← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

وقال ابن عباس: فيَّاضَتانِ (١)، والنَّضْخُ أكثَرُ مِن النَّضْحِ؛ لأنَّ النَّضْحَ كالرَّشِّ، والنَّضخ فوقه. و ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾: بالتشديد للمُبالَغَةِ والكَثْرَةِ. وقال ابن عباس: تَنْضَخانِ بالخير والبَرَكة على أهل الجنة (٢). وقال ابن مسعود: تَنْضَخانِ على أولياء اللَّه تعالى بالمِسْكِ والكافور (٣). وقال أنسٌ: بالمسكِ والعَنْبَرِ؛ كما يُنْضَخُ بالمطر على دُورِ أهل الدنيا (٤). وقال الخليلُ: النَّضخُ: اللَّطْخُ بما يَبْقَى له أَثَرٌ (٥). * * * (٦٨ - ٦٧) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

стр. 7037

قولُه تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ: الرُّمَّانُ ليس مِن الفاكهة (١)، وهو يُقَوِّي مذهبَ أبي حنيفةَ أنَّ الرُّطَبَ والعِنَبَ والرُّمانَ ليس بفاكهةٍ، والعطفُ بالواو يدُلُّ على التَّغايُرِ. وقال أبو يوسُفَ ومحمَّدٌ: هذا يدُلُّ على التَّفْضِيلِ (٢)؛ كما في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: نخلُ الجنَّةِ جُذوعُها مِن فضة، وأغصانُها مِن ذهب، وأوراقُها مِن زُمُرُّدٍ، وسَعَفُها كِسْوَةٌ لأهل الجنة، ورُطَبُها كالدِّلاءِ أشدُّ بياضًا مِن اللَّبَن، وأَلْيَنُ مِن الزُّبْد، وأحلى مِن العسل، ليس له عَجَمٌ (٣). * * * (٦٩ - ٧٠) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿فِيهِنَّ﴾: أي: في الجِنانِ الأربَعِ. ﴿خَيْرَاتٌ﴾: قال الزَّجَّاجُ: أصلُه: (خَيِّرَاتٌ) بالتشديد، فخُفِّفَ (٤)؛ كما في الهَيِّن واللَّيِّن. ﴿حِسَانٌ﴾: أي: خَيِّراتُ الأخلاقِ والسِّيَر، حِسانُ الهَيْئاتِ والصُّوَر. وقال جريرُ بنُ عبدِ اللَّه: ﴿خَيْرَاتٌ﴾: مُخْتاراتٌ (٥).

стр. 7038

وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ زيدٍ: لا دَفِراتٌ ولا بَخِراتٌ (١). وقال أسامةُ بنُ زيدٍ: لا مُتَطَلِّعات، ولا مُتَشَوِّفاتٌ، ولا طَمَّاحاتٌ (٢). وقال حسانُ بنُ عَطِيَّةَ: لا ذَرِباتٌ، لا يَغَرْنَ، ولا يُؤْذِينَ (٣). * * * (٧١ - ٧٢) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قولُه تعالى: ﴿حُورٌ﴾: جَمْعُ حَوْراء، وهي شِديدةُ بياضِ العَينِ، وشديدُ سَوادِها. وقال قتادة: بِيضُ الألوانِ، صُفْرُ الحُلِيِّ، خُضْرُ الثِّياب، يَقُلْنَ: نحن الرَّاضِياتُ فلا نَسْخَطُ، ونحن الخالِداتُ فلا نَبِيدُ، ونحن النَّاعِماتُ فلا نَبْأَسُ، طوبى لِمَن كان لنا وكُنَّا له (٤).

стр. 7039

وعن عائشة ﵂ أنها قالت: إنَّ الحُورَ إذا قُلْنَ هذا، قالت المؤمناتُ: نحن المُصَلِّياتُ وما صَلَّيْتُنَّ، ونحن المُتَوَضِّئاتُ وما تَوَضَّأْتُنَّ، ونحن المُتَصَدِّقاتُ وما تَصَدَّقْتُنَّ، ونحن الصَّائماتُ وما صُمْتُنَّ، فتَغْلِبُهُنَّ واللَّهِ (١). قولُه تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾: أي: مَحْبوساتٌ في الحجال، قاله ابن عباس وأبو العالية ومحمد بن كعب والضحاك والحسن. وقيل: هو كَخِيامِ الدُّنيا، والخيمةُ: بيتٌ مِن الثِّيابِ على الأعمدة والأوتاد، وقد قُلْنا: إنَّها لأهل البوادي. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ على هَيْئَةِ البيت (٢). وقال ابنُ عبَّاسٍ: بيوتُ اللُّؤْلُؤِ (٣).

стр. 7040

وقال أيضًا: الخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ، فَرْسَخٌ في فَرْسَخٍ، لها أربعةُ آلافِ بابٍ، مِصراعٌ مِن ذهبٍ، ومِصْرَاعٍ مِن فضةٍ (١). وقال أبو موسى الأشعريُّ: دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طولُها في السماء سِتُّون مِيلًا، في كلِّ زاويةٍ منها أهلٌ للمؤمن لا يراهم الآخرون (٢). وقيل: هذه الخِيامُ مِن دُرٍّ وياقوتٍ تُضْرَبُ على شُطوطِ أنهارِ هذه الجِنانِ. وقال مُسْلِمٌ البَطِينُ: لكلِّ خَيْرَةٍ منهن خَيْمَةٌ، ولكلِّ خيمةٍ أربعُ مئةِ بابٍ (٣)، يدخُلُ عليها مِقْدارَ كلِّ يومٍ مِن أيام الدنيا تُحْفَةٌ وكرامةٌ مِن اللَّه لا تَنْقَطِعُ أبدًا (٤). وقال محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ: يُرى ظاهِرُها مِن باطنها، وباطِنُها مِن ظاهرِها (٥). * * *

стр. 7041

(٧٣ - ٧٦) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: فسَّرْناه. ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾: أي: مُسْتَنِدين في خِيامِهم على فُرُشٍ، وهو قولُ أبي عُبيدةَ (١)، و ﴿رَفْرَفٍ﴾: جَمْعُ رَفْرَفَةٍ؛ ولذلك قال: ﴿خُضْرٍ﴾. وقال الخليل: الرَّفْرَفُ: كِسْرُ الخِباءِ، وهو أيضًا ضَرْبٌ مِن الثيابِ يُبْسَطُ (٢). وقال نِفْطُوَيْهِ: هو كلُّ ما فضَلَ فثُنِيَ. وقيل: هو الفِراشُ المُرْتَفِعُ، ورَفْرَفَ الطَّائِرُ: إذا حرَّكَ جناحَيْهِ ورَفَعَهما. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ والضَّحَّاكُ: هي المَحابِسُ، والمَحْبِسُ: ما يُبْسَطُ على البِساطِ (٣). وقال الحسن: هي المرافِقُ (٤). وقيل: الوسائدُ. وقولُه تعالى: ﴿خُضْرٍ﴾: نَعْتُها.

