← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أحدهما: صلُّوا مع أمَّة محمدٍ ﷺ صلاتَهم؛ أي: اشْرَعوا في دينهم وأعمالهم، وصلُّوا صلاتَهم المشتمِلةَ على كلِّ أركانها، واستقبِلوا بها القبلة (١) كاستقبالهم، و ﴿الرَّاكِعِينَ﴾ (٢): اسمُ أمَّة محمدٍ ﵇، ولهم (٣) أسامٍ كثيرةٌ في القرآن. والثاني: صلُّوا مع المصلِّين، وهو أمرٌ بإقامة الجماعة فيها دون الانفراد بها. ثم هذا ليس بتكرارٍ لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ لأنَّ ذلك أمرٌ بقَبولها وأداءِ أصلِها، وهذا أمرٌ بإتمامها (٤) بالركوع فيها، وإقامتِها بالجماعة مع أهلها. * * * (٤٤) - ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾: البِرُّ في اللغة لأشياءَ: للصِّدق، ولحفظ اليمين، ولمراعاة حقِّ الوالدين، وللطاعة، وللُّطف، والصرفُ (٥) مِن حدِّ عَلِمِ، والنَّعت: البَرُّ -بالفتح- والبارُّ، ومعناه هاهنا عند السديِّ: أتأمرون الناسَ بطاعة اللَّهِ وأنتم تَعْصونه؟!. وقال ابن عباسٍ ﵄: أتأمرون الناسَ بالتمسُّك بكتابكم، وتتركونه أنتم بجحد ما فيه مِن نبوَّة محمَّدٍ ﵊.

стр. 737

وقيل: أتأمرون الناسَ بالصَّدقة وأنتم تَضِنُّون (١). وقيل: أتأمرون الناس بالصِّدق وأنتم تكذبون. وقيل -وهو الأظهرُ والأشهر-: أتأمرون الناسَ بتصديق محمَّدٍ ﷺ واتِّباعه وأنتم تخالفونه. ونزولُ الآية في علماء اليهود؛ فإنَّ الرجل منهم كان يقول لصهره وقريبه ورضيعه (٢) مِن المسلمين في السِّرِّ: الْزَموا دينَ هذا الرجل؛ فإنَّ ما يقوله حقٌّ، وكانوا لا يفعلون ما يَأمرون به كيلا تفوتَهم الرِّشوةُ والرئاسة، فنزلت الآية (٣). وقيل: كانوا يقولون لفقرايهم الذين لا مطمعَ لهم فيهم بالسِّرِّ: آمِنوا بمحمَّدٍ ﵊ فإنَّه حقٌّ، وكانوا يقولون للأغنياء: نرى فيه بعضَ علاماتِ نبيِّ آخِرِ الزمان دون بعضٍ، فانتظِروا استيفاءَها (٤)؛ لما ينالون منهم. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ هذا استفهامٌ بمعنى التوبيخ والتهديد. وقوله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾: النِّسيان في اللغة نقيضُ الذُّكْر، والنِّسيانُ: التركُ أيضًا، والنِّسيانُ: التأخير أيضًا، والنِّسْيُ: ما سقط في منازل المرتحلين مِن رُذالِ أمتعتِهم، فيقولون: تتبَّعوا أنساءكم، هو جمع ذلك (٥)، قال الشاعر:

стр. 738

كأنَّ لها في الأرض نسيًا تَقُصُّهُ (١) ومِن الأوَّل قولُه تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ومِن الثاني قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: تركوا ما (٢) أمر اللَّهُ فتركهم مخذولين، ومِن الثالث قولُ الرجل لآخَرَ: نسيتُ أمري؛ أي: أخرته عن سائر الأمور. ومعنى الآية هاهنا: ولا تفعلون (٣) أنتم كأنَّكم نسيتُم أنفسَكم، أو: تتركون أنفسكم، فلا تُنْجُونها عن العقوبة بالإيمان به ومتابعته، أو: تؤخِّرون أمورَ أنفسكم، فلا تتَّبعونه للحال كيلا (٤) ينقطع مرافقُ أغنيائكم عنكم، ومِن (٥) عزمكم أنْ تتَّبعوه يومًا، وشؤمُ إصراركم وتأخيركم باختياركم (٦) يبقيكم على الكفر إلى آخِرِ العمر. وكذا حالُ مَن تمادى في العصيان والفساد (٧)، وهو يقول: أتوبُ عند الكِبَر والشَّيبِ، وربَّما يفجؤه الموت، فيبقى في حسرة الفَوْت.

стр. 739

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ، وتَعرفون أنَّ المصطفى حقٌّ، وأنَّ كتابَه صدقٌ، ثم تخالفون علمَكم. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أي: ليس لكم عقلٌ تَعرفون به أنَّه قبيحٌ منكم تركُ إصلاحِ أنفسكم والاشتغالُ بغيركم، وقبيحٌ أيضًا مخالفةُ ما تعلمون. وقيل: أي: تتلونَ في كتابكم أنَّ المحمودَ مَن عَمِل بما عَلِم، ثم أَمَر غيرَه به، لا مَن أمر غيرَه به (١) وتركَ نفسه، وفي كتابنا ذلك أيضًا قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٤] ثم سمَّاهم فقال: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]. وقال إبراهيم النَّخَعيُّ ﵀: مَنَعني عن الجلوس للعامَّة ثلاثُ آياتٍ قالوا (٢): هي دامغةُ الواعظين: قولُ اللَّهِ تعالى خبرًا عن شعيبٍ النبيِّ صلوات اللَّه عليه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]. وقيل: في معناها آيةٌ أخرى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]. ثم هذا التوبيخُ ليس على (٣) أَمْرِ الناسِ بالبِرِّ، بل لتركِ العملِ به، ولا يستقيمُ قولُ مَن يقول: لا يجوز الأمرُ بالمعروف لمن لا يَعمل به لهذه الآية، بل يجب العمل

стр. 740

به ويجب الأمر به، وقد قال النبيُّ ﵊: "مُرُوا بالمعروف وإنْ لم تَعملوا به كلِّه (١)، وانْهوا عن المُنكر وإنْ لم تَنتهوا عنه كلِّه" (٢)، وهذا لأنَّه إذا أَمر به مع أنَّه لا يَعمل به فقد ترك واجبًا، وإذا لم يأمر به فقد ترك واجبين. * * * (٤٥) - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾: أي: بالصبرِ على الطاعات، وتركِ السيئات، وتحمُّل الأذى والمصيبات، وجهادِ الأعداء بالمحارَبات، وبالصلوات على تكفيرِ السيئات وقضاء الحاجات. فإنَّ الصبرَ حبسُ النَّفس، وهو يكون على أداءِ الطاعات مع مشقَّتها، وعلى تركِ المعاصي مع شهوتها. والباءُ للأداةِ والآلةِ، وما يُستعان به عليه مُضمَر، وهو تكفيرُ السيئات؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى أنْ قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الأحزاب: ٣٥]، والصلاةُ كذلك؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ويُستعان بهما على قضاء الحاجات أيضًا؛ وهو المضْمَرُ عند بعضِهم،

