← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: مِن دُخانٍ أسودَ شديدِ السَّواد (١). وكذا قال أبو مالك ومجاهد وقتادة وابن زيد (٢). ﴿لَا بَارِدٍ﴾: كَبْردِ ظِلالِ الشَّمس فيُتروَّحَ به ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾: فيه خيرٌ يُنْتَفعُ به، وهو كقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٢٨ - ٣١]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]. وقال أبو سعيد الضَّرير: ﴿مِنْ يَحْمُومٍ﴾: من ظلمة، ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾: الكريمُ: ما كُرِّمَ على غيرِه لانتفاعِه به. وقال قتادة ﵀: لا بارِدِ المنزلِ، ولا كريمِ المنظر (٣). وقال ابن جريج: لا بارِدِ المنظرِ، ولا كريمِ المدخل (٤). وقال ابن بريدة (٥): ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قال: جبلٌ في جهنَّم يُدعى يحموم، يستغيثُ إلى ظلِّه أهلُ النَّارِ، فإذا أُذِنَ لهم أنْ يأتوه لم يجدوه باردًا ولا كريمًا، فكان ما لقوا فيه مِن العذابِ أشدَّ ممَّا كانوا فيه. * * *

стр. 7072

(٤٥ - ٤٦) - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾: أي: إنَّ هؤلاء كانوا قبلَ أنْ يصيروا إلى ما صاروا إليه متنعِّمين في خلافِ ما أحلَّ اللَّهُ لهم، قد أطلقوا أنفسَهم يعملون ما يشتهون، ولا يُكِدُّون أنفسَهم في عبادةِ اللَّهِ تعالى والعملِ بطاعتِه، ولا ينزعون عمَّا حظرَه اللَّهُ عليهم. وقال ابن عبَّاس: ﴿مُتْرَفِينَ﴾: منعَّمين (١). والتَّرفُّه: النِّعمة. ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾: أي: يقيمون ويديمون على الإثمِ العظيمِ، وهو الشِّركُ. قاله قتادة والضَّحَّاك والكلبيُّ وابن زيد والحسن (٢). وقال مجاهدٌ: هو الذَّنب العظيم (٣). وهو قول قطرب والخليل (٤). وقد بلغَ الغلامُ الحِنْثَ؛ أي: حدَّ البلوغِ، الذي يأثم بما فعلَه مِن الذَّنب. وقال الشَّعبيُّ: هو اليمين الغموس (٥). وقيل: يُسمَّى الشِّركُ حِنْثًا لأنَّه نقضُ اليمين التي حلفوا بها، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢]. وقيل: هو إثمهم بيمينهم الكاذبة: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨].

стр. 7073

(٤٧ - ٥٤) - ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾: أي: كانوا ينكرون البعثَ بعدَ الموتِ، استفهامٌ بمعنى النَّفي. ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ﴾: أي: الأمم المتقدِّمة، وهذه الأمَّة ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ قيل: أي: في الدُّنيا. وقيل: أي: في القبور. وهذا قول الحسن (١). ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾: عندَ اللَّهِ، وهو يوم القيامة، و ﴿إِلَى﴾ غاية على هذا. وقيل: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾: لمحشورون يومَ القيامة، و ﴿إِلَى﴾ بمعنى اللَّام أو بمعنى (في) على هذا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾: بدل ما يأكلُه أهل الجنَّة مِن الفواكه ولحوم الطير. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾: أي: مِن شجر الزَّقوم، وهي جمعُ شجرةٍ، فلذلك أنّث. ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾: أي: على الأكل، وقيل: أي: على الزَّقُّوم ﴿مِنَ الْحَمِيمِ﴾؛ أي: الماء الحار، إذا جاعوا فاستطعمُوا أُطعِموا الزَّقُّوم، وإذا عطشوا فاستسقَوا سُقوا الحميم. * * * (٥٥) - ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾.

стр. 7074

﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِن﴾: قرأ نافعٌ وعاصمٌ وحمزةُ بضمِّ الشِّين، والباقون بفتحها (١)، وهما للمصدر هاهنا. و ﴿شُرْبَ﴾ بنصب الباء لنزعِ الخافض الكاف (٢)؛ أي: كشربِ الهيم. وهي جمعُ الأَهْيَم والهَيْماء مِن الإبل، وهي التي أخذَها الهُيَام، وهو داءٌ مِن العطشِ، يَشربُ فلا يَروَى، ولا يزالُ يشربُ حتَّى يتلف. وقال الفرَّاء والكسائيُّ رحمهما اللَّه: هي الرَّمْلُ (٣). وعن ابن عبَّاس ﵄ كذلك (٤). وقال ابن عيينة: هي الرَّمل، أَلَا ترى أنَّك تصبُّ عليه الماءَ فلا ترى أثرَه (٥). وقال قائلون: شجرُ الزَّقُّوم: ثمرُها كرؤوسِ الشَّياطين، مملوءة مِن السُّمِّ، فإذا أكلوها استغاثوا، فيُغاثون بماء كالمهلِ. وقال مقاتلٌ: الزَّقُّومُ: شجرٌ نابتٌ في أصل الجحيم، فإذا طُرِحوا فيها هووا فيها أربعين خريفًا حتَّى يأتوها، فيأكلون منها، فتمتلِئ بطونُهم، ثمَّ تصعدُ بهم النَّارُ إلى أعلاها، ثمَّ يهوون إلى الشَّجرة، ثمَّ تصعدُ بهم، فهذا دأبُهم ودأبُها. وقال جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ: يُلقَى على أهل النَّار الجوع، فينادون ألفَ سنةٍ: واجُوعاه،

стр. 7075

ثمَّ يُنطَلَقُ بهم إلى الزَّقُّوم، فإذا أكلوه غَصُّوا به، فيُنَادُون ألفَ سنةٍ: واعطشاه، ثمَّ يُنْطَلقُ بهم إلى الحميم، فذلك قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾؛ أي: على الجوعِ (١). ويُقال: على الأكل. وقال السُّدِّيُّ: بلغني أنَّ أهلَ النَّارِ إذا أكلوا الزَّقُّوم غصُّوا، فذكروا أنَّهم كانوا في الدُّنيا إذا أكلوا فغَصُّوا سوَّغوه بالماء، فيُنْطَلقَ بهم إلى الحميم ليشربوا، فإذا رفعَ أحدُهم الماءَ إلى فيه سقطَ لحمُه في الإناءِ، ثمَّ يعيدُه اللَّهُ تعالى (٢). * * * (٥٦ - ٥٩) - ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾. ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾: أي: طعامُهم وشرابُهم يومَ الجزاء والحساب. ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾: وأنتم بهذا مقرُّون ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾؛ أي: فَهَلَّا تصدِّقون بالبعث بعدَ الموت، وهو كابتداء الإنشاء، وهذا خطابٌ لمشركي مكَّة. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾: أي: أخبروني عمَّا تُلقون مِن المنيِّ في أرحام نسائِكم.

