضًا في عموم قولِه: ﴿لِلْأَنَامِ﴾؛ أي: للخَلْقِ. وقيل: التَّثْنِيَةُ على مَذاهبِ العربِ في خِطاب الواحد بلفظ الاثنين، وعلى ذلك قولُه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]، ومَرَّتْ هنالك نظائرُ مِن كلام العرب، والأوَّلُ أصَحُّ. وروى جابرٌ عن النبي ﷺ أنه قرأ سورةَ الرحمنِ -أو قُرِئَتْ عنده- فقال: "ما لي أَسْمَعُ الجِنَّ أحسنَ جوابًا لها منكم؟! "، قالوا: وما ذاك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "ما أتيتُ

стр. 7003

على قول اللَّه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلَّا قالتِ الجنُّ: ما مِن شيءٍ مِن آلائِكَ ربَّنا نُكَذِّبُ، فلكَ الحمدُ" (١). * * * (١٤ - ١٥) - ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. وقولُه تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: أي: آدمَ. ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾: قال قتادة: أي: مِن طينٍ يابِسٍ يُسْمَعُ له صَلْصَلَةٌ (٢). ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ هو الطِّينُ الذي طُبعَ بالنَّارِ، وهو الخَزَفُ. وقيل: الصَّلْصالُ: الطِّينُ المُنْتِنُ؛ مِن قولهم: صَلَّ اللحمُ وأَصَلَّ؛ أي: أنتَنَ. قالَه (٣) الكلبيُّ.

стр. 7004

وتَشبيهُه بالفَخَّارِ لِصَوتِه باليَبْسِ، وقيل: لأنه أَجْوَفُ. قولُه تعالى: ﴿الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾: قال الحسنُ: الجانُّ أبو الجنِّ (١)، خُلِقَ مِن لهَبِ النارِ، وآدمُ أبو الإنسِ خُلِقَ مِن صَلْصَالٍ كالفخَّار. وقال مجاهد: ﴿مَارِجٍ﴾: مُخْتَلِطٌ أحمرُ وأسودُ وأبيضُ مِن نارٍ (٢). وقال الأخفش: ﴿مِنْ مَارِجٍ﴾: مِن خَلْطٍ مِن نارٍ (٣). وقال القُتَبِيُّ: هو لهَبُ النَّارِ، يُقالُ: مرَجَ الشَّيءُ؛ إذا اضطرَبَ ولم يَسْتَقِرَّ (٤). وقال الفَرَّاءُ: المارجُ: نارٌ دون الحِجابِ، منها هذه الصَّواعِقُ (٥). وقال أبو سعيدٍ الضَّريرُ: المارِجُ: لسانُ النارِ (٦). وقال الخليلُ: المارِجُ مِن النَّار: الشُّعْلَةُ (٧).

стр. 7005

وأوَّلُ ما خُلِقَ منه الإنسانُ، كان تُرابًا، ثم بالماء صار طِينًا، ثم بمُرور الزَّمان صار حَمَأً مَسْنونًا، ثم باليَبْسِ صار صَلْصَالًا، ثم بشِدَّةِ اليَبْسِ والصَّوْتِ صار كالفخَّارِ. واختلافُ هذه الأسماءِ لاختلاف الأطوار، وفائدةُ ذِكْرِه هذه الأصولَ تعريفُنا قَدْرَنا لئلا نَعْدُوَ أطوارَنا. * * * (١٦ - ١٧) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: أي: فبِأَيِّ نَعْماءِ إلهكُما تَجْحَدانِ: أتخليقَه مِن هذه الأصول، أم تكميلَه وتفضيلَه بالعلوم والعقول؟! ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾: هو ربُّ المَشْرِقين: مَشْرِقِ الشتاءِ، ومَشْرِقِ الصيف، وربُّ مَغْرِبِ الشتاء، وربُّ مَغْرِبِ الصيف، وفي تدبير الفصول قِوامُ العالَمِ ومَصالِحُ العِباد. وقال محمد بن كعب: مَشْرِقُ الصَّيفِ أطولُ يومٍ في السَّنَةِ، وهو خمسَ عشرةَ ساعةً، ومَشْرِقُ الشتاءِ أقصرُ يومٍ في السَّنَةِ، وهو تسعُ ساعاتٍ، والمَغْرِبان على ذلك، والمشارقُ والمغاربُ: مَشْرِقُ كلِّ يومٍ ومَغْرِبُ كلِّ يومٍ، والمَشْرِقُ والمَغْرِبُ جهةُ الشُّروق وجهةُ الغُروب (١). * * * (١٨ - ١٩) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: أي: أَرْسَلَهما وخَلَّاهما (٢).

стр. 7006

وقيل: خلَطَ طَرَفَيْهِ عند التقائِهما مِن غيرِ أنْ يَخْتَلِطَ جملتُهما. والبَحْران: بحرُ فارسٍ والرُّومِ، عند الحسن وقتادة (١). وقيل: بحرُ السَّماءِ والأرضِ يلتقيان كلَّ عامٍ. قاله ابنُ عبَّاسٍ (٢). وقيل: العَذْبُ والمالِحُ. * * * (٢٠) - ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾: أي: حاجز. ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾: لا يَخْتَلِطان. قالَه مجاهدٌ (٣). وقيل: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾: على الناس، قالَه قتادةُ (٤). وقيل: لا يبغي أحدُهما على الآخَرِ بأنْ يَقْلِبَه إلى مِثْلِ حالِه في المُلُوحة أو العُذُوبة. وقال القَفَّالُ: ذكَرَ بعضَ مَنافِعِ البحرِ وعجائبِه، ودلَّ بذلك على لُطْفِه وقُدْرَتِه، فعَدَّ ثلاثةَ أشياءَ: أحدُها: قولُه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: أي: خَلَّاهما، يُقالُ: هُم في هَرْجٍ ومَرْجٍ؛ أي:

стр. 7007

هُم في فتنةٍ وإمهالٍ، يقول: خلَقَ البَحْرَينِ المِلْحَ والعَذْبَ، وذلك في البحرِ الواحدِ، بعضُه عَذْبٌ وبعضُه مِلْحٌ، فهُما ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾؛ أي: يجتمعان وهما مائعان سائلان، ثم جعَلَ بينهما حاجِزًا؛ قيل: هو الجزائِرُ، وقيل: هو قُدْرَةُ اللَّهِ تعالى، ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾: لا يغلِبُ أحدُهما على الآخر فيُغَيِّرَه إلى صفةِ نفْسِه، وفيه تنبيهٌ على كمال قُدْرَةِ اللَّه تعالى أنَّه لا يُعْجِزُه ما أرادَ مِن إحياء الموتى وغيرِه. وقيل في البَرْزَخِ: هو مُدَّةُ ما بين الدنيا والآخرة، فهذه المُدَّةُ تَمْنَعُ الاختلاطَ، فإذا انقَضَتِ الدُّنيا بغى البحران فصارا شيئًا واحدًا، وهو معنى قولِه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]، وهذا معنى قولِ عَطاءٍ الخُراسَانِيِّ. * * * (٢١ - ٢٢) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فَسَّرْناه. ثم ذكَرَ المِنَّةَ الثَّانيةَ، فقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾: قرأ نافع وأبو عمرو: ﴿يُخْرَجُ﴾ بضم الياء وفتح الراء على ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، والباقون على الفعل الظاهر (١). ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ والضَّحَّاكُ وقتادةُ: ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾: كِبارُ الدُّرِّ، ﴿وَالْمَرْجَانُ﴾: صغارُه (٢).