стр. 7042

وقولُه: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾: جَمْعُ عَبْقَريَّةٍ، وهي الطِّنْفِسَةُ، ولذلك قال: ﴿حِسَانٍ﴾. وقال الفرَّاءُ: هي الطَّنافِسُ الثِّخانُ (١). وقال أبو عُبَيدةَ وقُطْرُبٌ: يُقال لكلِّ بِساطٍ حسَنِ: عَبْقَرِيٌّ (٢)، و (عَبْقَر): بَلَدٌ يُنْسَجُ به الأنماطُ، واسمُ ما يُنْسَجُ به: عَبْقَرِيٌّ، وكذا ما كان مِن جِنْسِه وإنْ نُسِجَ في غيره. وذكَرَ ذلك لأنهم تعارفوه بساطًا جَيِّدًا، فخُوطِبوا على ما تعارفوا. وقال أبو سعيدٍ الضريرُ: كلُّ حسَنٍ يُتَعَجَّبُ منه فهو عَبْقَرِيٌّ، قال النبيُّ ﷺ : "فلم أرَ عَبْقَرِيًّا يَفْري فَرِيَّه" (٣). وقيل: العَبْقَرِيُّ: الوَشْيُ. وقال ابنُ عبَّاسٍ وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ والحسَنُ وقتادةُ وابنُ زيدٍ: هي الطَّنافِسُ (٤)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]. وقال أبو خيرة (٥): هي الطَّنافِسُ الجِيادُ العِتاقُ.

стр. 7043

وقال مُجاهِدٌ: العَبْقَرِيُّ: الدِّيباجُ (١). وقيل: (عَبْقَر) بلَدٌ مِن بلاد الجنِّ، وقال لَبيدُ بنُ ربيعة: ومَن كان مِن أخوالهِم وبَنِيهمُ... كُهُولٌ وشُبَّانٌ كجِنَّةِ عَبْقَرِ (٢) وعَبْقَرِيٌّ: منسوبٌ إليه. وقال ذو الرُّمَّة: حتى كأن رياض القُفِّ ألبَسَها... مَن وَشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ (٣) ومَن تكَلَّفَ وقرأ: (عَبَاقِرِيّ) بالياء (٤) -لِيَصِحَّ وَصْفُها بالحِسان جَمْعًا- لم يَنْفَعْه

стр. 7044

ذلك؛ لأنَّ المكانَ يَصيرُ جَمْعًا، فأمَّا المنسوبُ إليه فيبقى واحدًا كـ "الجَوَالِقِيِّ"، إلَّا أنْ يُقْرَأَ: (عَبَاقِرٍ) بدون الياء، فيصيرُ جَمْعًا، ولا ضرورةَ إليه، فإنا قلنا: إنَّ العَبْقَرِيَّ جَمْعٌ، وواحدتُها: عَبْقَرِيَّةٌ. * * * (٧٧ - ٧٨) - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. قولُه تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: قال القُتَبِيُّ: إنَّ اللَّهَ تعالى عدَّدَ في هذه السُّورةِ نَعْماءَه على عِبادِه، ثم أتبَعَ ذِكْرَ كلِّ نِعْمَةٍ بهذا الكلام تقريرًا وتذكيرًا، وجعلَه فاصلًا بين كلِّ نِعْمَتَينِ لِيُفَهِّمَهم النِّعَمَ، وهو كقولِكَ لِمَن أحسَنْتَ إليه دَهْرَكَ وتابَعَتْ لديه أياديكَ، وهو في جميع ذلك يَكْفُرُكَ ولا يَشْكُرُكَ: ألم تكن فقيرًا فأغنيتُكَ؟! أفتُنْكِرُ هذا؟! ألم تكن ضالًّا فهَدَيْتُكَ؟! أفتُنْكِرُ هذا؟! ألم تكن عُرْيانًا فكسوتُكَ؟! أفتُنْكِرُ هذا؟! ألم تكن خَامِلًا فرَفَعْتُكَ؟! أفتُنْكِرُ هذا؟! وما أشبَه هذا، ومثْلِ تكرارِ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١). وقولُه تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: قال الحسن: أي: تقَدَّسَ (٢). وقال ابنُ عبَّاسٍ: تعالى (٣). وقال الضَّحَّاكُ: تَعَظَّمَ (٤).

стр. 7045

وقال الحُسينُ بنُ الفَضْلِ: تباركَ اللَّهُ في ذاتِه، وبارك فيمَن شاءَ مِن خَلْقِه (١) واللَّهُ المُوَفِّقُ للسَّدادِ، وعلى فَضْلِه الاعتمادُ. والحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين * * *

стр. 7046

سورة الواقعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الَّذي أوعدَ أصحابَ المشأمةِ بالنِّيران، الرَّحمنِ الَّذي وعدَ أصحابَ الميمنةِ بالجنان، الرَّحيمِ الَّذي بشَّر المقرَّبين برَوْحٍ ورَيحان. وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ الواقعةِ لم يُكْتَبْ مِنَ الغافلِيْن" (١). وروى ابنُ مسعودٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "مَنْ قرأَ سُورةَ الواقعةِ في كلِّ ليلةٍ لم تصبْهُ فاقةٌ أبدًا"، وكانَ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ ﵁ يأمرُ بناتِه حتَّى يقرأَنها كلَّ ليلةٍ (٢).

стр. 7047

وهي مكيَّةٌ غيرَ قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣]، وقوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١]، فإنَّهما نزلَتَا في سفرِه إلى المدينة. وهي سِتٌّ وتسعون آية، وقيل: سبع، وقيل: تسع. وكلماتُها ثلاثُ مئةٍ وتسعٌ وخمسونَ كلمةً، وحروفُها ألفٌ وسبعُ مئة واثنا عشر حرفًا. وانتظام آخر تلك السُّورة بأوَّل هذه السُّورة: أنَّه ختمَ تلكَ السُّورةَ بما يعطي المؤمنين من الكرامة، وبدأ بهذه السُّورة بذِكْرِ ذلك اليوم، وهو يوم القيامة. وانتظامُ السُّورتين: أنَّهما في ذِكْرِ أهلِ الجنَّة والنَّار، وهم المؤمنون والكفَّار. * * * (١ - ٣) - ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾: أي: واذكرْ إذا قامتِ القيامةُ، والواقعةُ مِن أسماء القيامة. قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾: أي: ليس لوقوعِها كذبٌ، مصدرٌ على وزن الفاعِلَة، كالجاثية والطَّاغية، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٥ - ٦]. وقيل: ﴿إذَا﴾ زائدة، وتقديرُه: وقعَتِ الواقعةُ، كقوله: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، و ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وهو بيانُ قربِها.