стр. 7076

﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾: أي: تجعلونَه (١) إنسانًا، وقيل: أأنتم تصوِّرُونه. ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ؛ أي: وإذا كانَ اللَّهُ قادرًا على أنْ ينقلَ المنيَّ إلى هذه الصُّورة العجيبة فهو قادرٌ على إحيائِه بعدَ موتِه. * * * (٦٠ - ٦١) - ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾: بعدَ أنْ خلقناكم مِنَ النُّطفةِ. قال مجاهدٌ: قدَّرنا بالتَّعجيل والتَّأخير (٢)؛ أي: نعجِّلُ بعضًا ونؤخِّرُ بعضًا، على ما علمْنا وأردْنا لا يُعْتَرَضُ علينا فيه. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾: أي: لا يفوتُنا أحدٌ، ولا يغلبنا أحدٌ أنْ نبدِّلَ أمثالَكم. قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾؛ أي: الأعمارَ إلى الموتِ، فمنكم مَن يعيشُ إلى أنْ يبلغَ الهرمَ، ومنكم مَن يموتُ شابًّا وصبيًّا وصغيرًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾؛ أي: عاجزين على أنْ نهلِكَكم ونأتِ بخلقٍ خيرٍ (٣) منكم وأطوعَ (٤). وقال السُّدِّيُّ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ يعني: في حواصلِ طيرٍ سُودٍ، تكون ببَرَهوت كأنَّها الخطاطيف (٥).

стр. 7077

وبرهوتُ وادٍ باليمنِ. وقال الحسنُ ﵀: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾؛ أي: بمغلوبِيْنَ على أنْ نخلُقَ خَلقًا سواكم (١). نظيرُه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦]. وقيل: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾؛ أي: نُفنيَكم، ونأتِيَ بقومٍ آخرين، وناسٍ مثلِكم مِن جنسكم ﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾: نبتدئكم، ونبدِّل خلقَكم، وننقل صوَركم عمَّا أنتم عليه الآن إلى صورةٍ غيرها أنتم غيرُ عالمين بها، حتَّى نمسخَكم قردةً وخنازير، وممَّا شئنا ممَّا نعلمه نحن ولا تعلمونه أنتم؛ لأنَّ مَن قدرَ على أنْ يخلقَ مِن المنيِّ إنسانًا فينتقلَ المنيُّ إلى صورةِ الإنسان قدرَ على أنْ يخلقَ مثلَه أو ينقلَ صورَتَه إلى غيرها. وقيل: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ تمامُ الكلام؛ أي: لا يفوتنا أحدٌ، ولا يسبقنا إذا أردنا إماتته ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ هذا متَّصلٌ بقوله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾؛ أي: لنبدِّل بعدكم أمثالكم؛ أي: بعد إماتتكم قرنًا بعد قرنٍ (٢) إلى انقضاء الدُّنيا ﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾ بعد فناء الدُّنيا في الآخرة؛ أي: يبعثكم بعدَ الموت خَلْقًا جديدًا فيما لا تعلمون من الصُّور والهيئات (٣)؛ لأنَّ السُّعداء يُبعَثون على أحسنِ الصُّور، والأشقياء على أقبحِها، وهم لا يعلمون بذلك اليوم. * * *

стр. 7078

(٦٢ - ٦٤) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾: قال مقاتلٌ ﵀: أي: الخلقَ الأوَّل، وهو خلقُ آدم، لا تسألُ أحدًا مِنَ النَّاس إلَّا أنبأكَ أنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ مِن ترابٍ (١). وقال مقاتل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾: أنَّ اللَّهَ خلقَكم نطفةً، ثمَّ علقةً، ثمَّ مضغةً (٢). قال الحسنُ ﵀: ولقد علمْتُم أنَّا خلقناكم ولم تكونوا شيئًا، ثم جعلناكم لحمًا ودمًا وعظمًا وروحًا (٣). ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾: فهَلَّا تتأمَّلون فيه، فتعلَموا وتتَّعظِوا. وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾: حاجَّهم بأمرٍ آخرَ فقال: أخبروني عمَّا تحرثون مِن أراضيكم، فتطرحون فيها البَذْر. ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾: أي: تنبتونه وتجعلونَه (٤) زرعًا يكون فيه الحبُّ والسُّنبل. ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾: أي: أم نحن نفعلُ ذلك؛ أي: أنتم مقرُّون لو جهدْتُم وجهدَ جميعُ العالم لم يتهيَّأ لكم ولهم إنباتُ ذلك وإخراجُه، فقد علمْتُم أنَّ اللَّهَ تعالى يفعلُ ذلك، ومَن قدرَ على هذا كيف أحلْتُم قدرَتَه على إخراجِ الموتى مِن الأرضِ أحياءً بعدَ أنْ صاروا رَميمًا. * * *

стр. 7079

(٦٥ - ٦٧) - ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾؛ أي: هشيمًا بآفَةٍ، فلا يُنتَفعُ به في مَطعَمٍ. وقال مرَّةُ الهمذاني: أي: تبنًا (١) لا قمحَ فيه (٢). والحَطْمُ: الكَسْرُ، والحُطَامُ: ما كسَرَتْهُ الأرجُلُ. ﴿فَظَلْتُمْ﴾: أي: فَظَلْتُم النَّهارَ كلَّهُ، أُسقِطَتْ إحداهُما تخفيفًا، كما يُقال: أحَسْتُ بالشَّيء؛ أي: أحسسْتُ به. ﴿تَفَكَّهُونَ﴾: قال الخليلُ: أي: تتعجَّبون (٣). وقال قطرب: أي: تندمون. وهو قول الحسن وقتادة (٤). ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾: أي: يقولون: إنَّا لمعذَّبون، والغرامُ: اللُّزوم، والمُغرَم: الذي أُلزِمَ العذاب. وقيل: المُغرَمُ: الذي ذهبَ مالُه بغيرِ عِوضٍ (٥). وهو غرام: ما أنفقوا ولم يحصلوا منه على شيءٍ. قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾: أي: لم يصبْنا ذلك عقوبةً على جُرْمِنا، بل هو بحرمانِنا وعدم جدِّنا.

стр. 7080

يقول اللَّهُ تعالى: لم أفعلْ هذا بكلِّ زروعِكُم، بل أُنبتُها بعدما كانت باليةً في الأرض، فلا تُنكروا قدرتي على إخراجِكُم مِن الأرضِ بعدَ بلائِكُم فيها. وروى أنسُ بنُ مالكٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه مَرَّ بأرضٍ للأنصارِ فقال: "ما يمنعُكُم مِنَ الحَرْثِ؟ "، قالوا: الجُدُوْبَةُ، قال: "فلا تفعلوا؛ فإنَّ اللَّه تعالى قال: أنا الزَّارع، إنْ شئْتُ زرعْتُ بالماءِ، وإنْ شئْتُ زرعْتُ (١) بالرِّيْحِ، وإنْ شئْتُ زرعْتُ بالبَذْرِ"، ثمَّ تلا هذه الآية (٢). * * * (٦٨ - ٧٠) - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾: ثمَّ حاجَّهم بحجَّة أخرى فقال: أخبروني عن الماءِ الذي تشربونه لتُحيوا به أنفسَكم، وتُسكِّنوا به عطشَكم ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾؛ أي: السَّحاب، وقيل: هو السَّحابُ الأبيض. ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾: وأنتم معترفون بعجزكم عن إنزالِه منه، وبقدرتي عليه. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾؛ أي: مِلْحًا مرًّا، لا تنتفعون به في شُرْبٍ (٣) ولا زرعٍ ولا غرسٍ. وقال الأخفشُ: والأُجاجُ: أشدُّ الماءِ مُلوحة (٤).