стр. 741

فإنَّ الصبرَ مفتاحُ الفَرَج، والصلاةُ يُنال بها الحاجةُ أيضًا، قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩]. وقيل: الصبر هو الصوم، وسُمِّي شهرُ رمضانَ شهرَ الصبر لأنَّه شهرُ الصوم، وبالصوم والصلاة (١) يُستعان (٢) على الكفَّارات والحاجات أيضًا؛ أمَّا الصلاةُ فقد بيَّنَّا فيها ذلك، وأمَّا الصوم فلأنَّ شهرَ الصوم هو شهرُ المغفرة وشهرُ إجابة الدَّعوة. وقيل: استعينوا بالصوم والصلاة على سائر الطاعات؛ فإنَّ الصومَ بابُ العبادات كما روي، والصلاةَ جامعةُ العبادات كما حُكي. وقيل: معناه: استعينوا بهما على طلب الآخرة. وقال محمد بنُ عليٍّ الترمذيُّ ﵀: واستعينوا بالصَّبر -وهو الصوم- على رياضة النفوس، وبالصلاة على تنوير (٣) القلوب؛ فإنَّه إذا صام وجاعَت نفسُه عن الطعام، شبعت عن الذنوب، وإذا صلَّى ففيها مناجاةُ اللَّه وقرَّةُ العيون (٤). وقيل: معناه: استعينوا بالصَّبر في الحروب على معونة النبيِّ ﷺ ومتابعته، وبالصلاة على حُسن العمل للَّه وخدمته. وقيل: معناه: واستعينوا باللَّه على الصوم والصلاة، فالمستعانُ هو اللَّهُ تعالى

стр. 742

وإن لم يُذكَر في هذه الآية، والباءُ في الصبر والصلاة بمعنى (على)؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ أي: عليهم. وقيل: معناه: استعينوا باللَّه على الصبر على زوال الرئاسة والمَأْكلة، وعلى الصلاة إلى الكعبة؛ فإنَّهما كانا يشقَّان على أهل الكتاب. ودليلُه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾: أي: ثقيلةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] وأصله: العَظَمة، والشيءُ قد يَعظُم في نفسِه قَدْرًا، وقد يكون عملًا فيَعظُم على مُباشِرِه (١) فعلًا. والهاء في ﴿وَإِنَّهَا﴾ راجعةٌ إلى الاستعانة التي تُثبت مقتضى قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾، والاستعانة بهما -أي: بتحصيلهما- على الأشياء التي ذكرنا إضمارَها أنَّها كانت تشقُّ عليهم. وقيل: إنَّها راجعةٌ إلى الصلاة، وإذا ذُكر شيئان وذُكرت كنايةٌ بعدهما، فالأصلُ صرفُ الكناية على التثنية إليهما، ويجوز الصرفُ إلى أحدهما اختصارًا، والأَولى الصرُف إلى آخرهما (٢)؛ لأنَّه أقربُ إلى ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]. فأمَّا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] فإنَّما صُرفت الكنايةُ إلى الأول وهي التجارة؛ لأنَّ اللهوَ تبعٌ للتجارة، فكان صرفُ الكناية إلى المتبوع أَولى، على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما جائزٌ، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما

стр. 743

سبق ذِكْره، وكذلك (١) قُرئ في قوله تعالى: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: ١٥٤] بالياء والتاء جميعًا (٢). وكذا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] بالتاء والياء (٣)؛ لسَبْق (٤) ذكرِ المذكَّر والمؤنَّث جميعًا. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: أي: على أمَّةِ محمَّدٍ ﵊، فهذا مِن أسمائهم كالراكعين على ما قلنا، والخشوعُ في اللغة: التَّذلُّل عن خشية اللَّه تعالى، وخشع؛ أي: تَطامَنَ، وخشعَ ببصره: إذا غضَّه. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: هم الذين خشعت أنفسُهم بالتَّذلُّل بالإيمان للَّه تعالى بما أنزل (٥). وقال الضحَّاك والربيع: ﴿الْخَاشِعِينَ﴾: الخائفين (٦)، يقول: إنَّ تركَ الرئاسة والصلاةَ مع المسلمين إلى الكعبة -مع عادتهم (٧) الصلاة إلى بيتِ المقدس- شاقَّةٌ إلَّا على الخاشعين (٨) للَّه تعالى بالإسلام والاستسلام.

стр. 744

(٤٦) - ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾: أي: يُوقنون، قاله مجاهد وابنُ جريجٍ والشعبيُّ والربيع (١). وقال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: يَعلمون، وإنَّما جازت تسميةُ العلم ظنًّا؛ لأنَّ في الظَّنِّ طرفًا مِن العلم واليقين، ولولاه لكان جهلًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: أي: مُعايِنُوه، وهو كنايةٌ عن شهودِ مشهد العَرْض والسؤالِ يوم القيامة، وهو الوجهُ فيما يُروى في (٢) الأخبار: "لقيَ اللَّهَ وهو عليه غضبانُ" (٣) وما يجري مجراه. وقيل: أي: يَعلمون أنَّهم يموتون، قال النبيُّ ﷺ : "مَن أحبَّ لقاءَ اللَّهِ أحبَّ اللَّهُ لقاءَه، ومَن كرهَ لقاءَ اللَّهِ كرهَ اللَّهُ لقاءَه" (٤)، وأراد به الموتَ. ولقاءُ اللَّه -وهو رؤيتُه- ثابتٌ (٥) عند أهلِ السُّنَّة والجماعة، لكنْ في مثلِ هذا الموضع يُستعار لإشهاد مشهد الجزاء، كما يقال: قدِم فلانٌ إلى السلطان، فأمر

стр. 745

بعقوبته (١) أو بكرامته، وفي قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] لا يمكنُ حملُه على الرؤية التي هي كرامةٌ، بل هو على إشهادِ مشهد الجزاء، فكذا ما هو مثلُه (٢). قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: أي: ويعلمون أنَّهم راجعون يوم القيامة إلى اللَّه تعالى؛ أي: إلى جزائه إيَّاهم على أعمالهم. وقيل: أراد به الرجوعَ إلى اللَّه تعالى في كلِّ الأمور، ومعناه: أنَّها تشقُّ إلَّا على العالِمين أنَّهم يموتون ويرجعون إلى جزائه (٣)، ويوقنون أنَّ مرجعَ الخَلْق كلِّهم إليه، لا استغناء عنه ولا محيصَ (٤) عن أخذه. ثم وصفُ الصلاةِ بالثقل (٥) على اليهود ذمٌّ لهم؛ لأنَّها كراهةُ اعتقادٍ، وهو كقوله تعالى في صفة المنافقين: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] فأمَّا ما ذكر في صفة المؤمنين: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقولُه تعالى في أهل بدرٍ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] فذاك ليس بذمٍّ؛ لأنَّه (٦) كراهةُ طبعٍ، ويُمدَح المؤمن بتحمُّله ذلك مع كراهة طبعه اتِّباعًا لشرعه، ويعطَى زيادة ثوابٍ على تحمُّل (٧) ما يَشُقُّ على نفسه.