стр. 7048

﴿خَافِضَةٌ﴾: أي: هي خافضةٌ قومًا كانوا أعزَّة في الدُّنيا، فجعلَهم في أسفلِ السَّافلِيْن. ﴿رَافِعَةٌ﴾: أي: هي رافعةٌ قومًا كانوا أذلَّةً في الدُّنيا، فتجعلُهم في أعلى عليِّين. وقيل: الواقعةُ: صيحةُ القيامةِ، وهي ﴿خَافِضَةٌ﴾؛ أي: مخفوضةٌ تُسْمِعُ الأدنى، ﴿رَافِعَةٌ﴾؛ أي: مرفوعة تُسْمِعُ الأقصى؛ أي: تعمُّ الجميع. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿خَافِضَةٌ﴾ لأهلِ الشِّقاق ﴿رَافِعَةٌ﴾ لأهل الوِفاق. ﴿خَافِضَةٌ﴾ لأهل الدَّعاوي ﴿رَافِعَةٌ﴾ لأهل المعاني. ﴿خَافِضَةٌ﴾ للنُّفوسِ ﴿رَافِعَةٌ﴾ للقلوب. ﴿خَافِضَةٌ﴾ لأهل الشَّهوة ﴿رَافِعَةٌ﴾ لأهل الصَّفوة. ﴿خَافِضَةٌ﴾ لمن جحد ﴿رَافِعَةٌ﴾ لمن وحَّد (١). * * * (٤ - ٦) - ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾: قال ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ وقتادةُ: أي: زُلْزِلَتْ زِلزالًا (٢). والرَّجُّ: التَّحريكُ باضْطِرابٍ؛ أي: يكون الخفضُ والرَّفع إذا رُجَّتِ (٣) الأرضُ وزُلْزِلَتْ، فلم يبقَ عليها بِناءٌ، أو يكون وقوع الواقعة حينئذ.

стр. 7049

قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وأبو صالحٍ والسُّدِّيُّ: أي: فُتِّتَتْ فتًّا، وصارَتْ كالدَّقيقِ المَبْسُوسِ -أي: المبلول- والسَّوِيق كذلك (١). ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً﴾: أي: غبارًا يدخل في الكوَّة مِن شُعاع الشَّمس، ﴿مُنْبَثًّا﴾؛ أي: متفرِّقًا، وذلك ممَّا لا يمكنُ أنْ يُحَسَّ أو يُمَسَّ باليد. وقال الخليلُ: هو غبار ساطع في الهواءِ كأنَّه دخانٌ (٢). وقال القتبيُّ: الهباءُ المنبثُّ: ما يسطعُ مِن سنابكِ الخيل (٣). ثَمَّ مِن آثارِ القيامةِ في الجبالِ: النَّسْفُ أوَّلًا، ثمَّ الدَّكُّ، ثمَّ تصير كثيبًا مهيلًا، ثمَّ هباءً منبثًّا، ثمَّ كالعِهْنِ المنفوشِ (٤)، ثمَّ تمرُّ مَرَّ السَّحاب. فإذا أثَّرَ في الجبالِ الصُّمِّ الشَّواهِقِ هذا، وليس لها خطابٌ وعتابٌ (٥)، فكيفَ حالُ الضُّعفاءِ الذين لهم الخطابُ، ولهم الثَّواب والعقاب؟ وقرأ إبراهيمُ النَّخعي ﵀: (منبتًّا) بتاءٍ معجمة فوقها بنقطتين (٦)، ومعناه: منقطعًا. * * *

стр. 7050

(٧ - ٩) - ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾: أي: أصنافًا ثلاثة. ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: أحدُ الأصنافِ الثَّلاثة هؤلاء ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ أصحابُ الميمنةِ، ويُذْكَرُ هذا للتَّعجيب مِن حالهم؛ أي: ما أعظمَ شأنِهم! وهو كقولك: زيد، وما زيدٌ! ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: هم الصِّنفُ الثَّاني ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: تهويلٌ بحالِهم، وهؤلاء أهلُ النَّار، والأوَّلون أهلُ الجنَّة. و ﴿الْمَيْمَنَةِ﴾: مِن اليُمْنِ، و ﴿الْمَشْأَمَةِ﴾: مِن الشُّؤمِ، أولئكَ في يُمْنِ الإيمانِ والطَّاعةِ، وهؤلاء في شُؤْمِ الكُفْرِ والمعصية. وقيل: هو مِن اليمين التي هي اليد اليُمنى، و ﴿الْمَشْأَمَةِ﴾: هي اليُسرى، واليَمنُ عن يمينِ القِبْلَةِ، والشَّأمُ عن يسارِها، فأولئك أصحابُ اليمين، وهؤلاء أصحابُ الشِّمال، ولذلك سُمُّوا في هذه السُّورة. واختلف في معناه؛ قيل: كان أولئك عن يمين آدمَ في أخذِ الميثاقِ، وهم نورٌ، وهؤلاءِ عن شمالِه وهم ظُلْمَة. وقيل: أولئك يُعْطَون كُتُبُهم (١) في القيامةِ بأيمانِهم، وهؤلاءِ عن شمائِلِهم. وقيل: أولئك يُسَارُ بهم عن يمين الطَّريق إلى الجنَّة، وهؤلاء يُسَارُ بهم عن

стр. 7051

الشِّمال إلى النَّارِ عندَ مَفرَقِ الطَّريق، وامتيازِ (١) الفريقُ مِنَ الفريقِ (٢)؛ قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. * * * (١٠ - ١١) - ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾. ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: هم الصِّنْفُ الثَّالثُ، وهم أشرافُ أصحابِ الميمنةِ، وعُظماءُ أهلِ الجنَّةِ. ومعنى التَّكرير: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾؛ أي: السَّابقون في الدُّنيا إلى الإيمان والطَّاعة هم السَّابقون في الآخرة إلى الجنَّة والكرامة. ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾: أي: على كرامةِ اللَّهِ تعالى وتخصيصه، وهو قُرْبُ المنزلَةِ لا المنزلِ، وقُرْبُ المكانةِ لا المكان. * * * (١٢ - ١٤) - ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: قال الخليل: أي: جماعة عظيمة (٣). ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: أي: مِن السَّابقِيْن. عددٌ كثيرٌ مِنَ الماضِيْنَ؛ لأنَّ الأنبياءَ المتقدِّمِيْن لكثرتهم كَثُرَ السَّابقون إلى الإيمان بهم وإجابة دعوتهم، فزادوا على عدد السَّابقين مِن هذه الأمَّة إلى التَّصديق لنبيِّنا محمَّدٍ ﷺ .