стр. 7081

﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾: أي: فَهَلَّا تشكرون لي بإخلاصِ العبادةِ، فَلِمَ تنكرون قدرتي على إحياء الموتى؟ * * * (٧١ - ٧٢) - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾: وهذه محاجَّة أخرى في تقريرِهم بنعمِه وتنبهيهِم على قدرَته. يقول: أخبروني عن النَّار الَّتي تورونَ تُظْهِرونها بالقَدْحِ مِن الشَّجرِ الرَّطْبِ ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾؛ أي: خلقْتُم الشَّجرة الَّتي تستخرجونَ منها النَّار ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾؛ أي: الخالقون. وقد وَرَى الزَّنْدُ -أي: خرجَتْ نارُه- وَرْيًا، وأَوْراها القادِحُ يُوْرِي إيراءً؛ أي: أخرجَها. وشجرُ النَّارِ كانت معروفةً عندهم، وكانوا يقولون: في كلِّ شجرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ (١). وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ما مِن شجرٍ ولا عودٍ إلَّا وفيه النَّار، سوى العُنَّاب، فإنَّ عودَه لا نارَ فيه؛ قال اللَّه تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] (٢).

стр. 7082

(٧٣) - ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾؛ أي: تذكِّركم نارَ جهنَّم فتتَّقونها، فإن من آذاهُ أكلُ الطَّعامِ الحارِّ، وعجزَ عن طولِ المُكْثِ في الحمَّام الذي اتَّخذَه للاسترواحِ والاستطهارِ لِمَا أنَّه سُخِّنَ بالنَّار، كيفَ يصبرُ على طولِ المُكْثِ في عينِ النَّارِ. ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄ ومجاهد وقتادة والضَّحَّاك: أي: المسافرين (١). وقد أقوى؛ أي: نزلَ القِيَّ، وهو القَفْرُ، وأَقْوَتِ الدَّارُ؛ أي: خَلَتْ عن أهلِها. ومعناه: يتمتَّعونَ بها اصطلاءً مِن البرد، واستضاءةً مِن الظُّلمة، وإنضاجًا للطَّعام، وتجفيفًا للثِّياب، واستئناسًا بنورِها بلقاء الأصحاب. وقدَّمَ التَّذكرة على المتاع لأنَّه أهمُّ، وقد غفلَ النَّاسُ عنها. وإنَّما خصَّ المسافرين بالذِّكْرِ مع أنَّ المقيمين متمتِّعون بها أيضًا؛ لأنَّ حاجةَ المسافر إليها أمسُّ (٢)، فدخلَ المقيمُ فيها بطريقِ الأولى. وقيل: هو مِن بابِ الاكتفاءِ بذكْرِ أحدِ الشَّيئين والمرادُ كلاهما، وهو كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحرَّ والبردَ، فاكتفى بذِكْرِ أحدهما.

стр. 7083

وقيل: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾: المُقْوِي: ذو القوَّة؛ أي: للمطيقين ذلك مِن المسافرين والمقيمين، فكانَ الاسمُ للكلِّ على هذا. * * * (٧٤ - ٧٧) - ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: أي: فنزِّهِ اللَّهَ يا محمَّدُ عمَّا أضافَه المشركون إليه مِن الأندادِ، ومِن العَجْزِ عن إحياء الموتى يومَ المعادِ، بذِكْرِكَ إيَّاه باسم العظيم (١)، وكلُّ أسمائِه عظيمة. وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: قال الفرَّاء: (لا): نفيٌ؛ أي: ليس الأمرُ كما تقولونَ، ثمَّ قال: ﴿أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٢). وقال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهد: وهو قسمٌ بنزولِ القرآن نجومًا، كلُّ نجمٍ في أمرٍ وحادثةٍ في سنينَ كثيرة (٣). ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾: أي: إنه لقسم عظيمٌ؛ لأنَّ المُقْسَم به عَظيمٌ، لو تَعلَمون ذلك لانتفعْتُم به، هذا مُضمَر. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾: أقسمَ بالقرآنِ على القرآنِ أنَّه كريمٌ. وقال قتادة، ومجاهدٌ في رواية: (مواقع النجوم): مغاربُها، أقسمَ اللَّهُ بها لِعِظم منافعِها للعباد في مصالح العالم المتعلِّقة بها (٤).

стр. 7084

وقال الحسنُ ﵀: (مواقع النجوم): مساقطُها إذا انتثرَتْ لقيام السَّاعة تعظيمًا لذلك اليوم، وتنبيهًا على قدرة اللَّه تعالى، وتذكيرًا بذلك اليوم (١). وقيل: (مواقع النجوم): مواقعُ نفعِها منَّا بالاهتداء بها في ظلمات البرِّ والبحر، ومعرفةِ مقادير السَّاعات في اللَّيل والنَّهار، وأوقات النُّجعة وأنواء الأمطار، مِن قولهم: لهذا عندي موقع. وفي قراءة حمزة والكسائيُّ: ﴿بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ (٢)، وهو يؤدِّي عن الجمع في مثله. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: عندَ اللَّهِ؛ لأنَّه كلامُه ووحيُه، وكريمٌ على رسولِه؛ لأنَّه مِن عندِ ربِّه، وكريمٌ على المؤمنين؛ لأنَّ فيه شفاءَهم وهداهم وبشارتهم، وكريمٌ في نفسِه؛ لأنَّه كثيرُ الخيرِ، شريفٌ جليلٌ نافعٌ معجِزٌ، ومِن حقِّه أنْ يُكْرَمَ ويُعظَّمَ ويُستفادَ ويُغتَنمَ ويُعمَلَ به ويُعْلَمَ. وقال ابنُ حبيبٍ: الكريمُ مِن العبادِ: الصَّفوح المساهل، والقرآنُ كريمٌ لغلبَةِ يُسْرِه على عُسْرِه. * * * (٧٨ - ٧٩) - ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾: أي: كتابٍ عندَ اللَّه تعالى مَصُونٍ ومخزونٍ عن أنْ ينالَه ما ينالُ كُتبَ العِباد من الأذى والقَذَر والقَذَى، وهذا الكتابُ المكنونُ هو اللَّوح المحفوظ؛ قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] وهو أمُّ الكتاب؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ [الزخرف: ٤].

стр. 7085

وقيل: ﴿مَكْنُونٍ﴾: مخزونٍ عن البشرِ، لا يعلِّمُهُ اللَّهُ تعالى إلَّا لملائكتِه، ثمَّ أَطْلعَ اللَّهُ عليه مَن شاءَ مِن رسلِه. وقيل: ﴿مَكْنُونٍ﴾: لا يصلُ إليه مِن الملائكةِ إلَّا مَن أذنَ اللَّهُ له في المصيرِ إلى موضعِه، وقالوا: إنَّ إسرافيلَ هو الموكَّل بذلك. قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: قيل: هو صفةُ الكتابِ الذي عندَ اللَّه؛ أي: لا يمسُّه إلَّا ملائكتُه المطهَّرون مِن أدناسِ الخطايا. وقيل: هو صفةُ القرآن؛ أي: لا يُنزلُه إلَّا الملائكة المطهَّرون، ولا يصل إليه في الإنزالِ الشَّياطينُ النَّجسون (١). وقال قتادةُ: لا يمسُّ القرآنَ عندَ اللَّهِ تعالى إلَّا المطهَّرون مِن الملائكةِ، فأمَّا عندكم فيمسُّه المشرك والمنافق (٢). وقيل: هو على الحُكم؛ أي: ولا ينبغي أنْ يمسَّه إلَّا المطهَّرون مِنَ الأحداث والجنابة والحيض والنِّفاس. وفي كتاب النَّبيِّ ﷺ لِعَمرِو بنِ حزمٍ إلى أهل اليمن: "لا يمسُّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ" (٣).