стр. 746

(٤٧) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: قد سبق ذكرُه مرَّةً، والتكريرُ للتأكيد والتقرير، ولأنَّ الأوَّل في إنعامه عليهم، وهذا الثاني في إنعامِه على آبائهم، فقد عدَّد بعده ما كان على الأسلاف مِن التفضيل على عالَمِي زمانهم، وسائر ما ذكره فيما بعده مِن الآيات، وذكرُ النِّعم على الآباء إلزامُ الشكر على الأبناء فإنَّهم يَشْرُفون بشَرَفهم، ولذلك خاطبهم فقال تعالى: ﴿فَضَّلْتُكُمْ﴾ ولم يقل: فضَّلت آباءَكم؛ لأنَّ في فضلِ آبائهم فضلَهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: الفَضْلُ: الزيادةُ، والتفضيلُ (١): إثباتُها، والإفضالُ: الإنعام، والتَّفضُّل كذلك، والفاضلُ: مَن له الفضلُ. ومعناه: واذكروا أيضًا أنِّي جعلتُ لكم فضلًا على أهلِ زمانكم بإعطاء الرئاسة والمالِ، قاله أبو العالية (٢). وقال مجاهدٌ وقتادةُ: فضَّلتكم على مَن بَيْنَ ظَهرانَيْكم؛ فإنَّهم كانوا أولاد الأنبياء، وغيرُ بني إسرائيل لم يكونوا كذلك (٣). ثم لم يكن لهم بهذا (٤) فضلٌ على أمَّة محمَّدٍ ﵊، فإنَّ اللَّهَ تعالى قال لهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فكان هذا على الخصوص دون العموم، كما في قوله تعالى في حقِّ مريم: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾

стр. 747

[آل عمران: ٤٢]؛ أي: نساءِ زمانِكِ، فإنَّ خديجةَ وعائشةَ وفاطمةَ ﵅ أفضلُ منها. وقيل: هو على العموم، وهو في حقِّ تظليل الغمام عليهم، وإنزالِ المنِّ والسَّلوى، وتفجيرِ الماء مِن الحَجَر؛ فإنَّهم خُصُّوا به، وكذا في حقِّ مريمَ ﵂ إنْ أُريدَ به فضْلُها بالولد بغير أبٍ فهو على العموم. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أَشهَدَ اللَّهُ بني إسرائيل فضلَ أنفسِهم فقال: ﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] وأشهَدَ أمَّة محمَّدٍ (١) ﷺ فضلَ نفسِه فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ [يونس: ٥٨]، وشتَّان بين مَن مشهودُه فضلُ نفسِه، وبين مَن مشهودُه فضلُ ربِّه، وشهودُه فضلَ نفسِه قد يُورث الإعجاب، وشهودُه فضلَ ربِّه يوجِبُ الإيجاب (٢). * * * (٤٨) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: ولمَّا ذكر أنَّه فضَّلهم بأنْ جعلهم أولادَ الأنبياء، قالوا: إنَّ آباءَنا يخلِّصوننا (٣) يوم القيامة، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. قيل: أي: لا تُغني، وقيل: أي: لا تَكفي، وقيل: أي: لا تَنوب.

стр. 748

وقيل: أي: لا تقضي، وهذا هو الموافقُ لأصل اللغة، يقال: جزى الدَّينَ؛ أي: قضاهُ، وتجازاه؛ أي: تقاضاه، وجزاه بعمله؛ أي: قضاهُ في حقِّه، وقال (١) ﵊: "تَجْزي عنك ولا تجزي أحدًا بعدك" (٢)؛ أي: تقضي عن أُضحيتك وعن كفَّارتك، وجزَى عن فلانٍ؛ أي: قضَى عنه؛ أي: قام مقامَه ونابَ عنه وكفاهُ أمرَه. وقوله تعالى: ﴿نَفْسٌ﴾؛ أي: نفسٌ مؤمنةٌ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ أي: عن نفسٍ كافرةٍ، وهو كقوله: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ الآية [لقمان: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] وكيف تنفعُ وقد قال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ﴾ الآية [عبس: ٣٤ - ٣٥]. ثم (٣) هذا في حقِّ الكافر، فأمَّا (٤) المؤمنُ فقد استثناه فقال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] أي: خالٍ عن الشرك، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧]. ثم قيل: فيه مُضمَرٌ، ومعناه: واتَّقوا يومًا لا تجزي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، وإنَّما حُذف لأنَّه ظرفٌ، ويجوزُ حذفٌ (٥) في موضع الظرف، تقول: أَتيتُك اليوم، وأَتيتُك في اليوم، قال الشاعر:

стр. 749

ويومًا (١) شهدناهُ سُلَيمًا وعامرًا... قليلًا سوى الطَّعنِ النِّهال نوافلُه (٢) أي: شهدنا فيه، وفيه إضمارٌ آخَرُ عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ أي: عذابَ يومٍ؛ لأنَّ نفسَ اليوم لا يتَّقى، ويجوز أن يقال: إنَّ اليومَ مخوفٌ أيضًا؛ لأنَّ المخاوف فيه. ثم إنَّ اللَّه (٣) ﵎ قال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١] وهو (٤) للعامَّة، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ وهو للخاصَّة، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ﴾ وهو لخاصِّ الخاصِّ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾: يُقرأ بالياء والتاء (٥)، فمَن أنَّث فلأنَّ الشفاعةَ مؤنَّثةٌ لفظًا، وأمَّا التذكير (٦) فلأنَّ تأنيثَ ما ليس بذي روحٍ غيرُ حقيقيٍّ، ولأنَّ الفعلَ مقدَّمٌ على الاسم، ولأنَّ بينهما حائلًا. وفي القرآن: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، وفي آيةٍ أخرى (٧): ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ [الممتحنة: ٤] ﴿لَقَدْ

стр. 750

كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٧]. والحاصل: أنَّ ما كان تأنيثه ليس بحقيقيٍّ فتأنيثُه وتذكيره جائزٌ إنْ تقدَّم أو تأخَّر، وكان بينهما حائلٌ أو لم يكن، وفي الحقيقيِّ يجوز تأنيثُها بكلِّ حالٍ، وتذكيرُها إذا تقدَّم الفعلُ وبينهما حائلٌ، ولا يَحْسُنُ بغير حائلٍ. وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ الهاء راجعةٌ إلى النفس التي ذُكِرت أولًا، وهي النفسُ المؤمنةُ التي لا تُقبل شفاعتُها في الكافر (١)، والشفاعةُ مصدرُ الشافعِ والشفيعِ، وهو طالبُ قضاءِ حاجةِ غيرِه، مأخوذٌ مِن الشَّفع؛ لأنَّه يشفعُ (٢) نفسَه بمن يَشفع له في طلب مراده. والشُّفعةُ منها، وهي ضمُّ مِلكِ غيرِه إلى مِلكِ نفسِه. ولا شفاعةَ في حقِّ الكافر؛ قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] وقال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] والكفارُ يقولون ذلك حين يرونَ للمؤمنين شفاعةَ الشفعاء ومعونةَ الأصدقاء. وقال النبيُّ ﷺ : "شفاعتي لأهلِ الكبائر مِن أمَّتي" (٣)؛ فمَن (٤) كذَّبَ بها لم يَنلها. وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وهو إثباتُ الشفاعة لمَن أَذن له بها.

стр. 751

وقال الإمام القشيريُّ: فاللَّهُ تعالى هو الشفيعُ الأكبرُ على التحقيق، وإن كان لا يُطلَق عليه اسمُ الشفيع؛ لعدم التوقيف. وقد قيل في معناه: الحمدُ للَّهِ شكرا... فكل خيرٍ لديه صارَ الحبيبُ شفيعي... إلى شفيعي إليه (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: أي: فديةٌ؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] سُميت الفديةُ عدلًا لانها تعادل المفديَّ؛ أي: تُماثلُه، قال تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] والعَدلُ -بالفتح-: مِثْلُ الشيءِ مِن خلافِ جنسِه، وبالكسر: مِثْلُه مِن جنسِه. ثم معناه: لا يُؤخذ مِن الكافر فديةٌ ينجو بها مِن النار، ولا يجد ذلك ليفتديَ به، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١]، وقال تعالى: ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ الآية [المعارج: ١١]. وأمَّا في حقِّ المؤمنين فقد روي أنَّه يُعطى كلُّ مؤمنٍ يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقال له: هذا فداؤك مِن النار (٢).