стр. 7052

ورُوِيَ أنَّه لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ شَقَّ ذلكَ على أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فنزلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (١). وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: لَمَّا نزلَ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ما زالَ رسولُ اللَّه ﷺ يراجِعُ ربَّهُ حتَّى نزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، فجعل السَّابقين مِن هذه الأمَّة كالسَّابقين مِن الأممِ الماضيةِ في العدد. وقيل: بل قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ في حقِّ هذه الأمَّة، و ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: جماعة مِن السَّابقِيْن الأوَّليْن مِن هذه الأمَّة ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: يلحقون بهم بالسَّبق إلى الطَّاعات، فأمَّا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فهما في حقِّ أصحاب اليمين، وهم كثير من الأوَّلين والآخرين. وتكلَّموا في السَّابقين: قال أبو موسى الأشعري وغيره: ﴿السَّابِقُونَ﴾: المهاجرون الأوَّلون، ومَن صلَّى إلى القِبْلَتَيْن، ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾: هم التَّابعون لهم ممَّن لم تتقدَّم هجرتُهم (٢).

стр. 7053

وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾؛ أي: السَّابقون إلى الهجرة هم السَّابقون في الآخرة (١). وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾؛ أي: إلى الغزو والجهاد (٢). وقال عليٌّ ﵁: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ إلى الصَّلوات الخمس. وقال عكرمةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ إلى الإسلام. وقال محمَّد بن كعب: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾؛ أي: إلى كل خير (٣). وقال محمَّد بن كعب أيضًا في قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: هم الذين كانوا على عهد رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: هم الذين قال فيهم: "أتدرون من إخواني" الحديث. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: قال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾، ولم يقل: المتقرِّبون؛ ليُعلمَ أنَّهم وجدوا ذلك بتقريبِ اللَّهِ تعالى إيَّاهم، لا بتقريبِهم بأنفسِهم (٤). * * * (١٥ - ١٦) - ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾: ﴿سُرُرٍ﴾: جمعُ سريرٍ، ﴿مَوْضُونَةٍ﴾؛ أي: منسوجة متداخلة بعضُها في بعضٍ. وقال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ: مَرمولةٍ بالذَّهب.

стр. 7054

وقال عكرمةُ: مشبَّكةٍ بالدُّرِّ والياقوت. وقال ابنُ عبَّاس في روايةٍ: مصفوفةٍ. وقال قتادة: المرمولةُ أوثر الأسِرَّة (١). وقال الخليل: الموضونةُ بالسُّيور والدُّرِّ والجوهر ألينُ وأوطأُ مِن المعمول مِن الخشبِ ونحوه (٢). ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا﴾: نصب على الحال ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ كذلك. قال ابن عبَّاس ﵄ ومجاهدٌ ﵀: أي: مُتواجِهِيْنَ، لا ينظرُ بعضُهم إلى قفا بعض (٣). * * * (١٧) - ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: في الخدمة ﴿وِلْدَانٌ﴾ روى يزيدُ الرَّقاشيُّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الأطفالُ خَدمُ أهلِ الجنَّةِ" (٤).

стр. 7055

وعن سلمان قال: أطفالُ المشركين خدمُ أهلِ الجنَّةِ (١). وقال الحسنُ ﵀: لم يكن لهم حسنات يُجْزَونَ بها، ولا سيِّئات يُعاقَبونَ عليها، فوُضِعوا هذه المواضع (٢). وتوقَّف أبو حنيفة ﵀ في الأطفال، قال: لأنَّ الثَّوابَ بفضْلِ اللَّهِ وبوعدِه، لا بالفعلِ، ولا نصَّ فيهم (٣). وقيل: هم خدمٌ خُلِقوا في الجنَّةِ على صورة الغِلمان، وهم للخِدمةِ لا غير، والحورُ العين للخدمةِ والمتعةِ. ﴿مُخَلَّدُونَ﴾: قال الفرَّاء؛ أي: على سِنٍّ واحدٍ لا يتغيَّرون (٤). وهو قول الحسن أيضًا (٥). وقيل: خالدون في الجنَّة مع أهلِها. وهو قول مجاهد ﵀ (٦).

стр. 7056

وقال نفطويه: قال قومٌ: هم المُقَرَّطونَ مِنَ القِرْطِ (١). وقيل: مُسوَّرون، مِن السِّوار. وقيل: مُقلَّدون، مِن القِلادَة. وقيل: مُحلَّون، مِن الحِلْية، وأنشدني مَن أثِقُ به: ومخلَّداتٌ باللُّجَيْنِ كأنَّما... أعجازُهُنَّ أَقَاوِزُ الكُثْبانِ (٢) قال: ويُقالُ للحِلْيةِ: الخَلَدَةُ. وقيل: المُخلَّدُ: المُحلَّى باللُّؤلؤِ؛ لأنَّه يبقى على حسنِه أكثر ممَّا يبقى غيرُه. * * * (١٨) - ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾: جمعُ كوبٍ، وهو الإبريقُ الواسعُ الرَّأس لا خُرطومَ له. ﴿وَأَبَارِيقَ﴾: والإبريقُ: هو الَّذي له عُروةٌ وخُرطوم. قاله قتادةُ ومقاتلٌ (٣)، وكذا قال أهل اللُّغة. وقال في موضع آخر: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾؛ أي: لها بياضُ الفضَّة وصفاءُ القوارير.

стр. 7057

قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ﴾: وهو القَدَحُ إذا كان فيه شرابٌ ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾؛ أي: مِن خمرٍ جاريةٍ، كالماءِ المعين، وهو الظَّاهر الجاري. وقيل: هو فَعِيلٌ بمعنى: الإمعان، وهو الإسراعُ، وأُرِيدَ به: سرعة الجري. وقيل: هو مفعولٌ مِن العين؛ أي: تراه العيون ظاهرة. أخبرَ أنَّ خمرَ الآخرة ليسَتْ كخمرِ الدُّنيا تُستَخرجُ بتكلُّف وعلاجٍ وتكون في أوعية، بل هي جارية كثيرة، كما قال: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥]. * * * (١٩) - ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾؛ أي: لا ينالُهم بشربِها صُداعٌ كما ينالُهم ذلك مِن خمرِ الدُّنيا. ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصمٌ (١) بكسر الزَّاي، ومعناه: لا تفنَى خمورُهم، يقال: أَنْزَفَ القومُ: إذا فنيَ زادُهم. وقرأ الباقون بفتح الزَّاي (٢)، ومعناه: لا تذهبُ عقولُهم، يُقال: نَزَفَ الرَّجل: إذا ذهبَ عقلُه، وإذا ذهبَ دمُه. فنفى بهذا جميعَ عيوبِ خمرِ الدُّنيا: مِن عُدْمِ العَقلِ بها بالسُّكْرِ، وذهابِ المال، ونفادِ الشُّرابِ.