стр. 7086

وعن علقمة والأسود قالا: أتينا سلمانَ لنقرأَ عليه وقد جاءَ مِنَ الغائط، فقلْنا له: توضَّأْ لنقرأَ عليك، فقال: اقرؤوا؛ فإنِّي لسْتُ أمسُّه، إنَّه لا يمسُّه إلَّا المطهَّرون (١). وقال الكلبيُّ ﵀: لا يقرؤُه إلَّا الموحِّدون (٢). وقال الفرَّاءُ: لا يجدُ طعمَه ونفعَه إلَّا مَن آمنَ به (٣).

стр. 7087

وقال الحسينُ بنُ الفضل: أي: لا يعرفُ تفسيرَه وتأويلَه إلَّا مَن طهَّره اللَّهُ تعالى مِن الشِّركِ والنِّفاقِ (١). وقال أبو بكر الورَّاقُ: لا يوفَّقُ للعملِ به إلَّا السُّعداء (٢). * * * (٨٠ - ٨١) - ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: هو مُنزَّلٌ مِن مالكِ الخلائقِ أجمعين. قوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾: أي: أفبهذا القرآن أنتم كافرون، مدافعون الإيمان به بالعلل الكاذبة مِن غير بيانٍ ولا برهانٍ، بل إلفًا للعادةِ، وإعراضًا عن النَّظر. والادِّهان: اللِّين والمصانعة. وقال قطرب: المُدْهِنُ: المصانع (٣). وقال أبو سعيد: المُدْهِنُ: ذو الوجهَيْن. وقال الأصمُّ: المُدْهنُ: الذي لا يفعلُ ما يحقُّ عليه، ويدفعُه بالعللِ، طلبًا لمرضاةِ جارٍ أو قريبٍ أو نحو ذلك. والخطاب لمشركي العرب، ولا يَبعُد أنْ يكون فيهم مَن يجاهر بالكفر، ومنهم مَن يداهن ويعلِّل. يقول: أفبهذا القرآنِ مع وضوحِ إعجازِه واشتمالِه على أنباءِ الغيبِ تداهنون المؤمنين، وتؤخِّرون الإيمان؟ عجبًا لكم ولمَا تفعلون! استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ.

стр. 7088

(٨٢) - ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾: أي: وتجعلونَ ما رزقَكُم اللَّهُ مِن العلمِ الذي أنزلَه إليكم في القرآنِ تكذيبًا لربوبيَّته وقدرتِهِ على البعثِ بعدَ الموتِ، هذا معنى قولِ الحسن، فإنَّه قال: خسرَ قومٌ لا يكون حظُّهم مِن كتابِ اللَّهِ تعالى إلَّا التَّكذيب (١). وتقديرُه: وتجعلون حظَّكم مِن القرآنِ التَّكذيبَ. وقيل: معناه: وتجعلون شكري على رزقي إيَّاكم تكذيبَكم بقدرتي على مثلِ ما رُزِقْتموه. وقال الفرَّاءُ: هو كقولك: جعلْتَ زيارتي إيَّاكَ أنَّك استخففْتَ بي، وتقديرُ قولِه: ﴿رِزْقَكُمْ﴾؛ أي: رزقي إيَّاكم، والشُّكرُ مضمَرٌ (٢). وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال يومًا وقد مُطِروا مِن ليلتِهم: "يقولُ اللَّهُ تعالى: أصبحَ مِن عبادي مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكبِ، وكافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكبِ، أمَّا مَن قالَ: مُطِرْنا بفضلِ اللَّهِ ورحمتِه، فذلكَ مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأمَّا مَن قال: مُطِرنا بِنَوءِ كذا، فذلكَ كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب" (٣).

стр. 7089

وقال عليٌّ ﵁: نزلَتِ الآية في هذا: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾؛ أي: شكرَكُم، فيقولون: مُطِرْنا بنوء كذا (١). ورُويَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرجَ في بعضِ أسفارِه، فعطشَ أصحابُه، واحتاجوا إلى الماءِ، وذكروا ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: "أرأيْتُم إنْ دعوْتُ فسُقِيْتُم فلعلَّكُم تقولون: سُقِيْنا بِنَوءِ كذا"، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما هذا بحينِ الأنواءِ، فصلَّى ركعتَيْنِ ودعا ربَّه، فهاجَتْ ريحٌ، ثمَّ هاجَتْ سحابةٌ، ومُطروا حتَّى سالَت الأوديةُ، وملؤوا الأسقيةَ، ثمَّ ركبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فمرَّ برجلٍ يغرِفُ بقدحٍ له، وهو يقول: سُقِيْنا بِنَوْءِ كذا، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (٢). وقال أبو سعيد الخدري ﵁: سمعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "لو حبسَ اللَّهُ القَطْرَ عن أمَّتي عشر سنين، ثمَّ أنزلَ الماءَ، لأصبحَتْ طائفةٌ منهم يقولون: سُقِيْنا بِنَوْءِ كذا" (٣).

стр. 7090

(٨٣ - ٨٦) - ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾: أي: فهلَّا إذا بلغَتِ النَّفس -أي: الرُّوحُ- الحلقومَ ترجعونها. ذكرَ ﴿فَلَوْلَا﴾ مرَّتين، ثمَّ قال: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، فكانَ جوابًا لهما، كما في قوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾، وقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾، ثمَّ قالَ: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥]، فكان جوابًا لهما. ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾: خطابٌ للَّذين حضروا مَن يموتُ. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾: لأنَّ قربَكُم بمسافةٍ، وقربُ اللَّهِ لا بمسافةٍ. ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾: أي: غيرَ محاسَبين. وقيل: أي: غير مَجْزيِّين، وهو مفعولٌ مِن الدِّين، وهو الجزاءُ والحسابُ أيضًا. وقيل: أي: غير مَقهورِيْن مملوكين، وقد دانه؛ أي: قهرَه، وقال: ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]؛ أي: مُلْكِه وسُلْطانِه. * * * (٨٧ - ٨٩) - ﴿تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾. ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾: أي: ترجعونَ النَّفسَ -أي: الرُّوح- إلى البدنِ، فلا تخرجُ ولا يموتُ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: وتقديرُ الآيات: وإنْ كانَ الأمرُ على ما يتوهَّمون مِنْ أنَّ النَّاسَ يموتون بانقضاءِ أعمارِهم، لا بأنْ يميتَهُم اللَّهُ تعالى فينقُلَهم إلى دارِ الجزاءِ، ويبعثَهم للحسابِ، فهلَّا إذا بلغَتْ نفسُ أحدِكُم الحلقومَ عندَ شِدَّةِ النَّزْعِ وأنتم حينئذٍ