стр. 7008

وقيل: المَرْجانُ: نوعٌ مِن الجواهر كالقُضْبان. يقول: يُخْرِجُ اللَّهُ لكم مِن الماء لؤلؤًا ومَرْجانًا؛ كما أخرَجَ مِن التُّراب حَبًّا ونباتًا، وأخرَجَ مِن الصَّلْصَالِ إنسانًا، وخُصوصًا فإنَّ الماءَ الِملْحَ يُفسدُ ما صار فيه، ثم هو منه يَخْرجُ اللولؤُ والمَرْجان، وهذا مِمَّا لا تُدْرِكُه قُوى البشر، ولا تهتدي لكيفيَّةِ كونِه العقولُ، وإنما هو بقُدْرَةِ الواحدِ القادرِ الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ، فكيف يُعْجِزُه بَعْثُ الموتى؟ لولا جَهْلُ المشركين وكفرُهم آلاءَ اللَّهِ بترك التدبُّرِ فيها. ثم قولُه: ﴿مِنْهُمَا﴾ مع أنَّ خُروجَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجان يكونُ مِن المِلْحِ دون العَذْبِ؛ لأنَّ العَذْبَ والمِلْحَ يلتقيان، فيكون العَذْبُ كاللِّقَاحِ للمالح؛ كما يُقال: يَخْرُجُ الولدُ مِن الذَّكَر والأنثى -وإنما تَلِدُ الأنثى- لهذا. وقيل: مِن عادة العرب أنَّها تجمَعُ شيئين لأحدهما فِعْلٌ، فتجعَلُ الفعلَ لهما، وهو كقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، وكان النَّاسي صاحِبَ موسى وحدَه، وقولِه تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، والرُّسُلُ مِن الإنس دون الجنِّ. * * * (٢٣ - ٢٤) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فَسَّرْناه. ثم ذكَرَ النِّعْمَةَ الثالثةَ، فقال: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ﴾: قرأ حمزةُ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ بكسر الشين،

стр. 7009

ومعناها: السُّفُنُ المُبْتَدِئاتُ في الجَرْيِ، والفعلُ لهن، وإنشاءُ الفعلِ (١): ابتداؤُه، وقرأ الباقون: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ بفتح الشين، وهو المفعولُ بفعلِ الملَّاحين. وإنشاؤُها عند مجاهدٍ: رَفْعُ شِراعِها وتسييرُها في البحر (٢). ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: أي: كالجبال. أخبَرَ أنه خَلَقَ لهم ما اتَّخَذوا منه السُّفُنَ التي رَكِبوا بها البحرَ ابتغاءَ فَضْلِ اللَّه، وقَطَعوا بها المسافاتِ البعيدةَ، وعلَّمَهم اتِّخاذَها بأنْ أَلْهَمَهم ذلك، وسَخَّرَ لهم البحرَ على عِظَمِه، وشبَّهَ السُّفُنَ في كِبَرِها بالجبال، وقَرَّرَهم بهذه النعم، فقال: * * * (٢٥ - ٢٧) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه. وقولُه تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾: أي: كلُّ مَن على الأرضِ فانٍ مُنْقَطِعٌ عنهم البقاءُ والحياةُ. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: أي: المُسْتَحِقُّ للإجلال والتَّعظيمِ مِن خَلْقِه، والمُسْتَحِقُّ للإكرامِ منهم إيَّاه بطاعتِه وعبادته. وقيل: هو موصوفٌ بالجَلالِ القائمِ بذاته، وبالإكرام منه لأوليائه. وقيل: هو أهلٌ أنْ يُجِلَّ المؤمنين، ويُكْرِمَ المُطِيعين.

стр. 7010

وقيل: هو أهلٌ أنْ يُجِلَّه العبادُ بطاعتِه، فيُكْرِمَهم برحمته. وقيل: هو أهلٌ أنْ يُجِلَّ قَدْرَ العِبادِ بتوحيده، وأهلٌ أنْ يُكْرِموه؛ أي: يُنَزِّهوه عمَّا لا يَلِيقُ بجلاله. ومعنى: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾: ذاتُ ربِّكَ؛ كقولِهم: هذا وَجْهُ الأمرِ، ووَجْهُ الصَّوابِ، ووَجْهُ التَّدْبِير. وقيل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾: أي: كلُّ عمَلٍ يُتَقَرَّبُ به إليه، ويُبْتَغَى به وَجْهُه؛ أي: رضاه؛ كما قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل: ٢٠]؛ أي: يَهْلِكُ الجنُّ والإنسُ ولا يَبْقى لهم إلَّا ما توجَّهوا به إليه. * * * (٢٨ - ٢٩) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: ووجهُ النِّعْمَةِ: التَّسْوِيَةُ بين الخَلْقِ في الفَناء والهَلَكةِ، والدِّلالةُ على ما يَبْقى لهم نَفْعُه في الآخرة. قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: هو مَفْزعُ السائلين، ومَقْصِدُ الرَّاغبين، ومَلْجَأُ البائِسين (١). فإنْ قالوا: إنَّ كثيرًا مِن المُعَطِّلَةِ وغيرِهم لا يعتقدونه، فلا يسألونه. قلنا: معناه: هو المُسْتَحِقُّ أنْ يَسْأَلوه وإنْ ضلَّ قومٌ عنه؛ لأنَّهم إذا سأَلوا أحدًا سأَلوه به؛ لأنَّه هو القادِرُ على ذلك، واللَّهُ تعالى هو القادِرُ على كلِّ شيءٍ على الحقيقة، وكان ذلك سؤالَه في الحاصِلِ، ولأنَّه تعريفٌ أنَّ الكُلَّ لا غِنى بهم عنه،

стр. 7011

ولأنَّ المُرادَ هُم أهلُ المعرفة به، فهذا عامٌّ أُرِيدَ به الخُصوصُ. وقال ابن عباس: أهلُ السَّماواتِ يسألونه المغفرةَ، وأهلُ الأرضِ يسألونه الرِّزْقَ والمغفرة (١)، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: يُحيي ويُميتُ ويُعيدُ، ويُغيثُ ويُطْعِمُ جائعًا، ويَفُكُّ أسيرًا، ويُجِيبُ داعيًا، ويُولِدُ مولودًا، ويُعْدِمُ موجودًا (٢). وقال قتادة: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يعني: لا يَسْتَغْني عنه أهلُ السماوات والأرض (٣). ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: يُرَبِّي صغيرًا، ويُفْنِي كبيرًا، ويَفُكُّ أسيرًا. ورُوِيَ أنَّ أحبارَ اليهود قالوا: إنَّ اللَّهَ تعالى لا يَفْعَلُ يومَ السَّبْتِ شيئًا، هو في استراحةٍ، فأنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وأنزَلَ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٤).