стр. 752

وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: النُّصرةُ: العونُ، والنُّصرةُ: المنعُ أيضًا؛ أي: لا يعاوَنون ولا يُمنعون عن أيدي المعذِّبين، وهذا للكافرين، فأمَّا المؤمنون فقد قال في حقِّهم: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. ثم إنَّما جُمع هذا مع أنَّ الذي سبقه موحَّدٌ؛ لأنَّ ذاك نكرةٌ في موضع النفي، فكان للعموم، وتناوَل جميع الكفار، فجاز (١) ختمُ الآية بالجمع على المعنى. ثم هذه الآية في نهاية البلاغة؛ فإنَّها جمعت ذكرَ الوجوه التي بها يتخلَّص العبد (٢) عن النَّكبة التي أصابته في الدنيا، وهي أربعٌ: ينوبُ عنه غيرُه في تحمُّل ما عليه، أو يفتدي بمالٍ (٣) فيتخلَّص منها، أو يَشفع له شافعٌ (٤) فيوهبُ له، أو يَنصرُه ناصرٌ فيمنعُه، فقطَع اللَّهُ عنهم جميعًا. * * * (٤٩) - ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾: أي: واذكروا أيضًا إذ خلَّصناكم، وقد نَجا يَنجو نجاةً، وأنجاهُ اللَّه إنجاءً، ونجَّاه تنجيةً. وقيل: أنجاه؛ أي: خلَّصه قبل وقوعه في المهلَكة، ونجَّاه بعد وقوعه فيها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾، وهو قبل الوقوع، وقال هاهنا: ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾، وهو بعد الوقوع. وهذا ضعيفٌ؛ فإنَّه قال: ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ

стр. 753

آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هود: ٦٦] ونحوه، ولم يكن ذلك بعد الوقوع، والصَّحيح أنَّهما سِيَّان. والنَّجوةُ: المكانُ العالي مِن الأرض؛ لأنَّ مَن صار إليها تخلَّص (١). ومعناه: خلَّصنا آباءَكم. وجعل ذلك نعمةً عليهم؛ لأنَّهم نجوا (٢) بنجاتهم، ومن عادة العرب هذا، يقولون (٣): قتلناكم يوم عُكاظ؛ أي: قتل آباؤنا آباءَكم. وقوله تعالى: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال أبو عبيدة: آله: أهلُ بيته (٤). وقال بعضهم: آلُه: قومُه المناسبون له. وقيل: هم أتباعُه. وحقيقةُ الآل هم الذين تَؤول أمورُهم إليه في نسبةٍ أو صحبةٍ. و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ قيل: هو اسمُ الملك الذي كان لهم في ذلك الوقت خاصَّةً، واسمُه الوليد بنُ مصعب. وقيل: الوليد بن ريان (٥). وقيل: إنه (٦) اسمٌ لكلِّ مَن كان (٧) ملكَ مصر، كقيصرَ للروم، وكسرى لفارس، والخاقان للتُّرك، وتُبَّعٍ لأهل اليمن.

стр. 754

وقوله تعالى: (﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾): قيل: أي: يذيقونكم، قال عمرو بن كلثوم: إذا ما المَلْكُ سامَ النَّاسَ خَسْفًا... أبينا أنْ يُقِرَّ الخسفَ فينا (١) والخسف: الذُّلُّ. وقيل: أي: يكلِّفونكم الأعمال الشاقة. وقال المفضَّل (٢): أي: يريدونكم على ذلك، ويريدون بكم (٣) ذلك، مِن المساومة في البيع، وهي (٤) إرادةُ كلِّ واحدٍ هن البائع والمشتري ثمنًا غيرَ ما يريدُه الآخر (٥). وقيل: أي: يديمون عليكم ذلك. وقد سامَ إبلَه؛ أي (٦): أكرهها على العَلَلِ (٧) بعد النَّهَل (٨)، وداوم عليها. وقوله: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: أشدَّهُ وأشقَّه، ومعناه: يحملونكم على ما فيه غايةُ الأذى، ولا يكون العذابُ إلَّا سيِّئًا، لكن بعضُه يخفُّ وبعضُه يشتدُّ (٩)، فسوءُ العذاب

стр. 755

ما اشتدَّ منه، ثمَّ قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ هذا بيانُ ما نجَّاهم منه. وقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾: يجوز أن يكون تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾؛ إذ لا عاطفَ بينهما، ويجوز أن يكون أمرًا آخر سواه، فقد قال في آيةٍ أخرى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ بالواو، وذلك دليلُ المغايرة، وحذفُ الواو هاهنا كحذفِها من قولك: أكرمتُكَ وهبتُ لك ولَّيتُك. والذَّبحُ: قطعُ الحُلقوم والأوداج، وأصلُه الشَّقُّ، يقال: ذبحتُ المسكَ؛ أي: فتقت عنه والتشديد للتكثير، كما يقال: فتحتُ الباب، وفتَّحتُ الأبوابَ. والأبناءُ جمع الابن، وأصل الابن: البَنَيُ؛ بالياء. وقيل: بالواو، وأصله: بَنَوٌ (١)، فإنَّه يُقال في المصدر: البنوَّة، لكن هذا لا يدلُّ على ذلك، كالفتوَّة، هي بالواو، والفتى يائيٌّ، ولذلك يجمع: فتيةً وفتيانًا. والأظهرُ أنَّه من الياء؛ لأنَّه قيل: معناه أنَّه يُبنَى على ما بُنيَ أبوه. والمرادُ من الأبناء هم الذُّكور خاصَّةً، وإن كان الاسمُ في غير هذا الموضع قد يقعُ على الذُّكور والإناث، كالبنين، قال اللَّه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠]، لكن هاهنا المرادُ هم الذُّكور؛ فإنَّهم (٢) كانوا يذبحون الغلمان لا غير، وكذا أريدَ به الصغارُ دون الكبار؛ لأنهم كانوا يذبحون الصغار. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: أي: يستَبْقون بناتكم ويتركونهنَّ حيَّاتٍ، فالاستحياءُ استفعالٌ من الحياة، والاستحياء: الاسترقاقُ أيضًا، وكانوا يسترِقُّونهنَّ، وهو من إبقاءِ الحياة أيضًا فيهنَّ.

стр. 756

وقيل: أي: يفتِّشون في حياء النِّساء، ينظرون هل بهنَّ حَمْلٌ، والحياءُ: الفَرْجُ، وسُمِّيَ به لأنَّه يُستَحيى (١) مِن كشفِه. والنِّساءُ جمع المرأة، ولا واحدَ لها مِن لفظها، وهي في الأصل اسمٌ للبالغات دون الصَّغائر. وإنَّما ذَكَر (٢) النساءَ هاهنا، وإن كانوا يفعلون هذا بالصَّغائر لوجوهٍ: أحدُها: أنَّه سمَّاهنَّ باسم المآل؛ لأنَّهم (٣) إذا استَبْقَوهنَّ صرنَ نساءً بعد البلوغ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، وقوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. ولأنّهم كانوا يَستَبْقُون البنات مع أمهاتهنَّ، والاسم يقعُ على الكبيرات والصَّغيرات عند الاختلاط، كما يقال: أقبل الرِّجالُ، إذا أقبلَ البالغون ومعهم الصِّغار، و: أقبل النساءُ، إذا (٤) أقبل البالغات ومعهن الصغائر. ومَن فسَّره بتفتيش (٥) فروجِ البالغات، فلا حاجةَ له إلى هذا التأويل. فإن قالوا: إن كان ذبحُ البنين مِن سوء العذاب، فاستبقاءُ البناتِ لمَ جُعل مِن سوء العذاب، وإنَّه (٦) سلامةٌ ونعمةٌ؟ قلنا: لأنَّهم كانوا يستَبْقوهنَّ للاسترقاق والاستسخار وتحميل المشاقِّ الكبار، ولأنَّ بقاءَ البناتِ ممَّا يَشُقُّ على الآباء، ولاسيما بعد ذبح البنين.