стр. 7091

حضورٌ له تنظرونَ إليه وتشاهدون حالَه، لا تردُّونَ (١) روحَه في جسدِه، مع عِزَّةِ فَقْدِهِ عليكم، وحرصِكُم على بقائِه، فإذا كنتم على ذلك غيرَ قادرين فاستدِلُّوا به على أنَّ خروجَ روحِه بإخراجِ اللَّهِ تعالى إيَّاها، وأنَّه إنَّما يفعلُه ليبعَثه يومَ الحسابِ، ويجازيَه بالثَّواب والعِقاب. ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: أي: فأمَّا إنْ كانَ الَّذي تقبضُ الملائكةُ روحَه مِن السَّابقين المقرَّبين ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: فلَهُ رَوحٌ وريحان. قال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿فَرَوْحٌ﴾؛ أي: راحةٌ في القبر، ﴿وَرَيْحَانٌ﴾؛ أي: رزقٌ في الجنَّة (٢). وقال أبو العالية: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ عندَ الموتِ، يُؤتَى به مِنَ الجنَّةِ، فيشمُّه ثمَّ يموت (٣). وقال الزَّجَّاجُ: ريحانٌ: أصلُه رَيِّحَان بتشديد الياء؛ لأنَّه مِن الرَّوح (٤)، وخُفِّفَ للزِّيادة الَّتي لحقتْهُ مِن الألف والنَّون (٥). وقال عطاءٌ: الرَّوح: الفرجُ مِن غُموم الدُّنيا، والرَّيحانُ: الرِّزقُ في الجنَّة.

стр. 7092

وقال أبو بكر الورَّاق: الرَّوحُ: النَّجاةُ مِن النَّارِ، والرَّيحانُ: دخولُ دارِ القَرار (١). وقال الجُنيدُ ﵀: الرَّوح لقلوبِهم، والرَّيحانُ لنفوسِهم (٢). وقيل: كلاهما في الجنَّة؛ قال تعالى خبرًا عنهم أنَّهم يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] فهو الرَّوح، وقال: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] فهو الرَّيحان. وقيل: الرَّوحُ: الرَّحمةُ؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، والرَّيحانُ: التَّحيَّةُ، والتَّحيَّةُ بالرَّيحانُ معهودةٌ بينَ الخليقةِ. ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾: للمقرَّبين أيضًا. * * * (٩٠ - ٩٢) - ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾: هذا الذي تُقْبَضُ روحُهُ. ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾: أي: فسلامةٌ لكَ وسرورٌ وخيرٌ منهم يا محمَّد؛ أي: إنَّك تُسَرُّ لِمَا تراهُ مِن ثوابِهم في الجنَّةِ. وقيل: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾؛ أي: أنتَ سالمٌ مِن الاغتمامِ (٣) لهم، فقد نجَوا. وقيل: معناه: فإنهم يسلِّمونَ عليك ويصلُّون، وأنا مبلِّغٌ إليك سلامَهم يا محمَّد.

стр. 7093

وقيل: معناه: فيُقالُ لهذا المقبوضِ عند الموت: فسلامٌ لَكَ إنَّك مِن أصحاب اليمين؛ أي: سلامةٌ لكَ ممَّا تَخاف. وقيل؛ أي: فسلامٌ عليك، وهو سلامُ الملائكةِ عليه حينئذٍ. وقيل: هو بشارةٌ له بالسَّلامِ مِن الملائكةِ في الجنَّة، وسلامِ اللَّهِ فيها بلا واسطةٍ. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾: وهمُ الصِّنفُ الثَّالثُ، وهم أصحاب المشأمة، وهم الَّذين قيل لهم في هذه السُّورة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١]. ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾: أي: فرزقُه الَّذي يُعَدُّ له (١) وطعامُه الَّذي يُعطاهُ مِن حَمِيمٍ، وهو الماءُ الحارُّ الَّذي فسَّرناه. * * * (٩٤ - ٩٥) - ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾. ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾: أي: إدخالٌ فيها. ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن أحبَّ لقاءَ اللَّهِ أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومَن كرِهَ لقاءَ اللَّهِ كرِهَ اللَّهُ لقاءَهُ"، فأنشأ القومُ يبكون، فقال: "ما يبكيْكُم؟ "، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما منَّا أحدٌ إلَّا وهو يبغضُ الموتَ، فقال: "إنِّي لسْتُ ذلك أعني، ولكن يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فهذا في الدُّنيا، ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيم﴾، فإذا بُشِّرَ بذلكَ أحبَّ لقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ تعالى للقائِهِ أحَبُّ، فما يسرُّهُ أنَّ له الدُّنيا بما فيها وأنَّه يُرَدُّ إليها، ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ الآية، فإذا بُشِّرَ بالنَّار أبغضَ لقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ للقائِهِ أبغضُ" (٢).

стр. 7094

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾: أي: هذا الَّذي أخبرْتُكُم به مِن أوَّلِ هذه السُّورة، وهو في بيان أحوالهم في الآخرة، إلى آخرها وهو في بيان حال (١) خروجِهم من الدُّنيا = هو الحقُّ الَّذي لا باطلَ فيه، وهو اليقينُ من الخبر الَّذي لا شكَّ فيه، فثقْ به يا محمَّد. و ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ إضافةُ الشَّيءِ إلى نفسِه، كقولِ الشَّاعر: ولو أَقْوَتْ عليْكَ دِيارُ عَبْسٍ... عَرَفْتَ الدَّارَ عِرْفانَ اليقينِ (٢) وقال الأخفشُ: هو إضافةُ الشَّيء إلى صفتِه، كقولهم: صلاة الأولى، وبارحةَ الأولى، ومسجد الجامع (٣). وقيل: بل (٤) هو كقولهم: نفس الحائط؛ أي: النَّفس الَّتي هي الحائط. * * *

стр. 7095

(٩٦) - ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: أي: إنَّ مَن صَدَّقَكَ صار إلى ما أُعِدَّ له، وكذا مَن كَذَّبَكَ صار إلى ما أُعِدَّ له، وقد بيَّنَّا لك ذلك كلَّه، فلا يشقَّنَّ عليك ما يفعلونه، فافزَعْ أنت إلى تنزيه ربِّك عمَّا أضافه إليك المكذِّبون الضَّالُّون، واجعل تنزيهَكَ إيَّاه تسميَتَكَ له بأسمائه الحسنى التي علَّمَكَها، فاذكرْهُ بها معتقدًا حقائقَها، فإنَّ اللَّهَ هو ربُّك؛ أي: القيِّم بمصالحك، العظيم في سلطانِه، الذي يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريدُ. وقيل: المراد بالتَّسبيح: الصَّلاة. ورُوي أنَّه لَمَّا نزلَتْ هذه الآية قال النَّبيُّ ﷺ : "اجعلوها في ركوعِكُم: سبحان ربِّي العظيم"، ولَمَّا نزل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: "اجعلوها في سجودِكُم: سبحان ربِّي الأعلى" (١). والحمد للَّه ربِّ العالمين * * *

стр. 7096

سورة الحديد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الَّذي يسبِّحُ له ما في السَّماوات والأرض وهو العزيز الحكيم الرَّحمنِ الَّذي وعدَ المصدِّقين والمتصدِّقين بالمضاعفة والأجر الكريم، الرحيمِ الَّذي بيده الفضلُ يؤتيه مَن يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم. وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ الحديد كُتِبَ مِن الَّذين آمنوا باللَّهِ ورُسُلِه، أولئك هم الصِّدِّيقون والشُّهداء عند ربِّهم" (١). وهذه السُّورة مدنيَّة. وهي تسعٌ وعشرون آية، وقيل: ثمان وعشرون، والاختلاف في قوله: ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [الحديد: ٢٧]. وهي خمسُ مئة وثلاثٌ وسبعون كلمة، وألفان وأربعُ مئة وسبعون حرفًا (٢). وانتظامُ ختمِ تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّهما في التَّسبيح.