стр. 7012

وسئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، فقال: "مِن شأنِه أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، ويَكْشِفَ كَرْبًا، ويُعِزَّ قومًا، ويُذِلَّ قومًا، ويَرْفَعَ قومًا، ويَضَعَ آخَرين" (١). وقال عُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ: مِن شأنِه أنْ يُجِيبَ داعيًا، ويَفُكَّ عانِيًا، ويُعْطِيَ سائلًا (٢). وقال الحسنُ: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: كلٌّ إليه فقيرٌ يسألُه ويَتَضَرَّعُ إليه بحاجته، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: يَقْضِي به في خَلْقِه، يُغْني فقيرًا، ويُفْقِرُ غَنِيًّا، ويُعافِي مُبْتَلًى، ويَبْتَلِي مُعافًى، ويَصْنَعُ في خَلْقِه ما يشاءُ (٣).

стр. 7013

وقال سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: في الدنيا، الاختبارُ بالأمرِ والنَّهْيِ، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وفي الآخرة الجزاءُ والحساب، والثَّوابُ والعِقاب (١). وقيل: هو في سَوْق المقاديرِ التي سبَقَتْ في عِلْمِه إلى مَواقيتِها. * * * (٣٠ - ٣١) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: مِن هذه النِّعَمِ. وقولُه تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: سنُحاسِبُكم (٢). وكذلك قُطْرُبٌ. وقال الضَّحَّاكُ: هذا وعيدٌ، واللَّهُ تعالى لا يَشْغَلُه شأنٌ عن شأنٍ. والحاصِلُ: أنه استعارةٌ بليغةٌ، فإنَّ الواحدَ إذا قُصِدَ لأمرٍ مُهِمٍّ يُمْضِيه (٣) لا محالةَ، ويُتِمُّه مِن غير نُقْصانٍ، يقولُ: أتفرَّغُ لذلك الأمرِ، فخاطَبَ اللَّهُ تعالى بذلك عِبادَه فيما (٤) يتفاهَمونه، يعلمون أنَّه مِن المُهِمِّ الذي لا يُتْرَكُ، ومن المفعول الذي لا يُغْفَلُ.

стр. 7014

يقول: سنُحاسِبُكم بَعْدَ طُولِ الإمهال على ما كان منكم مِن الأعمال، ونَجْزِيكم على ذلك على كل حالٍ. ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾: أي: الجِنُّ والإنسُ، سُمِّيا بذلك لأنَّ الثِّقْلَ ما له وَزْنٌ وقَدْرٌ، ولهما زيادةُ قَدْرٍ على غيرِهما لِمَا خُصُّوا بالعقل والتَّمييز، وتحميلِ الأمانةِ والتَّكْليف. وقيل: لأنَّهما حِمْلانِ على الأرض، قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: أي: أَحْمالَها. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "إني تاركٌ فيكم الثَّقَلَينِ: كتابَ اللَّهِ، وعترتي" (١): إشارةٌ منه إلى قَدْرِهما ووَزْنِهما. وقال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾: جميعًا، ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾: تثنيةٌ؛ لأَنَّهما جَمْعانِ، فصارا كقوله: ﴿فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. * * *

стр. 7015

(٣٢ - ٣٣) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: حين تُحاسَبَانِ بالآلاءِ. ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إنْ قَدَرْتُم أْن تَجُوزوا أطرافَ السماوات والأرض فتَفُوتوا ربَّكم ولا يَقْدِرَ عليكم. ﴿فَانْفُذُوا﴾: أي: فافْعَلوا ذلك. ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: أي: لا تَقْدِرون على ذلك إلَّا بقُدْرَةٍ يُعْطِيكُمُوها اللَّهُ تعالى على ذلك، ولا يُعْطِيكم، وهذا في مُحاسَبَةِ يومِ القيامة. وقيل: أي: يُقالُ لهم ذلك يومئذٍ. وقيل: بل خاطَبَهم اللَّهُ اليومَ أنَّكم كذلكَ يومئذٍ. وقيل: خاطبَهم للحال إنْ قَدَرْتُم أنْ تَفْعَلوا ذلك في الدنيا، فلا تُؤْخَذوا بالموت، ولا تُبْعَثوا للحساب والجزاء يومَ القيامة، فافْعَلوا، ولنْ تَقْدِروا على ذلك، وهو أمرُ إعجازٍ. وقيل: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: أي: حيثما ذهبتُم فأنتم في سُلْطانِ اللَّهِ، فيأخُذُكم بالموت. * * * (٣٤ - ٣٥) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه. ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾: أي: على مَن أشرَكَ منكما وكذَّبَ. ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ومُجاهدٌ وقتادةُ: أي: لهَبٌ (١).

стр. 7016

وقرأ ابنُ كثيرٍ: ﴿شواظٌ﴾ كسر الشين، والباقون بضمها، وهما لغتان (١). وقال الأخفش: الشُّواظُ: هي النَّارُ التي تتأجَّجُ (٢) ولا دُخانَ لها. ﴿وَنُحَاسٌ﴾: قيل: هو المعروف الذي يُتَّخَذُ منه الأواني؛ أي: كأنَّ النُّحاسَ يُذابُ ويُصَبُّ على رؤوسِهم. وقيل: هو الدُّخان. وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو: ﴿ونحاسٍ﴾ بالخَفْضِ عطفًا على قولِه: ﴿مِنْ نَارٍ﴾، والباقون بالرفع عطفًا على قوله: ﴿شُوَاظٌ﴾ (٣). ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾: أي: فلا تَمْتَنِعان عن ذلك بمانِعٍ يمنَعُكُما مِن عذاب اللَّه تعالى. * * * (٣٦ - ٣٧) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: والتَّحْذِيرُ نِعْمَةٌ لِيَحْذَرَ به، فيقَعَ الأمنُ منه. قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾: أي: انصَدَعَتْ للانتقاضِ يومَ القيامةِ. ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾: أي: مُحْمَرَّةً على لون الوَرْدِ حينَ تغيضُ البحارُ في نار جهنَّمَ، ويرتفِعُ نارُها، فتَقَعُ في السماء، فتذيبُها فتصيرُ مُحْمَرَّةً وتَصِيرُ كالدِّهانِ -جَمْعُ دُهْن- حين ذابَتْ ورَقَّتْ. وقيل: الدِّهانُ إذا صُبَّ بعضُها على بعضٍ يَتَلَوَّنُ ألوانًا، فكذلك السَّماءُ حينئذٍ.