стр. 757

وقال القفَّال: ويجوز أنَّ (١) الذَّبحَ والاستحياءَ جميعُ ما ذُكر في قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾، ويَحتمل (٢) أن يكون بعض ذلك، فقد روي أنَّه كان يؤخَذُ منهم الجزية والخراج، ويُكلَّفون ضرب اللَّبِن والأعمالَ القذرة، وقال تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]، ورويَ أنَّه كان جعلَهم خدمًا؛ فصنفٌ يبنون له، وصنفٌ يزرعون له، ومَن لم يكن له صنعةٌ فعليه الجزية. وكان سببُ ذبحهم الذُّكران مِن الصِّغار أنَّ كهنَتهم ومنجِّميهم كانوا يخوِّفونهم ويخبرونَهم أنَّ زوالَ مُلكهم على أيدي بني إسرائيل. وقيل: كان بنو إسرائيل يتحادثون أنَّهم يُسلَّطون على آل فرعون، ويُزيلون ملكَهم، ويروون ذلك عن أنبيائِهم، فكان آل فرعون -لعنه اللَّه- يقتلونهم إرادةَ تكذيبهم. وقيل: إنَّ الكهنةَ والمنجِّمين قالوا ذلك في من يولد في وقت كذا، فأمرَ بذبح ذكرانهم. وقال السُّدِّيُّ: رأى فرعون -عليه لعائن اللَّه- في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس فاشتملت (٣) على بيوت مصر، فأحرقتِ القِبْطَ وبيوتَهم، وتركت بني إسرائيل، فدعا الكهنةَ والسَّحرةَ والقافةَ فسألهم، فقالوا: يخرجُ من بيت المقدس رجلٌ يكون على يده هلاكُ مصر. فأمرَ ألَّا يولدَ لبني إسرائيلَ غلامٌ إلَّا ذبحوه، وقال للقبط: كلِّفوا بني إسرائيلَ الأعمالَ القذرة، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ الآية [القصص: ٤]، فجعل لا يولدُ لبني إسرائيل ابنٌ إلَّا

стр. 758

ذُبِح، وأسرع الموتُ في المشيخة، فدخل رؤوسُ القبط على فرعون -عليه اللعنة- وقالوا: إنَّ الموتَ قد وقع فيهم، ويوشكُ أن يقعَ العملُ على غلماننا. فأمر أن يُذبَحوا سنةً ويتركوا سنةً، فلمَّا كانت السَّنةُ التي لا يذبحون فيها ولدَ هارون، فترك، ولمَّا كان في السَّنة التي يذبحون فيها حملت أمُّ موسى بموسى. القصة (١). وحُكي أنهم بَنوا له سبعةَ حوائط جائعةً أكبادُهم، وذبح مِن أبنائهم اثني عشر ألفَ صبيٍّ. وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: البلاءُ: النِّعمةُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧] والبلاءُ (٢) المحنة أيضًا، وغالب الاستعمالِ فيها، وأصله الاختبار، واللَّه تعالى يُبلي (٣) عبدَه بالنِّعم؛ ليمتحنَ شكرَه، وبالمحن؛ ليمتحنَ صبرَهُ، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وأَبْلى يُبْلِي يستعمل في الخير، وبَلَا يَبلو في الخير والشرِّ جميعًا، قال الشاعر: جَزا اللَّهُ بالإحسانِ ما فَعَلا بِكُمْ... وأَبْلاهُما خيرَ البَلاءِ الذي يَبْلُو (٤) فجمعَ بين الوجهين في الخير، وقال تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. ثمَّ تفسيرُه هاهنا ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾؛ أي: في ذلك الإنجاء نعمةٌ عظيمةٌ من

стр. 759

ربِّكم، وقيل: أي: في ذلك التَّعذيب منهم من التذبيح والاستحياء محنةٌ عظيمةٌ. وقد سبق ذكرهما فصحَّ صرف الكناية (١) إلى كلِّ واحدٍ منهما. وفي إخبار النبيِّ ﷺ عن ذلك صدقُ دعوة (٢) الرسالة من الوجه الذي مرَّ، ودلَّت الآيةُ على فائدة الصَّبر. * * * (٥٠) - ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾: الفرقُ: الفَصْلُ، والتَّفريقُ: التَّمييزُ؛ أي: واذكروا أيضًا مِنَّتي عليكم بأن جعلتُ لكم (٣) بحرَ النِّيل أفراقًا؛ أي: اثني عشر فرقًا، قال تعالى: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. وقوله: ﴿بِكُمُ﴾ للباء وجهان: أحدهما: لكم، و (٤) الباء قد تجيء بمعنى اللام، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦] أي: لأنَّ اللَّه. والثاني: أي: بدخولكم، فتكون الباء على حقيقتها. والبحرُ سُمِّيَ به لاستبحاره؛ أي: اتِّساعهِ وانبساطِه. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾: أي: سلَّمناكم، وهو إنجاءٌ قبل الوقوع. وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾: غَرِق في الماء من حدِّ: علم؛ أي: رَسَبَ

стр. 760

فيه، فهو غرق إذا كان لم يمت بعد، فإذا مات فهو غريقٌ، وجمعُهُ الغرقى، وهو كالمَرضى والجَرحى، وكلُّ ما كان من نعوت الآفات فهو كذلك، والإغراقُ: الإهلاك في الماء. و ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ قومه وهو فيهم؛ لأنَّه عُلِمَ دخولُه فيهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: نَظرَ إليه بعينِه فرآه، ونَظرَ فيه (١) بقلبه فَدَرَاهُ، وأمَّا التفسير فقد قيل: أي: تَنظرون بأبصاركم إلى انفراقِ البحر حين سَلكتُم فيه، وانطباقِهِ على آل فرعون حين غَرِقوا فيه بعد سلامتِكُم منه. وقيل: لم ينظروا إليهم حين غرِقوا، ولكنَّهم أُخرِجوا إليهم بعدُ فنظروا إليهم، إذ سأل موسى ﵇ ربَّه أن يُرِيَهم إيَّاهم (٢)، فلفظَهُم البحرُ، فنظروا إليهم. قاله الكلبيُّ. وقيل: كانوا ينظرون إلى ذلك بالتِطامِ (٣) أمواج البحر بآل فرعون في الموضع الذي صيَّر لهم منه طريقًا يَبَسًا، وذلك نظر عيانٍ. وقيل: ﴿تَنْظُرُونَ﴾ أي: أنتم في القُرب (٤) منهم، تواجهونهم وتقابلونهم، وإن كنتم لا ترونهم بأبصاركم لبعدهم. قاله الفرَّاء (٥)، وهو كقول العرب: دور (٦) فلانٍ تتناظر؛ أي: تتقارب وتتقابل.