стр. 7097

وانتظامُ السُّورتَيْن: أنَّ تلك السُّورة في ذِكْرِ السَّابقين وأصحابِ اليمين والمكذِّبين الضَّالين، وهذه السُّورة في حثِّ السَّابقين وأصحاب اليمين على جهاد المكذِّبين الضَّالين، والإنفاق فيه على المجاهدين. وافتُتِحَتِ السُّورة بذِكْرِ أنَّ جميعَ مَن في السَّماوات والأرض وما فيهما مُلْكُه، وهو سبحانَه غنيٌّ عنهم، وإنَّما أمرَ بجهادِ الكفَّار لا لعجزِه عن إهلاكِهم، لكن امتحانًا لهم ليتميَّز صادقُهم من كاذبهم. * * * (١) - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: يحتمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ جميعَ ما في السَّماوات والأرض (١) مِن أصنافِ الخلائقِ -حيوانِه ومواتِه، وناميه وجمادِه، وجواهرِه وأعراضِه- دليلٌ على اللَّهِ تعالى وحدَه، وعلى أنَّه عزيزٌ حكيمٌ، مالكٌ لأصنافِ الخلائقِ كلِّها، قادرٌ على إحياءِ مَوتاها وإماتةِ أحيائِها، وعلى كلِّ شيءٍ يريدُه، فهي بما فيها من آثار الصَّنعة وشواهدِ الحدوث تنزِّهُهُ ﷻ عمَّا يضيفُه إليه المشركون مِن الشُّركاء والأنداد، ويحرِّفون مِن صفاته أهلُ الإلحاد، ويشهدُ بأنَّه ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: المنيعُ بسلطانِه وجلالِه، ﴿الْحَكِيمُ﴾: المصيبُ في أقوالِه وأفعالِه. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: يقول: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾: صلَّى للَّهِ ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾: مِن الملائكةِ والشَّمس والقمرِ والنُّجوم، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: مِن الجبال والأنهار والأشجارِ والطَّير والدَّوابِ، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: مِن الرِّياح والسَّحاب، وما فيه روحٌ

стр. 7098

وما لا روحَ فيه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع بالنِّقمة ممَّن يشاء (١)، ﴿الْحَكِيمُ﴾: في أمره (٢). وقال ابن كيسان: التَّسبيحُ: التَّحميدُ والتَّقديسُ مِن الخلقِ للَّه تعالى، وهو على وجهَيْن: أحدهما: عبادتُه وتعظيمُه بما هو أهلُه مِن قولٍ وعملٍ ممَّن هو مِن أهلِ الاختيار. والآخرُ: أنَّ اللَّه تعالى فطرَ الخلقَ على فطرةٍ تشهدُ لخالقِها أنَّه لا شريكَ له في خلقِها، وأنَّه ليس كمثلِها. فكلُّ شيءٍ -على هذا- للَّه تعالى يسبِّح، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]؛ أي: يشهدُ أنَّه لا شريكَ له، ونظيرُه قولُه: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. * * * (٢) - ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: خزائنُ السَّماوات والأرض مِن المطرِ والنَّبات وغير ذلك، ﴿يُحْيِي﴾ عندَ البعث، ﴿وَيُمِيتُ﴾ في الدُّنيا (٣). وقال ابن كيسان: أي: هو مليكُهُما، لا خالقَ لهما سواه، يحيى الميِّت من النُّطفة والأرضِ والأشجارِ بعد موتها، ويميْتُ الحيَّ منها.

стр. 7099

وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: يحيي بالطَّاعة ويميْتُ بالمعصيةِ. وقال مقاتل بن حيان: يحيي بالفضلِ، ويميْتُ بالعدلِ. وقال أبو بكر الورَّاق: يحيي بالعلم، ويميْتُ بالجهل. وقال قتادة: يحيي بالإيمان والطَّاعة، ويميْتُ بالكفر والمعصية (١). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من هذا وغيره ﴿قَدِيرٌ﴾. * * * (٣) - ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾: ﴿الْأَوَّلُ﴾: السَّابق قبل كلِّ شيءٍ، ﴿وَالْآخِرُ﴾: الباقي بعد كلِّ شيء، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ لوضوح الدَّلائل على وجودِه، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ فلا يُرَى في دار التَّكليف. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: لا يخفَى عليه شيءٌ. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿الْأَوَّلُ﴾: قبلَ كلِّ شيءٍ، ﴿وَالْآخِرُ﴾: بعدَ كلِّ شيءٍ، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾: الغالبُ على كلِّ شيءٍ، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾: العالمُ بكلِّ شيءٍ، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ يعني: سواءٌ عليه الظَّاهر والباطن (٢). وقال الضَّحَّاك ﵀: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾: الذي أوَّلُ الأوائل، ﴿وَالْآخِرُ﴾: الذي آخرُ الأواخر، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾: الذي أظهرُ الظَّواهر، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾: الذي أبطنُ البواطن (٣). وقال ابن كيسان: ﴿الْأَوَّلُ﴾: قبلَ كلِّ كائنٍ، ﴿وَالْآخِرُ﴾: بعدَ كلِّ كائنٍ،

стр. 7100

﴿وَالظَّاهِرُ﴾: الذي أظهرَ لخلقِه أنَّه الخالقُ مِن غيرِ أنْ يجاهروه، وظهرَ عليهم بالقدرةِ بحكم ما يشاءُ فيهم، فلا يمتنعون من تدبيره فيهم، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾: الخبيرُ بكلِّ خلقٍ منهم، وبكلِّ ما يعملون في ظاهرهم وباطنهم. وقال مجاهد ﵀: ﴿الْأَوَّلُ﴾ بلا تأويلِ أحدٍ، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بلا تأخير أحدٍ، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بلا إظهارِ أحدٍ، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بلا إبطانِ أحدٍ (١). وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾ بلا ابتداءٍ، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بلا انتهاءٍ، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بلا اختفاءٍ، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بلا احتواء. وقال سعيد بن المسيَّب ﵀: ﴿الْأَوَّلُ﴾ بالقدرة، قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالقدرة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالقدرة؛ قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٦٥]، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالقدرة؛ قال تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]. وقال سفيان (٢): ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ بالخلق، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالرِّزق، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالإحياء، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالإماتة (٣). وقال عليُّ بنُ موسى الرِّضا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ ببرِّه (٤) إذ عرَّفك توحيدَه، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بوجوده إذ عرّفك التَّوبة، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بكرمه إذ وفَّقك للسُّجود له، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بستره إذ عصيتَه فسترَ عليك (٥).

стр. 7101

وقال الحسين بن الفضل ﵀: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ بلا ابتداء، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بلا انتهاء، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بلا اقتراب، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بلا احتجاب. وقال أبو بكر الورَّاق: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ بالأزليَّة، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالأبديَّة، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالأحديَّة، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالصمديَّة. وقال محمد بن عليٍّ التِّرمذيُّ ﵀: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ بالتَّأليف، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالتَّكليف، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالتَّصريف، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالتَّعريف (١). وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾ بالعناية، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالهداية (٢)، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالرِّعاية، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالولاية. وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾ بالإعلام، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالإلزام (٣)، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالإنعام، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالإكرام. وقال عبدُ العزيز بن يحيى ﵀: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ لم يزلْ قبلَ الأشياء لا عن ابتداءٍ في الأزل، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بعدَ الأشياء لا إلى انتهاءٍ في أبد، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ المتجلِّي للعقول بما دلَّ على نفسِه من أصنافِ خلقِه، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ الَّذي لا تدركُه الأبصارُ لتعاليه في ذاته (٤). وقال بسَّام بن عبد اللَّه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ بالتَّكوين، ﴿وَالْآخِرُ﴾ بالتَّلقين، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالتَّبيين، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالتَّزيين.