стр. 7017

وقيل: إنَّ عَصِيرَ الزَّيْتِ يتغيَّرُ في الساعة ألوانًا. وقال الحسَنُ: كصَبِيبِ الدُّهْنِ (١) إذا صبَبْتَه ورأيتَ فيه ألوانًا. وقال الفرَّاءُ وثَعْلَبٌ والقُتَبِيُّ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾: أي: كالفَرَسِ الوَرْدَةِ؛ لأنَّها تكونُ في الرَّبيع صَفْراء، فإذا اشتَدَّ البَرْدُ كانت حمراءَ، فإذا كانتْ بعد ذلك صارت غَبْراء (٢). وروى عمرو (٣) عن الحسَنِ: السَّماءُ أوَّلَ ما تَنْشَقُّ تَحْمَرُّ، ثم تَخْضَرُّ، ثم تتلوَّنُ ألوانًا، فشبَّهَها بالأدهانِ. وقال الكسائيُّ والفرَّاءُ وقُطْرُبٌ: الدِّهانُ: الأديمُ الأحمرُ (٤)، وجَمْعُه (أَدْهِنَةٌ) و (دُهْنٌ). * * * (٣٨ - ٣٩) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾: لِيُعْرَفَ أنَّه مِن أهل الجنَّة أم مِن أهل

стр. 7018

النَّار، بل يُعْرَفُ بهيئتِه، فلا يُسْأَلون على (١) هذا الوجه، بل يُسْأَلون سؤالَ المُحاسَبَةِ تَقْرِيعًا لهم وتَوْبِيخًا. وقال مجاهدٌ: يَعْرِفُونَهم بسِيماهم، فلا يُسْأَلون (٢). وقال ابنُ عبَّاسٍ: لا يُسْأَلون: هل عَمِلْتُم كذا وكذا؟ بل يُسْأَلون: لِمَ عَمِلْتُم كذا وكذا (٣)؟ وهو التَّوفيقُ بين قولِه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٩٢]، وبين هذه الآيةِ. وقيل: يُسْأَلون للمُحاسَبة، ثم يُخْتَمُ على أفواهم فلا يُسْأَلون، وتشهَدُ عليهم جوارحُهم. وقيل: هي مواقفُ، يُسْأَلون في بعضِها، ولا يُسْأَلون في بعضها. وقيل: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ﴾: أي: عن ذَنْبِ الإنسان، ﴿إِنْسٌ﴾: غيرَه، ﴿وَلَا جَانٌّ﴾: غيرَه، بل هو المحاسَبُ عليه، والمسؤولُ عنه، والمُجازَى به. وعلى هذا تكون الكنايةُ في ﴿ذَنْبِهِ﴾ راجعةٌ إلى الإنسان المذكور في أوَّلِ السُّورَةِ، وهو قولُه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾. * * * (٤٠ - ٤١) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾.

стр. 7019

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه. ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾: سوادِ الوُجوهِ، وزُرْقَةِ العُيونِ. ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي﴾: جَمْعُ ناصِيَةٍ، وهو شَعْرُ مُقَدَّمِ الرأس، وأصلُه (١): الاتِّصالُ؛ قال الشَّاعِرُ: قِيٌّ تُنَاصِيها بِلَادٌ قِيُّ (٢) أي: يتَّصِلُ بها. ﴿وَالْأَقْدَامِ﴾: جَمْعُ قَدَمٍ، يقولُ: إنَّ الملائكةَ إذا أُمِروا بأَخْذِ المجرمين؛ أي: المشركين، لا يحتاجُون إلى أنْ يَسْأَلوا عنهم، بل يَعْرِفونهم بعلاماتِهم، فيأخُذونهم بنواصيهم وأقدامِهم، ويَسْحَبونهم إلى النار. * * * (٤٢ - ٤٤) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾: قيل: أي: يُقالُ لهم حينئذٍ: هذه جهنَّمُ التي كنتم تُكَذِّبون بها.

стр. 7020

وقيل: هذا خطابٌ مِن اللَّه تعالى في الدنيا لِنَبِيِّهِ ﷺ : هذه جهنَّمُ التي يُكَذِّبُ بها قومُكَ مِن قُرَيْشٍ. ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾: أي: بين النَّارِ التي ذابَتِ السَّماواتُ مِن حَرِّها، وبين ماءٍ حارٍّ قد انتهى حَرُّه، فهو في غايَةِ الحَرارَةِ. وقيل: تكون النَّارُ طعامَهم، والحميمُ شرابَهم، ﴿يَطُوفُونَ﴾ في معنى: يَتَرَدَّدُون؛ أي: يَسْتَغِيثُون إذا جاعوا يَسْأَلون الطَّعامَ، فإذا طَعِموا النَّارَ استغاثوا فاسْتَسْقَوا فيُسْقَوْنَ الحميمَ. والـ ﴿آنٍ﴾: صَرْفُه: (أَنَى يَأْنِي)؛ أي: حانَ يَحِينُ، وبَلَغَ أنَاه؛ أي: أَدْرَكَ وانتهى مُنْتَهاه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [الحديد: ١٦]، وقال: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. * * * (٤٥) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: وفي الآية التَّمْيِيزُ بين الكافر والمؤمن، والإخبارُ عن ذلك اليومِ لِيَنْتَبِهوا (١). وقال كعبُ الأحبارِ: ﴿آنٍ﴾ وادٍ مِن أودِيَةِ جهنَّمَ يُجْمَعُ فيه صَديدُ أهلِ جهنَّمَ، ثم يُنْطَلَقُ بهم وهُم في الأَغْلال، فيُغْمَسون في ذلك الوادي حتى تَنْخَلِعَ أَوْصالُهم، ثم يُخْرَجون منها وقد أَحْدَثَ اللَّهُ تعالى لهم خَلْقًا جديدًا فيُلْقَون في النار، فذلك قولُه تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (٢).

стр. 7021

وقال مُقاتِلٌ: يَطُوفون بين حَمِيمٍ شَوْطًا، وبين جهنَّمَ شَوْطًا، لا يَسْتَرِيحون، يُطافُ بهم في ألوان العذاب، وذلك قوُله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾: يعني: مِن الزَّقُّومِ والحَمِيم، فيُنْطَلَقُ بهم مَرَّةً إلى الجَحِيمِ، ومَرَّةً إلى الحَمِيمِ، ثمَّ إلى منازلِهم مِن جهنَّمَ، وكذلك في هذه الآية (١). وقال السُّدِّيُّ في قولِه: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾: يُجْمَعُ بين ناصِيَةِ الكافرِ وقَدَمَيْهِ مِن وراء ظَهْرِه، فيُشَدُّ وَثاقُه (٢). وقال الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بين ناصِيَةِ الكافر (٣) وقَدَمَيْهِ في النَّارِ، فيُكْسَرُ صُلْبُه حتى تَلْحَقَ ناصِيَتُه بعَقِبَيْهِ (٤)، هذا جزاءُ المجرمين. * * * (٤٦) - ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. ثم ذكَرَ جزاءَ الذين يُخالِفونهم، وهُمُ الخائِفون مِن المؤمنين، فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾: أي: ولِمَنْ ترَكَ المعاصِيَ خوفًا مِن مَقامِه بين يدي اللَّه تعالى للعَرْضِ والحسابِ والسُّؤالِ. وأُضِيفَ المقامُ إلى اللَّه تعالى، وإنما هو مَقامُ العَبْدِ بين يدي اللَّه تعالى، كما أُضيفَ الأجلُ إلى اللَّه تعالى في قولِه: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]، وهو أجَلُ العبدِ، حتى قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤]؛ لأنَّ التَّأْجيلَ مِن اللَّهِ للعبد، وكذلك