стр. 761

وقصَّتُه أنَّ قومَ (١) فرعون -لعنه اللَّه- قالوا له: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الأعراف: ١٢٧]، فأمر اللَّهُ تعالى موسى أن يَخرُجَ ببني إسرائيل، فأمرَهم أنْ يَخرجوا، وأن يَستعيروا الحُلِيَّ مِن القبط، وأمرَ أن لا ينادي أحدٌ منهم صاحبَه، وأن يُسرِجوا (٢) في بيوتهم حتَّى الصُّبح، ومَن خرجَ لطَّخ بابه بكفٍّ من دمٍ؛ ليُعلَمَ أنَّه قد خرجَ، فخرجوا ليلًا والقبط لا يعلمون، ووقع في القبط موتٌ، فجعلوا يدفنونَهم، وشُغِلوا عن طلبِهم حتَّى طَلعت الشَّمسُ، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]، فكان هارونُ أمام بني إسرائيل يَقودُهم (٣)، وموسى على ساقَتِهم، وخرج موسى في ستِّ مئةٍ وعشرين ألف مقاتل، لا يَعُدُّون فيهم ابنَ العشرين (٤) لصغره، ولا ابنَ السِّتِّين لكبره. وتبعَهم فرعونُ على مقدِّمتِه هامان، في ألف ألفٍ وسبع مئة ألف جوادٍ ذكر، ليس فيها رَمَكة (٥)، على رأس كلِّ واحدٍ منهم بيضةٌ وفي يده حربةٌ. فنظر فرعونُ إلى قوم موسى فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤]، وقال قومُ موسى (٦): ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]، يا موسى، ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، اليوم نَهلكُ؛ فإنَّ البحرَ أمامنا، وفرعون خلفنا، قال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].

стр. 762

وأوحى اللَّهُ تعالى إلى موسى؛ أن اضرب بعصاك البحر، فضربَ، فانفلقَ فصار فيه اثنا عشر طريقًا، كلُّ طريقٍ كالجبل العظيم، فكان (١) لكلِّ سبطٍ طريقٌ يأخذون فيه، فلما أخذوا فيه قال بعضُهم: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ قال لهم موسى (٢): سيروا، فإنَّهم على طريقٍ مثلِ طريقكم، قالوا: لا نَرضى حتَّى نراهم، فقال موسى: اللهم أعنِّي على أخلاقِهم السيِّئة، فأوحى اللَّه إليه أن قُل بعصاك هكذا وهكذا، يمينًا وشمالًا (٣)، فصار فيها كُوًى ينظرُ بعضُهم إلى بعضٍ (٤)، فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز (٥) آخرُ قوم موسى، هجم فرعونُ على البحر وهو على فرسٍ أدهمَ، فلمَّا بلغ هابَ الفرس أن يتقحَّم (٦)، فتمثَّل له جبريلُ على فرسٍ أنثى وديق (٧)، فلمَّا رآها فرسُ فرعون تقحَّم خلفها، فلمَّا دخل (٨) آخرُ قوم فرعون، وجاز آخرُ قوم موسى، أطبق البحرُ على فرعونَ وقومِه، فأُغرِقوا. فنادى فرعون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ القصَّة، وقالت بنو إسرائيل: لم يغرقْ فرعون، والآن يدركُنا فيقتُلنا، فلفظهم البحرُ في

стр. 763

ستِّ مئةٍ (١) وعشرين ألفًا عليهم الحديد، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] فلم يَقبل البحرُ بعد ذلك غريقًا إلَّا لفظَه على وجه الماء، وقطعَ (٢) بهم موسى البحرَ، وذلك يومَ عاشوراء. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: تقاصرَت بصائرُ بني إسرائيل، فأتتهم المعجزاتُ عيانًا، ونفذتْ بصائرُ هذه الأُمَّة، فكاشفَهم اللَّهُ تعالى بآياته سرًّا. وحين شاهدوا ظاهرَ تلك الآيات؛ مِن فَلْقِ البحرِ، وإغراقِ العدوِّ، داخَلَهُم ريبٌ، فقالوا: إنَّه لم يَغرق، فقذفَهمُ البحرُ، فنظروا إليهم وهم مُغرَقون، وهذه الأمَّةُ لفرطِ تصديقهم الرسولَ وقوَّةِ بصائرهم قال واحدٌ من عُرْض الناس: كأنِّي بأهلِ الجنة يتزاورون، وكأنِّي بأهل النَّار يتعاوون، وكأنِّي بعرشِ ربِّي بارزًا (٣)، فشتَّان بين مَن يُعاينُ فيَرتاب مع عِيانه، وبين من يسمع وكأنَّ العِيانَ (٤) حالُه مِن قوَّة إيمانه (٥). * * *

стр. 764

(٥١) - ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾: ذكَّرهم منّةً أخرى فيما أتبعوا المنَّة الأُولى بالجهل والبلادة؛ أي: واذكروا نعمتي على آبائكم بما وعدت موسى أن يأتيَ (١) الطُّورَ، فأنزلَ عليه التَّوراةَ التي فيها بيانُ ما يَحتاجون إليه، ففعلَ موسى، وأنجزتُه ما وَعدتُهُ، ولمَّا تأخَّر رجوعُه كفرَ آباؤكم بي، واتَّخذوا العجلَ إلهًا، فعفوتُ عنهم؛ إنعامًا عليهم. ثمَّ قراءة أبي عمرو: ﴿ووَعدنا موسى﴾ (٢) بغير الألف (٣)؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى متفرِّدٌ بالوعد، وهو التَّرجيةُ بالخير، والمواعدةُ تكونُ بين اثنين، وغيرُه قرأ: "واعدنا" بالألف (٤) والمواعدة تكون وعدًا من اللَّهِ وقَبولًا من موسى ﵇، فاستقامَ على المفاعلة. وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قال الأخفشُ وغيره: أي: انقضاءَ أربعينَ ليلةً، أو تمامَ أربعين ليلةً (٥)؛ لأنَّ وعدَ إنزال الكتاب (٦) بعد انقضاء هذه المدَّة، وهذا الاختصار معهودٌ، يقال: اليوم أربعون يومًا منذ خرج فلان؛ أي: تمامُ أربعين يومًا. وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾؛ أي: بأيَّامها، فإنَّ ذكر الأيام جميعًا (٧) يقتضي دخولَ

стр. 765

ما يُوازيها مِن اللَّيالي، وعلى القلب كذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، وقوله: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، والقصَّةُ واحدةٌ، فكانت المدَّتان واحدةً. ثمَّ هي ذو القعدة وعشرُ (١) ذي الحجَّة. وقيل: ذو الحجَّة وعشرُ محرَّم (٢)، والأوَّلُ أشهرُ وأظهر، وهذه الأربعون هي التي ذُكِرت في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] (٣). قال الكلبيُّ: وعدَهم أن يأتيَهم بالكتابِ بعد أربعين يومًا، فعَدَّ قومُه عشرين ليلةً وعشرين يومًا، وقالوا: لم يأتنا بما وعدَ، فعبدوا العجل (٤). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾: أي: اتَّخذتم العجلَ إلهًا أو (٥) معبودًا (٦)، قال اللَّه تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. و (اتخذ) افتعلَ (٧)، من الأخذ، وأصله: ائتَخذ، لُيِّنَت (٨) الهمزةُ الثَّانية، ثمَّ جُعِلت ياءً وأُدغِمَت في التَّاء التي بعدها.