стр. 7102

بيان التَّكوين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وبيان التَّلقين في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وبيان التَّبيين في قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، وبيان التَّزيين في قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] (١). وقيل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ الذي لا تسبقُه (٢) الأدوار، ﴿وَالْآخِرُ﴾ الَّذي لا تلحقه الأطوار، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ الَّذي لا تخفى عليه الأسرار، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ الَّذي لا تدركُه الأبصار. وقيل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ الَّذي يستحقُّ الوصف بالقِدم، ﴿وَالْآخِرُ﴾ الَّذي يستحيلُ عليه الوصف بالعَدم، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ بالعلوِّ والرِّفعة، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بالعلم والحكمة. وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾ فلا افتتاحَ لوجودِه، ﴿وَالْآخِرُ﴾ فلا انقطاعَ لثبوتِه، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ فلا خفاءَ لجلالِ عزِّه، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ فلا سبيلَ إلى إدراكِه. وقيل: مَن كانَ الغالبُ على قلبِه اسمَه الأوَّلَ كانت فكرتُه في سابقتِه بماذا سمَّاه مولاه، وما الذي جرى له في سابق حكمِه، أأسعدَه أم أشقاهُ؟ ومَن كان الغالبُ على قلبِه اسمَه الآخِرَ كانت فكرتُه في أنَّه بماذا يُختَم له حاله، وإلى ماذا يصير مآلُه، أعلى التَّوحيد يخرجُ مِن دنياه، أم في النَّار الكبرى غدًا مثواه؟ وَمن كان الغالبُ على قلبِه اسمَه الظَّاهرَ فاشتغالُه بشكرِ ما يجري في الحالِ مِن توفيقِ الإحسانِ، وتحقيقِ الإيمانِ، وجميلِ الكفاية، وحسنِ الرِّعاية. ومَن كان الغالبُ على قلبِه اسمَه الباطنَ كانت فكرتُه في استبهامِ أمرِه عليه، فليس يدري أفضلٌ ما يعاملُه به ربُّه، أم مكرٌ يستدرجُه به ربُّه؟

стр. 7103

وقيل: ﴿الْأَوَّلُ﴾ علِمَ ما يفعلُه عبادُه فلم يمنعْه علمُه من تعريفهم، ﴿وَالْآخِرُ﴾ رأى ما عملوا فلم يمنعْه مِن غفرانِهم، ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ ليسَ يخفَى عليه شيءٌ مِن شأنِهم، وليسَ يدعُ شيئًا من إحسانِهم، ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ يعلمُ ما ليسَ لهم به علمٌ مِن خسرانِهم ونقصانِهم، فيدفعُ عنهم فنونَ محنِهم وأحزانِهم. * * * (٤ - ٦) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: فسَّرناه في (سورة الأعراف). ﴿مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾: فسَّرناه في (سورة سبأ). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾: أي: عالمٌ بكم، لا يخفى عليه شيءٌ من أحوالِكم وأفعالِكم وأقوالِكم. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: وهو على مجازاتِكُم على وفقِ عملِكُم قديرٌ. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: فسَّرنا هذا كلَّه مرَّات. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: فسَّرناه في (سورة آل عمران) وغيرها. ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بخفيَّات الصُّدور، ومَن قدرَ على هذه الأشياءِ، وعلم بالأشياءِ، فلن يعجزَهُ (١) إهلاكُ مَن كفرَ به، فلا تتوهَّموا معاشرَ المسلمين أنَّ

стр. 7104

إمهالَ الكفَّارِ لعجزٍ، وأنَّ أمري إيَّاكم بجهادهم لحاجةٍ، لكنْ لأبتليَكم به، وأعوضَكم عليه النَّعيم المقيم الذي خلقْتُكُم له وخلقْتُه لكم، وهو وجهُ انتظامِ هذا بما بعدَه. * * * (٧) - ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: أوضحْتُ الدَّلائل على أنَّه لا يستحقُّ العبادةَ غيري، فاعبدوني وآمنوا بي، وصدِّقوا رسولي فيما يخبرُكُم به عنِّي، وهذا في حقِّ المؤمنين أمرٌ بالدَّوام على إيمانهم، وفي حقِّ الكفَّار أمرٌ بابتدائِه. قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾؛ أي: مِن المالِ الَّذي هو للَّه، وقد أعطاكُم بعدما كان عند غيركم، وقد جعلكم فيه خلفاء عن الماضين، فأنفقوا في جهادِ أعداءِ اللَّهِ مالَ اللَّهِ، مع الجهادِ بأنفسِكُم الَّتي هي للَّه. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا﴾ في سبيلِه بأمرِه طلبًا لمرضاتِه ﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: ثواب عظيم في الآخرة. * * * (٨) - ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: قرأ أبو عَمرو: ﴿وقد أُخِذَ﴾ بالضَّم ﴿ميثاقُكُم﴾ بالرَّفع، على ما لم يُسمَّ فاعله، وقرأ الباقون: ﴿أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ على الفعل الظَّاهر (١).

стр. 7105

وهذا الكلامُ خرجَ مخرجَ الاستبطاءِ والإخبارِ بزوال المانع؛ أي: أيُّ عذرٍ لكم في تركِ الإيمانِ باللَّهِ، وقد أقيمَتْ البراهينُ على ما تُؤمَرون به سمعًا وعقلًا: أمَّا العقلُ: ما دلَّ دلائلُ العقلِ على صدقِ الرَّسول في دعوى النُّبوَّة، بما أظهرَه اللَّهُ تعالى على يدِه من المعجزات التي هي خارجةٌ عن قِوى البشر، وذلك أخذُ الميثاقِ منهم به. وأمَّا السَّمع: فهو ما يدعوهم إليه الرَّسول من الإيمان بمَن هو ربُّهم، دونَ مَن هو مربوبٌ مثلُهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إنْ كنْتُم ممَّنْ همُّكُم التَّصديق بما يقومُ البرهان على صحَّتِه، فقد قام ذلك سمعًا وعقلًا. وهذا إذا جُعل هذا خطابًا للمشركين. وإنْ جُعل خطابًا للمؤمنين فمعناه: أيُّ سببٍ يزيلُكُم عن الإيمانِ والرَّسولُ بينَ أظهرِكُم يدعوكُم إلى الثَّبات عليه، وقد أَخذ هو عليه ميثاقَكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: موقنين بشرائطِ الإيمان، وهو كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ.. .﴾ الآية [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١]. وعلى التَّأويل الأوَّل: أَخْذُ الميثاقِ مِنَ اللَّهِ تعالى على عبادِه، وهو ميثاقُ الخِلْقَةِ. وقيل: هو أخذُ ميثاقِ الذُّرِّيَّةِ. * * * (٩ - ١٠) - ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ

стр. 7106

مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أخبرَ بأنَّ الرَّسول إنَّما لزمَتْ دعوته لِمَا أيَّده اللَّهُ تعالى به مِن المعجزات التي أظهرها على يديه تخليصًا للنَّاسِ من ظلماتِ الكُفْرِ إلى نورِ الإيمانِ. ويحتملُ أنْ تكون الآياتُ آياتِ القرآنِ، وهو لإعجازِه مِنَ المعجزاتِ أيضًا. ﴿اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: لرأفتِه ورحمتِه لم يُخلْكُم فيما تَعبَّدَكم به من مواصلةِ الحُجج. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: وأيُّ عذرٍ لكم في تركِ الإنفاقِ مِن أموالِكُم في سبيلِه وقد علمتم أنَّ هذه الأموال تزولُ عن أيديكم إلى غيركم كما زالَتْ عن غيركم إليكم فصرْتُم مستخلَفِيْن فيها، ثمَّ هكذا يكون قرنًا بعدَ قرنٍ إلى أنْ تصيرَ لا مالِكَ لها مِنَ البشر (١)، ويرثُها اللَّهُ تعالى وهو خير الوارثين؛ أي: لا يبقى لها مَن يدَّعيها، ويخلص مضافًا إلى اللَّه تعالى؛ أي: كيفَ تبخلونَ بأموالٍ هذه حالُها، وبإنفاقِها في سبيل اللَّه يكون لكم في الآخرة منالها (٢). وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ قال زيد بن أسلم وقتادة رحمهما اللَّه: أي: قبل فتح مكَّة (٣). وقال عامر: أي: فتح الحديبية (٤).

стр. 7107

وهاهنا اختصارٌ، وتقديرُه: ومَنْ أنفقَ وقاتلَ بعدَ الفتحِ، وهذا كما في قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩]، وإنَّما صحَّ ذلك لوضوح المراد، يقولُ: لا يستوي في الفضْلِ مَن أنفقَ في سبيلِ اللَّهِ وجاهدَ أعداءَ اللَّهِ قبلَ فتحِ مكَّة ومَن فعلَ ذلكَ بعدُ. ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾: أي: مِن بعدِ الفتح (١) ﴿وَقَاتَلُوا﴾ لعزَّة الإسلام وأهلِه، وشدَّة الحاجة إلى مَن ينصرُه؛ أي: فبادِروا إلى تحصيلِ هذه الفضيلةِ. قال الكلبيُّ ﵀: نزلَتْ في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾؛ يعني: أبا بكرٍ وأصحابَه ﴿مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (٢). ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: أي: فكلَّ واحدٍ مِن هذين الفريقَيْن له وعدُ الجنَّة؛ لأَنَّهم جميعًا مطيعون للَّه، عاملون بأمرِه، لكنَّ الدَّرجات في الجنَّة متفاوتة. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي: بأعمالِكم ومقاديرِها؛ أي: ويجازي كُلًّا على وفقِ عملِه. * * * (١١) - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: أي: مَن ذا الَّذي ينفقُ في سبيلِ اللَّه إنفاقًا حسنًا، مضمونًا بدلُه على اللَّه بالأضعافِ الكثيرة بوعدِه الصَّادقِ والكائنِ لا محالةَ، وهو قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾: قرأ ابن كثير: ﴿فيضعِّفُه له﴾ بالتَّشديد لِلْعين ورفع الفاء، ومثله

стр. 7108

ابن عامر لكن بنصب الفاء، وقرأ عاصم: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالألف ونصب الفاء، ومثله الباقون إلَّا أنَّهم رفعوا الفاء (١). والمضاعفةُ والتَّضعيف واحدٌ، وهو الزِّيادة على الشَّيء مثلَه أو زيادة. والنَّصب على أنَّه جوابُ الاستفهام بالفاء، والرَّفع على العطف على ﴿يُقْرِضُ﴾. والقرض الحسنُ يكون بمعانٍ: بالإخلاصِ، وبطيبِ النَّفسِ باختيارِ الأعزِّ الأنفَسِ مِن مالِه للإنفاقِ، وبالإخفاءِ، وبقَبول المنَّةِ مِن اللَّه تعالى بالأمر به، وبخوفِ الرَّدِّ، وبرجاءِ القَبول، وبترك الاعتماد عليه، وبترك ملاحظة العِوَضِ، وغير ذلك. والأضعافُ الكثيرةُ ما ذُكِرَ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]. ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾: أي: ثوابٌ خطير (٢). قال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلَتْ في أبي الدَّحداح (٣). وقد ذكرنا قصَّته في سورة البقرة. * * * (١٢) - ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

стр. 7109

وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: أي: يحصلُ هذا الأجرُ الكريمُ إليهم يومَ القيامة، وهو يوم يسعى للمؤمنين من الرِّجال والنِّساء نورٌ مِن بين أيديهم إلى الجنَّة وبأيمانهم. قيل: لأنَّ اليمين طريقُ الجنَّة. وقيل: بأيمانهم؛ أي: تكونُ كتبُهم التي يُعطونها بأيمانهم فيها نورٌ، ثمَّ إذا توجَّهوا إلى الجنَّة صارَ بينَ أيديهم. ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾: أي: يُقال لهم: لكم البُشرى اليوم ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ أي: الخلاص عن كلِّ مرهوبٍ، والظَّفرُ بكلِّ محبوب. قال ابن عبَّاس ﵄: هو النُّور يكون على الصِّراط (١). وقيل: في عَرْصَةِ القيامة، ولا نورَ هناك إلَّا نورُ الإيمان والطَّاعة، وكلٌّ يُعطَى نورًا على قدر عملِه. * * * (١٣) - ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: ويكون هذا للمؤمنين في اليوم الَّذي يتوجَّه المؤمنون والمنافقون جميعًا من القبور إلى حيث أُمِروا، وللمؤمنين نورٌ، والمنافقون يمشون في نورِهم تَبعًا لهم (٢)، فيُسرِعُ المؤمنون

стр. 7110

بقوَّة إيمانِهم، فيتباعدُ المنافقون عنهم بالتَّخلُّف، فينقطع نورُهم عنهم، فيقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾: أي: انتظرونا نأخذْ حظًّا من نورِكُم. ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾: قال بعضُهم: تقول لهم الملائكةُ. وقال بعضُهم: يقول ذلك المؤمنون: ارجعوا خلفَكُم. ﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾: أي: فاطلبوا لأنفسِكُم نورًا ثَمَّ، فإنَّا حملناه مِن ثَمَّ (١)، فيظنُّ المنافقون أنَّهم أخذوا النُّور مِن موضعٍ هناك، ولا يعلمون أنَّهم يريدون أنَّا حملنا هذا النُّور مِن الدُّنيا بالإيمانِ والطَّاعة، ويريدون بقولهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ التَّوبيخَ دون التَّحقيق للأمر بالرُّجوع، فيلتفِتُ المنافقون نظرًا (٢) إلى موضع النُّور في زعمِهم. ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ قيل: أي: جُعل بينَ الفريقَيْن حائط، وقيل: هو حاجز، وقيل: هو الأعراف. ﴿لَهُ بَابٌ﴾ قيل: هو بابٌ حقيقةً، وقيل: طريق (٣). ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾: أي: مما يلي المؤمنين الجنَّة. ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾: أي: ومما يلي المنافقين النَّار. * * * (١٤) - ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. ﴿يُنَادُونَهُمْ﴾: أي: ينادي المنافقون المؤمنين: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الدُّنيا في
следующие страницы →