стр. 7022

المَقامُ للعبد، لكنْ لِمُحاسبةِ اللَّه تعالى، وهو كقولِه تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النصر: ٢]، وقولِه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى شرَعَه للعبد، وقولِه: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء: ٧٧]، وقولِه: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧]؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى سَنَّهُ لهم، وعلى هذا قولُه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٣]، وقولُه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقال الأعمش: يعني: ولمَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تعالى قائِمٌ على كلِّ نَفْسٍ بما كسَبَتْ، فأطاعَ اللَّهَ تعالى ولم يَعْصِهِ (١). ﴿جَنَّتَانِ﴾: أي: بُسْتانان. قيل: إحداهُما داخِلَ قَصْرِه، والأخرى خارجَ قَصْرِه، وهذا لكلِّ خائفٍ، وطُبعَ الإنسانُ على اشتهاءِ مِثْلِه. وقيل: هما جنَّةُ النَّعيمِ وجنَّةُ عَدْنٍ لجميع أهل الجنَّةِ. قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، وجَنَّةُ المأوى، فهي بجُمْلَتِها أربعُ جِنانٍ لكلِّ أَهْلِها، وفي كُلِّ جَنَّةٍ مِن الجِنان ما لا يُحْصى (٢)، وهي كأَرْبَعِ بلادٍ كِبارٍ فيها مَحَالُّ، وفي المَحَالِّ مَنازِلُ. وقالوا: بأنَّ أهلَ عَصْرِ النَّبيِّ ﷺ كانوا على قِسْمَينِ، وكذا أهلُ الدُّنيا في كلِّ عَصْرٍ: أهلُ الأَمْصَارِ: وهُمُ اعتادوا الجِنانَ المُلْتَفَّةَ، والمياهَ الجارِيَةَ، والمَنازِلَ المُتَلازِقَةَ، والسُّرُرَ الموضوعةَ.

стр. 7023

وأهلُ البَوادي: هُمُ اعتادوا البَرارِيَ (١) الواسعةَ، والعُيونَ المُمْتَلِئَةَ، والخِيامَ المَنْصوبةَ، والخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ. فكلٌّ يَشْتاقُ إلى ما اعتاد، ويأنَسُ بما أَلِفَه، فجعَلَ اللَّهُ الجَنَّتَينِ الأُولَيينِ على مُعْتادِ أهل الأمصار، والأُخرَيَينِ على مُعْتَادِ أهلِ البَوادي (٢)، ووعَدَ الكُلَّ للكُلِّ (٣)؛ لِيَسْتَنْزِهَ كلُّ واحدٍ بما يَروقُه، ويترَوَّحُ فيما يَشوقُه، ويتبيَّنُ ذلك بالتَّأَمُّلِ في المذكور في كلِّ نوعٍ. وقال الحسنُ: أتى رجلٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ما هما؟ فقال ﷺ : "هي مئةُ درجةٍ مِن فِضَّةٍ كلُّها، دُورُها وقُصورُها وأبوابُها وأغلاقها، ومن دونهما مئةُ درجةٍ مِن ذهَبٍ كلُّها، دُورُها وقُصورها وأبوابها وبُيوتها وأغلاقها وسُرُرها" (٤). وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿جَنَّتَانِ﴾: بُسْتانان، كلُّ بُسْتانٍ منهما مَسِيرةُ مئةِ سنَةٍ، في وسَطِ كلِّ بُسْتانٍ دارٌ مِن نُورٍ (٥).

стр. 7024

وقال أبو موسى الأشعريُّ: جَنَّتانِ مِن ذهبٍ للسَّابِقين، وجنَّتانِ مِن فِضَّةٍ للتَّابِعين (١). وقال مُقاتِلٌ: ﴿جَنَّتَانِ﴾: يعني: جنَّةَ عَدْنٍ، وجنَّةَ النَّعيمِ، وهما للشُّهَداءِ والصِّدِّيقين (٢). وقال الضَّحَّاكُ: ﴿جَنَّتَانِ﴾: يتلَقَّى كلَّ مؤمنٍ ملَكٌ، فيأخُذُ بيده فيَنْتَهي به إلى قَصْرٍ مِن فضَّةٍ مُشَرَّفٍ بالذهب (٣)، حولَه جِنانٌ وأنهارٌ، بين كلِّ شُرْفَتَينِ غُلامٌ يُنادي: مَرْحبًا بسَيِّدنا ومولانا، فيُدْخِلُه القَصْرَ فيُرِيه ما أعدَّ اللَّهُ تعالى له، ثم ينطلِقُ إلى قصرٍ مِن ذهبٍ مُشَرَّفٍ باللُّؤْلُؤِ، حوله جِنانٌ وأنهارٌ، بين كُلِّ شُرْفَتَينِ غُلامٌ يُنادي: مرحبًا بسيِّدِنا ومولانا، فيُدْخِلُه القصرَ فيُريه ما أعدَّ اللَّهُ له، ثم ينتهي به إلى قصرٍ مِن ياقوتٍ مُشرَّفٍ بالزَّبَرْجَدِ، حولَه أنهارٌ وجنَّاتٌ، بين كلِّ شُرْفَتَينِ غُلامٌ يُنادي: مرحبًا بسيِّدنا ومولانا، فيُدْخِلُه القصرَ ويُرِيه ما أعدَّ اللَّهُ له، ثم يقول له الملَكُ: يا وليَّ اللَّهِ، كلُّ هذا لكَ، فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤]، فقيل للضَّحَّاكِ: كم بين أقصاها وأدناها؟ قال: كما بين بَلْخَ ومَكَّةَ (٤).

стр. 7025

(٤٧ - ٥٠) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾: ﴿ذَوَاتَا﴾: تَثْنِيَةُ (ذاتٍ)، وهما نعتُ قولِه: ﴿جَنَّتَانِ﴾. ﴿أَفْنَانٍ﴾: قال مُجاهِدٌ: أي: أغصانٍ (١)؛ جَمْعُ (فَنَنٍ)، وهي صِفَةٌ لها بالالتفاف (٢). وقال الضَّحَّاكُ: أي: ذواتا ألوانٍ مِن الفواكه (٣)، وهي جَمْعُ (فَنٍّ). ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾: أي: لا تَنْقَطِعانِ. قال الحسنُ: تَجْريانِ بالماءِ الزُّلالِ، أحدُهما: التَّسْنِيمُ، والأخرى: السَّلْسَبِيلُ (٤). وقال عَطِيَّةُ: مِن ماءٍ غيرِ آسِنٍ، ومِن خَمْرٍ لَذَّةٍ للشَّارِبين (٥).