стр. 7058

وقال الأخفش: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾؛ أي: لا يسكرون (١). وقيل في قوله: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ﴾: أي: لا يفرَّقون بما ينفد مِن شرابهم، وقد تَصَدَّعَ القومُ؛ أي: تفرَّقوا، وصدَّعَهم كذا؛ أي: فرَّقَهم. * * * (٢٠ - ٢٢) - ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ﴾. ثمَّ ذكرَ اتِّساعَهم في الفاكهةِ فقال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ يحتمل: وفاكهةٍ كثيرة يتخيَّرون منها ما شاؤوا لكثرَتِها. ويحتمل: وفاكهة مِن الفواكه التي يتخيَّرونها؛ أي: فاكهةٍ متخيَّرةٍ تُتخيَّر كلُّها (٢). ثمَّ ذَكرَ اللَّحمَ الذي هو سيِّد الإدام، وكانت العربُ يتوسَّعون بلحمان (٣) الإبل، ويعزُّ عندهم لحمُ الطُّيور، ويسمعون بها عندَ الملوكِ، فوُعِدوا بها، فقيل: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: أي: ممَّا هو شهيٌّ (٤) عندَهم. وقيل: ممَّا يشتهونَه مِن جملةِ الأجناسِ التي (٥) يعطيهمُ اللَّهُ في الجنَّة، وإنْ كانَ كلُّها مشتهًى لفضلِه وحسنِه. وقيل: ﴿مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾؛ أي: يأكلون عن شهوةٍ، لا عن جوعٍ ولا عن سآمةٍ.

стр. 7059

ثمَّ وصفَ الأزواجَ فقالَ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿وحورٍ عينٍ﴾ خفضًا (١)؛ ليتَّفق إعراب الكلمات المذكورة بعضِها على إثرِ بعضٍ، ويكون خفضُه على الجوارِ كما في قولِهم: جحرُ ضبٍّ خربٍ، و: ماءُ شنٍّ باردٍ، أو على إضمارِ فعلٍ آخر يلائمُه، وهو: ويُكْرَمُونَ بحورٍ عينٍ. وكذا قالوا في قولِه: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾؛ لأنَّه قَلَّ ما يُطافُ بها، وإنْ تُصُوِّرَ فيهما، ولا يكون ذلك في حورٍ عينٍ، ولا وجهَ إلَّا ما قْلنا. والحورُ: جمع حَوراء، وهي الشَّديدةُ بياضِ العين، والشَّديدةُ سوادِها. والعِيْنُ: جمع عَيناء، وهي الواسعةُ العينِ، الحسنةُ العين. * * * (٢٣ - ٢٦) - ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾. ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾: أي: المصون. قالت أمُّ سلمة ﵂: يا رسولَ اللَّهِ، أخبرْنِي عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ فقال: "كصفاءِ الدُّرِّ في الأصدافِ قبلَ أنْ تمسَّهُ الأيدي" (٢). قالوا: وذلك قبلَ أن يقع عليه الغُبارُ أحسنُ ما يكون في بياضِ لونِه وصفائِه ونورِه. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: في الدُّنيا مِن الصَّالحات، فما جزاءُ الإحسانِ إلَّا الإحسان.

стр. 7060

﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾: أي: باطلًا مِن القول، لا فائدةَ في سماعِه، وهو ما ليسَ بكذبٍ ولا فحشٍ، لكنَّه كلامٌ لا معنى له. ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾: أي: ما يؤثِّمهم من الكلام، وهو الكذبُ والفحشُ. ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾: وهو استثناءٌ منقطعٌ بمعنى: لكن؛ أي: لكن يسمعونَ قولَ بعضِهم لبعضٍ سلامًا سلامًا؛ أي: سلمْتَ سلامًا؛ أي: سلامةً، أو لقيْتَ تحيَّةً وسلامًا. وقيل: هو سلامُ الملائكةِ. وقيل: ﴿سَلَامًا﴾: نعتٌ لقولِه: ﴿قِيلًا﴾؛ أي: قولًا صوابًا سالمًا عن اللَّغو والتَّأثيم. قال الأخفش: ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾؛ أي: ولا يفعلون تأثيمًا؛ أي: ما يؤثِّمُهم، فالأوَّل للقولِ، والثَّاني للفعل، ويُضمَرُ فيه، وهو كقولِ مَن يقول: أكلْتُ خبزًا ولبنًا؛ أي: أكلْتُ خبزًا وشربْتُ لبنًا (١). * * * (٢٧ - ٢٨) - ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾: ثم ذكر التابعين للسابقين فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾. ﴿مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾: أي: ماذا أُعِدَّ لهم مِنَ الخيرِ؟ وهي لفظةُ تعظيمٍ وتفخيمٍ، كقولكَ: زيدٌ، وما زيدٌ؟ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾: أي: نَبْق، وكانوا يستلذُّونَه ويروقُهم شجرُه، وقد ذكرَ اللَّهُ تعالى سدرةَ المنتهى ورفعَ شأنها.

стр. 7061

وقوله تعالى: ﴿مَخْضُودٍ﴾؛ أي: مقطوع الشَّوك. وقال الخليل: الخَضْدُ: نَزْعُ الشَّوكِ مِن الشَّجرِ (١). وقال ابن عبَّاس ﵄ وعكرمة وقتادة ومجاهد والضَّحَّاك: لا شوكَ فيه (٢)، ومعناه: أنَّه خُلِقَ بلا شوك، لا أنَّه نُزِعَ عنه بعدَ أنْ كانَ فيه. وقيل: الخَضْدُ: عطفُ العُودِ اللَّين، ومعناه: أنَّه قد انثنى مِن كثرةِ حملِه. وقيل: الخَضْدُ: الكسرُ بلا إبانةٍ، وقد خضدْتُه فانخَضَد. فقيل على هذا (٣): هو مُوَقَّرٌ يكادُ ينكسِرُ مِن ثِقَلِ حملِهِ. ورُويَ: أنَّه لَمَّا نزلَ: ﴿فِي سِدْرٍ﴾ قال أهلُ الطَّائفِ: هو مِثْلُ سِدْرِنا، فنزل: ﴿مَخْضُودٍ﴾ (٤). * * * (٢٩) - ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾: قال عليٌّ وابنُ عبَّاس وأبو سعيدٍ وقَسامة بن زهير والحسن والضَّحَّاك وقتادة وسعيد بن جبير وعطاء: هو الموز (٥). وقال زيد بن أسلم: اللَّهُ أعلمُ به، إلَّا أنَّ أهلَ اليمنِ يُسمُّون الموزَ: الطَّلح (٦).