стр. 766

والعجلُ: ولدُ البقرة إلى أن يكبرَ، سُمِّيَ به لأنَّ العجلةَ هي السُّرعةُ، وقصرُ المدَّةِ كالسُّرعة. وإضمار قوله: معبودًا وإلهًا، جائزٌ (١)؛ لوضوح معناه. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: مِن بعد إنجائكم من الغَرَق. وقيل: أي: مِن بعد انطلاقِ موسى إلى الطُّور. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾: أي: كافرون، وقيل: أي: ضارُّون أنفسَكم. وقيل: أي: الواضعون العبادةَ غيرَ موضعِها. قال سعيد بن جبير: كان وَعَدَهم أن يأتيَ بالكتابِ بعد ثلاثين، وهو الميثاق (٢) الأوَّل، فلما زيد (٣) عشرةً، ولم يأت به بعد الثَّلاثين، عبدوا العجلَ في هذه العشرة الزَّائدة. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: عبدوا في عشرين بعد عدِّهم (٤) عشرين ليلةً وعشرين يومًا. وقال مقاتلُ بنُ سليمان ﵀: عبدوا العجلَ يومًا واحدًا (٥). وقال الإمام القشيري ﵀: شتَّان بين قومٍ عبدوا العجل واتَّخذوه إلهًا (٦) بغيبة نبيِّهم أربعين ليلةً (٧). . . . .

стр. 767

وبين قومٍ ثبتوا على توحيدِهم بعد ذهاب نبيِّهم (١) بقريبٍ (٢) من خمس مئة سنةٍ (٣). وسببُ ذلك ما ذَكر ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ السامريَّ كان من قومٍ يعبدون البقر، وكان حبُّ ذلك في نفسِه بعد أن أظهرَ الإسلام، وكان عرفَ جبريل؛ لأنَّ أمَّهُ حين خافَت عليه أنْ يُذبحَ، خلفته في غابةٍ (٤)، وكان (٥) جبريل -صلوات اللَّه عليه- يأتيه، فيغذوه بأصابعه، فكان السامريُّ يَمَصُّ من إبهام يمينِه عسلًا، ومن إبهام شماله سمنًا، فلما رآه حين عبرَ البحرَ عرفه، فقبض قبضةً من أثرِ فرسِه، فلم تزل القبضةُ في يدِه حتَّى انطلقَ موسى إلى الطُّور. وكان السامريُّ سمعَهم حين خرجوا من البحر، وأتوا على قومٍ يَعكُفون على أصنامٍ لهم، و (٦) ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، ووقع ذلك (٧) في نفسه؛ أن يفتنَهم مِن هذا الوجه، وكان موسى خلَّف هارون في بني إسرائيل، فقال لهم هارون: قد حُمِّلتُم أوزارًا من زينة القوم؛ أي: حُليِّهم (٨)، فتطهَّروا منها، فإنَّها نجسٌ (٩)، فأوقدَ لهم نارًا، وأمرَهم بقذفِ ما كان معهم، ففعلوا.

стр. 768

فأقبلَ السَّامريُّ إلى النار وقال: يا نبيَّ اللَّه، أُلقي ما في يدي؟ قال: نعم. وهو يظن أنَّها (١) حليٌ، فقذفَه فيها، وقال: كن عجلًا جسدًا له خوارٌ، فصار كذلك. وقيل: كان السَّامريُّ صائغًا، فاتَّخذ من الذَّهب (٢) عجلًا، ونفخ ذلك التُّرابَ في فمه (٣) ودُبُره، فصار عجلًا جسدًا، لحمًا ودمًا وشعرًا، له خُوارٌ، فافتتنوا به، ودَعاهُم إلى عبادتِه، فعبدوه، وقال لهم هارون ما قال. القصَّة. * * * (٥٢) - ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾: أي: تجاوزنا، وأصلُه محوُ الأثر، وقد عَفَت الدِّيارُ؛ أي: محت آثارُها، وعفَتْها الرِّيحُ، لازمٌ ومتعدٍّ. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي: من بعد اتِّخاذكُم العجلَ، فلم نعاجِلْكُم بالإهلاك، بل أمهلناكُم إلى مجيء موسى، فنبَّهكم وأخبرَكُم بكفارةِ ذنوبكم. وقيل: أي: بعد التَّوبة والقتل. فعلى هذا يكون العفوُ على التأويل الأوَّلى تأخيرَ المؤاخذةِ، وعلى التَّأويل الثاني يكون تركَ المؤاخذة أصلًا. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: لِتشكروا هذه النِّعمةَ؛ فإنَّ الإنعامَ يوجِبُ الشُّكرَ.

стр. 769

وقيل: معناه: لتؤمِنوا وتوحِّدوا؛ فإنَّ الشكرَ اسمٌ للإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. و (لعلَّ) في مثل هذا لا يكونُ شكًا، بل تحريضًا على الفعل. * * * (٥٣) - ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى﴾: أي: أعطيناه ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾: ﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة، ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ فيه أقاويل: قيل: هو التَّوراة أيضًا، قاله الفرَّاء (١)، وسماه باسمين متفقَين معنًى؛ لاختلافهما لفظًا، كما يقال: سُحقًا له (٢) وبعدًا. والدَّليلُ على أنَّه اسمُ التَّوراة (٣) أيضًا قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]، على أنَّهما وإن كانا اسمين لشيءٍ واحدٍ فمعناهما مختلفٌ، فإنَّ الكتابَ هو المكتوبُ المجموع، والفرقانَ هو الفارقُ بين الحقِّ والباطل، فصحَّ الجمعُ بالواو؛ لتغاير المعنيين (٤)، وهو كقولِه في حقِّ القرآن: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقولِه تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ٢]، وقولِه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]. وقيل: الفرقانُ: هو بيانُ معاني التَّوراة.

стр. 770

وقيل: الفرقان: النصرُ على الأعداء، فرَّق به بين موسى وقومِه، وبين فرعون وقومِه، فأنجى هؤلاءِ وأهلكَ هؤلاء، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] هو يومُ النصر، وهو يومُ بَدْر. وقال القفَّال: ولعلَّ معناه أنَّ النصرَ إذا جاء ظَفِرَ أهلُ الحقِّ بأهل الباطل، فانفرقَ أحدُ الفريقين من الآخر، فعُرِف أنَّ هؤلاء محقُّون وهؤلاء مبطلون. وقيل: الفرقانُ: الفرجُ مِن الكَرب؛ لأنَّهم كانوا مُستَعبدين، وقال تعالى: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (١) أي: فرجًا ومخرجًا. وقيل: الفرقان: انفلاقُ البحر لبني إسرائيل حتَّى عَبروا عنه على ما شرحنا. وقيل: هو اسمُ القرآن، و (٢) معناه: آتينا موسى التَّوراة، وذكرنا له نزولَ القرآن على محمَّدٍ ﷺ . وقيل: أي: آتينا موسى التَّوراةَ، ومحمَّدًا لفرقان؛ أي: القرآن، قال ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، فأضمرَ كلمة؛ أي: محمَّدًا (٣)، وهذا كقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، ثمَّ قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وفي قراءةِ بعضِهم: "غشاوةً" بالنصب (٤)، وعلى هذه القراءة يكون: (وجعل) مضمرًا، وقال: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾؛ أي: وادعوا شركاءكم، وقال الشاعر:

стр. 771

تَراهُ كأنَّ اللَّهَ يَجدعُ أنفَه... وعينيه إنْ مولاهُ ثابَ لَهُ وفرُ (١) أي: ويفقؤ عينيه. وقيل: الفرقان: صحفٌ أنزلت على موسى قبل التَّوراة (٢). وقوله تعالى: (﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾): أي: لتهتدوا بالكتابِ، وهذا بيانُ الحكمةِ دون العلَّة؛ أي: الحكمةُ في إنزالهِ أن يَتدبَّروا فيه، فيعلموا أنَّ اللَّهَ تعالى لم يَفعل ذلك به إلَّا دلالةً (٣) على صحَّة نبوَّتهِ، فيجتهدوا بذلك على اتِّباعِ الرُّشد، وإذا فعلتم ذلك اَمنتُم بمحمَّدٍ ﷺ ، لأنَّه قد أتى مِن المعجزات بما يدلُّكم -إذا تدبَّرتُم- على صحَّة دعواه (٤) النبوَّة. * * * (٥٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ﴾: أصله: يا قومي، فحذفت الياء تخفيفًا لكثرة الاستعمالِ في النِّداء.