стр. 7026

وقال مُرَّةُ الهَمْدَانِيُّ: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾: مِثْلَ الدُّنيا أَضْعافًا مُضاعَفَةً، حصباؤُهُما الياقوتُ الأحمرُ والزَّبَرْجَدُ الأخضرُ، وتُرابُهُما: الكافورُ، وحَمأَتُهما المِسْكُ الأَذْفَرُ، وحافَّتاهُما الزَّعْفَرَانُ (١). وقال ابنُ عبَّاسٍ: تَجْرِيانِ بالكرامة على أهل الجنة والزِّيادةِ (٢). وقال أبو بكرٍ الوَرَّاقُ: في الجنَّةِ عَيْنَانِ تَجْرِيانِ لِمَن كانت له في الدنيا عينان بالبُكاءِ والدُّموعِ تجريان (٣). * * * (٥١ - ٥٢) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾: أي: ضَرْبانِ مُتَشاكِلانِ؛ كَتَشَاكُلِ الذَّكَرِ والأنثى، وذلك كالرَّطْبِ واليابِسِ مِن العِنَبِ والزَّبِيبِ، وكالتِّينِ الرَّطْبِ واليابِسِ، وكذا سائِرُ الأنواعِ لا يَقْصرُ يابِسُه عن رَطْبِه في الفَضْلِ والطِّيبِ. وقيل: هو تفضيلُ هاتَينِ الجنَّتَينِ عن الأُخرَيَينِ، فإنه قال ها هنا: ﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾، وقال هناك: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، فثَنَّى ها هنا وعَمَّمَ، وأفرَدَ هناك وخَصَّصَ. * * * (٥٣ - ٥٤) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾.

стр. 7027

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾: نصبٌ على الحال، وهو لِمَن سبَقَ ذِكْرُه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾، وذاك فَرْدٌ في اللَّفْظِ جَمْعٌ في المعنى؛ لأنَّه جِنْسٌ. والاتِّكاءُ: الاستنادُ للتَّكَرُّمِ والتَّنَعُّمِ، وذلك على السَّريرِ. ﴿عَلَى فُرُشٍ﴾: جَمْعُ فِراشٍ. ﴿بَطَائِنُهَا﴾: جَمْعُ بِطانَةٍ، وهي الصَّفِيحَةُ (١) الدَّاخِلَةُ المُقابِلَةُ للظِّهارةِ، وهي الصَّفِيحَةُ الخارِجةُ. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾: قيل: هو مِن (اسْتَفْعَل) مِن البَرِيقِ، وهو الإضاءةُ. وقيل: مِن البُرْقَةِ، وهي اجتماعُ ألوانٍ، وجُعِلَ اسمًا، فأُعْرِبَ بإعرابه وأُجْرِيَ مَجْراه. وقال الفرَّاءُ وجماعةٌ: هو الدِّيباجُ الغَليِظُ (٢)، وأصلُه فارسيَّةٌ: (إِسْتَبر)، فعُرِّبَ. وقال الأخفشُ: المتاعُ الصِّينيُّ (٣) الذي في صَفاقَةِ الدِّيباج، وخِفَّةِ الفِرِنْدِ، يُسَمَّى إِسْتَبْرَقًا (٤).

стр. 7028

وقيل: إنَّ قولَه: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾: يدُلُّ على أنَّ البَطائِنَ إِسْتَبْرَقٌ، والظَّهائِرَ سُنْدُسٌ. وقال مُرَّةُ الهَمْدانيُّ: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾: وهو الخَزُّ المُوشَّى، وليس في الأرض أحدٌ يَعْرِفُ ما الظَّهائِرُ (١). وقال ابنُ عبَّاسٍ: هذه البَطائِنُ، فما الظَّهَائِرُ (٢)؟! أي: فمَن يَعْرِفُ ذلك؟! وقولُه تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾: أي: قريبٌ. قال ﷺ : "أَصْلُها الذَّهَبُ، وفَرْعُها الدُّرُّ، وطَلْعُها كَثَدْيِ الأبكارِ، أَلْيَنُ مِن الزُّبدِ، وأحلى مِن العَسَلِ، كلَّما أُخِذَ منها شيءٌ عادَ، يَنالُها القاعِدُ والقائِمُ والنَّائِمُ" (٣). وقال قتادة: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾: يعني: ثمارُها قريبةٌ لا يَردُّ أيديَهم عنها شَوْكٌ ولا بُعْدٌ (٤).

стр. 7029

وقال الحسن: إنْ شاؤُوا أَتَوْها، وإنْ شاؤُوا أَتَتْهُم وهُم جُلُوسٌ ونِيامٌ، فيَتَناولونه على فُرُشِهم (١). * * * (٥٣ - ٥٤) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: أي: في الفُرُشِ. قيل: أي: في الجِنانِ التي تَشْتَمِلُ عليها الجَنَّتانِ زوجاتٌ قد قَصَرْنَ عُيونَهُنَّ على أزواجهنَّ فلا يُرِدْنَ غيرَهم، وهذا مِن أَفْضَلِ خِصالِ النِّساءِ، وأَبْلَغُ وَصْفٍ لها في حُبِّها زوجَها، وهي أشهى ما يكونُ إلى الزَّوجِ، ووَحَّدَ الطَّرْفَ لأنَّه في الأصل مَصْدَرٌ، وقد طرَفَتْ عينُه طَرْفًا. وقال الإمامُ القُشَيريُّ: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: لِمَن قصَرَ يدَه عن الحرامِ والشُّبْهَةِ، وبصَرَه عن الحرامِ والرِّيبَةِ. وقال: إذا قَصَرْنَ (٢) طَرْفَهُنَّ عن غيرِكَ، فأولى بالعبد أنْ يَقْصُرَ طَرْفَه عن المَحْظورات، بل عن المكنونات (٣)، إذا كان يرجو لقاءَ ربِّه إلى أنْ يَلْقاه (٤). قولُه تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: لم يُدْمِهِنَّ بالنِّكاح (٥)، وأُرِيدَ به الافتضاضُ.

стр. 7030

وقرأ الكسائيُّ ها هنا: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ بضم الميم، وقرأ الثَّانيةَ بكسرها، والباقون قرؤوهما بالكسر (١). وذَكرَ في "ديوان الأدب": (طمَثَ يَطْمِثُ) بكسر الميم؛ أي: بالافتضاض، وبضمِّها: الحيضُ (٢)، وامرأةٌ طامِثٌ؛ أي: حائِضٌ. قولُه تعالى: ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾: أي: قَبْلَ الأزواجِ ﴿وَلَا جَانٌّ﴾: قال ضَمْرَةُ بنُ حبيبٍ: إنما نفى الجانَّ؛ لأنَّ للمؤمنين منهم أزواجًا مِن الحُورِ العين (٣). وقيل: هُنَّ الحُورُ العِينُ المخلوقاتُ في الجنة لم يَتبَدَّلْنَ ولم يُمْسَسْنَ. وقال الحسن: هُنَّ المؤمناتُ مِن نساء الدنيا (٤)، ومعناه: لم يَطْمِثْهُنَّ بعد النَّشْأَةِ الثانيةِ أحدٌ. وقيل: هُنَّ نساءُ الإنسِ ونساءُ الجِنِّ؛ أي: ليس لِإِنْسِيَّةٍ بعد النَّشْأَةِ الثانية إِنْسٌ، والجِنِّيَّةِ جانٌّ. وقيل: هو على التَّبْعيدِ؛ أي: لم يَمَسَّهُنَّ ماسٌّ. وقال أبو عُبَيدٍ: هو مُطْلَقُ المَسِّ، يُقالُ: هذه ناقَةٌ صَعْبَةٌ لم يَطْمِثْها حَبَلٌ. وقيل على هذا: لم يَمْسَسْهُنَّ إنسٌ برِيبَةٍ ولا جانٌّ بآفَةٍ. * * *