стр. 7062

وقال أهلُ اللُّغةِ: الطَّلحُ شجرٌ عظيمٌ كثيرُ الشَّوك. هذا لفظ أبي عبيدة (١). وقال الزَّجَّاج: هو شجرُ أمِّ غَيْلان (٢). و ﴿مَنْضُودٍ﴾: نُضِدَ بعضُه على بعضٍ. قيل: قِنْو الموز منضودٌ بعضُه على بعضٍ. وقيل: أرادَ إنَّ ثمرَه كثيرٌ مِن أوَّله إلى آخرِه. وقيل: المنضودُ: المتراكمُ، فإنْ أُرِيْدَ به الموزُ فهو ثمرٌ، وفضلُه على موزِ الدُّنيا في الجنَّة كفضلِ سائرِ الثِّمارِ، وإنْ أُرِيْدَ به الطَّلح الذي لا يُؤْكَلُ منه شيءٌ في الدُّنيا فقد يكون مِن أشجار الجنَّة على ما يخلقُه اللَّهُ تعالى عليه مِن الحسن والخضرة والطَّراوة والنُّضرة. وعن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّه قالَ: هو زينةُ الجنَّة، وقد يكون في بساتين الدُّنيا ما يكون للنُّزهة والزِّينة دون الأكلِ (٣). وعن مجاهد قال: كان لأهلِ الطَّائف وادٍ مُعْجِبٌ، فيه الطَّلح والسِّدر، فقالوا: ليت لنا في الجنة مثلَ هذا الوادي، فنزلَتْ هذه الآية (٤). وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]، فذكَرَ لكلِّ قومٍ ما يعجبُهم. وعن عتبة بن عبدٍ (٥) السُّلَمي قال: كنْتُ جالسًا مع رسول اللَّه ﷺ ، فجاء أعرابيٌّ

стр. 7063

فقال: يا رسول اللَّه، أسمَعُكَ تذكرُ في الجنَّة شجرةً لا أعلم شجرةً أكثرَ شوكًا منها! يعني الطَّلح، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فإنَّ اللَّهَ تعالى يفعلُ مكانَ كلِّ شوكةٍ منها ثمرةً فيها سبعون لونًا من الطَّعام، لا يشبهُ لونُ الواحدِ منها لونَ الآخر" (١). وعن عليٍّ ﵁ أنَّه كان يقول: هو في معنى: وطلع منضود، فقد قال: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]، وهو ثمر النَّخل (٢). * * * (٣٠ - ٣١) - ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: أي: دائمٍ لا تنسخُه الشَّمس، وفي الخبر: "إنَّ في الجنَّةِ شجرةً، يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مئةَ عامٍ لا يقطعُها، اقرؤوا إنْ شئِتُم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ " (٣). وقال نضر بن شُميل: أي: لا ينقصُ كما ينقص ظلُّ الدُّنيا. وقال الرَّبيع بن أنس: أي: ظلِّ العرش (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾: أي: مَصْبوب. وقال سفيان: أي: يجري في غيرِ أُخدودٍ (٥).

стр. 7064

وقيل: أي: مَصبوب على الخمرِ لِيُشرَبَ بالمِزاج. وقيل: ينصَبُّ مِن ساقِ العرش. وقيل: ينصَبُّ مِن مكانٍ بعيدٍ، أي (١): عالٍ فيُسْمَعُ خريرُه، ويُرَى صفاؤُه، وهو أصفى ما يكون، وأعجب في مَرأى العيون. وقال عبد العزيز بن يحيى الكِنَانيُّ: إنَّ الماءَ يخرجُ مِن العُيونِ، فيتسنَّم، ثمَّ ينصَبُّ عليهم انصبابًا. * * * (٣٢ - ٣٤) - ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾. ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ﴾: كما تنقطعُ فواكهُ الدُّنيا في الشِّتاء، وفي أوقاتٍ مخصوصةٍ. ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾: بِبُعْدِ مُتناوَلٍ أو شوكٍ يؤذي كما يكون في الدُّنيا. وقيل: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾ لا تنقطع بأخذِها، بل ينبتُ مكانَها مثلُها. وقال قتادة: ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾؛ أي: لا يمنعُهم شوكٌ ولا بُعدٌ (٢). وقال القتبيُّ: ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾؛ أي: لا يحظرُ عليها بِحظارٍ، كما يحظرُ على بساتينِ الدُّنيا (٣). وقيل: فيه دليلٌ على أنَّه لا نومَ في الجنَّةِ؛ لأنَّهم لو ناموا صاروا ممنوعين عن الفواكهِ حالَ نومِهم.

стр. 7065

﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾: جمع فِراشٍ؛ أي: بعضُها فوقَ بعضٍ، عاليةٍ طويلة، كما يُقال: هذا بناء مرفوع. قال أبو أمامة الباهليُّ: لو طُرِحَ فراشٌ مِن أعلاها إلى أسفلِها لم يستقرَّ إلَّا بعدَ سبعين خريفًا (١). وقيل: أرادَ بالفِراشِ: النِّساء، فإنَّ المرأةَ فِراشُ الرَّجلِ لأنَّه يستفرشُها. وقيل: كلُّ واحدٍ مِن الزَّوجَيْنِ فراشٌ للآخرِ كما هو لباسٌ له؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾؛ أي: مرتفِعاتِ الأقدار، ودليلُ أنَّ المرادَ ذلك أنَّه قال بعدَه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾. وقيل: الفُرُشُ على ظاهرِها، ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ يرجعُ إلى قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾. قاله أبو عبيدة (٢). وقيل: ذِكْرُ الفُرُشِ ذِكْرٌ لهنَّ؛ لأنَّهنَّ يتكِئْنَ مع الرَّجالِ عليها. وقال الأخفشُ: أضمرَهُنَّ، ولم يذكرْهُنَّ قبلَ ذلِكَ (٣). * * *

стр. 7066

(٣٥ - ٣٦) - ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾. ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾: أي: ابتدأْنا خلقَهُنَّ في الجنَّةِ، ولم يولدْنَ في الدُّنيا، ولم ينتقلْنَ مِن طفولةٍ إلى ما فوقَها. ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾: أي: خلقناهُنَّ على البكارةِ، وهذا على قولِ مَن يقولُ: الحورُ العينُ غيرُ نساءِ الدُّنيا، فأمَّا على قولِ مَن يقول: إنَّهنَّ المؤمنات، فمعناه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ النَّشأةَ الثَّانية في الآخرةِ، ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ بعدَما كُنَّ ثيباتٍ. قال الحسنُ: هي العجوزُ الكبيرةُ يحوِّلُها اللَّهُ شابَّةً (١). وقال مجاهدٌ: دخلَتْ عجوزٌ مِن بني عامرٍ على عائشةَ ﵂، ودخلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فقال: "ما هذه العجوزُ يا عائشة؟ "، فقالَت: إحدى خالاتي يا رسول اللَّه، قال: "أَمَا إنَّ الجنّةَ لا تدخلُها عجوزٌ"، قال: فأخذَ العجوزَ ما أخذَها، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ تعالى ينشئهُنَّ خَلقًا غيرَ خلقهِنَّ" (٢).