стр. 772

وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أي: ضَررتُم أنفسَكم بإيجاب العقوبة عليها. وقيل: أي: نقصتموها ثوابَ الإقامة (١) على عهد موسى صلوات اللَّه عليه، فإنَّ الظُّلمَ يكون ضررًا، ويكون نقصانًا على ما مرّ. قوله تعالى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: باتِّخاذه إلهًا وعبادتِه (٢). وقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾: أي: خالقكم. وقد بَرَأَ بَرءًا، من حدِّ: صَنَعَ؛ بفتح باء المصدر؛ أي: خلق، والبَريَّةُ: الخلقُ، وبَرَأ بُرءًا؛ بضمِّ باء المصدر؛ أي: صحَّ مِن مرضِهِ، وبَرِئ بَراءةً (٣)، من حدِّ: علم؛ أي (٤): وقَعت له البراءةُ من الدَّينِ ونحوِه، وبرِئ عنه بمعنى: تبرَّأ. وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: القتلُ: إزهاقُ الرُّوح، والأنفُسُ جمعُ النَّفْسِ، وهي هذه البُنيَةُ الإنسانيَّةُ هاهنا، وهو بيانُ كيفيَّة التَّوبة، وهو قولُ ابن عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبير وأبي العالية وقتادة والزُّهريِّ والسُّدِّيِّ (٥). وقيل: القتلُ معطوفٌ على التَّوبة؛ أي: ارجِعوا إلى اللَّه تعالى بالإيمان، فقد أعرضتُم عنه بالكفرِ، بعبادةِ العجل، واقتلوا أنفسَكم بعد هذه التَّوبة. ومعناه: فليَقتل بعضُكم بعضًا؛ لأنَّ المؤمنين إخوةٌ، وأخو الرَّجلِ كأنَّه نفسُه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]،

стр. 773

وقولِه تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، وقولِه تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. وقيل: معناه: استسلِموا للقَتل، ومكِّنوا القاتلَ مِن أنفُسِكم، وهو في معنى فعلِهِ بنفسِهِ، وهذا قول محمد بن إسحاق (١). ثمَّ كيفيَّةُ هذا القتل ما قال الحسن: برزوا صفَّين، فضربَ بعضُهم بعضًا يومًا إلى الليل، هذا يقول: لمَ عبدتَ؟ وذاك يقولُ: لمَ لمْ تنهَني؟ وقيل: إنَّ السَّبعين الذين اختارَهم موسى صلوات اللَّه عليه همُ (٢) قتلوا عبدةَ العِجل، وبلغَ المقتولون سبعينَ ألفًا وقد (٣) احتبَوا، فما حلُّوا حُبوةً حتى قتلوا، ثلاثةَ أيامٍ. وقيل: إنَّ السبعين قد ارتدُّوا بما قالوا، فلم يكونوا بهذا (٤) الأمرِ مِن غيرهم أولى، فلم يصح هذا القول. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: أخذَ موسى ﵇ على بني إسرائيل المواثيقَ ليصبرُنَّ على القتل، فأصبحوا غدًا بأفنيةِ البيوت، كلُّ بني أبٍ على حِدَة، وأتاهم هارونُ ﵇ والاثنا عشر ألفًا من الذين لم يَعبدوا العجلَ، وهم سبطان ونصفُ سبطٍ بأيديهم السيوف، فمشوا في العسكر، فقتلوا مَن لقوا، فكان

стр. 774

الرجلُ يجيءُ إلى قومِه وهم جلوسٌ بأفنية بيوتهم (١) ويقول: إنَّ هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين سُيوفهم (٢)، فاتَّقوا اللَّه واصبروا، فلعنَ اللَّهُ رجلًا حلَّ حبوتَهُ أو قامَ مِن مجلسِه، أو مدَّ طَرْفَه إليهم، أو اتَّقاهم بيدٍ أو رجلٍ. فقالوا: آمين، فجعلوا يقتلونهُم إلى المساء. وقال مقاتلٌ: كان موسى صلوات اللَّه عليه يتقدَّم ويقول: هؤلاء إخوانُكم أتوكُم شاهرين السُّيوف، كما مرَّ، وقتلوهم إلى الضَّحوةِ، حتَّى بلغَ القتلى سبعين ألفًا (٣). وقال الكلبيُّ: وقام موسى صلواتُ اللَّه عليه يدعو ربَّه لِما رأى مِن كثرةِ الدِّماء وشدَّةِ الأصوات، حتَّى نزلَت التَّوبة، وقيل لموسى: ارفع السَّيف، فإنِّي قبلتُ التَّوبةَ منهم جميعًا، مَن قُتِلَ منهم ومن لم يُقتَل (٤)، وجَعلتُ القتلَ لهم شهادةً، وغفرتُ لمَن بقيَ منهم، فنودي بذلك، فتركوا. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾: أي: ذلك القتلُ، والتَّوبةُ، أو القتلُ الذي هو توبةٌ: أنْفَعُ لكم عند اللَّه مِن الامتناعِ الذي هو إصرارٌ وفيه عذابُ النَّار. وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: فعلتُم ذلك، فقَبِل توبتكم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: أي: كثيرُ قَبول التَّوبة، وقولُه تعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: رحِمَكم، فقَبِلَ توبتَكُم، ففَتَحَ بابَ التَّوبة وقَبِلَها.

стр. 775

وقيل: ﴿التَّوَّابُ﴾ لمَن لم يُقْتَل، و ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمَن قُتِل. وقيل: ﴿التَّوَّابُ﴾ لمَن عَبدَ العِجل، و ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمَن لم يَعبُد. وقيل: ﴿التَّوَّابُ﴾ يَقبَلُ التَّوبةَ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ يُمهِل ولا يُعاجِلُ (١) بالعقوبة. وقيل: كان الأمرُ بالقَتل مِن الأغلال التي كانت عليهم، وخفَّفَ اللَّهُ تعالى عن (٢) هذه الأمة، فجعلَ النَّدمَ توبةً، وذلك فضلُ اللَّه يؤتيهِ مَن يشاء. وقال الشيخ القفَّال ﵀: جعلَ ذلك كفَّارةً لهم؛ إذ علم أنَّ المصلحةَ في هذا النَّوع، وقد جعلَ الكفَّارات والعقوبات على مراتبَ؛ بعضُها قتلٌ، وبعضُها جلدٌ (٣)، وبعضُها إخراجُ مالٍ، على ما عَلِمَ اللَّهُ تعالى من مصلحةِ عباده. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: لولا إجماعُ أهل التَّفسيرِ والتَّأويلِ على أنَّ قتلَ أنفسِهم كان على الحقيقة، لم يُمكن صرفُ الأمرِ إلى ذلك؛ لأنَّ هذا الأمرَ (٤) كان بعد توبتِهم ورجوعِهم إلى اللَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ١٤٩] الآية، ثم قال: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (٥) [الأعراف: ١٥٠]، وقد شَرَع اللَّهُ تعالى على ألسُنِ الرُّسُلِ
следующие страницы →