стр. 7031

(٥٧ - ٥٨) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾: قيل: كأنَّهُنَّ في صَفائِهِنَّ كالياقوت الذي يُرى السِّلْكُ الذي فيه مِن ورائِه، فكذلك يُرى مُخُّ ساقِهِنَّ مِن وراء أجسامِهِنَّ، وكالمَرْجانِ في اللَّطافةِ. وقيل: في اللَّونِ؛ لأنَّ المَرْجانَ صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، وهُنَّ بِيْضٌ مُتَلَأْلِئةٌ. وقيل: هي في الحُمْرَةِ كالياقوتِ، وفي البَياضِ كاللُّؤْلُؤِ. * * * (٥٩ - ٦٠) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. وقولُه تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾: أي: ما جزاءُ مَن أَحْسَنَ إلَّا أنْ يُحْسَنَ إليه، استفهامٌ بمعنى النَّفْيِ، وإحسانُهم خوفُهم مقامَ ربِّهم، والإحسانُ إليهم إكرامُهم بنَعيمِ الجنة جزاءً على خوفِهم. وقال مُقاتلُ بنُ حيَّان: هل جزاءُ العمَلِ الصَّالِحِ إلا الثَّوابُ في الجنة (١). وقال السُّدِّيُّ: هل جزاءُ الذين أطاعُوه في الدنيا إلا الكرامةُ في الآخرةِ (٢)؟! وقال ابنُ عبَّاسٍ: هل جزاءُ مَن عَمِلَ في الدُّنيا حُسْنًا، وقال: (لا إلهَ إلَّا اللَّهُ) إلا الجنَّةُ في الآخرة (٣)؟!

стр. 7032

وقيل: الإحسانُ الأوَّلُ مِن اللَّه تعالى أيضًا. وقال أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: قال النَّبيُّ ﷺ : معناه: "هل جزاءُ مَن أنعَمْنا عليه بالتَّوحيدِ إلا الجنَّةُ؟! " (١). وفي روايةٍ: قال ﷺ : "معناه: إنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: هل جزاءُ مَن أَنْعَمْتُ عليه بمعرفتي إلَّا أنْ أُسْكِنَه في جَنَّتي وحَظِيرَةِ قُدْسي" (٢). وقُرِئَتْ هذه الآيةُ بين يَدَيِ الجُنَيدِ، فقال: سبَقَتِ العِنايَةُ في البداية، وظهَرَتِ الولايةُ في النِّهاية (٣). وذُكرتْ أقاويلُ على القول الأوَّلِ: قال الحسنُ: الإحسانُ أنْ يَعُمَّ ولا يَخُصَّ، فيكون كالمَطَرِ والرِّيحِ والشَّمسِ (٤). وقال سفيان: الإحسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إليكَ، فأمَّا الإحسانُ إلى المُحْسِنِ فنَقْدُ السُّوقِ، خُذْ مِنِّي وهاتِ (٥).

стр. 7033

وقال الفُضَيلُ: الإحسانُ أنْ تَنْصِفَ ولا تَنْتَصِفَ (١). وقال السُّدِّيُّ: الإحسانُ تَرْكُ رُؤْيَةِ الإحسانِ. وقال الجُنَيدُ: الإحسانُ نِسْيانُ الإحسانِ. * * * (٦١) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: يعني: بابتداءِ الإحسانِ أم بانتهاء الإحسانِ؟ وقال الإمامُ القُشَيْرِيُّ: يجوزُ أنْ يكونَ الإحسانانِ مِن اللَّه تعالى، وأنْ يكونا مِن العبد، وأنْ يكونَ الأوَّلُ مِن اللَّه تعالى، والثاني مِن العبد، وأنَّ الأوَّلَ مِن العبد، والثانيَ مِن اللَّه تعالى. فأما رجوعُهما إلى اللَّه تعالى يعني: هل جزاءُ مَن أَحْسَنَّا إليه في الابتداء إلَّا أنْ نُحْسِنَ إليه في الانتهاء؟! وهل جزاءُ مَن فاتَحْناهُ باللُّطْفِ إلَّا أنْ نربِّيَ ذلك بالفَضْلِ والعَطْفِ؟ وأما رجوعُهما إلى العبد، فعلى معنى: هل جزاءُ مَن آمَنَ بنا إلا أنْ يَثْبُتَ في المستقبل على إيمانِه؟ وهل جزاءُ مَن عقَدَ معنا عَقْدَ الوفاءِ إلَّا أنْ لا نَنْقُضَه بالجَفاءِ؟ وهل جزاءُ مَن فَنِيَ عن نفْسِه إلا أنْ يَبْقَى بنا؟ وأمَّا رجوعُ الأوَّلِ إلى اللَّه تعالى والثاني إلى العبد، فعلى معنى: هل جزاءُ مَن أَحْسَنَّا إليه بالنِّعْمَةِ إلَّا أنْ يُحْسِنَ لنا بالخِدْمَةِ؟ وهل جزاءُ مَن أَحْسَنَّا إليه بالوَلاءِ إلَّا أنْ يُحْسِنَ لنا بالوفاء؟ وأمَّا رجوعُ الأوَّلِ إلى العبد والثاني إلى اللَّه تعالى، فعلى معنى: هل جزاءُ مَن

стр. 7034

أحسَنَ إلينا مِن حيث الطَّاعةُ إلَّا أنْ نُحْسِنَ إليه مِن حيث القَبولُ والثَّوابُ؟ وهل جزاءُ مَن أحسَنَ إلينا مِن حيث الخِدْمَةُ إلَّا أنْ نُحْسِنَ إليه مِن حيث النِّعْمَةُ؟ وهل جزاءُ مَن بعُدَ عن نفْسِه إلا أنْ نُقَرِّبَه مِنَّا؟ وهل جزاءُ مَن رفَعَ لنا خَطْوَةً إلَّا أنْ نُكافِئَه بكلِّ خَطْوَةٍ ألفَ خَطْوَةٍ؟ وهل جزاءُ مَن حَفِظَ لنا طَرْفَه إلَّا أنْ نُكْرِمَه بلقائِنا (١)؟ * * * (٦٢) - ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾: أي: ومِن دون الجنَّتَينِ اللَّتَين وَعَدْناهما للخائفين، وعلى قول مَن جعَلَ تلك للسابقين وهاتين للتابعين، فـ (دُونَ) بمعنى: الأدنى، ومَن جعَلَ الجِنانَ الأربعَ كلَّ الجِنانِ لكلِّ أهلِ الجنَّةِ، فـ (دُونَ) بمعنى (غير)؛ أي: وسوى الجنَّتَينِ المذكورتين جنَّتانِ أُخرَيان. وأهلُ التَّفْسيرِ يختلفون في تلك: قال ابن عبَّاسٍ: تانِكَ للمُقَرَّبين، وهاتان لأصحاب اليمين (٢). وقال أبو معاذٍ والكسائيُّ: ﴿وَمِن دُونِهِمَا﴾: أي: غيرَهما (٣)، لا أنَّهما دُونَ الأُولَيَينِ.