стр. 7067

وعن أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرأ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قال: "هُنَّ اللَّاتي كُنَّ في دارِ (١) الدُّنيا عجائزَ عُمْشًا رُمْصًا" (٢). وقال الحسنُ: مَن كان مِن ذكورِ أولادِ المشركين فإنَّ اللَّهَ تعالى ينشِئُهم ويجعلُهم خدمَ أهلِ الجنَّة، ومَن كان مِن الإناثِ فإنَّ اللَّهَ ينشئُهنَّ حُورًا عينًا أزواجًا لأهل الجنَّة، ومَن كان مِن أولادِ المسلمين فإنَّه يبعثُه على الحالةِ الَّتي ماتَ عليها، فيكونون مع آبائِهم وأمَّهاتهم، وأمَّا العجائزُ فإنَّ اللَّهَ تعالى ينشئِهُنَّ (٣). * * * (٣٧) - ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. قوله تعالى: ﴿عُرُبًا﴾: والعُرُبُ: جمعُ عَرُوْبٍ، وهنَّ المتحبِّبات إلى أزواجهنَّ. وقال الكسائيُّ: العُرُبُ: المتحبِّباتُ، ذواتُ الغُنْجِ واللَّعِبِ والضَّحكِ (٤). وقال قطربٌ: العَرُوبُ: العاشقةُ لزوجِها (٥). وقيل: المداعِبة. وقال أبو سعيدٍ الضَّرير: الملاعِبة. وقال الخليلُ: أي: الضَّحَّاكةُ الطَّيبةُ النَّفس (٦).

стр. 7068

وقال أبو معاذٍ: هي الَّتي تكلِّم زوجَها بما ينشِّطه في المباشرة. هذه أقاويل أئمَّةُ اللُّغة، وقد جاء عن أهل التَّفسير نحو ذلك. قال الضَّحَّاك: ﴿عُرُبًا﴾: متعشِّقاتٍ لأزواجهنَّ (١). وقال السُّدِّيّ ﵀: حَسناتِ التَّبعُّل لأزواجهنَّ (٢). وقال نضر بن شُميل: راضياتٌ مرضيَّات. وقال عطاء وعكرمة والرَّبيع: غَنِجات (٣). وقال يمان بن رئاب: طاهراتٌ مِن الأدناس. وقال محمد بن كعب: متطيِّبات. وقال أبو عبيدة: غير فواحش، وأنشدوا: وفي الحُدُوجِ عَروْبٌ غَيْرُ فاحشةٍ... ريَّا الرَّوادفِ يَعْشَى دونَها البَصَرُ (٤) قوله تعالى: ﴿أَتْرَابًا﴾: أي: على ميلادٍ واحدٍ، جمعُ تِرْبٍ، وهي اللِّدَةُ. وفي بعض الرِّوايات: الرِّجالُ والنِّساءُ على سنِّ ثلاثٍ وثلاثينَ سنة (٥). وهو عند انتهاءِ الشَّبابِ واجتماعِ العقل.

стр. 7069

وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿أَتْرَابًا﴾: مستوياتٍ (١) على سنٍّ واحدٍ (٢). * * * (٣٨ - ٤٠) - ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾: قال الفرَّاء: أي: هذا كلُّه لأصحاب اليمين، وهم الذين يَلُون السَّابقين (٣). وقيل: ﴿أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾؛ أي: هذه النِّساء على ميلادِ الرِّجال. قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: أصحابُ اليمين جماعةٌ عظيمة في الآخرة من الأممِ المتقدِّمة. ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: أي: جماعةٌ عظيمة في الآخرة منهم مِن هذه الأمَّة. وروى ابن مسعود ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنِّي لأرجو أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنَّة"، فكبَّر أصحابُه، ثمَّ قال: "إنِّي لأرجو أنْ تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّةِ"، فكبَّرَ أصحابُه (٤)، ثمَّ قال: "إنِّي لأرجو أنْ تكونوا شَطْرَ أهلِ الجنَّة"، ثمَّ قال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ الآيات (٥). وروى عروةُ بنُ رُويمٍ اللَّخمِيُّ: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حين أُنزِلَ عليه صَدْرُ سُورة

стр. 7070

الواقعة، قرأه على مَن حضرَه مِن المهاجرين والأنصار، حتَّى إذا بلغَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ تكلَّم عمرُ ﵁ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ثلَّةٌ مِن الأوَّليْنَ، وقليلٌ منَّا! حتَّى إذا أنزلَ اللَّهُ تعالى بقيَّةَ السُّورة، وجعلَه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ دعا رسولُ اللَّهِ ﷺ عمرَ ﵁ فقال: "يا ابن الخطَّاب، قد أنزلَ اللَّهُ تعالى فيما قلْتَ، فجعل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ "، فقالَ عمرُ ﵁: رضيْنا عنِ اللَّهِ تعالى، ونصدِّقُ نبيَّنا، ثمَّ قال ﷺ : "مِن آدمَ إليَّ ثُلَّةٌ، ومنِّي ثُلَّةٌ، ولن نستكمل ثلتَّنا (١) حتَّى نستعين بِرِعاءِ الإبلِ السُّودان ممَّن يقولُ منهم: لا إله إلَّا اللَّه" (٢). * * * (٤١ - ٤٤) - ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾: وهم الصِّنْفُ الثَّالثُ مِنَ الأزواجِ الثَّلاثةِ. ﴿فِي سَمُومٍ﴾: هي الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتي تدخلُ في مسامِّ البدنِ، وهي خروقُه، ومنه: السُّمُّ؛ لأنَّه يسري في المسام. ﴿وَحَمِيمٍ﴾: الحميمُ: الماءُ الحارُّ الَّذي اشتدَّ حرُّه، يعني: إذا نالَهم حرُّ النَّارِ، وأحرقَ أكبادَهُم وأجسادَهُم، فزعوا منه إلى الماءِ، فإذا هو شديدُ الحرارةِ قد انتهى غليانُه، فلا يصلُ إلى رَوحٍ ولا إلى بردٍ، بل مِن حرِّ إلى ما هو أشدُّ منه.

стр. 7071

﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: مِن دُخانٍ أسودَ شديدِ السَّواد (١). وكذا قال أبو مالك ومجاهد وقتادة وابن زيد (٢). ﴿لَا بَارِدٍ﴾: كَبْردِ ظِلالِ الشَّمس فيُتروَّحَ به ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾: فيه خيرٌ يُنْتَفعُ به، وهو كقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٢٨ - ٣١]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]. وقال أبو سعيد الضَّرير: ﴿مِنْ يَحْمُومٍ﴾: من ظلمة، ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾: الكريمُ: ما كُرِّمَ على غيرِه لانتفاعِه به. وقال قتادة ﵀: لا بارِدِ المنزلِ، ولا كريمِ المنظر (٣). وقال ابن جريج: لا بارِدِ المنظرِ، ولا كريمِ المدخل (٤). وقال ابن بريدة (٥): ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قال: جبلٌ في جهنَّم يُدعى يحموم، يستغيثُ إلى ظلِّه أهلُ النَّارِ، فإذا أُذِنَ لهم أنْ يأتوه لم يجدوه باردًا ولا كريمًا، فكان ما لقوا فيه مِن العذابِ أشدَّ ممَّا كانوا فيه. * * *

стр. 7072

(٤٥ - ٤٦) - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾: أي: إنَّ هؤلاء كانوا قبلَ أنْ يصيروا إلى ما صاروا إليه متنعِّمين في خلافِ ما أحلَّ اللَّهُ لهم، قد أطلقوا أنفسَهم يعملون ما يشتهون، ولا يُكِدُّون أنفسَهم في عبادةِ اللَّهِ تعالى والعملِ بطاعتِه، ولا ينزعون عمَّا حظرَه اللَّهُ عليهم. وقال ابن عبَّاس: ﴿مُتْرَفِينَ﴾: منعَّمين (١). والتَّرفُّه: النِّعمة. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾: أي: يقيمون ويديمون على الإثمِ العظيمِ، وهو الشِّركُ. قاله قتادة والضَّحَّاك والكلبيُّ وابن زيد والحسن (٢). وقال مجاهدٌ: هو الذَّنب العظيم (٣). وهو قول قطرب والخليل (٤). وقد بلغَ الغلامُ الحِنْثَ؛ أي: حدَّ البلوغِ، الذي يأثم بما فعلَه مِن الذَّنب. وقال الشَّعبيُّ: هو اليمين الغموس (٥). وقيل: يُسمَّى الشِّركُ حِنْثًا لأنَّه نقضُ اليمين التي حلفوا بها، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢]. وقيل: هو إثمهم بيمينهم الكاذبة: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨].

стр. 7073

(٤٧ - ٥٤) - ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾: أي: كانوا ينكرون البعثَ بعدَ الموتِ، استفهامٌ بمعنى النَّفي. ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ﴾: أي: الأمم المتقدِّمة، وهذه الأمَّة ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ قيل: أي: في الدُّنيا. وقيل: أي: في القبور. وهذا قول الحسن (١). ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾: عندَ اللَّهِ، وهو يوم القيامة، و ﴿إِلَى﴾ غاية على هذا. وقيل: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾: لمحشورون يومَ القيامة، و ﴿إِلَى﴾ بمعنى اللَّام أو بمعنى (في) على هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾: بدل ما يأكلُه أهل الجنَّة مِن الفواكه ولحوم الطير. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾: أي: مِن شجر الزَّقوم، وهي جمعُ شجرةٍ، فلذلك أنّث. ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾: أي: على الأكل، وقيل: أي: على الزَّقُّوم ﴿مِنَ الْحَمِيمِ﴾؛ أي: الماء الحار، إذا جاعوا فاستطعمُوا أُطعِموا الزَّقُّوم، وإذا عطشوا فاستسقَوا سُقوا الحميم. * * * (٥٥) - ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾.

стр. 7074

﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِن﴾: قرأ نافعٌ وعاصمٌ وحمزةُ بضمِّ الشِّين، والباقون بفتحها (١)، وهما للمصدر هاهنا. و ﴿شُرْبَ﴾ بنصب الباء لنزعِ الخافض الكاف (٢)؛ أي: كشربِ الهيم. وهي جمعُ الأَهْيَم والهَيْماء مِن الإبل، وهي التي أخذَها الهُيَام، وهو داءٌ مِن العطشِ، يَشربُ فلا يَروَى، ولا يزالُ يشربُ حتَّى يتلف. وقال الفرَّاء والكسائيُّ رحمهما اللَّه: هي الرَّمْلُ (٣). وعن ابن عبَّاس ﵄ كذلك (٤). وقال ابن عيينة: هي الرَّمل، أَلَا ترى أنَّك تصبُّ عليه الماءَ فلا ترى أثرَه (٥). وقال قائلون: شجرُ الزَّقُّوم: ثمرُها كرؤوسِ الشَّياطين، مملوءة مِن السُّمِّ، فإذا أكلوها استغاثوا، فيُغاثون بماء كالمهلِ. وقال مقاتلٌ: الزَّقُّومُ: شجرٌ نابتٌ في أصل الجحيم، فإذا طُرِحوا فيها هووا فيها أربعين خريفًا حتَّى يأتوها، فيأكلون منها، فتمتلِئ بطونُهم، ثمَّ تصعدُ بهم النَّارُ إلى أعلاها، ثمَّ يهوون إلى الشَّجرة، ثمَّ تصعدُ بهم، فهذا دأبُهم ودأبُها. وقال جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ: يُلقَى على أهل النَّار الجوع، فينادون ألفَ سنةٍ: واجُوعاه،

стр. 7075

ثمَّ يُنطَلَقُ بهم إلى الزَّقُّوم، فإذا أكلوه غَصُّوا به، فيُنَادُون ألفَ سنةٍ: واعطشاه، ثمَّ يُنْطَلقُ بهم إلى الحميم، فذلك قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾؛ أي: على الجوعِ (١). ويُقال: على الأكل. وقال السُّدِّيُّ: بلغني أنَّ أهلَ النَّارِ إذا أكلوا الزَّقُّوم غصُّوا، فذكروا أنَّهم كانوا في الدُّنيا إذا أكلوا فغَصُّوا سوَّغوه بالماء، فيُنْطَلقَ بهم إلى الحميم ليشربوا، فإذا رفعَ أحدُهم الماءَ إلى فيه سقطَ لحمُه في الإناءِ، ثمَّ يعيدُه اللَّهُ تعالى (٢). * * * (٥٦ - ٥٩) - ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾. ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾: أي: طعامُهم وشرابُهم يومَ الجزاء والحساب. ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾: وأنتم بهذا مقرُّون ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾؛ أي: فَهَلَّا تصدِّقون بالبعث بعدَ الموت، وهو كابتداء الإنشاء، وهذا خطابٌ لمشركي مكَّة. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾: أي: أخبروني عمَّا تُلقون مِن المنيِّ في أرحام نسائِكم.
следующие страницы →