стр. 7035

وقال الضَّحَّاكُ: الجنَّتانِ الأُولَيانِ مِن ذهبٍ وفضَّةٍ، والأُخْرَيَانِ مِن ياقوتٍ وزُمُرُّدٍ، وهُما أفضلُ مِن الأُولَيَينِ (١). * * * (٦٣ - ٦٦) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: خَضْراوان قد علاهُما سَوادٌ مِن الرِّيِّ (٢). وقال الخليلُ: الدُّهْمَةُ: السَّوادُ (٣). وقال القُتَبِيُّ: سوداوان (٤). وقال مجاهدٌ: مُسْوادَّتان (٥)، والخُضْرَةُ إذا اشتَدَّتْ ضرَبَتْ إلى السَّوادِ. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾: أي: فوَّارَتانِ، كلَّما رُفِعَ شيءٌ فارَ آخَرُ، وليستا جارِيَتَينِ.

стр. 7036

وقال ابن عباس: فيَّاضَتانِ (١)، والنَّضْخُ أكثَرُ مِن النَّضْحِ؛ لأنَّ النَّضْحَ كالرَّشِّ، والنَّضخ فوقه. و ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾: بالتشديد للمُبالَغَةِ والكَثْرَةِ. وقال ابن عباس: تَنْضَخانِ بالخير والبَرَكة على أهل الجنة (٢). وقال ابن مسعود: تَنْضَخانِ على أولياء اللَّه تعالى بالمِسْكِ والكافور (٣). وقال أنسٌ: بالمسكِ والعَنْبَرِ؛ كما يُنْضَخُ بالمطر على دُورِ أهل الدنيا (٤). وقال الخليلُ: النَّضخُ: اللَّطْخُ بما يَبْقَى له أَثَرٌ (٥). * * * (٦٨ - ٦٧) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

стр. 7037

قولُه تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: الرُّمَّانُ ليس مِن الفاكهة (١)، وهو يُقَوِّي مذهبَ أبي حنيفةَ أنَّ الرُّطَبَ والعِنَبَ والرُّمانَ ليس بفاكهةٍ، والعطفُ بالواو يدُلُّ على التَّغايُرِ. وقال أبو يوسُفَ ومحمَّدٌ: هذا يدُلُّ على التَّفْضِيلِ (٢)؛ كما في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: نخلُ الجنَّةِ جُذوعُها مِن فضة، وأغصانُها مِن ذهب، وأوراقُها مِن زُمُرُّدٍ، وسَعَفُها كِسْوَةٌ لأهل الجنة، ورُطَبُها كالدِّلاءِ أشدُّ بياضًا مِن اللَّبَن، وأَلْيَنُ مِن الزُّبْد، وأحلى مِن العسل، ليس له عَجَمٌ (٣). * * * (٦٩ - ٧٠) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾: أي: في الجِنانِ الأربَعِ. ﴿خَيْرَاتٌ﴾: قال الزَّجَّاجُ: أصلُه: (خَيِّرَاتٌ) بالتشديد، فخُفِّفَ (٤)؛ كما في الهَيِّن واللَّيِّن. ﴿حِسَانٌ﴾: أي: خَيِّراتُ الأخلاقِ والسِّيَر، حِسانُ الهَيْئاتِ والصُّوَر. وقال جريرُ بنُ عبدِ اللَّه: ﴿خَيْرَاتٌ﴾: مُخْتاراتٌ (٥).

стр. 7038

وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ زيدٍ: لا دَفِراتٌ ولا بَخِراتٌ (١). وقال أسامةُ بنُ زيدٍ: لا مُتَطَلِّعات، ولا مُتَشَوِّفاتٌ، ولا طَمَّاحاتٌ (٢). وقال حسانُ بنُ عَطِيَّةَ: لا ذَرِباتٌ، لا يَغَرْنَ، ولا يُؤْذِينَ (٣). * * * (٧١ - ٧٢) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿حُورٌ﴾: جَمْعُ حَوْراء، وهي شِديدةُ بياضِ العَينِ، وشديدُ سَوادِها. وقال قتادة: بِيضُ الألوانِ، صُفْرُ الحُلِيِّ، خُضْرُ الثِّياب، يَقُلْنَ: نحن الرَّاضِياتُ فلا نَسْخَطُ، ونحن الخالِداتُ فلا نَبِيدُ، ونحن النَّاعِماتُ فلا نَبْأَسُ، طوبى لِمَن كان لنا وكُنَّا له (٤).

стр. 7039

وعن عائشة ﵂ أنها قالت: إنَّ الحُورَ إذا قُلْنَ هذا، قالت المؤمناتُ: نحن المُصَلِّياتُ وما صَلَّيْتُنَّ، ونحن المُتَوَضِّئاتُ وما تَوَضَّأْتُنَّ، ونحن المُتَصَدِّقاتُ وما تَصَدَّقْتُنَّ، ونحن الصَّائماتُ وما صُمْتُنَّ، فتَغْلِبُهُنَّ واللَّهِ (١). قولُه تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾: أي: مَحْبوساتٌ في الحجال، قاله ابن عباس وأبو العالية ومحمد بن كعب والضحاك والحسن. وقيل: هو كَخِيامِ الدُّنيا، والخيمةُ: بيتٌ مِن الثِّيابِ على الأعمدة والأوتاد، وقد قُلْنا: إنَّها لأهل البوادي. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ على هَيْئَةِ البيت (٢). وقال ابنُ عبَّاسٍ: بيوتُ اللُّؤْلُؤِ (٣).

стр. 7040

وقال أيضًا: الخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ، فَرْسَخٌ في فَرْسَخٍ، لها أربعةُ آلافِ بابٍ، مِصراعٌ مِن ذهبٍ، ومِصْرَاعٍ مِن فضةٍ (١). وقال أبو موسى الأشعريُّ: دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طولُها في السماء سِتُّون مِيلًا، في كلِّ زاويةٍ منها أهلٌ للمؤمن لا يراهم الآخرون (٢). وقيل: هذه الخِيامُ مِن دُرٍّ وياقوتٍ تُضْرَبُ على شُطوطِ أنهارِ هذه الجِنانِ. وقال مُسْلِمٌ البَطِينُ: لكلِّ خَيْرَةٍ منهن خَيْمَةٌ، ولكلِّ خيمةٍ أربعُ مئةِ بابٍ (٣)، يدخُلُ عليها مِقْدارَ كلِّ يومٍ مِن أيام الدنيا تُحْفَةٌ وكرامةٌ مِن اللَّه لا تَنْقَطِعُ أبدًا (٤). وقال محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ: يُرى ظاهِرُها مِن باطنها، وباطِنُها مِن ظاهرِها (٥). * * *
следующие страницы →